النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة يوسف: الآيتان ١٦ - ١٧ الثانية: قال علماؤنا: هذه الآيةُ دليلٌ على أن بكاءَ المرء لا يدلُّ على صدقٍ مقاله، لاحتمالٍ أن يكونَ تَصنُّعاً؛ فمن الخلقِ مَن يقدرُ على ذلك، ومنهم مَن لا يقدر. وقد قيل: إن الدمعَ المصنوعَ لا یخفی؛ کما قال حکیم: إذا اشتبكتْ دموعٌ في خُدودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكّى مِمَّنْ تَبَاكَى(١) قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَبَانًا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّتْبٌ وَمَآ أَنْتَ بِعُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ فيه سبعُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: (نَسْتَبِقُ)) نفتعل، من المسابقة. وقيل: أي: نَنْتَضِل، وكذا في قراءةِ عبدِ الله: ((إِنَّا ذَهَبْنَا نَنْتَضِل))، وهو نوعٌ من المسابقة؛ قاله الزَّجاج(٢). وقال الأزهريّ(٣): النِّضالُ في السِّهام، والرِّهانُ في الخيل، والمسابقةُ تجمعُهما. قال القُشيريُّ أبو نصر: ((نَسْتَبِقُ)) أي: في الرَّمي، أو على الفرس، أو على الأقدام. والغرضُ من المسابقة على الأقدام تدريبُ النفسِ على العَدْوِ؛ لأنَّه الآلةُ في قتال العدوِّ، ودفعِ الذئبِ عن الأغنام(٤). وقال السُّدِّيُّ وابنُ حيان(٥): (تَسْتَبِقُ)): نَشْتدُّ جرياً؛ لنرى أيُّنا أَسبق(٦). قال ابنُ العربي (٧): المسابقةُ شِرْعةٌ في الشّريعة، وخَصْلةٌ بديعةٌ، وعَونٌ على (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٣/٣، والبيت سلف ٣٣٦/١٠. (٢) في معاني القرآن وإعرابه ٩٥/٣، وينظر النكت والعيون ١٤/٣، والمحرر الوجيز ٢٢٦/٣، وتفسير الرازي ١٠١/١٨ . (٣) في الزاهر ص٥٣٦ . (٤) ينظر تفسير الرازي ١٠١/١٨. (٥) في (ظ): أبو حيان. (٦) زاد المسير ١٩١/٤ - ١٩٢، عن السدي. (٧) في أحكام القرآن ١٠٦٣/٣ - ١٠٦٤ . ٢٨٢ سورة يوسف: الآية ١٧ الحرب؛ وقد فَعلها(١) * بنفسِه وبخَيْله، وسابقَ عائشةَ رضي الله عنها على قدميهِ، فسبقَها؛ فلما كَبِرِ رسولُ الله ﴿ سابقَها فَسبقته، فقال لها: ((هذهِ بتلك))(٢). قلتُ: وسابقَ سَلَمَةُ بنُ الأكوعِ رجلاً لمَّا رجعوا من ذي قَرَد إلى المدينةِ، فسبقه سَلَمةُ. خرَّجه مسلمٌ(٣). الثانية: وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله # سابقَ بينَ الخيل التي قد أُضْمِرت من الحَفْيَاءِ، وكان أَمَدُها ثَنِيَّةَ الوداع، وسابقَ بينَ الخيل التي لم تُضمَّر من الثَِّيَّةِ إلى مسجدٍ بني زُرَيق، وأنَّ عبدَ الله بنَ عمر كان ممَّن سابقَ بها (٤). وهذا الحديثُ مع صحتِه في هذا الباب تَضمَّن ثلاثةَ شروطٍ، فلا تجوزُ المسابقةُ بدونها، وهي: أنَّ المسافةَ لابدَّ أن تكونَ معلومةً. الثاني: أن تكونَ الخيلُ متساويةً الأحوال. الثالث: ألَّا يُسابقَ المضمَّرُ مع غيرِ المضمَّر في أمدٍ واحدٍ وغايةٍ واحدة. والخيلُ التي يجبُ أن تَضمَّر ويُسابَق عليها وتقامَ هذه السُّنَّةُ فيها: هي الخيلُ المعدّة لجهادِ العدوِّ لا لقتالِ المسلمين في الفتن(٥). الثالثة: وأمَّا المسابقةُ بالنِّصال والإبل، فروى مسلمٌ(٦) عن عبدِ الله بن عمرو قال: سَافرنا مع رسولِ الله ﴾، فَنزلنا منزِلاً، فمِنَّا مَن يُصلِحُ خباءَه، ومنَّا مَن يَنْتَضِل. وذكرَ الحدیث. (١) في النسخ الخطية وأحكام القرآن: فعله. (٢) أخرجه أحمد (٢٤١١٨)، والنسائي في الكبرى (٨٨٩٤)، وابن ماجه (١٩٧٩). (٣) في صحيحه برقم (١٨٠٧)، وهو عند أحمد (١٦٥٣٩) وذو قَرَد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. معجم البلدان ٣٢١/٤. (٤) في الموطأ ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨، وهو عند البخاري (٢٨٦٩)، ومسلم (١٨٧٠). والحفياء: موضع قرب المدينة أجرى منه رسول الله # الخيل في السباق. معجم البلدان ٢٧٦/٢ . وتضمير الخيل: هو أن يُظاهِر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لاتعلف إلا قوتاً لتخف. النهاية في غريب الحدیث (خمر). (٥) التمهيد ٨١/١٤ - ٨٢، والاستذكار ٣٠٧/١٤ - ٣٠٨. (٦) في صحيحه (١٨٤٤). ٢٨٣ سورة يوسف: الآية ١٧ وخرَّج النسائيُّ(١) عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((لا سَبَق إلا في نَصْلٍ أو خُفِّ أو حافرٍ». وثبتَ ذكرُ النَّصلِ من حديث ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة. ذكره النَّسائي؛ وبه يقولُ فقهاءُ الحجازِ والعراق(٢). وروى البخاريُ(٣) عن أنس قال: كانَ للنبي :﴿ ناقةٌ تُسمَّى العَضْباءَ لا تُسبَق - قال حُمَيد: أو لا تكادُ تُسبَق - فجاءَ أعرابيٍّ على قَعُود، فَسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين حتى عَرَفه، فقال: ((حقٌّ على اللهِ ألَّا يرتفعَ شيءٌ من الدنيا إلَّا وضعه)). الرابعة: أجمعَ المسلمون على أنَّ السَّبَق لا يجوزُ على وجهِ الرِّهانِ إلا في الخُفِّ والحافرِ والنَّصل؛ قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثةِ فالسَّبَقُ فيها قِمار. وقد زادَ أبو البَخْتَرِيِّ القاضي في حديثِ الخُفِّ والحافر والنَّصل: ((أو جَناح))، وهي لفظةٌ وضعَها للرشيدِ، فترك العلماءُ حديثَه لذلك ولغيرِهِ من موضوعاتِهِ، فلا يَكتُب العلماءُ حديثَه بحالٍ (٤). وقد رُوي عن مالكِ أنه قال: لا سَبَقَ إلا في الخيلِ والرمي؛ لأنه قوَّة على أهلِ الحرب؛ قال: وسَبَقُ الخيلِ أَحبُّ إلينا من سَبَق الرمي(٥). وظاهرُ الحديثِ يُسوِّي بينَ السَّبَق على النُّجُب(٦) والسَّبَقِ على الخيل. وقد منعَ بعضُ العلماء الرِّهانَ في كلِّ شيءٍ إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادةُ العرب المراهنةَ عليها. ورُوي عن عطاء أنَّ المراهنةَ في كل شيءٍ جائز(٧). وقد تُؤُوِّلَ عليه(٨)؛ لأنَّ (١) في الكبرى (٤٤١٠)، والمجتبى ٢٢٦/٦. (٢) التمهيد ١٤ / ٩٤ . (٣) في صحيحه (٢٨٧٢). (٤) التمهيد ٨٨/١٤ و ٩٤، وينظر تاريخ بغداد ٤٥٥/١٣ . وأبو البختري هو: وهب بن وهب بن كثير القاضي القرشي. قال أحمد: كان يضع الحديث وضعاً. ميزان الاعتدال ٣٥٣/٤ - ٣٥٤. (٥) التمهيد ٨٤/١٤، والاستذكار ٣١٠/١٤. (٦) جمع نجيبة، وهي من الابل. (٧) في (م): جائزة. (٨) في (م): قوله. ٢٨٤ سورة يوسف: الآية ١٧ حمله على العمومِ في كلِّ شيءٍ يُؤدِّي إلى إجازة القمار، وهو محرَّمٌ باتفاق(١) .. الخامسة: لا يجوزُ السَّبَقُ في الخيل والإبل إلا في غايةٍ معلومةٍ وأمدٍ معلوم، كما ذكرنا، وكذلك الرميُّ لا يجوزُ السَّبَقُ فيه إلا بغايةٍ معلومة ورَشْقٍ معلوم، ونوعٍ من الإصابةِ مشترط خَسْقاً(٢)، أو إصابة بغيرِ شرط. والأسباقُ ثلاثةٌ: سَبَقٌ يعطيه الوالي - أو الرجلُ غيرُ الوالي - من ماله متطوِّعاً، فيَجعلُ للسابقِ شيئاً معلوماً، فمَن سبقَ أخذه. وسَبَقٌ يُخرجُه أحدُ المتسابقين دون صاحبِه، فإن سَبَقه صاحبُه أخذه، وإن سَبَق هو صاحبَه أَخذه، وحَسُنَ أن يمضيَه في الوجهِ الذي أخرجه له، ولا يَرجِع إلى مالِه، وهذا ممَّا لا خلافَ فيه. والسَّبقُ الثالث: اختُلِف فيه، وهو أن يُخرِج كلُّ واحد منهما شيئاً مثل ما يُخرِجُه صاحبُه، فأيُّهما سَبَق، أَحرزَ سبَقَه وسَبَقَ صاحبِه. وهذا الوجهُ لا يجوزُ حتى يُدخِلا بينهما مُحلِّلاً لا يأَمنا أن يَسبِقَهما، فإن سَبَقَ المحلِّلُ أَحرزَ السَّبَقين جميعاً وأخذهما وحدَه، وإن سبقَ أحدُ المتسابقَين، أحرزَ سبَقه وأخذَ سبَق صاحبه، ولا شيءَ للمحلِّل فيه، ولا شيء عليه. وإن سبقَ الثاني منهما الثالثَ كان كمَن لم يسبقْ واحدٌ منهما. وقال أبو علي بن خيران من أصحابِ الشافعي: وحكمُ الفرس المُحلِّل أن يكونَ مجهولاً جريُه؛ وسمي محلِّلاً؛ لأنه يُحلِّل السَّبَقَ للمتسابقَين أوْ لَهُ. واتفقَ العلماءُ على أنَّه إِن لم يكن بينهما محلِّلٌ، واشترطَ كلُّ واحدٍ من المتسابقَين أنَّه إن سبقَ أخذَ سبقَه وسبق صاحبِهِ: أنَّه قمارٌ ولا يجوزُ(٣). وفي ((سنن)) أبي داود(٤)، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ :﴿ قال: ((مَن أدخلَ فرساً بينَ (١) المفهم ٧٠١/٣ . (٢) خَسَق السهمُ الهدفَ خَسْقاً: إذا لم ينفُذ نفاذاً شديداً. وقال ابن فارس: إذا ثبت فيه وتعلق. وقال ابن القطاع: إذا نفذ من الرَّميَّة. المصباح المنير (خسق). (٣) التمهيد ٨٥/١٤ - ٨٧، والاستذكار ٣١١/١٤ - ٣١٢، والمفهم ٧٠١/٣ - ٧٠٢، وإكمال المعلم ٢٨٤/٦ - ٢٨٥. (٤) برقم (٢٥٧٩) و(٢٥٨٠)، وهو عند أحمد (١٠٥٥٧). ٢٨٥ سورة يوسف: الآية ١٧ فَرَسَيْن وهو لا يأمنُ أن يَسبِقِ؛ فليسَ بِقِمار، ومَن أدخلَه وهو يأمنُ أن يَسبِقَ؛ فهو قمار». وفي ((الموطأ))(١) عن سعيد بن المسيب قال: ليسَ برِهانِ الخيل بأسٌ إذا دخلَ فيها محلِّلٌ، فإن سبقَ أخذَ السَّبَقَ، وإن سُبِقٍ لم يكن عليه شيءٌ. وبهذا قال الشافعيُّ وجمهورُ أهلِ العلم. واختَلَف في ذلك قولُ مالك، فقال مرةً: لا يجبُ المحلِّلُ في الخيل، ولا نأخذُ فيه بقولٍ سعيد، ثم قال: لا يجوزُ إلَّا بالمحلِّل، وهو الأجودُ من قوله(٢). السادسة: ولا يُحمَلُ على الخيل والإبل في المسابقة إلا مُحتلِمٌ، ولو رَكِبَها أربابُها كان أولى؛ وقد رُويَ عن عمرَ بنِ الخطاب﴾ أنه قال: لا يَركبِ الخيلَ في السباق إلا أربابُها. وقال الشافعي: وأقلُّ السَّبَقِ أن يسبقَ بالهادي أو بعضِه، أو بالكَفَلِ أو بعضِه. والسَّبَق بين(٣) الرماةِ على هذا النحوِ عنده، وقولُ محمد بنِ الحسن في هذا الباب نحوُ قولِ الشافعي(٤). السابعة: رُويَ عن النبيِّ # أنَّه سابقَ أبا بكر وعمرَ رضي الله عنهما، فسبقَ رسولُ اللهِ ﴾، وصلَّى أبو بكر، وثَلَّثَ عمرُ(٥). ومعنى: وصَلَّى أبو بكر. يعني أنَّ رأسَ فرسِه كان عندَ صَلَوي(٦) فرسٍ رسولِ الله ﴾، والصَّلَوَان: موضعُ العَجُز. قولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا﴾ أي: عند ثيابِنا وأَقمشتِنا حارساً (١) ٤٦٨/٢. (٢) الاستذكار ٣١١/١٤، والمفهم ٧٠١/٣ - ٧٠٢ . (٣) في (د) و(ز) و(م): من، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٨٦/١٤ . (٤) التمهيد ٧٩/١٤ - ٨٠ و٨٦. والهادي: العُنق. والكفلُ: العَجُز، أو رِدِفُه، أو القَطَن. القاموس (هدي) و(کفل). (٥) سلف ٢٥٩/١ . (٦) في (م): صلا. ٢٨٦ سورة يوسف: الآيتان ١٧ - ١٨ لها(١). ﴿فَأَكَلَهُ الذِّثْبٌ﴾ وذلك أنَّهم لمَّا سَمِعوا أَباهم يقول: ((وأَخافُ أَن يأْكلَه الذئبُ)) أَخذوا ذلك من فيهِ، فَتحرَّموا(٢) به؛ لأنَّه كان أظهرَ المخاوفَ عليه. ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ أي: بمصدِّق(٣). ﴿وَلَوْ كُنَّ﴾ أي: وإنْ كنَّا؛ قاله المبردُ(٤) وابنُ إسحاق(٥). (صَدِقِينَ﴾ في قولِنا، ولم يُصدِّقهم يعقوبُ؛ لِما ظهرَ له منهم من قوَّةِ التّهمةِ وكثرةِ الأدلةِ على خلافِ ما قالوه؛ على ما يأتي بيانُه. وقيل: ((ولو كنا صادِقِين)) أي: ولو كثَّا عندَك من أهلِ الثقةِ والصدقِ، ما صَدَّقتنا، ولاتَّهمتنا في هذه القضيةِ، لشدةِ محبتك في يوسف؛ قال معناهُ الطبريُّ والزَّجاجُ وغيرُهما(٦). قوله تعالى: ﴿وَجَُّو عَلَى قَبِيصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًّاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ قوله تعالى: ﴿وَجَمُو عَلَى قِصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ((بِدَم كَذِب)» قال مجاهد: كان دمَ سَخلةٍ أو جَذيٍ ذبحوه. وقال قتادة: كان دمَ ظبية(٧)، أي: جاؤوا على قميصه بدم مكذوبٍ فيه، فوصفَ الدم بالمصدر، فصار تقديره: بدم ذي كذب، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والفاعل والمفعول قد يُسمَّيان بالمصدر، يقال: هذا ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبُه، وماءٌ سَكْبٌ، أي: (١) ينظر النكت والعيون ١٤/٣ . (٢) أي: تَمَّعوا. القاموس (حرم). (٣) الكشاف ٣٠٨/٢، وزاد المسير ١٩٢/٤ . (٤) في الكامل ٣٦١/١، ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٦/٣. (٥) النكت والعيون ١٥/٣، وزاد المسير ١٩٢/٤ . (٦) تفسير الطبري ٣٤/١٣، ومعاني القرآن للزجاج ٩٦/٣، والمحرر الوجيز ٢٢٦/٣، وزاد المسير ٤/ ١٩٢. (٧) النكت والعيون ١٥/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٥/١٣ . ٢٨٧ سورة يوسف: الآية ١٨ مسكوب، وماءٌ غَوْرٌ، أي: غائر، ورجلٌ عَدْلٌ، أي: عادل(١). وقرأ الحسن وعائشة: ((بِدَم كَدِبٍ))، بالدَّال غير المعجمة(٢)، أي: بدم طرِيٍّ، يقال للدَّم الطريّ: الكَدِب. وحُكِيَ أنه المُتغيِّر، قاله الشعبي(٣). والكَدِبُ أيضاً البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث. فيجوز أن يكون شَبَّه الدَّم في القميص بالبياض الذي يخرج في الُفْر من جهة اختلاف اللَّونَيْن(٤). الثانية: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لمَّا أرادوا أن يجعلوا الدَّمَ علامةً على صِدقهم؛ قَرن الله بهذه العلامة علامةً تُعارضُها، وهي سلامةُ القميص من التَّنِيب(٥)، إذ لا يمكن افتراسُ الذئب ليوسف وهو لابسٌ القميص ويَسلم القميص من التخريق(٦). ولما تأمَّل يعقوب عليه السلام القميصَ، فلم يَجِدْ فيه خَرْقاً ولا أثراً؛ استدلَّ بذلك على كذبهم وقال لهم: متى كان هذا الذئب حليماً (٧) يأكل يوسفَ ولا یُخرِّق القميص؟! قاله ابن عباس وغيره(٨). روى إسرائيل، عن سِمَاك بن حرب، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: كان الدمُ دمَ سَخْلةٍ. وروى سفيان عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا نظر إليه قال: كذبتم، لو كان الذئب أكلَه لخرق القميص(٩). (١) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٨/ ١٠٢ . (٢) القراءات الشاذة ص٦٢ - ٦٣ عن الحسن، والمحتسب ٣٣٥/١ عن الحسن وابن عباس رضي الله عنهما. وعن عائشة رضي الله عنها ذكرها أبو حيان في البحر ٢٨٩/٥ . (٣) ينظر النكت والعيون ١٥/٣. (٤) ينظر المحتسب ٣٣٥/١. (٥) في (ظ): التخريق. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٥/٣ . (٧) في (ظ) و(م): حكيماً. (٨) المحرر الوجيز ٢٢٧/٣. وأخرج هذا الأثر الطبري ٣٦/١٣ - ٣٧ . (٩) أخرجهما الطبري ٣٦/١٣ - ٣٨، والأثر الثاني عنده من طريق سفيان عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٢٨٨ سورة يوسف: الآية ١٨ وحكى الماورديّ أن في القميص ثلاثَ آيات: حين جاؤوا عليه بدم كذب، وحين قُدَّ قميصُه من دُبُر، وحين أُلْقيَ على وجه أبيه فارتدَّ بصيراً(١). قلت: وهذا مردودٌ، فإن القميصَ الذي جاؤوا عليه بالدم غيرُ القميص الذي قُدَّ، وغيرُ القميص الذي أتاه البشير به. وقد قيل: إنَّ القميص الذي قُدَّ هو الذي أُتي به فارتدَّ بصيراً، على ما يأتي بيانُه آخرَ السورة إن شاء الله تعالى(٢). ورُويَ أنهم قالوا له: بل اللصوص قتلوه. فاختلف قولهم، فاتَّهمهم، فقال لهم يعقوب: تزعمون أن الذئبَ أَكله، ولو أكله لَشَقَّ قميصه قبل أن يُفضي إلی چِلده، وما أرى بالقميص مِن شَقِّ، وتزعمون أنَّ اللصوصَ قتلوه، ولو قتلوه لأخذوا قميصه، هل يريدون إلَّا ثيابَه؟! فقالوا عند ذلك: وما أنت بِمؤمنٍ لنا ولو كنا صادِقِين؛ عن الحسن وغيره. أي: لو كنا موصوفين بالصّدق لاتَّهمتنا(٣). الثالثة: استدلَّ الفقهاءُ بهذه الآية في إعمال الأَمَارات في مسائلَ من الفقه، كالقَسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام استدلَّ على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب على الناظر أنْ يلحَظَ الأماراتِ والعلاماتِ إذا تعارضَتْ، فما ترجَّح منها قضَى بجانب الترجيح، وهي قوة التُّهمَة، ولا خلاف بالحكم بها؛ قاله ابن (٤) العربي قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًّاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. فيه ثلاث مسائل : الأولى: رُويَ أن يعقوب لما قالوا له: ((فَأَكَلَهُ الذّئْبُ)) قال لهم: ألم يترك الذئبُ له عضواً فتأتوني به أستأنس به؟! ألم يترك لي ثوباً أَشَمُّ فيه رائحتَه؟! قالوا: بلى، هذا (١) النكت والعيون ١٥/٣. وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٠٦٥/٣. (٢) الآية (٩٣). (٣) ذكره المصنف قبل هذه الآية ونسبه للطبري والزجاج، وينظر مجمع البيان للطبرسي ٢٨/١٢ - ٢٩ . (٤) في أحكام القرآن ١٠٦٥/٣، وينظر المحرر الوجيز ٢٢٧/٣. ٢٨٩ سورة يوسف: الآية ١٨ قميصُه ملطوخٌ بدمه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَدُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ﴾. فبكى يعقوبُ عند ذلك وقال لبنيه: أَروني قميصَه، فَأَرَوْه فشمَّه وقبَّله، ثم جعل يُقَلِّبه فلا يرى فيه شَقًّا ولا تمزيقاً، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيتُ كاليوم ذئباً أحلمَ (١) منه، أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يُمزِّقه عليه. وعَلِمَ أنَّ الأمرَ ليس كما قالوا، وأن الذئبَ لم يأكله، فأعرض عنهم كالمُغضَب باكياً حزيناً، وقال: يا معشرَ ولدي، دُلُّوني على ولدي، فإنْ كان حيًّا رددتُه إليَّ، وإنْ كان ميتاً كفَّتُه ودفنتُه. فقيل: قالوا حينئذ: ألم تَروا إلى أبينا كيف يُكذِّبنا في مَقالتنا؟! تعالَوْا نُخرجه من الجُبِّ ونقطعه عضواً عضواً، ونأتٍ أبانا بأحدٍ أعضائه، فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه، فقال يهوذا: والله، لئن فعلتُم لأكوننَّ لكم عدوًّا ما بقيتُ، ولأُخبرنَّ أباكم بسوء صنيعكم، قالوا: فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد له ذئباً، قال: فاصطادوا ذئباً ولطّخوه بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاؤوا به يعقوبُ وقالوا: يا أبانا، إن هذا الذئب الذي يَحُلُّ بأغنامنا ويفترسها، ولعلَّه الذي أفجعنا بأخينا، لا نشُ فيه، وهذا دمه عليه، فقال يعقوب: أطلقوه، فأطلقوه، وتَبَصْبَصَ له الذئب، فأقبل يدنو منه ويعقوب يقول له: أُدنُ، أُدنُ، حتى ألصق خذَّه بخدِّهِ فقال له يعقوب: أيها الذئب، لِمَ فجعتَني بولدي وأورثتني حزناً طويلاً؟! ثم قال: اللهمَّ أَنْطِقْهُ، فأنطقه الله تعالى: فقال: والذي اصطفاك نبيًّ، ما أكلتُ لحمه، ولا مزَّقت جلدَه، ولا نتفتُ شعرةً من شعراته، ووالله ما لي بولدك عهدٌ، وإنما أنا ذئبٌ غريبٌ أقبلتُ من نواحي مصر في طلب أخ لي فُقِدَ، فلا أدري أَحيٍّ هو أم ميتٌ، فاصطادني أولادُك وأوثقوني، وإنَّ لحومَ الأنبياء حُرِّمت علينا وعلى جميع الوحوش، وتالله، لا أقمتُ في بلاد يكذب فيها أولادُ الأنبياء على الوحوش. فأطلقه يعقوب وقال: والله، لقد أتيتُم بالحُجَّة على أنفسكم، هذا ذئبٌ بهيمٌ خرج يتبع ذِمَام أخيه، وأنتم ضيَّعتم أخاكم، وقد علمت (١) في (م): أحكم. ٢٩٠ سورة يوسف: الآية ١٨ أن الذئب بريء مما جئتم به(١). ﴿بَلَ سَوَّلَتْ﴾ أي: زيَّنت. ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ غيرَ ما تصفون وتذكرون. ثم قال توطئةً لنفسه: ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ وهي: الثانية: قال الزجَّاج (٢): أي فشأني - أو الذي أعتقده - صبرٌ جميلٌ. وقال قُطْرُب: أي: فصبري صبرٌ جميلٌ. وقيل: أي: فصبرٌ جميلٌ أولى بي، فهو مبتدأ، وخبره محذوفٌ. ويُروى أن النبيَّ # سُئل عن الصبر الجميل فقال: ((هو الذي لا شكوى معه))(٣). وسيأتي له مزيد بيان آخرَ السورة إن شاء الله. قال أبو حاتم: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهلُ بن يوسف(٤): ((فصبراً جميلاً)) قال: وكذا قرأ الأشهبُ العُقَيْلي، قال: وكذا في مصحف أنس وأبي صالح(٥). قال المبرّد: ((فصبرٌ جميلٌ)) بالرفع أولى من النصب؛ لأن المعنى: قال: ربِّ عندي صبرٌ جميل، قال(٦): وإنما النصب على المصدر، أي: فلأَصْبِرنَّ صبراً جميلاً، قال: شكا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى صَبْراً جميلاً فكِلَانَا مُبْتَلَى (٧) والصبرُ الجميل هو الذي لا جَزَعَ فيه ولا شكوى. وقيل: المعنى: لا أُعاشركم على كآبة الوجه وعُبوس الجبين، بل أُعاشركم على ما كنت عليه معكم، وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مُؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت، أن يعقوبَ كان قد سقط حاجباه على عينيه، فكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرةٌ (١) ينظر عرائس المجالس ص١١٧ - ١١٨. وهذه القصة من الإسرائيليات. (٢) في معاني القرآن ٩٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٨/٢. (٣) أخرجه الطبري ٤١/١٣ عن حبان بن أبي جبلة مرسلاً. (٤) لعله سهل بن يوسف الأنماطي البصري، أبو عبد الرحمن. توفي سنة (١٩٠هـ). تهذيب الكمال ٢١٣/١٢ . (٥) كذا في النسخ وإعراب القرآن للنحاس ٣١٨/٢ (والكلام منه): أبي صالح، ولعل الصواب أُبَيّ، كما في المحرر الوجيز ٢٢٧/٣، والبحر المحيط ٢٨٩/٥ . (٦) يعني أبا جعفر النحاس، وكلامه في إعراب القرآن ٣١٨/٢، وما قبله منه، وقراءة عيسى بن عمر في القراءات الشاذة ص ٦٣ . (٧) سلف ٣/ ٢٥٠. ٢٩١ سورة يوسف: الآيتان ١٨ - ١٩ الأحزان، فأوحى الله إليه: أتشكوني يا يعقوب؟! قال: يا ربّ، خطيئةٌ أخطأتُها فاغْفِر لي(١). ﴿وَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ ابتداء وخبر ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على احتمال ما تَصِفون من الكذب. الثالثة: قال ابن أبي رفاعة(٢): ينبغي لأهل الرأي أن يتَّهموا رأيهم عند ظنِّ يعقوب # وهو نبيّ، حين قال له بنوه: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّثْمُ﴾ قال: ﴿بَلَ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًّا نَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَأَصاب هنا، ثم قالوا له: ﴿إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ خَفِظِينَ﴾ قال: ﴿بَلَ سَوَّلَتْ لَّكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ فلم يُصِبْ. قوله تعالى: ﴿وَجَدَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَةٌ قَالَ يَكْبُشْرَى هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَجَمَتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي: رُفقةٌ مارَّةٌ يسيرون من الشام إلى مصر فأخطؤوا الطريقَ، وهاموا حتى نزلوا قريباً من الجُبِّ، وكان الجبُّ في قَفْرةٍ بعيدةٍ من العُمران، إنما هو للرُّعاة والمُجتاز، وكان ماؤه مِلحاً، فَعَذُبَّ حين أُلقيَ فيه يوسف(٣). ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ فذكَّر على المعنى، ولو قال: فأرسلَتْ واردَها لكان على اللَّفظ (٤)، مثل ((وجاءت)). والواردُ الذي يَرِدُ الماء يستقي للقوم، وكان اسمه - فيما ذكر المفسرون - مالك بن دُغْر(٥)، من العرب العاربة(٦). (١) أخرجه الطبري ١٣/ ٤٢ . (٢) لم نعرفه، ولم نقف على قوله. (٣) عرائس المجالس ص١١٨، وتفسير البغوي ٤١٥/٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/٢ . (٥) في النسخ: ذعر، بالذال، وذكر الفيروز آبادي أنه تصحيف، وأن الصواب دعر، بالدال المهملة. القاموس (دعر) و(ذعر). (٦) ينظر عرائس المجالس ص١١٨، والمحرر الوجيز ٢٢٨/٣، وتفسير البغوي ٤١٥/٢. ٢٩٢ سورة يوسف: الآية ١٩ ﴿فَأَدْلَى دَلْوَةٌ﴾ أي: أَرسله، يقال: أَدلى دلوَه: إذا أرسلها لِيملأها، ودَلَاها أي: أخرجها. عن الأصمعي وغيره(١). ودَلا من ذوات الواو، يدلو دَلْواً، أي: جذب وأخرج، وكذلك أَدلى: إذا أرسل، فلما ثقل رَدُّوه إلى الياء، لأنها أخفُّ من الواو، قاله الكوفيون. وقال الخليل وسيبويه: لمَّا جاوز ثلاثةَ أحرف رَجَعَ إلى الياء، اتباعاً للمستقبل. وجمع دَلْو في أقل العدد: أَذلٍ، فإذا كثَّرت قلت: دُلِيّ ودِليّ؛ فقلبت الواو ياءٌ، لأنَّ(٢) الجمعَ بابه التغيير، وليفرَّق بين الواحد والجمع، ودِلاء أيضاً. فتعلَّق يوسف بالحبل، فلمَّا خرج إذا غلامٌ كالقمر ليلة البدر؛ أحسنُ ما يكون من الغلمان. قال # في حديث الإسراء من ((صحيح)) مسلم: ((فإذا أنا بيوسفَ إذا هو قد أُعطِيَ شَطْرَ الحُسن))(٣). وقال كعب الأحبار: كان يوسفُ حَسَنَ الوجه، جَعْدَ الشعر، ضخمَ العينين، مُستوي الخَلْقِ، أبيضَ اللون، غليظَ الساعدين والعَضُدين، خَمیصَ البطن، صغيرَ السُّرة، إذا ابتسم رأيتَ النور من ضواحكه، وإذا تكلّم رأيتَ في كلامه شعاع الشمس من ثناياه، لا يستطيع أحدٌ وَصْفَه، وكان حُسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يُشبه آدَمَ عليه السلام يوم خلقه اللهُ ونفخ فيه من روحه قبل أن يُصيبَ المعصية. وقيل: إنه ورث ذلك الجمال من جدَّته سارة، وكانت قد أُعطيتْ سُدس الحُسن(٤). فلما رآه مالك بن دُعر قال: ﴿يَا بُشْرَايَ هذا غُلَامٌ﴾ هذه قراءةُ أهل المدينة وأهل البصرة(٥)، إلَّا ابن أبي إسحاق فإنه قرأ: ((يَا بُشْرَيَّ هذا غُلَامٌ)) (٦) فقلب الألف ياءً، لأن هذه الياء يُكسر ما قبلها، فلمَّا لم يَجُزْ كسرُ الألف كان قلبُها عوضاً. وقرأ أهل (١) ينظر معاني القرآن للنحاس ٤٠٥/٣ . (٢) في النسخ: إلا أن، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/٢، والكلام منه. (٣) صحيح مسلم (١٦٢) من حديث أنس بن مالك ه، وهو في مسند أحمد (١٢٥٠٥). (٤) الوسيط ٦٠٤/٢، وينظر عرائس المجالس ص١١١ - ١١٢ . (٥) هي قراءة نافع المدني، وأبي عمرو البصري، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي. السبعة ص٣٤٧ ، والتيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢ . (٦) القراءات الشاذة ص٦٢، والمحتسب ٣٣٦/١. ٢٩٣ سورة يوسف: الآية ١٩ الكوفة: ((يا بُشْرَى))(١) غير مضاف. وفي معناه قولان: أحدهما: اسمُ الغلام، والثاني: معناه: يا أيتها البُشرى، هذا حِينُك وأوانُك. قال قتادة والسُّدِّيّ: لمَّا أدلى المُدلي دلوه تعلَّق بها یوسف فقال: يا بُشرايَ(٢) هذا غلام. قال قتادة: بشّر أصحابه بأنه وجد عبداً. وقال السُّديّ: نادى رجلاً اسمه بُشری. قال النحاس(٣): قول قتادة أولى؛ لأنه لم يأتِ في القرآن تسميةُ أحد إلا يسيراً، وإنما يأتي بالكناية كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧]، وهو عُقبة بن أبي معيط، وبعده ﴿يَا لَيْتَفِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، وهو أميةٌ ابن خَلَف. قال النحاس(٤): والمعنى في نداء البُشرى: التبشير لمن حضر، وهو أوكدُ من قولك: تبشَّرت، كما تقول: يا عجباه! أي: يا عجبُ هذا من أيامك ومن آياتك فاحضُرْ، وهذا مذهب سيبويه(٥)، وكذا قال السُّهيلي(٦). وقيل: هو كما تقول: واسروراه! وأنَّ البشرى مصدر من الاستبشار. وهذا أصحُّ؛ لأنه لو كان اسماً علَماً لم يكن مضافاً إلى ضمير المتكلِّم؛ وعلى هذا يكون ((بُشْرَايَ)) في موضع نصب؛ لأنه نداءُ مضاف، ومعنى النداء هاهنا التنبيه، أي: انتبهوا لفرحتي وسروري، وعلى قول السُّدِّيّ يكون في موضع رفع كما تقول: يا زيدُ، هذا غلام. ويجوز أن يكونَ محلُّه نصباً كقولك: يا رجلاً، وقولِه: ﴿يَحَتْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، ولكنه لم يُنون (بُشْرَى)) لأنه لا ينصرف(٧). (١) السبعة ص٣٤٧، والتيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٣/٢. (٢) في (م): بشرى. (٣) في إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/٢، وما قبله منه، والأقوال السالفة أخرجها الطبري ٤٣/١٣ - ٤٤. (٤) في معاني القرآن ٤٠٦/٣ . (٥) الكتاب ٢١٧/٢، وينظر ما سلف ٣٥٨/٨ . (٦) في التعريف والإعلام ص ٨٠ ، وما بعده منه. (٧) ينظر الكشف عن وجوه القراءات لمكي ٧/٢، وتفسير البغوي ٤١٥/٢. ٢٩٤ سورة يوسف: الآيتان ١٩ - ٢٠ ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ﴾ الهاء كنايةٌ عن يوسف عليه السلام؛ فأما الواو فكنايةٌ عن إخوته. وقيل: عن التجار الذين اشتَرَوْه(١)، وقيل: عن الوارد وأصحابه(٢). (بِضَاعَةً)) نصبٌ على الحال. قال مجاهد: أسرَّه مالك بن دُعْر وأصحابُه من التجار الذين معهم في الرُّفقة، وقالوا لهم: هو بضاعةٌ استبضعناها بعضَ أهل الشام، أو أهل هذا الماء إلى مصر، وإنما قالوا هذا خِيفةَ الشركة(٣). وقال ابن عباس: أسرَّه إخوةُ يوسف بضاعةً لمَّا استُخرج من الجبِّ، وذلك أنهم جاؤوا فقالوا: بئس ما صنعتُم؛ هذا عبدٌ لنا أَبِقٍ، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما أن تُقرَّ لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء، وإما أن نأخذك فنقتلك، فقال: أنا أُقِرُّ لكم بالعبودية، فأقرَّ لهم فباعوه منهم(٤). وقيل: إن يهوذا وصَّى أخاه يوسفَ بلسانهم أن اعترِفْ لإخوتك بالعبودية، فإني أَخشى إنْ لم تفعل قتلوك، فلعل الله أن يجعلَ لك مخرجاً، وتنجوَ من القتل، فکتَم يوسفُ شأنَه مخافةً أن يقتله إخوته، فقال مالك: والله، ما هذه سِمة العبيد، قالوا: هو تَربَّى في حُجورنا، وتخلَّق بأخلاقنا، وتأدَّب بآدابنا، فقال: ما تقول يا غلام؟ قال: صدقوا، تربَّيت في حُجورهم، وتخلَّقت بأخلاقهم، فقال مالك: إنْ بعتموه مني اشتريتُه منكم، فباعوه منه(٥)، فذلك: قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِشَمَنْ بَخْسٍ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ فیه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْءُ﴾ يقال: شَريتُ بمعنى اشتريتُ، وشَريت بمعنى (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/٢ . (٢) ينظر تفسير الطبري ٤٦/١٣ - ٤٩ . (٣) أخرجه الطبري ٤٦/١٣ - ٤٧، وينظر تفسير البغوي ٤١٥/٢ . (٤) أخرجه الطبري ٤٩/١٣ مختصراً. (٥) عرائس الجالس ص١١٨ - ١١٩ بنحوه. ٢٩٥ سورة يوسف: الآية ٢٠ بِعتُ لغةً(١)، قال الشاعر: مِن بَعْدٍ بُرْدٍ كنتُ هَامَةْ (٢) وشَرِيْتُ بُرْداً لَيْتَني أي: پعتُ. وقال آخر: فلمَّا شَرَاها فاضتِ العينُ عَبرةً وفي الصَّدرِ حُزَّازٌ من اللَّوْمِ حَامِزُ(٣) ﴿يِثَمَنْ نَخْسٍ﴾ أي: نقصٍ، وهو هنا مصدرٌ وُضِعَ موضع الاسم، أي: باعوه بثمنٍ مبخوس، أي: منقوص. ولم يكن قصدُ إخوته ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدُهم ما يستفيدونه من خُلوِّ وجه أبيهم عنه (٤). وقيل: إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسفَ أُخرج من الجبِّ، فأخبر إخوته فجاؤوا وباعوه من الواردة. وقيل: لا، بل عادوا بعد ثلاثٍ إلى البئر يتعرَّفون الخبر، فرأوا أثرَ السيارة فاتَّبعوهم وقالوا: هذا عبدُنا أَبَقَ منَّا، فباعوه منهم(٥). : وقال قتادة: ((بَخْس)): ظلم. وقال الضَّحَّاك ومقاتل والسّدِّيّ وابن عطاء: (بَخْس)): حرام(٦). وقال ابن العربي (٧): ولا وجهَ له، وإنما الإشارةُ فيه إلى أنه لم يُستوفَ ثمنُه (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٦٧ . (٢) قائله يزيد بن مُفَرِّغ الحميري، وسلف ٣٩١/٣، وبرد: اسم غلام ندم على بيعه. المحرر الوجيز ٢٣٠/٣. والهامة: من طيور الليل، كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يُدرَك بثأره تصير هامة فتزقُو عند قبره، تقول: اسقوني، اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت. الصحاح (هيم). (٣) قائله الشمَّاخ بن ضرار، وهو في ديوانه ص ١٩٠، وفيه: الوجد، بدل: اللوم. والحزَّاز: ما حزَّ في القلب. والحَمَّازة: الشِّدَّة، وقد حَمُزَ الرجل، بالضم، فهو حميز الفؤاد وحامز. الصحاح (حزز) و(حمز). (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٧/٣ . (٥) ينظر عرائس المجالس ص١١٨ - ١١٩ . (٦) تفسير الطبري ٥٤/١٣ - ٥٥، والنكت والعيون ١٨/٣، وتفسير البغوي ٤١٦/٢ . (٧) في أحكام القرآن ١٠٦٧/٣ . ٢٩٦ سورة يوسف: الآية ٢٠ بالقيمة؛ لأن إخوته إنْ كانوا باعوه فلم يكن قصدُهم ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدُهم ما يستفيدون من خُلوّ وجه أبيهم عنه، وإنْ كان الذين باعوه الواردةَ، فإنهم أخفَوْه مقتطَعاً، أو قالوا لأصحابهم: أُرسلَ معنا بضاعةً، فرأوا أنهم لم يُعطُّوا عنه ثمناً، وأنّ ما أخذوا فيه ربحٌ كلّه. قلت: قوله: وإنما الإشارةُ فيه إلى أنه لم يُستوفَ ثمنُه بالقيمة؛ يدلُّ على أنهم لو أخذوا القيمةَ فيه كاملةً كان ذلك جائزاً. وليس كذلك، فدلَّ على صحة ما قاله السُّديّ وغيره؛ لأنهم أوقعوا البيعَ على نفس لا يجوز بيعُها، فلذلك كان لا يحلُّ لهم ثمنُه. وقال عكرمة والشّعبي: قلیل(١). وقال ابن حيَّان: زَيْف(٢). وعن ابن عباس وابن مسعود باعوه بعشرين درهماً، أخذَ كلُّ واحد من إخوته درهمين، وكانوا عشرةً، وقاله قتادة والسُّدِّيّ. وقال أبو العالية ومقاتل: اثنين وعشرين درهماً، وكانوا أحدَ عشرَ، أخذَ كلُّ واحدٍ درهمين، وقاله مجاهد. وقال عِكرمة: أربعين درهماً(٣). وما رُويَ عن الصحابة أولى. و((بخسٍ)) من نعت (ثمن)). ﴿دَرَهِمَ﴾ على البدل والتفسير له. ويقال: دراهيم على أنه جمع دِرهام، وقد يكون اسماً للجمع عند سيبويه، ويكون أيضاً عنده على أنه مدَّ الكسرة فصارت ياءً، وليس هذا مثل مدِّ المقصور؛ لأن مدَّ المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره. وأنشد النحويون: تَنْفي يداها الحَصَى في كلِّ هاچِرةٍ نَفْيَ الدّراهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ(٤) (١) أخرجه الطبري ٥٥/١٣ . (٢) أورده البغوي ٤١٦/٢ عن ابن عباس وابن مسعود ﴾. (٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ٥٦/١٣ - ٥٩، وينظر النكت والعيون ١٨/٣، وتفسير البغوي ٤١٦/٢، وزاد المسير ٤/ ١٩٧ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٢٠، والبيت للفرزدق، وهو في الكتاب ٢٨/١، والكامل للمبرد ٣٢٩/١ ، والخزانة ٤٢٦/٤ . ويصف فيه ناقته بسرعة السير في الهاجرة، فيقول: إن يديها لشدة وقعها في الحصى ينفيانه، فيقرع بعضه بعضاً، ويُسمع له صليل كصليل الدنانير إذ انتقدها الصَّيرفي، فنفى رديئُها عن جيِّدها. وخصَّ الهاجرة لتعذر السير فيها. الخزانة. ٢٩٧ سورة يوسف: الآية ٢٠ ﴿ مَعْدُودَةٍ﴾ نعت، وهذا يدل على أن الأثمانَ كانت تجري عندهم عدًّا لا وزناً بوزن. وقيل: هو عبارةٌ عن قِلَّة الثمن؛ لأنها دراهمُ لم تبلغ أنْ تُوزن لِقِلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يَزِنون ما كان دون الأُوِيَّة، وهي أربعون درهماً (١). الثانية: قال القاضي ابن العربي(٢): وأصلُ النقدين الوزن، قال﴾: ((لا تبيعوا الذَّهبَ بالذهبِ، ولا الفضةَ بالفضة، إلا وزناً بوزن، مَن زادَ أو ازدادَ فقد أَرْبى))(٣). والزّنة لا فائدةَ فيها إلَّ المقدار، فأما عينُها فلا منفعةَ فيه، ولكن جرى فيها العدُّ تخفيفاً عن الخَلْقِ لِكَثْرة المُعاملة، فيشقُّ الوزن، حتى لو ضُرب مثاقيلُ أو دراهمُ لجاز بيعُ بعضها ببعض عدَّا إذا لم يكن بها نُقصان ولا رُجحان، فإن نقصَتْ عاد الأمرُ إلى الوزن، ولأجل ذلك كان كسرُها أو قَرْضُها من الفساد في الأرض حَسَبَ ما تقدَّم(٤). الثالثة: واختلف العلماءُ في الدراهم والدنانير هل تتعيَّن أم لا؟ وقد اختلفت الروايةُ في ذلك عن مالك؛ فذهب أشهبُ إلى أن ذلك لا يتعيَّن، وهو الظاهرُ من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وذهبَ ابن القاسم إلى أنها تتعيَّن، وحُكي عن الكَرْخِيّ، وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف أنَّا إذا قلنا: لا تتعيَّن؛ فإذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها، ولو تعينت ثم تلفت لم يتعلق بذمتهما شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها. الرابعة: رُويَ عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى في اللَّقيط أنه حرّ، وقرأ: ﴿وَشَرَوَّهُ بِثَمَنٍ نَخٍْ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ وقد مضى القولُ فيه(٥). (١) النكت والعيون ١٨/٣ - ١٩، والمحرر الوجيز ٢٣٠/٣. (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٦٧ . (٣) أخرجه أحمد (٢٢٧٢٩)، ومسلم (١٥٨٧) بنحوه مطولاً من حديث عبادة بن الصامت ﴾، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند أحمد (١١٠٠٦)، والبخاري (٢١٧٦)، ومسلم (١٥٨٤)، وعن أبي بكرة ﴾ عند أحمد (٢٠٣٩٥) والبخاري (٢١٧٥) ومسلم (١٥٩٠). وعن أبي هريرة ﴾ عند أحمد (٧٥٥٨)، ومسلم (١٥٨٨). (٤) ٣٨٧/٣، ص١٩٥-١٩٧ من هذا الجزء. (٥) ص٢٦٦ من هذا الجزء، وسلف قول الحسن ثمة. ٢٩٨ سورة يوسف: الآيتان ٢٠ - ٢١ الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ قيل: المراد إخوته. وقيل: السيّارة. وقيل: الواردة، وعلى أيّ تقدير فلم يكن عندهم غَبيطاً، لا عند الإخوة؛ لأن المقصدَ زوالُه عن أبيه لا ماله. ولا عند السيّارة؛ لقول الإخوة: إنه عبد أَبَق منا؛ والزهد قِلَّة الرّغبة. ولا عند الواردة؛ لأنهم خافوا اشتراكَ أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أَولى(١). السادسة: في هذه الآية دليلٌ واضحٌ على جواز شراء الشيء الخَطير بالثمن الْيَسير، ويكون البيعُ لازماً، ولهذا قال مالك: لو باع دُرَّةً ذاتَ خطرٍ عظيمٍ بدرهم ثم قال: لم أَعلمْ أنها دُرَّةٌ وحَسِبتُها مَخْشَلَبَةً(٢) لزمه البيع، ولم يُلتفت إلى قوله. وقيل: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ أي: في حُسنه؛ لأن الله تعالى وإنْ أعطى يوسفَ شَظر الحُسن؛ صرف عنه دواعيَ نفوس القوم إليه إكراماً له. وقيل: ﴿وَكَانُواْ فِهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ لم يعلموا منزلته عند الله تعالى(٣). وحكى سيبويه والكسائي: زَهِدتُ وزَهَدتُ؛ بكسر الهاء وفتحها (٤). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنَهُ مِن مِصْرَ لِمْرَأَنِهِ، أَكْرِبِ مَثْوَنَهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَّآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ اَلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اُلْأَحَادِيثِّ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (( قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَّرَنَهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَتِهِ: أَكْرِمِى مَثْوَنَهُ﴾ قيل: الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال، إذْ لم يكن ذلك عقداً، مثل: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوْ اَلْضَّلََةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. وقيل: إنهم ظنُّوه في ظاهر الحال اشتراءً، فجرى هذا اللفظُ (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٧/٣ . (٢) المَخْشَلبة: كلمة عراقية، ليس على بنائها شيء من العربية، وهي تُنَّخذ من الليف والخرز، أمثالَ الحليّ. اللسان (شخلب). ولم نقف على قول مالك المذكور. (٣) أخرجه الطبري ٦١/١٣ عن الضحاك وابن جريج. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٠/٢. ٢٩٩ سورة يوسف: الآية ٢١ على ظاهر الظنّ. قال الضَّحَّاك: هذا الذي اشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز. السُّهيلي(١): واسمه قطفير. وقال ابن إسحاق: إطفير بن رويحب(٢)؛ اشتراه لا مرأته راعيل؛ ذكره الماورديّ(٣). وقيل: كان اسمها زَلِيخَاء، وكان اللهُ ألقى محبةً يوسفَ على قلب العزيز، فأوصى به أهلَه، ذكره القُشيريّ. وقد ذكر القولين في اسمها الثّعليّ(٤) وغيره. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير وزيرُ ملك مصر، وهو الريَّان بن الوليد. وقيل: الوليد بن الريَّان، وهو رجلٌ من العمالقة(٥). وقيل: هو فرعون موسى (٦)، لقول موسى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَهِّنَتِ﴾ [غافر: ٣٤]، وأنه عاشَ أربعَ مئة سنة. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، على ما يأتي في ((غافر)) بيانه(٧). وكان هذا العزيز الذي اشترى يوسفَ على خزائن الملك، واشترى يوسفَ من مالك بن دُعْر بعشرين ديناراً، وزاده حُلَّةً ونعلين(٨). وقيل: اشتراه من أهل الرُّفقة. وقيل: تزايدوا في ثمنهِ فبلغ أضعافَ وَزْنه مِسْكاً وعنبراً وحريراً ووَرِقاً وذهباً ولآلئ وجواهرَ لا يعلم قيمتها إلَّ الله، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن، قاله وهب بن منبِّه(٩). (١) التعريف والإعلام ص ٨٠. (٢) في تفسير الطبري ١٣/ ٦١، والوسيط للواحدي ٦٠٥/٢: روحيب. (٣) في النكت والعيون ١٩/٣، وأخرجه الطبري ١٣/ ٦١ - ٦٢ . : (٤) ذكر الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٢٠ أن اسمها راعيل، أو بكا بنت فيوش. وذكر الاسمين اللذين أوردهما المصنف رحمه الله ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٢٣١/٣، والبغوي في تفسيره ٤١٦/٢ . (٥) تفسير الطبري ٦١/١٣، والنكت والعيون ١٩/٣. (٦) المحرر الوجيز ٣/ ٢٣٠، قال ابن عطية: وهذا ضعيف. (٧) في تفسير الآية (٣٤)، وينظر تفسير الرازي ١٠٨/١٨. (٨) ينظر النكت والعيون ١٩/٣ . (٩) عرائس المجالس ص ١٢٠، وتفسير البغوي ٤١٦/٢. ٣٠٠ سورة يوسف: الآية ٢١ وقال وهب أيضاً وغيره: ولمَّا اشترى مالك بن دُغْر يوسف من إخوته كتب بينهم وبينه كتاباً: هذا ما اشترى مالك بن دُعر من بني يعقوب، وهم فلان وفلان مملوكاً لهم بعشرين درهماً، وقد شرطوا له أنه آبق، وأنه لا ينقلب به إلا مقيَّداً مسلسلاً، وأعطاهم على ذلك عهد الله. قال: فودَّعهم يوسف عند ذلك، وجعل يقول: حَفِظكم الله وإنْ ضيَّعتموني، نَصَركم الله وإنْ خَذَلتموني، رَحِمكم الله وإن لم ترحموني. قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دماً عَبِيطاً لشدّة هذا التوديع، وحملوه على قَتَبٍ بغير غطاء ولا وِطاء، مقيَّداً مكبَّلاً مُسلسلاً، فمرَّ على مقبرة آل كنعان، فرأى قبرَ أُمِّه، وقد كان وُكِّلَ به أسودُ يحرُسِه، فَغَفَل الأسود، فألقى يوسفُ نفسَه على قبر أُمّه، فجعل يتمرَّغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول: يا أماه، ارفعي رأسَك تَرَيْ ولدك مكبَّلاً مقيَّداً مسلسلاً مغلولاً، فرَّقوا بيني وبين والدي، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقرٌ رحمته، إنه أرحمُ الراحمين، فتفقَّده الأسودُ على البعير فلم يره، فقفا أثره، فإذا هو ببیاضٍ على قبر، فتأمَّله، فإذا هو إياه، فرضه برجله في التراب ومرَّغه وضربه ضرباً وجيعاً، فقال له: لا تفعل، والله ما هربتُ ولا أَبَقتُ، وإنما مررتُ بقبر أمي فأحببتُ أنْ أُودِّعَها، ولن أرجع إلى ما تكرهون، فقال الأسود: والله إنك لعبد سوء، تدعو أباك مرةً وأُمَّك أخرى! فهلًّا كان هذا عند مواليك، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنْ كانت لي عندك خطيئةٌ أخلقت بها وجهي، فأسألك بحقّ آبائي إبراهيم وإسحاقَ ويعقوبَ أن تغفرَ لي وترحمني. فضجَّت الملائكةُ في السماء، ونزل جبريلُ فقال له: يا يوسف، غُضَّ صوتَك، فلقد أبكيتَ ملائكةَ السماء، أَفتريدُ أن أَقلِبَ الأرض فأجعلَ عاليها سافلها؟ قال: تثبّت يا جبريل، فإنَّ الله حليمٌ لا يعجل، فضرب الأرضَ بجناحه فأظلمت، وارتفع الغبار، وكَسَفَت الشمس، وبقيت القافلةُ لا يعرِفُ بعضُها بعضاً، فقال رئيسُ القافلة: مَن أحدثَ منكم حدثاً؟ فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قطّ مثلُ هذا، فقال الأسود: أنا لطمتُ ذلك الغلامَ العبرانيّ، فرفع يدَه إلى السماء وتكلَّم بكلام لا أعرفه، ولا أشكُّ أنه دعا علينا، فقال له: ما أردتَ