النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة يوسف: الآية ٤٣
نعتٌ للسبع، وكذا خُضراً؛ قال الفرَّاء: ومثلُه: ﴿سَبْعَ سَنَوَتٍ ◌ِبَاقًا﴾ [الملك: ٣](١).
وقد مضى في سورة البقرة اشتقاقُها ومعناها(٢).
v'
وقال عليّ بن أبي طالب ﴾: المَعز والبقر إذا دخلت المدينة، فإن كانت سِماناً
فهي ◌ِنيُّ رخاءٍ، وإن كانت عِجافاً كانت شِداداً، وإن كانت المدينة مدينةً بحرٍ وإبَّنَ
سفر، قدمت سفنٌ على عددها وحالها، وإلَّا كانت فِتَناً مُتَرادِفةً، كأنها وجوهُ البقر -
كما في الخبر: ((يُشبه بعضُها بعضاً))(٣). وفي خبر آخرَ في الفتن: ((كأنَّها صَيَاصِيُّ
البقر)). (٤) يريد: لتَشَابُهِها - إلَّا أنْ تكون صُفْراً كلُّها، فإنها أمراضٌ تدخل على
الناس، وإن كانت مختلفةَ الألوان، شنيعةً القرون، وكان الناس ينفرون منها، أو كان
النار والدخان يخرج من أفواهها، فإنَّه عسكر أو غارة، أو عدوٌّ يضرب عليهم وينزل
(٥)
بساحتهم(٥).
وقد تدلُّ البقرة على الزوجة والخادم والغلَّة والسَّنَة؛ لما يكون فيها من الولد
والغلَّة والنبات.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ﴾ من عَجُف يَعجُف؛ على وزن: عَظُم يَعظُم، وروي:
عَجِف يَعجَف؛ على وزن: حَمِد يَحمَد.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُوْيَنِىَ﴾ جَمْعُ الرؤيا: رُؤَّى، أي: أخبروني
بحُكْم هذه الرؤيا . ﴿إِن كُتُمْ لِلُّغْيَا تَعْبُرُونَ﴾ العبارةُ مشتقَّةٌ من عُبور النهر، فمعنى
عَبَرتُ النهر: بلغت شاطئه، فعابِرُ الرؤيا يَعْبُر بما يؤول إليه أمرُها. واللام في ((للرؤيا))
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/٢، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٤٧/٢ .
(٢) ١٧٨/٢ .
(٣) قطعة من حديث حذيفة أخرجه أحمد (٢٣٣٢٨) بلفظ: ((فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً،
تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر)). وقد سلف بنحوه ١٨٨/٢ .
(٤) أخرجه أحمد (١٧٠٠٤) من حديث عبد الله بن حوالة﴾. وصياصي البقر: قرونها. اللسان (صيص).
(٥) ذُكر هذا الكلام في كتاب تفسير الأحلام المنسوب لابن سيرين ص٢١٤ دون نسبة.

٣٦٢
سورة يوسف: الآيتان ٤٣ - ٤٤
للتَّبِين، أي: إن كنتم تَعْبُرون، ثم بَيَّن فقال: للرؤيا؛ قاله الزجَّاج(١).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَضْغَاتُ أَعْلٍَ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَعْلَِ بِعَلِينَ
٤٤
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَعْلَمْ﴾ قال الفرَّاء: ويجوز: أضغاثَ أحلام(٢)؛
قال النحاس: النصبُ بعيد؛ لأنَّ المعنى: لم ترَ شيئاً له تأويلٌ، إنما هي أضغاثُ
أحلام(٣)، أي: أخلاط. وواحد الأضغاث ضِغث، يقال لكلِّ مختلِطٍ من بَقْلٍ أو
حشيشٍ أو غيرهما: ضِغ(٤)؛ قال الشاعر:
كضِغبِ حُلْمٍ غُرَّ منه حالِمُهُ(٥)
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ آلْأَعْلَمِ بِعَلِينَ﴾ قال الزجَّاج: المعنى: بتأويل الأحلام
المختلِطة(٦). نَفَوا عن أنفسهم علمَ ما لا تأويلَ له، لا أنَّهم نفَوْا عن أنفسهم علمَ
التأويل.
وقيل: نفَوا عن أنفسهم علمَ التعبير. والأضغاثُ على هذا: الجماعاتُ من الرؤيا
التي منها صحيحةٌ ومنها باطلة، ولهذا قال الساقي: ((أنا أُنَبِّئُكُم بتأويله))، فعَلِم أنَّ
القوم عجزوا عن التأويل، لا أنهم ادَّعَوا ألَّا تأويل لها.
وقيل: إنهم لم يقصِدوا تفسيراً، وإنما أرادوا مَحْوَها من صدر الملِك حتى لا
تَشْغَلَ باله(٧)، وعلى هذا أيضاً فعندهم علم.
(١) في معاني القرآن ١١٢/٣ . قال الزمخشري في الکشاف ٢/ ٣٢٣: وعبّرت الرؤیا ۔ بالتخفيف - هو
الذي اعتمده الأثبات.
(٢) يعني في اللغة، لا في القراءة، أي: رأيتَ أضغاث أحلام. معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٧، وإعراب
القرآن للنحاس ٣٣١/٣ .
(٣) إعراب القرآن ٢/ ٣٣١ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٣١/٣.
(٥) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٥، والماوردي في النكت والعيون ٤٢/٣ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ١١٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٣١/٣.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٨/٣ .

٣٦٣
سورة يوسف: الآيات ٤٤ - ٤٦
و((الأَخْلَامُ)) جمع حُلْم، والحُلْم بالضمّ: ما يراه النائم؛ تقول منه: حَلَم بالفتح
واحْتَلَم، وتقول: حَلَمتُ بكذا وحَلَمته، قال:
فحلمتُها وبنورُفَيْدَةَ دونَها لا يَبْعَدَنَّ خَيالُها المحلومُ(١)
وأصله: الأناة، ومنه الحِلْم ضدُّ الطَّش؛ فقيل لِمَا يُرى في النوم: حُلْم؛ لأنَّ
النوم حالةٌ أَناةٍ وسكونٍ وَدَعة (٢).
الثانية: في الآية دليلٌ على بُطْلان قولٍ مَن يقول: إن الرؤيا على أوَّل ما تُعْبَر(٣)؛
لأنَّ القوم قالوا: ((أَضْغَاثُ أَخْلَام)) ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فسَّرها على سِنيٍّ
الجَذْب والخِصب، فكان كما عبّر، وفيها دليلٌ على فساد [الرواية] أنَّ الرؤيا على
رِجلٍ طائر، فإذا ◌ُبِرَتْ وقعت (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىِ نَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أَنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَأَزْسِلُونِ
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ
٤٥
وَسَيْعٍ سُتْبُكَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤)﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى ◌ََّا مِنْهُمَا﴾ يعني ساقيَ الملك. ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُنَّةٍ﴾ أي: بعد
(١) الصحاح (حلم)، والبيت للأخطل، وهو في ديوانه ص٨٨ . ورفيدة: أبو حي من العرب يقال لهم:
الرفیدات. اللسان (رفد).
(٢) النكت والعيون ٤٢/٣ .
(٣) أخرج ابن ماجه (٣٩١٥) عن أنس بن مالك﴾ قال: قال رسول الله﴾: (( ... والرؤيا لأول عابر)). قال
الحافظ في الفتح ٤٣٢/١٢ : وهو حديث ضعيف فیه یزید الرقاشي، ولکن له شاهد أخرجه أبو داود
والترمذي وابن ماجه بسند حسن وصححه الحاكم عن أبي رزين العقيلي ... ، وينظر هذا الشاهد في
التعليق الذي سيأتي.
(٤) أحكام القرآن للكيا ٤/ ٢٣٢، ونقله الكيا عن أحكام القرآن للجصاص ١٧٣/٣، وما سلف بين
حاصرتين منهما: وقوله: الرؤيا على رجل طائر ... هو حديث مرفوع أخرجه أحمد (١٦١٨٢) وأبو داود
(٥٠٢٠) والترمذي (٢٢٧٩) وابن ماجه (٣٩١٤) من حديث أبي رزين العقيلي ﴾. قال الترمذي:
حديث حسن صحيح. قال السندي في شرح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٥١: قوله: ((رجل طائر)) بكسر الراء،
كأنها معلقة بطائر، قيل: هذا مَثَل، والمراد أنها لا يستقر قرارها ما لم تعبّر.
٠٠

٣٦٤
سورة يوسف: الآيتان ٤٥ - ٤٦
حين؛ عن ابن عباس وغيره(١)، ومنه ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] وأصلُه: الجملةُ من
الحین.
وقال ابن دَرَستويه(٢): والأُمَّةُ لا تكون الحينَ إلَّ على حذفٍ مضاف، وإقامةٍ
المضاف إليه مقامَه، كأنه قال - والله أعلم -: واذَّكر بعد حينٍ أمَّةٍ، أو بعد زمنٍ أُمَّة،
وما أَشْبَهَ ذلك، والأمَّةُ: الجماعةُ الكثيرة من الناس.
قال الأخفش: هو في اللفظ واحدٌ، وفي المعنى جمعٌ. وكلُّ جنسٍ من الحيوان
أمَّة؛ وفي الحديث: (لولا أنَّ الكلاب أمَّةٌ من الأمم لأَمرتُ بقَتْلِها))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ﴾ أي: تذكَّر حاجةَ يوسف، وهي قوله: ((اذْكُرْني عند رَبِّكَ)).
وقرأ ابن عباس فيما روى عفَّان، عن همَّام، عن قتادة، عن عِكرمة، عنه: ((واذَّكر بعدَ
أَمَهِ»؛ النحاس(٤): والمعروف من قراءة ابنِ عباس وعكرمة والضَّحاك(٥): ((واذَّكَر بعدَ
أَمَهٍ))، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أي: بعد نسيان؛ قال الشاعر:
أَمِهْتُ وكنتُ لا أَنسى حديثاً كذاك الدهرُ يُودِي بالعقولِ (٦)
وعن شُبَيل بن عَزْرة الضُّبَعي(٧): ((بعد أَمْهٍ)) بفتح الألف وإسكان الميم وهاءٍ
(١) أخرجه الطبري ١٨١/١٣ - ١٨٤ .
(٢) هو عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان، أبو محمد الفارسي النحوي، تلميذ المبرد، وكان
ناصراً لنحو البصريين، توفي سنة (٣٤٧هـ). السير ٥٣١/١٥.
(٣) الصحاح (أمم). والحديث أخرجه أحمد (١٦٧٨٨) وأبو داود (٢٨٤٥) والترمذي (١٤٨٦) والنسائي
٧/ ١٨٥ وابن ماجه (٣٢٠٥) من حديث عبد الله بن مغفل المزني ﴾. قال الترمذي: حديث حسن
صحيح.
(٤) في معاني القرآن ٣/ ٤٣٢، وما قبله منه، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٤، وابن
جني في المحتسب ٣٤٤/١ .
(٥) قوله: والضحاك، ليس في معاني القرآن، وأخرج القراءة عنه وعن ابن عباس وعكرمة وغيرهم الطبري
١٨٤/١٣ - ١٨٦.
(٦) الصحاح (أمه).
(٧) اضطرب الاسم في النسخ الخطية، والمثبت من (م) وهو الصواب، قال الحافظ في التقريب: شُبَيْل
- بالتصغير - بن عَزْرة بفتح المهملة بعدها زاي ساكنة ثم راء، أبو عمرو البصري النحوي، وقال في
التهذيب ١٥٢/٢: روى عن أنس وغيره، وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل البصرة وقُرَّائهم. اهـ
والقراءة - التي ستأتي - ذكرها عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٩/٣. وأخرجها الطبري ١٨٦/١٣
عن مجاهد.

٣٦٥
سورة يوسف: الآيتان ٤٥ - ٤٦
خالصة. وهو مثل الأَمَه، وهما لغتان، ومعناهما: النِّسيان. ويقال: أَمِهَ يأمَهُ أَمَهاً: إذا
نَسيَ؛ فعلى هذا: ((واذَّكَرَ بعدَ أَمَهٍ))؛ ذكره النحاس(١). ورجلٌ أَمِهُ (٢): ذاهِبُ العقل.
قال الجوهريُّ: وأمَّا ما في حديث الزُّهريِّ: ((أَمِهَ)) بمعنى: أقرَّ واعترف، فهي
لغةٌ غيرُ مشهورة(٣).
وقرأ الأشهب العُقَيليُّ: ((بَعْدَ إِمَّةٍ))، أي: بعد نعمة، أي: بعد أن أنعم اللهُ عليه
بالنَّجاة (٤).
ثم قيل: نسي الفتى يوسفَ؛ لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مُدة. وقيل: ما
نسي، ولكنه خاف أن يذكِّرَ الملكَ الذنبَ الذي بسببه حُبس هو والخبَّاز، فقوله:
«واگگر) أي: ذَكّر وأخبر.
قال النحاس(٥): أصل اذَّكَر: اذْتكر، والذالُ قريبةُ المَخرج من التاء، ولم يَجُز
إدغامُها فيها؛ لأنَّ الذال مجهورةٌ، والتاء مهموسةٌ، فلو أدغموا ذهب الجهر، فأبدلوا
من موضع التاء حرفاً مجهوراً، وهو الدال، وكان أَوْلى من الطاء؛ لأنَّ الطاء مُطْبَقة،
فصار: اذْدَكَر، فأدغموا الذال في الدال [فصار: اذَّكر. وحكى الخليل وسيبويه أنَّ من
العرب مَن يقول: اذَّكر، فيدغم الدال في الذال] الرخاوة الذَّال(٦) ولِيْنِها.
ثم قال: ﴿أَنَاْ أَنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِهِ﴾ أي: أنا أخبركم. وقرأ الحسن: «أنا آتيكُم
(١) في إعراب القرآن ٣٣١/٢، وقال السمين في الدر المصون ٥٠٨/٦: يقال: أمه يأمّه أَمَهاً وأنهاً بفتح
الميم وسكونها.
(٢) بعدها في (د) و(ف): ووامه، وفي (ز): وأمة، وفي (ظ): وأَّة، والمثبت من (م). وجاء في تهذيب
اللغة ٦/ ٤٧٥ عن الفراء: أيه الرجل فهو مأموه، وهو الذي ليس له عقل.
(٣) الصحاح (أمه). وحديث الزهري هو: من امتُحن في حدٍّ فأمِه ثم تبرَّأ، فليست عليه عقوبة: غريب
الحدیث لأبي عبيد ٤/ ٤٧٧ .
(٤) المحتسب ٣٤٤/١ ، وهي أيضاً في القراءات الشاذة ص٦٤ .
(٥) في إعراب القرآن ٣٣١/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٦) في النسخ: الدال، والمثبت من إعراب القرآن، وهو الصواب لأن الدال من الحروف الشديدة.

٣٦٦
سورة يوسف: الآيات ٤٥ - ٤٧
بتأويلِهِ»، وقال: كيف ينَبِّئهم العِلْج؟! قال النحاس(١): ومعنى: ((أُنَبِّئُكُمْ)) صحيحٌ
حسن، أي: أنا أُخبركم إذا سألتُ.
﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ خاطَبَ الملكَ ولكنْ بلفظ التعظيم، أو خاطب الملك وأهلَ مجلسه.
﴿يُوسُفُ﴾ نداءٌ مفرَد، وكذا ﴿الصِّدِّيقُ﴾ أي: الكثيرُ الصِّدق(٢). ﴿أَفْتِنَا﴾ أي:
فأرسَلوه، فجاء إلى يوسف فقال: أيها الصِّدِّيق، وسأله عن رؤيا الملك. ﴿أَعَلِّ أَرْجِعُ
إِلَى النَّاسِ﴾ أي: إلى الملك وأصحابه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ التعبير، أو ((لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ))
مكانَك من الفضل والعلم فتخرج. ويحتمل أن يريدَ بالناس الملكَ وحده تعظيماً له.
قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَبَا فَا حَصَدُمْ فَذَرُؤُهُ فِ سُنْبُلِهِ، إِلَّا قَلِيلًا
٤٧
مِّمَا تَأْكُلُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ﴾ لمَّا أعلمه بالرؤيا جعل يفسِّرها له، فقال:
السبعُ من البقرات السِّمان والسُّنبلاتِ الخضر سبعُ سنين مُخْصِبات، وأمَّا البقرات
العِجافُ والسُّنبلاتُ اليابساتُ فسبعُ سنين مُجْدِبات، فذلك قوله: ﴿َتَزْرَعُونَ سَبْعَ
سِنِينَ دَأَباً﴾ أي: متواليةً متتابعة، وهو مصدرٌ على غير المصدر(٣)؛ لأنَّ معنى
(تَزْرَعُونَ)): تدأَبون(٤) كعادتكم في الزراعة سبعَ سنين. وقيل: هو حال، أي: دائبين.
وقيل: صفةٌ لسبع سنين، أي: دائبةً.
وحكى أبو حاتم عن يعقوبَ: ((دَأَباً)) بتحريك الهمزة، وكذا روى حفصّ عن
(١) في معاني القرآن ٤٣٣/٣، وما قبله منه، والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/٢.
(٣) في (د) و(ز): الصدر.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٢. وهذا القول ذكره السمين في الدر المصون ٦/ ٥١٠ عن المبرد، وأنه
من باب. قعدت القرفصاء. قال السمين: وفيه نظر؛ لأنه ليس نوعاً خاصاً به، بخلاف القرفصاء مع
القعود. وذكر عن سيبويه: أنه منصوب بفعل مقدَّر، تقديره: تدأبون.

٣٦٧
سورة يوسف: الآية ٤٧
عاصم، وهما لغتان، وفيه قولان: قولُ أبي حاتم: أنه من دَئِب. قال النحاس(١): ولا
يَعرف أهلُ اللغة إلا دَأَبَ. والقول الآخر: أنه حُرِّك لأنَّ فيه حرفاً من حروف الحَلْقِ؛
قاله الفرَّاء، قال(٢): وكذلك كلُّ حرفٍ فُتح أوَّلُه وسكِّن ثانيه، فتثقيلُه جائزٌ إذا كان
ثانيه همزةً، أو هاء، أو عيناً، أو غيناً، أو حاء، أو خاء، وأصلُه العادة؛ قال:
كدأُبكَ مِن أُمِّ الحُوَيرث قَبْلَها
وقد مضى في ((آل عمران)» القولُ فيه(٣).
﴿فَ حَصَدُمْ فَذَرُؤُهُ فِي سُنْبُلِ﴾﴾ قيل: لئلا يتسوَّس، وليكونَ أبقى؛ وهكذا الأمرُ
في ديار مصر. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُونَ﴾ أي: استخرِجوا ما تحتاجون إليه بقَدْرِ الحاجة؛
وهذا القولُ منه أمر، والأولُ خبر. ويَحْتَمِل أن يكون الأولُ أيضاً أمراً وإن كان
الأظهرُ منه الخبر؛ فيكون معنى: ((تَزْرَعُونَ))، أي: ازرعوا (٤).
الثانية: هذه الآيةُ أصلٌ في القول بالمصالح الشرعية؛ التي هي: حِفظُ الأديان،
والنفوس، والعقول، والأنساب، والأموال، فكلُّ ما تَضَمَّن تحصيلَ شيءٍ من هذه
الأمور فهو مصلحة، وكلُّ ما يُفوِّت شيئاً منها فهو مفسدة، ودفعُه مصلحة، ولا خلافَ
أنَّ مقصود الشرائع إرشادُ الناس إلى مصالحهم الدُّنْيويَّة؛ ليحصُلَ لهم التمگُّنُ من
معرفة الله تعالى وعبادته الموصِلتَيْن إلى السعادة الأُخْرَوِيَّة، ومراعاةُ ذلك فضلٌ من
الله عزَّ وجلَّ ورحمةٌ رَحِمَ بها عبادَه، من غير وجوبٍ عليه ولا استحقاق؛ هذا مذهبُ
كافَّةِ المحقّقين من أهل السُّنَّة أجمعين؛ وبسطه في أصول الفقه.
(١) في إعراب القرآن ٣٣٢/٢، وما قبله منه. وينظر تفسير البغوي ٤٢٩/٢، وقراءة حفص في السبعة
ص٣٤٩ ، والتيسير ص١٢٩ .
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٧ .
(٣) ٣٥/٥، وسلف البيت ثَمَّ، وهو لا مرئ القيس، وعجزه: وجارتها أم الرباب بمأسل، وهو في ديوانه
ص٩ برواية: کدینك، بدل: کدأبك.
(٤) الكشاف ٣٢٥/٢، وقال السمين في الدر المصون ٥٠٩/٦ : ولا مدخل لأمره لهم بالزراعة؛ لأنهم
يزرعون على عادتهم، أمَرهم أو لم يأمرهم.

٣٦٨
سورة يوسف: الآية ٤٨
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا فَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَا
٤٨
تُحْصِنُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿سَبْعٌ شِدَاءٌ﴾ يعني السِّنينَ المُجْدِبَات. ﴿يَأْكُنَ﴾ مَجاز،
والمعنى: يأكل أهلُهنّ. ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَكُنَّ﴾ أي: ما ادَّخرتم لأَجْلِهِنّ(١)؛ ونحوُه قولُ
القائل :
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ
وليلُكَ نومٌ والرَّدَى لكَ لازمُ (٢)
والنهارُ لا يَسهو، والليل لا ينام؛ وإنما يُسهى في النهار، ويُنام في الليل.
وحكى زيد بنُ أَسْلَمَ عن أبيه: أنَّ يوسف كان يضع طعام اثنين، فيقرِّبُه إلى رجلٍ
٤٠٠٠
واحدٍ، فيأكل بعضَه، حتى إذا كان يومٌ قَرَّبه له فأكله كلَّه، فقال يوسف: هذا أوَّلُ يومٍ
من السَّبع الشِّداد(٣).
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء. ﴿مِّمَا تُمْصِنُونَ﴾ أي: ممَّا تَحبسون
لتزرعوا(٤)؛ لأن في استبقاء البَذْر تحصينَ الأقوات. وقال أبو عبيدة: تُحْرِزون(٥).
وقال قتادة: ((تُخْصِنُونَ)): تدَّخرون(٦). والمعنى واحد، وهو يدلُّ على جواز احتكارٍ
الطعام إلى وقت الحاجة.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/٢.
(٢) نسبه ابن رشيق في العمدة ١/ ٣٧، والعاملي في الكشكول ٢/ ٣٨٢ لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
وجاء في الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري ص٣٣١، وصفة الصفوة لابن الجوزي ١٢٤/٢-١٢٥ أن
عمر كان يتمثل به. وهو في تفسير الطبري ١٣/ ١٩٠ - ١٩١ دون نسبة.
(٣) النكت والعيون ٤٤/٣ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/٢.
(٥) مجاز القرآن ٣١٣/١، وأخرجه الطبري ١٩٢/١٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) أخرجه الطبري ١٩١/١٣ - ١٩٢.

٣٦٩
سورة يوسف: الآيتان ٤٨ - ٤٩
الثانية: هذه الآية أصلٌ في صحَّة رؤيا الكافر، وأنها تُخرَّج على حَسَب ما رأى،
لا سيَّما إذا تعلَّقتْ بمؤمن، فكيف إذا كانت آيةً لنبيٍّ، ومعجزةً لرسول، وتصديقاً
المصطفَى للتبليغ، وحجَّةً للواسطة بين الله جلَّ جلالُه وبين عبادِه(١)؟
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْنِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ﴾ هذا خبرٌ من يوسف عليه السلام عمَّا لم
يكن في رؤيا الملك، ولكنه مِن علم الغيب الذي آتاه الله؛ قال قَتَادة: زاده الله عِلمَ
سَنَةٍ لم يسألوه عنها(٢)، إظهاراً لفضله، وإعلاماً بمكانه من العلم ومعرفته.
﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ من الإغاثة أو الغوث؛ غَوَّثَ الرجل، قال: واغَوْثاه،
والاسم: الغَوْث والغُوَاثِ والغَوَاث، واستغاثني فلانٌ فأغثته، والاسم: الغِياث؛
صارت الواو ياءً لكسرةِ ما قَبْلَها. والغيث: المطر، وقد غاث الغيثُ الأرضَ، أي:
أصابها؛ وغاث اللهُ البلادَ يَغِيثها غَيْئاً، وغِيئَتِ الأرضُ تُغاث غَيْئاً، فهي أرضٌ مَغِيثة
ومَغْيوثة(٣). فمعنى: ((يُغَاثُ النَّاسُ)): يُمطّرون.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يعصرون الأعناب والدُّهن؛ ذكره البخاريّ(٤).
وروى حجَّاجٌ عن ابن جُرَيج قال: [قال ابن عباس: ] يعصرون العنب خمراً،
والسِّمسِمَ دُهناً، والزيتون زيتاً(٥).
وقيل: أراد حلبَ الألبان لكثرتها(٦)؛ ويدلُّ ذلك على كثرة النبات.
وقيل: ((يَعْصِرُونَ)) أي: يَنجُون، وهو من العُصْرة، وهي المَنْجاة؛ قاله
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٧٧ .
(٢) أخرجه الطبري ١٩٣/١٣، وما بعده من كلام ابن العربي في أحكام القرآن ١٠٧٨/٣.
(٣) الصحاح (غوث) و(غيث).
(٤) قبل الحديث (٦٩٩٢)، ووصله الطبري ١٣/ ١٩٤.
(٥) أخرجه الطبري ١٩٤/١٣ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) أخرجه الطبري ١٩٥/١٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: فيه يحلبون.

٣٧٠
سورة يوسف: الآيات ٤٩ - ٥١
أبو عبيدة(١). والعَصَر بالتحريك: المَلْجأ والمَنْجاة، وكذلك العُضْرة؛ قال أبو
زُبَيد(٢):
صادِياً يَستغِيثُ غَيرَ مُغَاثٍ ولقد كَانَ عُصْرَةَ المَنْجودِ
والمَنْجود: الفَزِع(٣). واعتصرتُ بفلان وتَعصَّرتُ، أي: التجأت إليه. قال أبو
الغوث: ((يَعْصِرُونَ)»: يَسْتَغِلُّونَ؛ وهو من عَصْر العنب. واعتصرت مالَه، أي:
استخرجته من یده(٤).
وقرأ عيسى: ((تُعْصَرُونَ)) بضم التاء وفتح الصاد(٥)، ومعناه: تُمطرون؛ من قول
الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَ تَجَّابًا﴾ [النبأ: ١٤]، وكذلك معنى ((تُعصِرون)) بضمِّ التّاء
وكسر الصاد، فيمَن قرأه كذلك(٦).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْنُونِي بُِّ فَلَمَّا جَآََّهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلَهُ
ج
مَا بَالُ النِّسْوَةِ أَِّى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ بِكَّدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ قَالَ مَا خَطِبْكُنَّ إِذْ
رَوَدُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ أَمْرَأَتُ
الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدُّمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ
٥٦
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْتُونِ بٌِّ﴾ أي: فذهب الرسولُ فأخبر الملك، فقال:
(١) في (د) و(م): قال أبو عبيدة، والمثبت من باقي النسخ، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٣١٣/١،
ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (عصر) وما بعده منه. وقد ردَّه الطبري ١٣/ ٢٠٥
وقال: يكفي من الشهادة على خطئه خلافُه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين.
(٢) حرملة بن منذر الطائي، ويقال: المنذر بن حرملة. كان نصرانياً واختلف في إسلامه. وهو أحد
المعمَّرين، يقال عاش مئة وخمسين سنة. الإصابة ١٥٤/١١ . والبيت في تفسير الطبري ١٣/ ١٩٧،
وأمالي اليزيدي ص٨، والصحاح (عصر)، والاقتضاب ص ٣٩٠ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٣٥/٣.
(٤) الصحاح (عصر)، وأبو الغوث الأعرابي ممن سمع منهم الجوهري، وقد ورد ذكره في الصحاح في غير
موضع.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٣١٦/٥، وذكر عن عيسى أيضاً أنه قرأ: ((يُعصَرون)) بضم الياء وفتح الصاد،
وكذلك ذكرها عنه ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٤، وابن جني في المحتسب ٣٤٤/١ .
(٦) لم نقف على هذه القراءة.

٣٧١
سورة يوسف: الآيتان ٥٠ - ٥١
ائتوني به ﴿فَلَمَّا جَّهُ الرَّسُولُ﴾ أي: يأمره بالخروج، قال: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَكَلْهُ مَا
چ
بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: حال النسوة ﴿الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. فأبى أن يَخرِجَ إلَّا أن تصحَّ
براءتُه عند الملك مما قُذِف به، وأنه حُبس بلا جُرْم(١).
وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ الكريم ابنَ الكريم
ابنِ الكريم ابنِ الكريم يوسفُ بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)). قال: ((ولو لبثتُ في
السّجن ما لَبِث، ثم جاءني الرسولُ، أَجَبْتُ))، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى
رَيَِّكَ فَتْشَلَّهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ﴾؛ قال: ((ورحمةُ الله على لوطٍ، لقد كان
يأوي إلى رُكنِ شديد إذ قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٌّ إِلَى رَّكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فما بَعَثَ اللهُ
من بعده نبيًّ إلَّا في ذِرْوةٍ من قومه))(٢).
وروى البخاريُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((يَرْحمُ اللهُ لوطاً لقد كان
يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثتُ في السّجن ما لَبِثَ يوسفُ لأَجَبْتُ الدَّاعي، ونحن
أحقُّ من إبراهيم إذ قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَّىٌّ وَلَكِن لِيَظْمَيِنَ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠](٣)).
ورُوي عن النبيِّ # أنه قال: ((يرحم الله أخي يوسفَ، لقد كان صابراً حليماً،
ولو لبثتُ في السجن ما لَبِثَه؛ أجبتُ الداعيَّ ولم ألتمس العُذْر))(٤). وروي نحوُ هذا
الحديثِ من طريق عبد الرحمن بنِ القاسم صاحبٍ مالك، في كتاب التفسير من
((صحيح)) البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيرُه(٥). وفي رواية الطَّبريّ(٦):
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/٢، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٠٧٩/٣.
(٢) سنن الترمذي (٣١١٦)، وهو عند أحمد (٨٣٩١). وقد سلفت القطعة الأخيرة منه ص١٨١ من هذا
الجزء. والعبارة الأولى أخرجها أحمد (٨٣٩١) من حديث أبي هريرة ، وأخرجها أيضاً (٥٧١٢)،
والبخاري (٣٣٩٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) صحيح البخاري (٤٦٩٤)، وهو عند أحمد (٨٣٢٨ - ٨٣٢٩)، ومسلم (١٥١). وسلف ٣١٠/٤.
(٤) أخرج نحوه أحمد (٨٥٥٤)، والطبري ١٣/ ٢٠٠ - ٢٠١، والحاكم ٣٤٦/٢. من حديث أبي هريرة ﴾.
وكلام المصنف في المحرر الوجيز ٣/ ٢٥٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٢/٣، والحديث المشار إليه عند البخاري هو حديث أبي هريرة السالف.
(٦) في تفسيره ١٣/ ٢٠٠ .

٣٧٢
سورة يوسف: الآيتان ٥٠ - ٥١
((يرحم الله يوسفَ، لو كنت أنا المحبوسَ ثم أُرسل إليَّ، لخرجتُ سريعاً، إنْ كان
لحليماً ذا أَناة)).
وقال ۶﴾: «لقد عجبتُ من یوسف وصبره و کرمه، والله يغفر له حین سئل عن
البقرات، لو كنت مكانَه لَمَا أخبرتُهم حتى أَشْتَرِطَ أن يُخْرِجوني، ولقد عجبتُ منه
حين أتاه الرسولُ، ولو كنتُ مكانَه لبادَرْتُهم الباب))(١).
قال ابن عطية(٢): كان هذا الفعلُ من يوسفَ عليه السلام أناةً وصبراً، وطَلَباً
البراءة الساحة، وذلك أنه - فيما روي - خشي أن يخرج وينالَ من الملك مرتبةً،
ويسكت عن أمرٍ ذنبه صفحاً، فيراه الناس بتلك العين أبداً ويقولون: هذا الذي راود
امرأةً مولاه، فأراد يوسف عليه السلام أن يبيِّن براءته، ويحقّق منزلته (٣) من العِقَّة
والخير، وحينئذٍ يخرج للإِحظاء والمنزلة؛ فلهذا قال للرسول: ارجع إلى ربِّك وقل
له: ما بالُ النسوة؟ ومقصدُ يوسف عليه السلام إنما كان: وقل له: يستقصي عن
ذنبي، وينظر في أمري، هل سُجنت بحقِّ أو بظلم. ونَكَب عن [ذِكْر] امرأة العزيز
حُسنَ عِشرةٍ، ورعايةٌ لذِمام الملك العزيزِ له.
فإن قيل: كيف مَدَح النبيُّ # يوسفَ بالصبر والأناة وتركِ المبادرة إلى الخروج،
ثم هو يذهب بنفسه عن حالةٍ قد مَدح بها غيره؟
فالوجه في ذلك: أنَّ النبيَّ ﴾ إنَّما أخذ لنفسه وجهاً آخَرَ من الرأي، له جهةٌ أيضاً
من الجودة، يقول: لو كنتُ أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيانَ عذري بعد ذلك.
وذلك أنَّ هذه القصصَ والنوازل [إنما] هي معرّضةٌ لأنْ يقتديَ الناسُ بها إلى يوم
القيامة، فأراد رسول اللـه* حَمْلَ الناس على الأَخْزَم من الأمور؛ وذلك أنَّ
(١) أخرجه الطبري ٢٠٢/١٣، والطبراني (١١٦٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والكلام في
أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩/٣ .
(٢) في المحرر الوجيز ٣/ ٢٥٢ . وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في المحرر الوجيز: أن تبين براءته، وتتحقق منزلته.

٣٧٣
سورة يوسف: الآيتان ٥٠ - ٥١
المُتَعمِّق (١) في مثل هذه النازلة، التاركَ فرصةَ الخروج من مثلٍ ذلك السجن، ربما نَتَج
له [من ذلك] البقاءُ في سجنه، وانصرفت نفسُ مُخْرِجه عنه، وإن كان يوسف عليه
السلام أَمِن من ذلك بعلمه من الله؛ فغيرُه من الناس لا يأمن ذلك، فالحالةُ التي ذهب
النبيُّ # بنفسه إليها حالةُ حزم [ومدح]، وما فَعَلَه يوسفُ عليه السلام صبرٌ عظيمٌ
وجلدٌ.
قوله تعالى: ﴿فَسَثَلَّهُ مَا بَالُ النَّسْوَةِ﴾ ذَكرَ النِّساءَ جملةً ليدخل فيهنَّ امرأة العزيز،
مدخلَ العمومِ بالتلويح، حتى لا يقعَ عليها تصريح؛ وذلك حُسنُ عِشرةٍ وأدب، وفي
الكلام محذوف، أي: فاسأله أن يتعرَّفَ ما بالُ النِّسوة.
قال ابن عباس: فأرسل الملكُ إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات
العزيز - فدعاهنَّ فَ ﴿قَالَ مَا خَطِبُكُنَّ﴾ أي: ما شأنكنّ ﴿إِذْ رَوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ﴾
وذلك أنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ كلَّمت يوسف في حقِّ نفسها، على ما تقدَّم(٢)، أو أراد
قولَ كلِّ واحدة: قد ظلمتَ امرأةً العزيز، فكان ذلك مراودةً منهنّ. ﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾
أي: معاذ الله ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْ﴾ أي: زِنّى. ﴿قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ
الْحَقُّ﴾ لمَّا رأت إقرارَهنَّ ببراءة يوسف، وخافت أن يَشهدنَ عليها إن أنكرت، أقرَّت
هي أيضاً، وكان ذلك لطفاً من الله بيوسف.
و((حَصْحَصَ الْحَقُّ)) أي: تبيَّن وظَهَر، وأصله: حَصَّصَ، فقيل: حَصْحَصَ، كما
قال: كُبْكِبُوا، في كُبِيوا، وكَفكّف في كَفَفَ؛ قاله الزجَّاج وغيره(٣).
وأصل الحَصِّ: استئصال الشيء؛ يقال: حصَّ شعرَه: إذا استأصله جَزَّا(٤)؛ قال
(١) في النسخ: وذلك أن ترك الحزم في مثل، والمثبت من المحرر الوجيز، ويعني بالمتعمِّق: المبالغ في
الأمر المتشدِّد فيه.
(٢) ص ٣٤٠ من هذا الجزء.
(٣) ذكره عن الزجاج الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٧، وقاله أيضاً النحاس في معاني القرآن ٨٩/٥،
والطبري ٢٠٦/١٣ .
(٤) تفسير الطبري ٢٠٦/١٣ .

٣٧٤
سورة يوسف: الآيتان ٥٠ - ٥١
أبو قيس بنُ الأسْلَت(١):
قد حَصَّت البيضةُ رأسي فما أَطِعَمُ نوماً غيرَ تَهْجاع
وسَنَةٌ حصّاء، أي: جرداءُ لا خيرَ فيها؛ قال جرير:
يأوي إليكم بلا مَنٌّ ولا جَحَدٍ مَن ساقَه السَّنةُ الحصَّاءُ والذِّيبُ
كأنه أراد أن يقول: والضَّبعُ، وهي السنة المُجْدِبة؛ فوضع الذئب موضعَه لأجل
القافية(٢)؛ فمعنى ((حَصْحَصَ الْحَقُّ))، أي: انقطع عن الباطل بظهوره وثباته؛ قال:
أَلَا مُبْلِغْ عنِّي خِدَاشاً فإنَّهُ كَذوبٌ إذا ما حَصحصَ الحقُّ ظالمُ(٣)
وقيل: هو مشتقٌّ من الحِصَّة؛ فالمعنى: بانت حِصَّةُ الحقِّ من حِصَّة الباطل(٤).
وأصله(٥) مأخوذٌ من قولهم: حَصَّ شَعْرَه: إذا استأصل قطعةً [فظهرت مواضعه]،
ومنه: الحِصَّة من الأرض: إذا قُطعت منها. والحِضْحِص بالكسر: التراب
والحجارة؛ ذكره الجوهري(٦).
﴿أَنَا رَوَدَثُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَُّ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وهذا القولُ منها - وإن لم يكن سأل عنه -
إظهارٌ لتوبتها، وتحقيقٌ لصدق يوسف وكرامته؛ لأنَّ إقرار المُقِرِّ على نفسه أقوى من
الشهادة عليه، فجمع اللهُ تعالى ليوسف لإظهار صدقِه الشهادةَ والإقرار، حتى لا
يخامرَ نفساً ظنٍّ، ولا يخالطَها شكّ(٧).
(١) الأوسي، مختلف في اسمه، فقيل: صيفي، وقيل: الحارث، وقيل: عبد الله، وقيل صِرْمة. واختلف
في إسلامه. الإصابة ٣٠٩/١١. والبيت في المفضليات ص٢٨٤، والكامل ٢٣٥/١، والصحاح
(حصص)، والخزانة ٤١١/٣ .
(٢) الصحاح (حصص)، والبيت في ديوان جرير ٣٤٩/١ (بشرح ابن حبيب).
(٣) النكت والعيون ٤٧/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١١٥/٣، وزاد المسير ٢٣٧/٤ .
(٥) وقع قبلها في النسخ قوله: وقال مجاهد وقتادة، وهو وهم، والكلام في النكت والعيون ٤٧/٣، وما
سیرد بین حاصرتین منه.
(٦) في الصحاح (حصص).
(٧) النكت والعيون ٤٧/٣ .

٣٧٥
سورة يوسف: الآيات ٥٠ - ٥٣
وشُدِّدت النون في ((خَطْبُكُنَّ)) و((رَاوَدْتُنَّ)) لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكَّرَ(١).
٥٢
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِي لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَمْيِنِينَ
وَمَآ أُبَّرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ﴾ اختلف فيمن قاله، فقيل: هو مِن قول
امرأة العزيز، وهو مثَّصل بقولها: ﴿اٌلْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ (٢) أي: أقررتُ بالصدق ليعلمَ
أني لم أَخنه ﴿يِالْغَبٍ﴾ أي(٣): بالكذب عليه، ولم أذكره بسوءٍ وهو غائب، بل
صدقتُ وحِدت عن الخيانة، ثم قالت: ﴿وَمَآ أُبَّرِئُ نَفْسِىَّ﴾ بل أنا راودته، وعلى هذا
هي كانت مُقِرَّةً بالصانع، ولهذا قالت: ﴿إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وقيل: هو من قول يوسف، أي: قال يوسف: ذلك الأمر الذي فعلتُه من ردِّ
الرسول (لِيَعْلَمَ)) العزيزُ ﴿أَنِّ لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ﴾. قاله الحسن وقَتَادة وغيرهما(٤).
ومعنى ((بالغيب)): وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة المَلِك، وقال:
(لِيَعْلَمَ)) على الغائب؛ توقيراً للملك. وقيل: قاله إذ عاد إليه الرسولُ وهو في السجن
بعدُ، قال ابن عباس: جاء الرسولُ إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه
يحدثه، فقال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾ أي:
لم أَخُن سيِّدي بالغيب؛ فقال له جبريل عليه السلام: يا يوسف، ولا حين حَلَلْت
الإزارَ، وجلستَ مجلسَ الرجلِ من المرأة؟! فقال يوسف: ﴿وَمَآ أُبَرِئُ نَفْسِىَّ﴾ الآية(٥).
وقال السّديُّ: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حَلَلْت سراويلك يا يوسف؟! فقال
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٢/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٤/٣ .
(٣) قوله: ﴿ِاَلْغَيّبٍ﴾، أي، من (م).
(٤) تفسير الطبري ٢٠٧/١٣ - ٢٠٨، والنكت العيون ٤٧/٣ .
(٥) سلف في الصفحة ٣١٢ من هذا الجزء، وينظر ما ذكرنا ثمة من ردود العلماء على هذا الخبر وما شابهه
من الأخبار التي تنافي عصمة الأنبياء.

٣٧٦
سورة يوسف: الآيتان ٥٢ - ٥٣
يوسف: ﴿وَمَآ أُبَّرُِّ نَفْسِىَّ﴾(١).
وقيل: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمْ﴾ من قول العزيز، أي: ذلك ليعلم يوسفُ أني لم أَخُنه
بالغيب، وأني لم أَغفُل عن مُجازاته على أمانته(٢). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَّهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾
معناه: أنَّ الله لا يهدي الخائنين بکیدهم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ﴾ قيل: هو من قول المرأة. وقال القُشَيريُّ: فالظاهر
أن قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَآ أُبُرُِّ نَّقْسِىَّ﴾ من قول يوسف.
قلت: إذا احتمل أن يكون من قول المرأة؛ فالقولُ به أولى حتى نبرِّئ يوسفَ من
حَلِّ الإزار والسَّراويل، وإذا قدَّرناه من قول يوسف؛ فيكون مما خطر بقلبه، على ما
قدَّمناه من القول المختار في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [الآية: ٢٤].
قال أبو بكر الأنباريُ(٤): من الناس مَن يقول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِلْغَيْبٍ﴾ إلى
قوله: ﴿إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ من كلام امرأة العزيز، لأنه متصل بقولها: ﴿أَنَاْ رَوَدُ عَن
تَّفْسِهِ، وَإِنَُّ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ وهذا مذهبُ الذين يَنفون الهمَّ عن يوسف عليه السلام، فَمَن
بنى على قولهم قال: من قوله: ﴿قَالَتِ أَقْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
كلامٌ متصلٌ بعضُه ببعض، ولا يكون فيه وقفٌ تامٌّ على حقيقة، ولسنا نختار هذا القولَ
ولا نذهب إليه.
وقال الحسن: لمَّا قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ ◌ِلْغَيْبٍ﴾ كره نبيُّ الله أن
يكون قد زَّى نفسَه فقال: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ﴾(٥) لأن تزكيةَ النفس مذمومةٌ، قال الله
تعالى: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقد بيَّناه في ((النساء))(٦).
(١) النكت والعيون ٤٨/٣، وتفسير البغوي ٤٣١/٢.
(٢) زاد المسير ٢٤٠/٤ .
(٣) النكت والعيون ٤٧/٣ .
(٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥ .
(٥) زاد المسير ٢٤١/٤ .
(٦) ٦/ ٤٠٧ وما بعدها.

٣٧٧
سورة يوسف: الآيات ٥٢ - ٥٤
وقيل: هو من قول العزيز، أي: وما أُبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف(١).
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءٍ﴾ أي: مُشتهيةٌ له. ﴿إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ﴾ في موضع نصب
بالاستثناء(٢)، و «ما)) بمعنی مَنْ، أي: إلا مَن رَحِمَ ربي فعصمه، و ((ما) بمعنی مِن
كثير، قال الله تعالى: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]. وهو استثناءٌ
منقطع؛ لأنه استثناء المرحوم بالعصمة مِن النفس الأمارة بالسوء(٣). وفي الخبر عن
النبيِّ # أنه قال: ((ما تقولون في صاحبٍ لكم؛ إنْ أنتم أَكرمتُموه وأَطعمتُموه
وكسوتُموه أَفضى بكم إلى شرِّ غاية، وإنْ أَهنتُموه وأَعريتموه وأَجعتموه أفضى بكم إلى
خير غاية)) قالوا: يا رسولَ الله، هذا شرُّ صاحب في الأرض. قال: ((فوالذي نفسي
بيده، إنها لَنفوسكم التي بين جُنوبكم)) (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ آَتْنُونِ بِ: أَسْتَخْلِصِهُ لِنَفْسِىِّ فَلَمَّا كَلَّمَهُمٍ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا
﴾
مَكِينُ أَمِینٌ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْنُونِي بِهِ: أَسْتَخْلِصِهُ لِنَفْسِىٌ﴾ لمَّا ثبت للملِك براءتُه مما
نُسب إليه، وتحقَّق في القصة أمانتَه، وفَهِمَ أيضاً صبرَه وجَلَده؛ عظُمت منزلتُه عنده،
وتيقَّن حسنَ خِلاله قال: ((اثْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)). فانظر إلى قول الملك أولاً -
حين تحقق عِلمَه -: ﴿أَتُنِ بِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٠] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل ثانياً
قال: ﴿أَثْثُوفِ بِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىْ﴾(٥).
ورُوي عن وهب بن مُنَبِّه قال: لما دُعي يوسف وقف بالباب، فقال: حسبي ربِّي
من خَلقه، عزَّ جارُه، وجلَّ ثناؤه، ولا إلهَ غيرُه. ثم دخل، فلمَّا نظر إليه الملِك نزَل
(١) زاد المسير ٢٤١/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٢.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٥٤/٣، وتفسير البغوي ٤٣١/٢، وتفسير الرازي ١٥٧/١٨.
(٤) لم نقف عليه، والله أعلم بصحته.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٥/٣ .

٣٧٨
سورة يوسف: الآية ٥٤
عن سريره فخرَّ له ساجداً، ثم أَقعده الملك معه على سريره فقال: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا
مَكِينُ أَمِينٌ﴾. ﴿قَالَ﴾ له يوسف: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَآيِنِ الْأَرْضِّ إِى حَفِيظُ﴾ للخزائن
﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه تصرفاتها(١). وقيل: حافظٌ للحساب، عليمٌ بالألسن(٢).
وفي الخبر: ((يرحَم اللهُ أخي يوسفَ، لو لم يَقُلْ: اجعَلْني على خزائن الأرض
لاستعملَه مِن ساعته، ولكن أخّر ذلك سنة)»(٣).
وقيل: إنما تأخّر تمليكه إلى سنة؛ لأنه لم يقل: إن شاء اللهُ(٤).
وقد قيل في هذه القصة: إنَّ يوسفَ عليه السلام لما دخل على الملك قال: اللهم
إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ غيره، ثم سلَّم على الملك
بالعربية، فقال: ما هذا اللسان؟! قال: هذا لسان عَمِّي إسماعيل، ثم دعا له
بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟! قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكان
الملك يتكلّم بسبعين لساناً، فكلَّما كلَّم يوسفَ(٥) بلسانٍ أجابه يوسفُ بذلك اللسان،
فأعجب الملكَ أمرُه، وكان يوسفُ إذ ذاك ابنَ ثلاثين سنة، ثم أجلسه على سريره
وقال: أُحبُّ أن أسمع منك رؤيايَ، قال يوسف: نعم أيها الملك، رأيتَ سبعَ بقرات
سِمانٍ شُهْباً غُرًّا حِساناً (٦)، كشف لك عنهن النِّيلُ، فطلعن عليك من شاطئه تَشخَب
أخلاقُها لبناً، فبينا أنت تنظر إليهنَّ وتتعجب من حسنهنَّ إذ نَضَب النِّلُ، فغار ماؤه،
(١) عرائس المجالس ص١٢٨ - ١٢٩، وتفسير البغوي ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(٢) تفسير الطبري ٢١٩/١٣، وزاد المسير ٢٤٣/٤
(٣) أخرجه الثعلبي في عرائس المجالس ص١٢٩ - ١٣٠ من طريق إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن
الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، ومن طريق الثعلبي أخرجه الواحدي في الوسيط
٦١٨/٢، قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص ٩٠ : وهذا إسناد ساقط.
(٤) ينظر زاد المسير ٢٤٣/٤ - ٢٤٤ .
(٥) في (م): فكلَّما تكلّم الملك، والمثبت موافق لعرائس المجالس ص١٢٩، وهذه القصة بطولها فيه
وفي تفسير البغوي ٤٣١/٢ - ٤٣٢، وهي التي تكلم في إسنادها الحافظ ابن حجر كما سلف.
(٦) كذا في النسخ: شهباً غرًّا حساناً، وفي عرائس المجالس وتفسير البغوي: شهب غرِّ حسان.

٣٧٩
سورة يوسف: الآية ٥٤
وبدا أُسُّه، فخرج من حَمَئه وَوَحَله سبعُ بقرات عِجافٍ شُعْثٍ غُبْرٍ مُقَلَّصات البطون،
ليس لهنَّ ضروعٌ ولا أخلاف، لهنَّ أنيابٌ وأضراس، وأكفِّ كأَكُفِّ الكلاب،
وخراطيمُ كخراطيم السِّباعِ، فاختلطْنَ بالسِّمان، فافترسنهنّ افتراسَ السِّباع، فأكلن
لحومَهنَّ، ومزَّقن جلودَهنَّ، وحظَّمن عظامَهنَّ، ومَشَّشْنَ (١) مُخَّهنَّ، فبينا أنت تنظر
وتتعجب كيف غَلَبْنهنَّ وهنَّ مهازيل، ثم لم يظهر فيهنّ(٢) سِمَن ولا زيادة بعد أكلهنّ!
إذا بسبعٍ سنابلَ خُضرٍ طَريات ناعماتٍ ممتلئات حبًّا وماءً، وإلى جانبهنَّ سبعٌ يابسات
ليس فيهنَّ ماءٌ ولا خُضرة في مَنْبِتٍ واحد، عروقُهنَّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول
في نفسك: أيُّ شيء هذا؟! هؤلاء خضرٌ مُثمرات، وهؤلاء سودٌ يابسات، والمَنْبِتُ
واحد، وأصولُهنَّ في الماء، إذْ هبَّت ريحٌ فذَرت الأوراقَ من اليابسات السود على
الخُضر المُثمرات، فأشعلَتْ فيهن النارَ، فأَحرقتهنَّ، فَصِرْنَ سوداً مُغَّراتٍ، فانتبهتَ
مذعوراً أيها الملك، فقال الملك: واللهِ، ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجباً
بأعجبَ مما سمعتُ منك! فما ترى في رؤياي أيها الصدِّيق؟ فقال يوسف: أرى أن
تجمع الطعامَ، وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المُخصِبة، فإنك لو زَرَغْتَ على
حَجر أو مَدَر لَنبت، وأظهر اللهُ فيه النَّماءَ والبركة، ثم ترفع الزرع بقصبه وسنبله،
وتبني له المخازنَ العِظام، فيكون القصب والسُّنبل عَلَفاً للدوابّ، وحبُّه للناس، وتأمر
الناسَ فيرفعون من طعامهم إلى أهْرَائك(٣) الخُمْسَ، فَيكفيك من الطعام الذي جمعتَه
لأهل مصر ومَن حولها، ويأتيك الخَلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من
الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبْلَك، فقال الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو
جمعتُ أهلَ مصر جميعاً ما أطاقوا، ولم يكونوا فيه أمناء، فقال يوسف عليه السلام
عند ذلك: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَآَيْنِ الْأَرْضِ﴾ أي: على خزائن أرضك، وهي جمعُ خِزانة،
(١) التمشيش: استخراج المُخّ. القاموس المحيط (مشش).
(٢) في (ز) و(ف) و(م): منهن.
(٣) الأهراء، جمع: هُزْي، وهو بيت كبير يُجمع فيه طعام السلطان. القاموس المحيط (هرو).

٣٨٠
سورة يوسف: الآيتان ٥٤ - ٥٥
ودخلت الألف واللام عوضاً من الإضافة، كقول النابغة:
لهم شِيمَةٌ لم يُعْطِهَا اللهُ غَيْرَهُمْ مِنَ الجُودِ والْأَخْلَامُ غيرُ كَوَاذِبٍ(١)
قوله تعالى: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىٌ﴾ جزم لأنه جواب الأمر(٢)؛ وهذا يدلُّ على أن
قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنْ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيٍْ﴾ جَرَى في السِّجن. ويحتمل أنه جرى عند الملك،
ثم قال في مجلس آخر: ﴿أَثُنِ ◌ِْ﴾ تأكيداً ﴿أَسْتَخْلِهُ لِنَفْسِىٌ﴾ أي: أجعله خالصاً
لنفسي، أفوّض إليه أمرَ مملكتي، فذهبوا فجاؤوا به، ودلَّ على هذا: ﴿فَلَّا كَلَّمَهُ﴾
أي: كلَّم الملكُ يوسفَ، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف، ف﴿قَالَ﴾ الملك: ﴿إِنَّكَ
اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾ أي: متمكِّنٌ نافذُ القول، ((أَمِينٌ)) لا تخاف غدراً(٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ
فیہ أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ﴾ قال سعيد بن منصور:
سمعت مالك بن أنس يقول: مصرُ خِزَانُ الأرض، أما سمعت إلى قوله: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى
خَزَآَيْنِ الْأَرْضِّ﴾(٤) أي: على حِفظها، فحذف المضاف . ﴿إِّ حَفِيظُ﴾ لما وُلِّيْت
﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره(٥). وفي التفسير: إني حاسبٌ كاتب، وأنه أوّل من كتب في
القراطيس(٦). وقيل: ((حَفِيظٌ)) لتقدير الأقوات، ((عَلِيمٌ)) بسِني المجاعات(٧). قال
(١) ديوان النابغة ص١٢، وفيه: عوازب، بدل: كواذب، وسلف البيت ١٧١/٤ وقوله: الأحلام: جمع
حِلم، وهو الأناة والعقل. اللسان (حلم).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) لم نقف عليه عند سعيد بن منصور، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٦/٣ عن مالك.
(٥) الوسيط ٦١٨/٢ .
(٦) ذكره العسكري في الأوائل ٢/ ٢٠٢ .
(٧) عرائس المجالس ص١٢٩