النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة يوسف: الآية ٦٧ والمورّى عنها. قال الأصمعيُّ: وسمعته يقول: إذا رأيتُ الشيءِ يُعجبني وجدتُ حرارةً تخرج من عيني(١). الثالثة: واجبٌ على كلِّ مسلم أعجبه شيءٌ أن يُبَرِّكَ؛ فإنه إذا دعا بالبركة صُرِفَ المحذورُ لا محالةَ، أَلَا ترى قوله عليه الصلاة والسلام لعامر: ((أَلَا برَّكْتَ؟!)). فدلَّ على أنَّ العين لا تَضُرُّ ولا تعدو إذا بَرَّك العائن، وأنَّها إنما تعدو إذا لم يُبَرِّك. والتبريكُ أن يقول: تبارك الله أحسنُ الخالقين! اللهمَّ بارِكْ فيه(٢). الرابعة: العائنُ إذا أصاب بعينه ولم يُبِرِّك فإنه يؤمر بالاغتسال، ويُجبر على ذلك إِنْ أباه؛ لأنَّ الأمر على الوجوب، لا سيما هذا؛ فإنه قد يُخاف على المَعِين الهلاك، ولا ينبغي لأحدٍ أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يَضُرُّه هو، ولا سيما إذا كان بسببه، وكان الجاني عليه(٣). الخامسة: مَن عُرِف بالإصابة بالعين مُنع من مداخلة الناس دفعاً لضرره، وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رَزَقَه ما يقوم به، ويَكُفّ أذاه عن الناس(٤). وقد قيل: إنه يُنْفَى. وحديثُ مالكِ الذي ذكرناه يَردُّ هذه الأقوال، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر في عامر بحبسٍ ولا بنَفْي، بل قد يكون الرجل الصالح عائناً، وأنه لا يُقدح فيه ولا يُفسَّقُ به(٥)، ومَن قال: يُحبس ويُؤمر بلزوم بيته. فذلك احتیاطٌ ودفعُ ضررٍ، والله أعلم. السادسة: روى مالك عن حُمَيْد بن قيس المكِّيِّ أنه قال: دُخِل على رسول الله ﴾ بابنَيْ جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضِيَتِهما: ((ما لي أراهما ضَارِعَيْنٍ؟)) فقالت حاضنتُهما: يا رسول الله! إنه تُشْرِعُ إليهما العين، ولم يمنعنا أن نَسْتَرْقِيَ لهما إلّا أنَّا (١) التمهيد ٧٠/١٣، والشخب: صوت اللبن عند الحلب. معجم متن اللغة (شخب). (٢) التمهيد ٦/ ٢٤٠ - ٢٤١. (٣) التمهيد ٢٤١/٦ . (٤) المفهم ٥٦٨/٥ . (٥) ينظر التمهيد ٦٩/١٣. ٤٠٢ سورة يوسف: الآيات ٦٧ - ٧٠ لا ندري ما يُوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله﴾: ((اسْتَرْقُوا لهما، فإنه لو سَبَق شيءٌ القدَرَ سَبَقَتْه العين)»(١). وهذا الحديثُ منقطعٌ، ولكنَّه محفوظٌ لأسماءَ بنتٍ عُمَيس الخَثْعميةِ عن النبيِّ # من وجوهٍ ثابتةٍ مثَّصلةٍ صِحاح(٢)، وفيه أنَّ الرُّقَى مما يُستَدفع به البلاء، وأنَّ العين تؤثّر في الإنسان وتَضْرَعه - أي: تُضْعِفُه وتُنْحِله - وذلك بقضاء الله تعالى وقَدَرِه(٣). ويقال: إنَّ العين أسرعُ إلى الصِّغار منها إلى الكبار، والله أعلم. السابعة: أَمَر # في حديث أبي أمامة العائنَ بالاغتسال للمَعِين، وأَمَر هنا بالاسْتِرْقاء؛ قال علماؤنا: إنما يُسترقى من العين إذا لم يُعرف العائِنُ، وأمَّا إذا عُرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء، على حديث أبي أمامة (٤)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِن شَىٌَّ﴾ أي: من شيءٍ أَخْذَرُه عليكم(٥)، أي: لا ينفع الحذر مع القَدَر. ﴿إِنِ الْحُّكِّمُ﴾ أي: الأمرُ والقضاء ﴿إِلَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ﴾ أي: اعتمدتُ ووَثِقْت ﴿وَعَلَيَّهِ فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم ◌ِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَدُهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَةٌ قَالَ إِنْ أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَ تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْغِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ (٢٥)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: من أبوابٍ شتَّى ﴿مَّا (١) الموطأ ٩٣٩/٢ - ٩٤٠ . قوله: ((ضارعین)، أي: ضعیفین ضئیلین ناحِلَيْن. وحاضنتهما قد تكون أمهما أسماء بنت عميس، وجائز أن تكون حاضنتهما غيرها. ينظر التمهيد ٢٦٦/٢ - ٢٦٧، والاستذكار ١٥/٢٧. (٢) التمهيد ٢٦٦/٢، وأخرجه من حديث أسماء بنت عميس أحمد (٢٧٤٧٠)، والترمذي (٢٠٥٩)، وابن ماجه (٣٥١٠). وأخرجه أحمد (١٤٥٧٣)، ومسلم (٢١٩٨) من حديث جابر﴾. (٣) التمهيد ٢٦٩/٢ . (٤) المصدر السابق. (٥) النكت والعيون ٥٩/٣، وقال الماوردي: فأشار عليهم في الأول، وفوَّض إلى الله في الآخِر. ٤٠٣ سورة يوسف: الآيات ٦٨ - ٧٠ كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ الَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ إن أراد إيقاعَ مكروهٍ بهم ﴿إِلَّ حَاجَةٌ﴾ استثناء ليس من الأول(١) ﴿فِ نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنهَا﴾ أي: خاطِرِ خَطَرَ بقلبه، وهو وصيّته أن يتفرَّقوا، قال مجاهد: خشيةً العين(٢)، وقد تقدَّم القول فيه. وقيل: لئلا يرى الملكُ عددهم وقوَّتهم، فيبطشَ بهم حسداً أو حذراً؛ قاله بعضُ المتأخّرين(٣)، واختاره النحاس(٤)، وقال: ولا معنى للعين هاهنا. ودلَّت هذه الآيةُ على أنَّ المسلم يجب عليه أن يُحذِّر أخاه ممَّا يخاف عليه، ويُرشدَه إلى ما فيه طريقُ السلامة والنجاة، فإنَّ الدِّينَ النصيحة، والمسلم أخو المسلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني يعقوب ﴿لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ أي: بأمر دينه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يعلم يعقوبُ عليه السلام من أمر دينه. وقيل: (لَذُو عِلْمٍ)) أي: عمل(٥)، فإنَّ العلم أوَّلُ أسباب العمل، فسُمِّي بما هو بسببه. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قال قتادةُ: ضمَّه إليه، وأنزله معه (٦). وقيل: أمر أن ينزل كلُّ اثنين في منزل، فبقي أخوه منفرداً، فضمَّه إليه وقال: أشفقتُ عليه من الوَحدة، وقال له سِرًّا من إخوته: ﴿إِنّ أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَيِسْ﴾ أي: لا تحزن ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٧). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السَّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾ لمَّا عرف بنيامين أنه يوسفُ قال له: لا تَردَّني إليهم. فقال: قد علمتَ اغتمامَ يعقوبَ بي، فيزداد غمُّه! (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/٢. (٢) أخرجه الطبري ٢٣٩/١٣، وهو تفسير مجاهد ٣١٨/١. (٣) النكت والعيون ٥٩/٣ . (٤) في إعراب القرآن ٣٣٦/٢ . (٥) أخرج هذا القول الطبري ١٣/ ٢٤٠ - ٢٤١ عن قتادة وسفيان. (٦) النكت والعيون ٦٠/٣، وأخرجه الطبري ٢٤٢/١٣ . (٧) أخرجه الطبري ٢٤١/١٣ - ٢٤٢ عن السدي وابن إسحاق مطولاً. ٤٠٤ سورة يوسف: الآيات ٦٨ - ٧٠ فأبى بنيامين الخروجَ، فقال يوسف: لا يمكن حبسُك إلَّا بعد أن أَنْسِبكَ إلى ما لا يَجْمُل بك. فقال: لا أبالي!(١) فدسَّ الصاع في رَحْلِه؛ إمَّا بنفسه من حيث لم يطَّلع عليه أحد، أو أَمَر بعضَ خواصِّه بذلك. والتَّجهيزُ: التسريح(٢) وتنجيزُ الأمر، ومنه: جَهَز على الجريح، أي: قتله(٣) ونجز أمره. والسِّقايةُ والصُّوَاعُ شيءٌ واحد: إناءٌ له رأسان في وسطه مَقْبِض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويُكال الطعامُ بالرأس الآخَر؛ قاله النقاش عن ابن عباس(٤)، وكلُّ شيءٍ يُشرب به فهو صُواع(٥)، وأنشد: نَشربُ الخمرَ بالصُّواعِ جِهَارَا(٦) واختلف في جنسه؛ فروى شعبةُ، عن أبي بِشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: صُواع (٧) الملك: شيءٌ من فضة يشبه الْمَكُوك، من [ذهبٍ و] فضة مرصعٌ بالجوهر، يُجعل على الرأس، وكان للعباس واحدٌ في الجاهلية(٨). وسأله نافع بن الأزرق: ما الصُّواعُ؟ قال: الإناء؛ قال فيه الأعشى: له دَرْمَكٌ في رأسه ومَشارِبٌ وقِدْرٌ وطَبَّاخٌ وصاعٌ ودَيْسَقُ(٩) (١) تفسير البغوي ٤٣٨/٢، وعرائس المجالس ص١٣٤ عن كعب. (٢) في (ظ): التسرع. (٣) وأجهز كذلك. مجمل اللغة ٢٠١/١ ، واللسان (جهز). (٤) ينظر تفسير الطبري ٢٤٥/١٣ - ٢٤٦، والمحرر الوجيز ٢٦٣/٣ - ٢٦٤ . (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦١/٣ عن ابن عباس. ووقع في (ظ): وكل إناء يشرب به ... (٦) سلف ٢١١/٩ برواية: نشرب الإثم. (٧) قبلها في (د) و(م): كان. (٨) معاني القرآن للنحاس ٤٤٤/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٤٩/١٣ -٢٥١. (٩) أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء ٨٦/١ مطولاً، وهو في ديوان الأعشى ص ٢٦٧ مجموع بيتين في وصف حصن بناه - على قول الشاعر - سليمان عليه السلام، قال شارح الديوان: المعنى: في أعلاه غرف الشراب فرشت بالطنافس، وخدم وطباخ وأقداح وخوان. اهـ والديسق: خوان من فضة. اللسان (دسق). ٤٠٥ سورة يوسف: الآيات ٦٨ - ٧٠ وقال عكرمة: كان من فضة. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان من ذهب، وبه كالَ طعامهم مبالغةً في إكرامهم(١). وقيل: إنما كان يُكال به لعزَّةِ الطعام(٢). والصاع يُذكَّر ويؤنَّث، فَمَن أَنَّثه قال: أَضْوُع، مثل أَدْوُر، ومَن ذكَّره قال: أَضْوَاعِ، مثل أثواب(٣). وقال مجاهد وأبو صالح: الصاعُ: الطِّرْجِهَالة بلغة حِمْيَر (٤). وفيه قراءات: (صُوَاعِ)) قراءةُ العامَّة، و((صُوْغ)) بالغين المعجمة، وهي قراءةُ يحيى ابن يَعمر(٥)؛ قال: وكان إناءً صِيْغَ(٦) من ذهب. ((وصَوْع)) بالعين غير المعجمة قراءةُ أبي رجاء(٧). (وصُوْع)) بصادٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنة وعينٍ غيرِ معجمةٍ قراءةُ أُبيّ(٨). (وصيّاع)) بياء بين الصَّاد والألف، قراءةُ سعيد بن جُبير(٩). ((وصاع) بألف بين الصَّاد والعين، وهي قراءة أبي هريرة(١٠). (١) النكت والعيون ٦١/٣، وخبرا عكرمة وابن زيد أخرجهما الطبري ٢٤٦/١٣، ٢٥٠. (٢) المحرر الوجيز ٢٦٤/٣ . (٣) في (د): أبواب، وكذا في تهذيب اللغة ٨٢/٣ ، والكلام منه. (٤) أخرجه عن مجاهد ابن الأنباري في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان كما في الإتقان للسيوطي ٤١٨/١. قال الجوهري في الصحاح (طرجهل): الطرجهالة: كالفنجانة، معروفة. (٥) القراءات الشاذة ص٦٤، والمحتسب ٣٤٦/١، إلا أن ابن جني قيدها بفتح الصاد، ولم يقيدها ابن خالويه، وذكرها الطبري ٢٤٩/١٣ وقال: كأنه وجَّهه إلى أنه مصدر من قولهم: صاغ يصوغ صَوْغاً. وقال أبو حيان في البحر ٣٣٠/٥: وقرأ الحسن وابن جبير: ((صُواغ)) بالغين المعجمة على وزن: غُراب، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه يحذف الألف ويسكِّن الواو. وينظر الدر المصون ٦/ ٥٢٧ . (٦) في (د) و(م): أصيغ. (٧) وهي بفتح الصاد كما قيدها ابن جني في المحتسب ٣٤٦/١، وهي في القراءات الشاذة ص٦٤. (٨) ذكرها ابن جني في المحتسب ٣٤٦/١، وأبو حيان في البحر ٥/ ٣٣٠ عن عبد الله بن عون بن أبي أرطبان. (٩) أخرجها عنه ابن الأنباري كما في الدر المنثور ٤/ ٢٧ . (١٠) القراءات الشاذة ص٦٤، والمحتسب ٣٤٦/١. ٤٠٦ سورة يوسف: الآيات ٦٨ - ٧٠ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَتَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾ أي: نادى منادٍ وأَغْلَمَ، و((أَذَّنَ)) للتكثير، فكأنه نادى مراراً: ((أَيَّتُهَا العِيرُ)). والعِير: ما امْتِيرَ عليه من الحمِير والإبل والبغال(١). قال مجاهد: كان عِيرُهم حَمِيراً(٢). قال أبو عبيدة: العِيرُ: الإبلُ المَرْحولَةُ المركوبة(٣). والمعنى: يا أصحابَ العير، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) [يوسف: ٨٢]، و: يا خيلَ الله اركبي، أي: يا أصحابَ خيلِ الله، وسيأتي. وهنا اعتراضان: الأوّل: إن قيل: كيف رضيَ بنيامينُ بالقعود طَوْعاً، وفيه عقوقُ الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ وكيف نَسَب يوسفُ السرقةَ إلى إخوته وهم بَرَاء، وهو الثاني. فالجواب عن الأوّل: أنَّ الحزن كان قد غَلَبَ على يعقوبَ بحيث لا يؤثِّر فيه فَقْدُ بنيامين كلَّ التأثير، أَوَلا تَراه لمَّا فَقَدَه قال: ((يا أسَفا على يُوسُف))، ولم يعرِّج على بنيامين؟ ولعل يوسفَ إنَّما وافقه على القعود بوَحْي، فلا اعتراض. وأمَّا نسبةُ يوسفَ السرقةَ إلى إخوته؛ فالجواب: أنَّ القوم كانوا قد سَرَقوه من أبيه فأَلْقَوْه في الجُبِّ، ثم باعوه، فاستحقُّوا هذا الاسمَ بذلك الفِعْل، فصَدَقَ إطلاقُ ذلك عليهم. جوابٌ آخَرُ: وهو أنه أراد: أيتها العيرُ حالُكم حالُ السُّرَّاق، والمعنى: إنَّ شيئاً لغيركم صار عندكم من غير رضا الملكِ ولا عِلْمِه. جوابٌ آخر: وهو أنَّ ذلك كان حيلةً لاجتماعٍ شَمْلِه بأخيه، وفَصْلِه عنهم إليه (٥)، وهذا بناء على أنَّ بنيامين لم يعلم بدَسِّ الصاع في رَحْله، ولا أخبره بنفسه. (١) تهذيب اللغة ١٦٧/٣ . (٢) أخرجه الطبري ٢٤٨/١٣ . (٣) زاد المسير ٤/ ٢٥٧ . (٤) معاني القرآن للزجاج ١٢٠/٣. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٢/٣ - ١٠٨٣. : ٤٠٧ سورة يوسف: الآيات ٦٨ - ٧٢ وقد قيل: إنَّ معنى الكلام الاستفهامُ، أي: أوَإِنَّكم لسارقون(١)؟ كقوله: ﴿وَتِلْكَ [الشعراء: ٢٢] أي: أَوَتلك نعمةٌ تمنُّها عَليَّ؟ والغرض ألَّا يُعزَى إلى يوسفَ ﴾ الكذبُ. قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ اَلْمَلِكِ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمِ مَّاذَا تَفْقِدُونَ وَلِمَن جَمَ بِهِه ◌ِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيدٌ فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَّمَ بِهِه ◌ِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ. زَعِيدٌ﴾ البعير هنا الجملُ في قول أكثر المفسرين(٢). وقيل: إنه الحمار، وهي لغةٌ لبعض العرب؛ قاله مجاهدٌ واختاره(٣). وقال مجاهد: الزعيم هو المؤذِّنُ الذي قال: ((أَيَّتُهَا الْعِيرُ)) (٤). والزعيمُ والكفيل والحَمِيل والضَّمين والقَبِيل سواءٌ، والزعيم: الرئيس. قال امرؤ القيس(٥): وإِنِّي زَعيمٌ إِنْ رَجعتُ مُمَلَّكاً بِسَيْرٍ تَرَى مِنهُ الفُرَانِقَ أَزْوَرَا(٦) وقالت ليلى الأَخْيَليةُ تَرثي أخاها(٧) : (١) ينظر مجمع البيان ٩٥/١٣ . (٢) النكت والعيون ٣/ ٦٢ . (٣) أخرجه الطبري ٢٥٢/١٣ - ٢٥٣، وهو في تفسير مجاهد ٣١٨/١. (٤) أخرجه الطبري ٢٥٣/١٣، وهو في تفسير مجاهد ٣١٨/١. (٥) قوله: امرؤ القيس، من (ظ). (٦) ديوان امرئ القيس ص٦٦ . والفُرائق: الأسد، أو سَبُع يصيح بين يديه وهو شبيه بابن آوى وهو معرَّبُ (بروانك)). معجم متن اللغة (فرنق). وأزور: مائل، أو الذي يُقْبل على شِقٌّ إذا اشتد السير. القاموس (زور). (٧) كذا ذكر المصنف، والذي ذكره أبو إسحاق الوطواط في غرر الخصائص الواضحة ص ٢٣ أنها قالت هذه الأبيات في توبة الحميري. وهو الصواب، وقصة توبة بن الحميِّر مع ليلى الأخيلية مشهورة. ينظر الأغاني ٢٠٣/١١ - ٢٥٠ . ٤٠٨ سورة يوسف: الآيتان ٧١ - ٧٢ وسطَ البيوت من الحياءِ سَقِيمًا(١) ومُخَرَّقٍ عنهُ القميصُ تَخَالُهُ يومَ الهِيَاجِ على الخَمِيسِ زَعِيمًا (٢) حَتَّى إذا رُفعَ اللُّوَاءُ رأيتَهُ الثانية: إن قيل: كيف ضَمِنَ حِمْلَ البعيرِ وهو مجهول، وضمانُ المجهولِ لا يصحّ؟ قيل له: حِمْلُ البعير كان معيَّناً معلوماً عندهم كالوَسْق، فصحَّ ضمانه(٣). غير أنَّه كان بَدَلَ مالٍ للسارق، ولا يَحلُّ للسَّارِق ذلك، فلعله كان يصحُّ في شَرْعهم. أو كان هذا جِعالةً وبَذْلَ مالٍ لمن(٤) يفتِّش ويطلب. الثالثة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما: جوازُ الجُعْل، وقد أُجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره(٥). فإذا قال الرجل: مَنْ فَعَل كذا فله كذا، صحّ. وشأنُ الجُعْلِ أن يكون أحدُ الطرفين معلوماً، والآخَرُ مجهولاً للضرورة إليه، بخلاف الإجارة؛ فإنه يتقدَّر فيها العِوَضُ والمُعَوَّضُ من الجهتين(٦). وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فَسْخُه، إلّا أنَّ المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده إذا رضِيَ بإسقاط حقِّه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شَرَع المجعولُ له في العمل(٧). ولا يُشترط في عقد الجُعْلِ حضورُ المتعاقدين كسائر العقود؛ لقوله: ((وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ)). وبهذا كلِّه قال الشافعي(٨). (١) في النسخ: يوم اللقاء، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٢) الشعر والشعراء ٧٠٤/٢، وأمالي القالي ٢٤٨/١، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٦٠٩/٤، وذكر القالي عن الأصمعي أنه كان يرويها لحميد بن ثور، وهما في ديوان حميد ص١٣١ . ووقع في هذه المصادر: تحت اللواء، بدل: يوم الهياج. والخميس يعني الجيش. تهذيب اللغة ٧/ ١٩٣ . (٣) النكت والعيون ٦٢/٣. (٤) بعدها في (م): كان. (٥) ينظر النكت والعيون ٦٣/٣. (٦) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٤/٣ - ١٠٨٥ . (٧) ينظر المنتقى ١١١/٥ . (٨) المهذب ٤١٨/١ - ٤١٩، إلا أن الشيرازي ذكر أنه يجوز فسخُ الجاعلِ العقدَ بعد الشروع في العمل، ويلزمه أجرة المثل لما عُمِل. ٤٠٩ سورة يوسف: الآيتان ٧١ - ٧٢ الرابعة: متى قال الإنسان: مَن جاء بعبدي الآبقِ فله دينارٌ، لزمه ما جَعَلَه فيه إذا جاء به، فلو جاء به من غير ضمانٍ، لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة، وذلك أنَّ النبيَّ # قال: (مَن جاء بآبِقٍ فله أربعونَ درهماً))(١) ولم يَفْصِل بين مَن جاء به مِن عقدٍ ضمانٍ أو غيرِ عقد. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا قال أصحابنا: إنَّ مَن فَعَلَ بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه لزمه ذلك، وكان له أجرُ مثلِه إنْ كان ممن يفعل ذلك بالأجر(٢). قلت: وخالَفَنا في هذا كلِّه الشافعيُّ(٣). الخامسة: الدليل الثاني: جوازُ الكفالة على الرجل؛ لأنَّ المؤذِّن الضامنَ هو غيرُ يوسفَ عليه السلام، قال علماؤنا: إذا قال الرجل: تحمَّلتُ، أو تكفَّلتُ، أو ضمنتُ، أو أنا حَمیلٌ لك، أو زعیم، أو گفیل، أو ضامن، أو قبیل، أو هو لك عندي، أو عليَّ، أو إليَّ، أو قِبَلي، فذلك كلُّه حَمَالٌ لازمة(٤). وقد اختلف الفقهاء فيمَن تكفَّل بالنفس أو بالوجه؛ هل يلزمه ضمان المال أم لا؟ فقال الكوفيون: مَن تكفَّل بنَفْسٍ رجلٍ لم يلزمه الحقُّ الذي على المطلوب إن مات، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ في المشهور عنه. وقال مالك والليث والأوزاعيُّ: إذا تكفَّل بنفسه وعليه مالٌ، فإنَّه إنْ لم يأتِ به غَرِمَ المال، ويَرْجِعُ به على المطلوب، فإن اشتَرط ضمانَ نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المالَ، فلا شيءَ عليه من المال. والحجةُ لمن أوجب غُرْمَ المال: أنَّ الكفيل قد علم أنَّ المضمونَ وَجْهُه لا يُطلب (١) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه محمد بن الحسن في الحجة ٧٣٤/٢ - ٧٤١، والبيهقي ٦/ ٢٠٠ عن ابن مسعود ﴾ موقوفاً. وأخرجه ابن أبي شيبة كما في نصب الراية ٣/ ٤٧٠ عن عمر ﴾ موقوفاً أيضاً. وينظر المحلى ٢٠٨/٨. (٢) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٥/٣ . (٣) ينظر المهذب ٤١٩/١، والتنبيه ص١٢٦ . (٤) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ٦٥٧ . ٤١٠ سورة يوسف: الآيتان ٧١ - ٧٢ بدم، وإنما يُطلب بمال، فإذا ضمنه له ولم يأته به فكأنه فوَّته عليه، وعزَّه(١) منه؛ فلذلك لزمه المال. واحتجَّ الطّحَاويُّ للكوفيين فقال: أمَّا ضمانُ المال بموت المكفول به فلا معنى له؛ لأنه إنما تكفَّلَ بالنفس ولم يتكفَّل بالمال، فمحالٌ أن يلزمه ما لم يتكفَّل به(٢). السادسة: واختلف العلماء إذا تكفَّلَ رجلٌ عن رجلٍ بمال؛ هل للطالب أن يأخذ مَن شاء منهما؟ فقال الثوريُّ والكوفيُّون والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: يأخذ مَن شاء منهما(٣) حتى يستوفيَ حقَّه، وهذا كان قولَ مالكِ، ثم رجع عنه فقال: لا يؤخذ الكفيلُ إلَّ أن يُفلِسَ الغريمُ أو يغيب؛ لأنَّ التَّبْدِيَةَ بالذي عليه الحقُّ أولى، إلَّا أنْ يكون مُعْدَماً؛ فإنه يؤخذ من الحميل؛ لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة. وهذا قولٌ حسن. والقياسُ: أنَّ للرجل مطالبةَ أيِّ الرجلين شاء. وقال ابن أبي ليلى: إذا ضمن الرجلُ عن صاحبه مالاً تحوَّلَ على الكفيل، وبرِئَ صاحبُ الأصل، إلَّا أن يشترط المكفولُ له عليهما أن يأخذ أيَّهما شاء. واحتجَّ ببراءة الميت من الدَّين بضمان أبي قتادة، وبنحوه قال أبو ثور(٤). السابعة: الزعامةُ لا تكون إلَّا في الحقوق التي تجوز النيابةُ فيها، مما يتعلَّق بالذمَّة من الأموال، وكان ثابتاً مستقرًّا، فلا تصحُّ الحَمالةُ بالكتابة؛ لأنَّها لیست بدینِ ثابتٍ مستقرًّ؛ لأنَّ العبد إن عجز؛ رَقَّ وانفسخت الكتابة، وأمَّا كلُّ حقّ لا يقوم به أحدٌ (١) في (د) و(ظ): وغره. (٢) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٥٣/٤ - ٢٥٥، واختلاف الفقهاء للطبري ص٢٠٨ - ٢١١ . (٣) قوله: منهما، من (ظ). (٤) ينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٥٥/٤ - ٢٥٨، والإشراف لابن المنذر ١١٨/١ - ١١٩، والاستذكار ٢٧٥/٢٢ - ٢٧٦. والحديث أخرجه أحمد (١٦٥١٠)، والبخاري (٢٢٩٥) عن سلمة بن الأكوع﴾ أن النبي # أتي بجنازة ليصلي عليها ... فقال: ((هل عليه من دين؟)) قالوا: نعم، قال: ((صلُّوا علی صاحبکم، قال أبو قتادة: عليَّ دینُه یا رسول الله. فصلى عليه. وأخرجه أحمد (١٤١٥٩) من حديث جابر ، و(٢٢٥٤٣) من حديث أبي قتادة ﴾. ٤١١ سورة يوسف: الآيات ٧١ - ٧٥ عن أحد كالحدود؛ فلا كفالةَ فيه(١)، ويُسجَن المُدَّعى عليه الحدُّ حتى يُنظَر في أمره. وشذَّ أبو يوسف ومحمدٌ فأجازا الكفالةَ في الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المُدَّعِي القِصاصَ: بيِّنتي حاضرةٌ، كَفِلَه ثلاثةَ أيام(٢)، واحتجَّ لهم الطَّحَاويُّ بما رواه حمزةُ بن عمرو عن عمر(٣). وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضَر الصحابة (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِتُفْسِدَ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا كُنَّاً سَرِقِينَ ( قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِ قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ: إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ (٣) رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الفََّلِمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ثَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِ اَلْأَرْضِ﴾ يُروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحدٍ ظلماً، ولا يَرْعَونَ زَرْعَ أحد، وأنهم جعلوا(٥) على أفواه إبلهم الأمَّة(٦)؛ لئلا تعیٹ في زروع الناس. ثم قال(٧): ﴿وَمَا كُا سَرِقِينَ﴾ یُروی أنهم ردُّوا البضاعة التي كانت في رِحالهم؛ أي: فَمَن رَدَّ ما وَجَد؛ فكيف يكون سارقاً؟!(٨). (١) ينظر الإشراف ١٢٤/١ - ١٢٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٤/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٦٥٥/٢. (٢) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٣٢٧/٣، وينظر مختصر اختلاف الفقهاء للطبري ص٢١٤ . (٣) الخبر في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٢٥٤، وشرح معاني الآثار ٣/ ١٤٧ مطول، وأخرجه مختصراً البخاري (٢٢٩٠) عن حمزة بن عمرو الأسلمي: أن عمر ﴾ بعثه مصدّقاً، فوقع رجل على جاريةٍ امرأته، فأخذ حمزةٌ من الرجل كفيلاً حتى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده مئة جلدة، فصدَّقهم وعذره بالجهالة. (٤) ذكره البخاري إثر خبر حمزة بن عمرو معلقاً مختصراً، ووصله البيهقي مطولاً ١٦٩/١٠، وذكره الطحاوي مطولاً كذلك، كما في مختصر اختلاف العلماء ٢٥٤/٤ - ٢٥٥ . (٥) في (د) و(ز) و(م): جمعوا. (٦) جمع كمامة، وهي ما يُكُّ به فم البعير. الصحاح (كمم). (٧) في (ظ): قالوا. (٨) ذكر هذا الخبر الثعلبي في عرائس المجالس ص١٣٤، والبغوي ٤٣٩/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٥/٣، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٢٦٠ لأبي صالح عن ابن عباس. ٤١٢ سورة يوسف: الآيات ٧٣ - ٧٦ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَُّهُ: إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ﴾ المعنى: فما جزاءُ الفاعلِ إنْ بانَ كذبُكم؟ فأجاب إخوة يوسف: ﴿جَزَّوُّهُ مَن ◌ُرِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ﴾ أي: يُسْتعبَدُ ويُسْتَرِقُّ. ((فَجَزَاؤُهُ)) مبتدأ، و((مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ) خبرُه، والتقدير: جزاؤه استعبادُ مَن وُجِد في رَحْله، فهو كنايةٌ عن الاستعباد. وفي الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاءُ مَن سرق القطعُ فهذا جزاؤه(١). ﴿كَذَلِكَ تَجْزِى اٌلِِّينَ﴾ أي: كذلك نفعل في الظالمين إذا سرقوا أن يُستَرِقُوا، وكان هذا من دين يعقوبَ عليه السلام وحُكْمِه. وقولُهم هذا قولُ مَن لم يَسْتَرِبْ بنفسه(٢)؛ لأنهم التزموا استرقاقَ مَن وُجد في رَحْله، وكان حُكُم السارق عند أهل مصر أن يُغرَّمَ ضِعْفَي ما أَخذ؛ قاله الحسن والسُدِّي وغيرُهما(٣). مسألة: قد تقدَّم في سورة المائدة أنَّ القطع في السرقة ناسخٌ لما تقدَّم من الشرائع، أو لِمَا كان في شرع يعقوبَ من استرقاقِ السارق(٤)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اُسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيٍَّ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ رِينِ اَلْمَلِكِ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِمٌ ٧٦ قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَبَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ إنما بدأ يوسفُ برحالهم لنَفْي التهمة والرِّيبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. والوِعاءُ؛ يقال بضمِّ الواو وكسرها، لغتان(٥)، وهو ما يُحفظ فيه المتاع ويصونه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/٢. (٢) في (م): نفسه. (٣) لم نقف عليه عن الحسن والسدي، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٦/١ عن الكلبي، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦٤/٣ عن الضحاك. (٤) ينظر ٤٤٩/٧ وما بعدها. (٥) وضم الواو قراءة الحسن. ينظر المحتسب ٣٤٨/١ . ٤١٣ سورة يوسف: الآية ٧٦ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ يعني بنيامين، أي: استخرج السِّقاية، أو الصُّواعَ؛ عند مَن یؤنّث(١)، وقال: ((ولِمَنْ جاء به))؛ فذگَّر. فلمَّا رأى ذلك إخوتُه نكسوا رؤوسهم، وظنُّوا الظنون كلَّها، وأقبلوا عليه وقالوا : ويلك يا بنيامين، ما رأينا كاليوم قظُ، ولدت أمُّك راحيل أخوين لِصَّين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقتُه، ولا عِلْمَ لی بمَن وضعه في متاعي. ویروی أنهم قالوا له: یا بنيامين، أسرقت؟ قال: لا والله! قالوا: فَمَن جَعَل الصُّواعَ في رَحْلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. ويقال: إنَّ المفتِّش كان إذا فرغ من رَحْلِ رجلٍ استغفر الله عزَّ وجلَّ تائباً مِن فِعْله ذلك. وظاهِرُ كلامٍ قَتَادةَ وغيرِه أنَّ المستغفر كان يوسفَ؛ لأنه كان يفتِّشهم ويعلم أين الصُّواعُ، حتى فرغ منهم وانتهى إلى رَحْل بنيامين فقال: ما أظنُّ هذا الفتى رضيَ بهذا ولا أَخَذ شيئاً، فقال له إخوته: والله لا نبرح(٢) حتى تُفتِّشَهُ، فهو أطيبُ لنفسك ونفوسنا، ففَّش، فأخرج السِّقاية، وهذا التفتيشُ من يوسف يقتضي أنَّ المؤذِّن سَرَّقهم برأيه. فيقال: إنَّ جميع ذلك كان بأمرٍ من الله تعالى، ويقوِّي ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَّ﴾(٣). قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِذنَا لِيُوسُف﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ((كِدْنَا)) معناه: صَنَعْنا؛ عن ابن عباس (٤). القُتَبِيُّ: دَبَّرنا(٥). (١) معاني القرآن للزجاج ١٢٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٩/٢. (٢) في (د): لا تبرح. (٣) المحرر الوجيز ٢٦٦/٣، وخبر قتادة أخرجه عبد الرزاق ٣٢٥/١ - ٣٢٦، والطبري ٢٥٩/١٣-٢٦٠. وينظر عرائس المجالس ص١٣٥ . (٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٦١/٤، وأخرجه الطبري ٢٦٣/١٣ - ٢٦٤، عن الضحاك والسدي وابن جريج. (٥) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٦٤ هذا القول عن ابن عيسى، ولفظ ابن قتيبة في تفسير الغريب ص٢٢٠ : ((كدنا ليوسف)) أي: احتلنا، والكيد: الحيلة. ٤١٤ سورة يوسف: الآية ٧٦ ابن الأنباريٌّ(١): أردنا؛ قال الشاعر: لو عاد مِن عهد الصِّبَا ما قد مَضَى(٢) كادتْ وكِدْتُ وتِلك خيرُ إرادةٍ وفيه جوازُ التوصّلِ إلى الأغراض بالحِيل إذا لم تُخالف شريعةً، ولا هَدَمت أصلاً، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه الحيل، وإن خالفت الأصول، وخَرَمت التحليل(٣). الثانية: أجمع العلماء على أنَّ للرجل قبل حلول الحَوْل التصرُّف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينوِ الفرارَ من الصدقة، وأجمعوا على أنه إذا حال الحَوْل وأظلَّ الساعي أنه لا يَحِلُّ له التحيُّل ولا النقصان، ولا أن يفرِّق بين مجتَمِعٍ، ولا أن يَجْمَع بين متفرِّق. وقال مالك: إذا فوَّت من ماله شيئاً ينوي به الفرارَ من الزكاة قبل الحول بشهرٍ أو نحوه، لزمته الزكاةُ عند الحول، أخذاً منه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((خشيةً الصَّدقة)). وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرُّه؛ لأنَّ الزكاة لا تلزم إلَّا بتمام الحول، ولا يتوجَّه إليه معنى قوله: (خَشْبةَ الصَّدَقة)) إلا حينئذ(٤). قال ابن العربي(٥): سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفِھْريَّ وغیرَه يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بنُ عليٍّ الدَّامَغَاني(٦) صاحب عشرة آلاف (١) في الأضداد ص ٩٧ . (٢) تفسير الطبري ٣٩/١٦، والأضداد لابن الأنباري ص٩٧، وهو فيهما برواية: لو عاد من لهو الصبابة ما مضى. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٨/٣ . (٤) الكلام من بداية المسألة قاله ابن بطال كما في فتح الباري ٣٣١/١٢. وقوله: ((خشية الصدقة)) سيأتي تخريجه عن أنس - * - في حديث كتاب أبي بكر ﴾ الذي كتبه له في فريضة الصدقة. (٥) في أحكام القرآن ١٠٨٨/٣ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٦) الحنفي، مفتي العراق، ولد بدامَغان، وتفقّه بخراسان، وقدم بغداد شابًّا، ودام في القضاء ثلاثين سنة، وفي أولاده أئمة وقضاة، توفي سنة (٤٧٨هـ). السير ٤٨٥/١٨ . ٤١٥ سورة يوسف: الآية ٧٦ دينار من المال(١)، فكان إذا جاء رأسُ الحول دعا بنيه فقال لهم: كَبِرَتْ سِنِّي، وضَعُفت قوَّتي، وهذا مالٌ لا أحتاجه فهو لكم. ثم يُخرجه، فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دُورٍ بنيه، فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمرٍ قالوا: يا أبانا إنما أملُنا حياتُك، وأما المال فأيُّ رغبةٍ لنا فيه ما دمتَ حياً، أنت ومالك لنا، فخذه إليك. ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه، فيردُّه إلى موضعه. يريد بتبديل الملكِ إسقاطَ الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع، والجمع بين المتفرِّق، وهذا خَطْبٌ عظيم، وقد صنَّف البخاريّ ﴾ [عليه] في جامعه كتاباً مقصوداً فقال: كتاب (٢) الچِیَل(٢). قلت: وترجم فيه أبواباً منها: باب الزكاة وألَّا يفرَّق بين مجتَمِعٍ ولا يُجمع بين متفرّق خشيةَ الصدقة. وأَدخل فيه حديثَ أنس بن مالك، وأنَّ أبا بكر كتب له فريضةَ الصدقة(٣) ... ، وحديثَ طلحةَ بنِ عبيد الله أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﴾ ثائرَ الرأس، الحديثَ، وفي آخره: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَق)) أو: ((دَخَل الجنةَ إنْ صَدَقَ)). وقال بعض الناس: في عشرين ومئةٍ بعيرٍ حِقَّتان، فإنْ أهلكها متعمِّداً، أو وَهَبَها، أو احتال فيها فِراراً من الزكاة، فلا شيءَ عليه (٤). ثم أردف بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((يكون كنزُ أحدِكم يومَ القيامة شجاعاً أَقْرَعَ له زپیبتان، ويقولُ: أنا كنزك» الحديث(٥). قال المهلَّب(٦): إنما قَصَدَ البخاريُّ في هذا الباب أنْ يُعرِّفكَ أنَّ كلَّ حِيلةٍ يتحيَّلُ بها أحدٌ في إسقاط الزكاة فإنَّ إِثْمَ ذلك عليه؛ لأن النبيَّ # لمَّا مَنَعَ من جمع الغَنَّم (١) في (م): عشرات. (٢) صحيح البخاري طبعة فتح الباري ٣٢٦/١٢ . (٣) صحيح البخاري (٦٩٥٥)، وأخرجه مطولاً أحمد (٧٢). (٤) صحيح البخاري (٦٩٥٦)، وحديث طلحة أخرجه أيضاً أحمد (١٣٩٠)، ومسلم (١١). (٥) صحيح البخاري (٦٩٥٧)، وسلف ٤٣٨/٥ . (٦) كلامه بنحوه في فتح الباري ١٢/ ٣٣١ ٤١٦ سورة يوسف: الآية ٧٦ وتفريقِها خشيةً الصدقة، فُهِم منه هذا المعنى، وفُهِم من قوله: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَق)) أنَّ مَن رامَ أن ينقُضَ (١) شيئاً من فرائض الله بحيلةٍ يحتالُها أنه لا يفلح، ولا يقوم بذلك عُذْرُه عند الله، وما أجازه الفقهاءُ من تصرُّفِ صاحبِ المال في ماله قُرْبَ حلولٍ الحَوْلِ إنما هو ما لم يُرِدْ بذلك الهربَ من الزكاة، ومَن نوى ذلك فالإثمُ عنه غيرُ ساقط، واللهُ حَسِيبُه، وهو كَمَن فرَّ من(٢) صيام رمضانَ قبل رؤية الهلال بيوم، واستعمل سفراً لا يحتاج إليه رغبةً عن فَرْضِ الله الذي كتبه الله على المؤمنين، فالوعيدُ متَوجّهٌ عليه، أَلَا ترى عقوبةَ مَن مَنَعَ الزكاة يوم القيامة بأيِّ وجهٍ متعمِّداً كيف تَطَوْه الإبل(٣)، ويمثَّلُ له مالُه شجاعاً أقرع؟! وهذا يدلُّ على أنَّ الفرار من الزكاة لا يَحِلُّ، وهو مُطالَبٌ بذلك في الآخرة. الثالثة: قال ابن العربيّ(٤): قال بعض علماء الشافعية: في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَّ﴾(٥) دليلٌ على وجه الحيلة إلى المباح (٦) واستخراج الحقوق. وهذا وهمٌ عظيم. وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل فيه: كما (٧) مكَّنا ليوسفَ مِلك نفسه عن امرأة العزيز مكَّنَّا له مِلْكَ الأرض عن العزيز. أو مِثْلُه مما لا يُشْبِهِ (٨) ما ذَكَرِه. (١) في (د) وفتح الباري: ينقص. (٢) في (د) والفتح: عن. (٣) أخرجه مطولاً أحمد (٧٥٦٣)، ومسلم (٩٨٧)، ومختصراً البخاري (٦٩٥٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) في أحكام القرآن ١٠٨٨/٣ . (٥) في (د) و(ز) وأحكام القرآن: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، وفي (م): وكذلك مكنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣٣/٣، وعنه نقل ابن العربي، وإياه عنى بقوله: قال بعض علماء الشافعية. وينظر أحكام القرآن للجصاص ١٧٦/٣ . وقد سلف كلام الكيا الطبري ص ٣٨٧ من هذا الجزء. (٦) في أحكام القرآن لابن العربي والكيا الطبري: دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح. (٧) في النسخ الخطية: لما، والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي. (٨) في النسخ الخطية: إذ مثله لا يشبه. ٤١٧ سورة يوسف: الآية ٧٦ قال الشَّفْعَوي(١): ومثلُه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِهِ، وَلَا تَحْدَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وهذا ليس حيلةً، إنما هو حَمْلٌ لليمين على الألفاظ أو على المقاصد. قال الشفعويُّ: ومثلُه حديث أبي سعيد الخدريِّ في عاملٍ خيبر، أنه أتى النبيَّ # بتمرٍ جَنِيب، الحديثَ. ومقصودُ الشافعية من هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يبيع جمعاً ويبتاع جَنِيباً من الذي باع منه الجمع أو من غيره (٢). وقالت المالكية: معناه: مِن غيره؛ لئلا يكون جَنِيباً بجمع والدارهمُ رباً، كما قال ابن عباس: جريرةٌ بجريرة والدراهمُ رباً (٣). قوله تعالى: ﴿فِ رِينِ اَلْمَلِكِ﴾ أي: سلطانِه؛ عن ابن عباس(٤). ابن عيسى: عادَتِه(٥)، أي: يظلم بلا حجة. مجاهد: في حكمه (٦)، وهو استرقاق السُّرَّاق. ﴿إِلَّآ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: إلّا بأن يشاء الله أَنْ يجعل السِّقاية في رَحْله تَعِلَّةً وعذراً له. وقال قتادة: بل كان حكم الملك الضربُ والغُرْم ضعفين، ولكن شاء الله أن يُجريَ على ألسنتهم حكمَ بني إسرائيل، على ما تقدَّم(٧). قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ أي: بالعلم والإيمان. وقُرئ: ﴿نَرفَعُ درجاتٍ من نَّشَاءُ﴾ بمعنى: نرفع مَن نشاءُ درجاتٍ، وقد مضى في ((الأنعام))(٨). (١) نسبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله، والكلام في أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣٣/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٨/٣ وعنه نقل المصنف. (٢) قوله: أو من غيره، من (م) وأحكام القرآن لابن العربي، وسلف الكلام وتخريج الحديث ص٣٨٧. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٩/٣، وخبر ابن عباس سلف نحوه ٢/ ٢٩٧ بلفظ: نهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما حريرة. (٤) أخرجه الطبري ٢٦٤/١٣ . (٥) في (م): عاداته، والمثبت من النسخ الخطية موافق لما في النكت والعيون ٦٤/٣، والكلام منه. (٦) أخرجه الطبري ٢٦٤/١٣ - ٢٦٦ عن قتادة والسدي وغيرهما. (٧) ص٤١٢ من هذا الجزء، وخبر قتادة ذكره الواحدي عنه وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الوسيط ٦٢٤/٢ ٠ (٨) ٨/ ٤٤٥، وقرأ بالتنوين عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص٢٦١، والتيسير ص١٠٤. ٤١٨ سورة يوسف: الآيات ٧٦ - ٧٩ وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيٌ﴾ روى إسرائيلُ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةً، عن ابن عباس قال: يكون ذا أعلمَ مِن ذا، وذا أعلم من ذا، والله فوقَ كلِّ عالم(١). وروى سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جُبير قال: كنا عند ابن عباس رحمه الله، فتحدَّث بحديث فتعجَّبَ منه رجل فقال: سبحان الله! وفوقَ كلِّ ذي عِلْم عليمٌ، فقال ابن عباس: بئسَ ما قلت! الله العليم وهو فوقَ كلِّ عالم(٢). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَُّ مِن قَبْلٌ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنْتُرْ شَرِّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ قَالُواْ بَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ: أَبَّ شَيْئًا كَبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَةٌ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّ إِذَا الْمُحْسِنِینَ لَظَلِمُونَ قوله تعالى: ﴿قَالْوَأَ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَُّ مِن قَبْلٌ﴾ المعنى: أي: اقتَدَى بأخيه، ولو اقتَدَى بنا ما سَرَق، وإنَّما قالوا ذلك ليَبْرؤوا(٣) من فعله؛ لأنه ليس من أُمّهم، وأنه إن سرق فقد جَذَبَه عِرْقُ أخيه السَّارق؛ لأنَّ الاشتراكَ في الأنساب يُشاكِلُ في الأخلاق. وقد اختلفوا في السَّرقة التي نَسَبُوا إلى يوسف: فُرُوي عن مجاهد وغيره أنَّ عمةً يوسف بنتَ إسحاق كانت أكبرَ من يعقوب، وكانت صارت إليها مِنْطقةُ إسحاقَ لسنّها؛ لأنَّهم كانوا يتوارثون بالسِّنِّ، وهذا مما نُسِخَ حكمُه بشرعنا، وكان مَن سَرَق استُعِد، وكانت عمةُ يوسف حَضَنته وأحبَّته حبًّا شديداً، فلمَّا ترعرع وشَبَّ قال لها يعقوب: سَلِّمي يوسفَ إليَّ، فلستُ أقدِرُ أن يغيب عنِّي ساعةً، فولِعَتْ به، وأشفقَتْ (١) أخرجه الطبري ٢٦٨/١٣ - ٢٦٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣٠)، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، ووقع عند الطبري: سالم، بدل: سماك. (٢) أخرجه عبد الرزاق ٣٢٦/١، والطبري ٢٦٨/١٣، وفيهما: الحمد لله، بدل: سبحان الله. (٣) في (ظ): ليتبروا. ٤١٩ سورة يوسف: الآيات ٧٧ - ٧٩ من فِراقه، فقالت له: دَعْهُ عندي أياماً أنظُرْ إليه، فلما خرج من عندها يعقوبُ عَمَدَت إلى مِنطقة إسحاق فحزمَتْها على يوسفَ من تحت ثيابِهِ، ثم قالت: لقد فقدت مِنطقةً إسحاق، فانظروا مَن أخذَها ومَن أصابها، فالتُمِسَتْ، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا فوُجِدَت مع يوسف، فقالت: إنَّه والله لي سَلَمٌ أصنعُ فيه ما شئتُ، ثم أتاها يعقوبُ فأخبرته الخبرَ، فقال لها: أنتِ وذلك، إن كان فعلَ ذلك فهو سَلَمُ لكِ، فأمسكَتْه حتى ماتت، فبذلك عيَّره إخوتُه في قولهم: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ (١)، ومن هاهنا تعلَّم يوسفُ وضعَ السِّقاية في رَحْلِ أخيه كما عمِلَتْ به عمتُه(٢). وقال سعيد بنُ جُبير: إنما أمرته [أُمُّه] أن يسرِقَ صنماً كان لجدِّه أبي أُمِّه، فسرقه وكسَرَه وألقاه على الطريق، وكان ذلك منهما تغييراً للمنكر، فرمَوه بالسَّرقة وعيَّروه بها، وقاله قتادة. وفي كتاب الزجَّاج: أنه كان صنم ذهبٍ(٣). وقال عطية العَوْفيُّ: إنه كان مع إخوته على طعامٍ، فنظر إلى عَرْقٍ(٤) فخبَّاه، فعيّروه بذلك. وقيل: إنه كان يسرِقُ من طعام المائدةِ للمساكين؛ حكاه ابنُ عیسى. وقيل: إنهم كَذَبوا عليه فيما نَسَبوه إليه؛ قاله الحسن(٥). قوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: أسرَّ في نفسه قولَهم: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ ؛ قاله ابنُ شجرة وابنُ عيسى. وقيل: إنه أسرَّ في نفسه قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَانًا﴾ ثم جَهَر فقال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا (١) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٧٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨٧/٣. (٣) تفسير الطبري ١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣، ومعاني القرآن للزجاج ١٢٣/٣، والمحرر الوجيز ٢٦٧/٣، وما سلف بین حاصرتین منه. (٤) العَزْق بفتح العين وسكون الراء: العظم إذا أُخذ عنه معظم اللحم. النهاية: (عرق)، وهذا القول في النكت والعيون ٦٥/٣ . (٥) النكت والعيون ٦٥/٣ . ٤٢٠ سورة يوسف: الآيات ٧٧ - ٧٩ تَصِفُونَ﴾(١). قاله ابن عباس(٢)، أي: أنتم شرٌّ مكاناً ممَّن نسبتُموه إلى هذه السرقة. ومعنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: الله أعلمُ أنَّ ما قلتُم كذبٌ، وإن كانت لله رضاً. وقد قيل: إنَّ إخوةَ يوسفَ في ذلك الوقتِ ما كانوا أنبياء. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيُ إِنَّ لَهُوَ أَبَا شَيْئًا كَبِيرًاً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهٌُ﴾ خاطَبوه باسم العزيز؛ إذ كان في تلك اللحظة بِعَزْلِ الأولِ أو موته. وقولهم: ﴿إِنَّ لَهُه أَبَ شَيْنَا كَبِيرًا﴾ أي: كبيرَ القدر، ولم يريدوا كِبَرَ السنِّ؛ لأنَّ ذلك معروفٌ من حال الشَّيخ(٣). ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَةٌ﴾ أي: عبداً بَدَلَه، وقد قيل: إنَّ هذا مجازٌ؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصحُّ أخذُ حرِّ يُستَرقُ بدَلَ مَن قد أَحكمت السُّنةُ عندهم رِقَّه، وإنما هذا كما تقولُ لمن تَكره فعلَه: اقتُلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنتَ لا تريدُ أن يقتُلَكَ، ولكنَّك مبالِغٌ في استنزالِهِ. ويحتَمِلُ أن يكون قولُهم: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَةٌ﴾ حقيقةً، وبعيدٌ عليهم وهم أنبياءُ أن يَرَوا استرقاقَ حُرِّ، فلم يبقَ إلا أن يريدوا بذلك طريقَ الحَمَالة؛ أي: خُذْ أحدنا مكانَه حتى ينصرِفَ إليك صاحبُك، ومقصِدُهم بذلك أن يصل بنيامينُ إلى أبيه، ويعرف يعقوب جليَّة الأمر، فمنع يوسفُ عليه السلام من ذلك؛ إِذِ الحَمَالةُ في الحدود ونحوِها - بمعنى إحضارِ المضمون فقط - جائزةٌ مع التراضي، غيرُ لازمةٍ إذا أَبَى الطالبُ، وأما الحَمالة في مثل هذا على أن يَلزم الحَمِيلَ ما كان يلزمُ المضمونَ من عقوبةٍ، فلا يجوز إجماعاً. وفي ((الواضحة)): إن الحَمالة في الوجهِ فقط في جميعِ الحدود جائزةٌ، إلا في النَّفْس(٤). وجمهورُ الفقهاء على جواز الكَفَالة في النَّفْس. واختُلِف فيها عن الشافعي فمرَّةً ضغَّفها، ومرَّةً أجازها [على المال](٥). (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه الطبري ٢٧٦/١٣ دون قوله: ثم جهر فقال. (٣) النكت والعيون ٦٦/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٢٦٨/٣. (٥) ينظر الاستذكار ٢٧٧/٢٢ . وما بين حاصرتين منه.