النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة يوسف: الآيات ٧ - ٩
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ﴾ ((يوسف) رفع بالابتداء؛ واللام للتأكيد، وهي
التي يُتلقى بها القسم، أي: واللهِ لَيوسفُ. ﴿وَأَخُوهُ﴾ عطف عليه. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَا﴾
خبرُه، ولا يثنَّى ولا يُجمع لأنَّه بمعنى الفعل (١)؛ وإنَّما قالوا هذا لأنَّ خبرَ المنام
بلغهم فتآمروا في کیده.
﴿وَتَحْنُ عُصْبَةُ﴾ أي: جماعة، وكانوا عشرة. والعُضْبةُ ما بين الواحد إلى العشرة،
وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين الأربعين إلى العشرة. ولا واحدَ لها من
لَفْظِها، كالنَّفَر والرَّهْطَ (٢).
﴿إِنَّ أَبَّنَا لَّفِى ضََّلٍ مُّبِينٍ﴾ لم يريدوا ضلالَ الدِّين؛ إذ لو أرادوه لكانوا كفَّاراً، بل
أرادوا: لفي ذهابٍ عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في
الانتساب إليه. وقيل: لفي خطأ بيِّنِ بإيثاره يوسفَ وأخاه علينا(٣).
قوله تعالى: ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ في الكلام حذف، أي: قال قائلٌ منهم: ﴿أَقْنُواْ
يُوسُفَ﴾ ليكون أحسمَ لمادة الأمر. ﴿أَوِ أَطْرَهُوهُ أَرْضًا﴾ أي: في أرض، فأسقطَ
الخافض، وانتصب الأرض؛ وأنشد سيبويه(٤) فيما حذف منه ((في)):
لَذْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَثْنُهُ فيه كما عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ(٥)
قال النحاس(٦): إلَّا أنَّه في الآية حَسَنٌ كثير؛ لأنَّه يتعدَّى إلى مفعولين؛ أحدهما
بحرف، فإذا حذفتَ الحرف تعدَّى الفعل إليه.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٥/٢.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٤١١ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٤١١. قال الألوسي ١٢/ ١٩٠: والذي ينبغي أن يعوَّل عليه أنه عليه السلام إنما أحبه
أكثر منهم لمَّا رأى فيه من مخايل الخير ما لم يَرَ فيهم، وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا لتأكيدها تلك
الأمارات عنده.
(٤) في الكتاب ٣٦/١ و٢١٤ .
(٥) أي: في الطريق، والبيت لساعدة بن جؤية، وهو في شرح ديوان الهذليين ١١٢٠/٣، وسلف ٩/ ١٧٢.
(٦) في إعراب القرآن ٣١٥/٢، وما قبله منه.

٢٦٢
سورة يوسف: الآيات ٧ - ١٠
والقائل قيل: هو شمعون؛ قاله وهبُ بن منبِّه. وقال كعبُ الأحبار: دان. وقال
مقاتل: روبيل(١). فالله أعلم. والمعنى: أرضاً تبعد عن أبيه. فلابدَّ من هذا الإضمار؛
لأنه كان عند أبيه في أرض (٢).
﴿يَعْلُ﴾ جزمٌ؛ لأنَّه جوابُ الأمر؛ معناه: يَخلص ويصفو ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَيَكُمْ﴾ فَيُقْبِلُ
عليكم بكلِّيته ﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف
صَلِينَ﴾ أي: تائبين، أي: تُحدِثوا توبةً بعد ذلك فيقبلها الله منكم(٣)؛ وفي هذا دليلٌ
على أنَّ توبةَ القاتل مقبولةٌ، لأنَّ الله تعالى لم يُنكر هذا القولَ منهم. وقيل:
(صَالِحِينَ)) أي: يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أَثَرةٍ ولا تفضيل(٤).
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَآَيْلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ
بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ
فيه ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ﴾ القائلُ هو يهوذا، وهو أكبر وَلَدِ يعقوب؛
قاله ابن عباس(٥). وقيل: روبيل، وهو ابن خالته، وهو الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ
اٌلْأَرْضَ﴾ الآية [يوسف: ٨٠]. وقيل: شمعون(٦).
﴿وَأَلْقُوُهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبٍّ﴾ قرأ أهل مكة وأهل البَضْرة وأهل الكوفة: ﴿فِى غَيَبَتِ
الْجُبِّ﴾. وقرأ أهل المدينة: ﴿فِي غَيَابَاتِ الْجُبِّ﴾(٧) واختار أبو عبيد التوحيد؛ لأنه
(١) ذكر أقوالهم البغوي ٢/ ٤١١ .
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٩٣/٣، وللنحاس ٣٩٩/٣ - ٤٠٠ .
(٣) الوسيط ٦٠١/٢، وقد ذكره الواحدي عن ابن عباس.
(٤) النكت والعيون ١١/٣.
(٥) ذكره ابن الجوزي ١٨٤/٤ من طريق أبي صالح عنه.
(٦) أخرج القولين الأخيرين الطبري ٢٠/١٣ - ٢١؛ الأول عن قتادة وابن إسحاق، والثاني عن مجاهد.
(٧) وهي قراءة نافع وأبي جعفر. السبعة ص ٣٤٥، والتيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٣/٢ .

٢٦٣
سورة يوسف: الآية ١٠
على موضعٍ واحد ألقَوْه فيه، وأَنكر الجمعَ لهذا. قال النحاس(١): وهذا تضييقٌ في
اللغة، ((وغيابات)) على الجمع يجوز [من وجهين]: حكى سيبويه: سِيرَ عليه عُشَيَّاناتٍ
وأُصَيْلاناتٍ، يريد: عَشِيَّةً وأَصيلاً، فجعل كلَّ وقتٍ منها عَشِيَّةً وأصيلاً(٢). فكذا
جُعل كلُّ موضعٍ مما يُغيِّب غيابة. والآخر: أن يكون في الجبِّ غَياباتٌ جماعة.
ويقال: غاب يَغِيبُ(٣) غَيْباً وغَيابة وغَياباً؛ كما قال الشاعر:
أَلَا فالبَثَا شهرين أو نصفَ ثالثٍ إلى ذَاكُمَا ما (٤) غَيَّبَتْنِي غَيابِيًا (٥)
قال الهرويّ(٦): والغَيابة شبه لَجَفٍ (٧)، أو طاقٌ في البئر فُوَيْقَ الماءِ، يغيِّبُ
الشيءَ عن العين. وقال ابن عُزَيْز(٨): كلُّ شيء غيَّب عنك شيئاً فهو غيابة. قلت: ومنه
قيل: للقبر: غَيابة (٩)؛ قال الشاعر:
فَسِيروا بسَيْري في العَشِيرةِ والأَهل(١٠)
فإنْ أنا يوماً غَيَّبَتْني غَيَابَتي
والجُبُّ: الرَّكِيَّة التي لم تُظْوَ، فإذا ◌ُويت فهي بئر (١١)؛ قال الأعشى(١٢):
(١) في إعراب القرآن ٣١٥/٢، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) الكتاب ٤٨٤/٣. قال سيبويه: قالوا: عُشيّانات، كأنهم سمَّوا كلَّ جزء منه عشية.
(٣) من قوله: غيابة والآخر ... ، إلى هذا الموضع من (م) وإعراب القرآن.
(٤) في (م): أنا ذاكما قد، وفي باقي النسخ: إلى ذاكما قد، والمثبت من إعراب القرآن وباقي المصادر
على ما يأتي.
(٥) قائله ابن أحمر، كما في معاني القرآن للأخفش ١٨٧/١، والأزمنة والأمكنة للمرزوقي ٣٧٧/٢
وأمالي ابن الشجري ٧٥/٣، وهو بلا نسبة في المحتسب ٢٢٧/٢، والخزانة ٧١/١١ .
قال المرزقي: أراد بالغياب: الغّيابة؛ لذلك أنَّث. اهـ أي: أنَّث الفعل غيبتني.
(٦) في (ظ): المهدوي.
(٧) حفر في جانب البئر. القاموس (لجف).
(٨) في شرح غريب القرآن ص٣٤٣ .
(٩) ينظر الوسيط ٦٠١/٢ - ٦٠٢، واللسان (غيب).
(١٠) قائله المنشَّل بن سُبَيْع العنبري، كما في مجاز القرآن ٣٠٢/١، وزاد المسير ١٨٥/٤. وهو في
معاني القرآن للزجاج ٩٤/٣ برواية: غييتني منيتي.
(١١) تفسير الغريب لابن عزيز ص١٩٤. والركيَّة: البئر. القاموس (ركو). وفي اللسان (طوي): طوى
الركية طيًّا: عرشها بالحجارة والآجر.
(١٢) في ديوانه ص ١٧٣ .

٢٦٤
سورة يوسف: الآية ١٠
لئن كنتَ في جبِّ ثمانين قامةً ورُقِّيتَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّم
وسمِّيت ◌ُبًّا لأنها قُطِعت في الأرض قَطْعاً. وجمعُ الجبِّ: جِبَبَة وچِبَاب
وأَجْباب(١).
وجَمَع بين الغَيابة والجُبِّ؛ لأنه أراد: أَلقُوه في موضع مظلم من الجُبِّ حتى لا
يَلحقه نظرُ الناظرين. قيل: هو بئرٌ ببيت المقدس(٢). وقيل: هو بالأرْدُنّ؛ قاله وَهْب بن
مُنَبِّه. مقاتل: هو على ثلاثةِ فراسخَ من منزل يعقوب (٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَلْنَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ جزم على جواب الأمر. وقرأ مجاهد
وأبو رجاء والحسن وقتادة: (تَلْتَقِظْهُ)) بالتاءِ(٤). وهذا محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ بعض
السيارة سَيَّارة، وحكى سيبويه: سقطت بعضُ أصابعه، وأنشد:
كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ من الدَّمِ (٥)
وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أَذغْتَه
وقال آخر :
كما أَخَذَ السَّرَارُ من الهلالِ(٦)
أَرَى مَرَّ السِّنينَ أَخَذْنَ منِّي.
ولم يقل: شَرِق ولا أَخَذَتْ.
والسيّارة: الجمعُ الذين يسيرون في الطريق للسَّفر؛ وإنَّما قال هذا القائلُ هذا
(١) تهذيب اللغة ١٠/ ٥١١ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٣١٨/١، والطبري ٢١/١٣ - ٢٢، وذكره الواحدي في الوسيط ٢/ ٦٠٢.
(٣) الوسيط ٢/ ٦٠٢.
(٤) القراءات الشاذة ص ٦٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٦/٢ والكلام منه.
(٥) الكتاب ٥٢/١، والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٧٣ . وقوله: وتشرقَ، بالفتح، معطوف على ما قبله.
يخاطب به يزيد بن مُسْهِر الشيباني فيقول: يعود عليك مكروهُ ما أذعتَ عنِّي من القول، ونَسَبْتَه إليَّ من
القبيح، والشَّرَق بالماء كالغصص بالطعام. والشاهد فيه تأنيث فعل الصدر وهو مذكّر؛ لأنه مضاف إلى
مؤنث. شرح الشواهد للشنتمري ص ٨٠ .
(٦) البيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن حبيب ٥٤٦/٢ برواية: رأت مرَّ السنين. قال شارح
الديوان: أراد: رأت السنين، والسَّرار ليلتان تبقيان من الشهر إذا كان تامًّا، وإذا كان ناقصاً كان سراره
ليلة. اهـ وفي اللسان (سرر): استسَرّ الهلال في آخر الشهر: خفي.

٢٦٥
سورة يوسف: الآية ١٠
حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد، ويحصل المقصود؛ فإنَّ مَن التقطه من
السيارة يحمله إلى موضعٍ بعيد، وكان هذا وجهاً في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى
الحركة بأنفسهم، فربَّما لا يأذن لهم أبوهم، وربما يطَّلع على قَصْدهم.
الثالثة: وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ إخوة يوسف ما كانوا أنبياء أوّلاً ولا آخِراً(١)؛
لأنَّ الأنبياء لا يدبِّرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصيةً ثم تابوا.
وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلَّةُ نبيٍّ، فكانت هذه زلَّةً منهم. وهذا
يردُّه أنَّ الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدَّمناه(٢). وقيل: ما كانوا في ذلك
الوقت أنبياء ثم نبَّهم الله(٣)، وهذا أشبه، والله أعلم.
الرابعة: قال ابن وَهْب: قال مالك: طُرح يوسف في الجُبِّ وهو غلام. وكذلك
روى ابن القاسم عنه، يعني أنَّه كان صغيراً، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ
يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْنَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ قال: ولا يُلتقَط إلَّ الصغير،
وقولُه: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ﴾ وذلك أمرٌ يختصُّ بالصغار(٤)، وقولُهم: ﴿أَرْسِلْهُ
مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾.
الخامسة: الالتقاطُ: تَناوُلُ الشيء من الطريق، ومنه اللّقِيط واللَّقَطَّة، ونحن نذكر
من أحكامها ما دلَّت عليه الآيةُ والسُّنة، وما قال في ذلك أهل العلم واللغة.
قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غيرِ طَلَب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَلْتَفِظُهُ
بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: يجده من غير أن يحتسبه.
(١) في (ف) و(م): لا أولاً ولا آخراً.
(٢) ٤٥٩/١ - ٤٦٠ وص٢٥٥ من هذا الجزء.
(٣) ذكره البغوي ٢/ ٤١٢ عن أبي عمرو بن العلاء. قال ابن كثير عند تفسير الآية السابعة من هذه السورة:
اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف ... ومن الناس مَن يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي
هذا نظر، ويحتاج مدَّعي ذلك إلى دليل ... الخ وينظر تتمة قوله هناك.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٦٥ - ١٠٦٦.

٢٦٦
سورة يوسف: الآية ١٠
وقد اختلف العلماء في اللَّقيط؛ فقيل: أصلُه الحريّة؛ لغَلَبة الأحرار على العبيد.
ورُويَ عن الحسن بن عليٍّ أنّه قضى بأنَّ اللَّقِيط حُرٍّ، وتلا: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ نَخْسٍ
دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. وإلى هذا ذهب أشهب صاحبُ مالك، وهو قولُ عمر بنِ الخطاب،
وكذلك يُروى عن عليٍّ وجماعة. وقال إبراهيم النَّخَعي: إنْ نوى رِقَّه فهو مملوك، وإن
نوى الحِسبةَ فهو حرّ (١).
وقال مالك في ((موّئه))(٢): الأمرُ عندنا في المنبوذ أنه حرٍّ، وأنَّ ولاءه لجماعة
المسلمين، هم يرثونه ويعقلون عنه. وبه قال الشافعيُّ؛ واحتجَّ بقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّما الوَلَاءُ لمن أَعتق))(٣) قال: فنفَى الوَلَّاء عن غير المعتِقِ.
واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما على أنَّ اللّقيطَ لا يُوالي أحداً، ولا يرتُه أحدٌ
بالوَلَاء. وقال أبو حنيفة وأصحابه وأكثر الكوفيين: اللَّقيط يوالي مَن شاء، فَمَن والاه
فهو يرثُه ويعقِلُ عنه. وعند أبي حنيفة: له أنْ ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقِل عنه
الذي والاه، فإنْ عَقَلَ عنه جنايةً، لم يكن له أن ينتقلَ عنه بولائه أبداً (٤).
وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة(٥) عن عليٍّ ﴾: المنبوذُ حرِّ، فإن أحبَّ أن يوالي الذي
التقطه والاه، وإن أحبَّ أن يواليَ غيرَه والاه. ونحوه عن عطاء(٦)، وهو قولُ ابنِ
شهابٍ وطائفةٍ من أهل المدينة(٧)، وهو حرّ.
قال ابن العربيّ(٨): إنما كان أصل اللَّقيط الحرِّيَةَ؛ لغَلَبةِ الأحرار على العبيد،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٦/٣ عدا قول أشهب، وذكر قوله ابن عبد البر في الاستذكار ١٥٦/٢٢،
وقول عمر أخرجه مالك في الموطأ ٧٣٨/٢ ، وقول علي سيرد قريباً.
(٢) ٧٣٨/٢ .
(٣) الاستذكار ١٥٨/٢٢، والحديث سلف ٨/ ٢٤٧ .
(٤) الاستذكار ١٥٨/٢٢ .
(٥) في مصنفه ٤٠٦/١١ .
(٦) المصنف ٤٠٧/١١ .
(٧) الاستذكار ١٥٩/٢٢ .
(٨) في أحكام القرآن ١٠٦٧/٣ - ١٠٦٨.

٢٦٧
سورة يوسف: الآية ١٠
فيقضَى(١) بالغالب، كما حُكم أنه مسلم أخذاً بالغالب؛ فإن كان في قريةٍ فيها نصارى
ومسلمون؛ قال ابن القاسم: يُحكم بالأغلب، فإن وُ جد عليه زِيُّ اليهود فهو يهوديٌّ،
وإنْ وُجِد عليه زيُّ النصارى فهو نصرانيٌّ. وإلَّا فهو مسلم، إلّا أنْ يكون أكثرُ أهل
القرية على غير الإسلام(٢). وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلمٌ واحد قُضي لِلَّقيط
بالإسلام، تغليباً لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يُعلَى عليه(٣)، وهو مقتضَى قولٍ
أشهب؛ قال أشهب: هو مسلم أبداً؛ لأني أجعله مسلماً على كلِّ حال، كما أجعله
حرًّا على كلِّ حال (٤).
واختلف الفقهاء في المنبوذ تشهد البيّنة أنَّه عبد؛ فقالت طائفةٌ من أهل المدينة:
لا يُقبل قولها في ذلك. وإلى هذا ذهب أشهب؛ لقول عمر: هو حرِّ. ومَن قضى
بحرِّيته(٥) لم يقبل البيّنةَ في أنه عبد. وقال ابن القاسم: تُقبل البيّنةُ في ذلك. وهو قولُ
الشافعيِّ والكوفيّ(٦).
السادسة: قال مالك في اللقيط: إذا أنفق عليه الملتقِطُ، ثم أقام رجلٌ البيّنةَ أنه
ابنُه، فإنَّ الملتقِطَ يرجع على الأب إن كان طَرَحه متعمِّداً، وإن لم يكن طَرَحه ولكنه
ضلَّ منه فلاشيءَ على الأب، والملتقِط متطوِّيعٌ بالنفقة. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على
اللَّقيط فهو متطوِّع، إلَّا أن يأمره الحاكم. وقال الأوزاعيُّ: كلُّ مَن أنفق على مَن لا
تجب [له] عليه نفقةٌ؛ رَجَعَ بما أَنفق(٧).
وقال الشافعيُّ: إن لم يكن للَّقيط مالٌ وجبت نفقتُه في بيت المال، فإن لم يكن
(١) في النسخ: فقضى والمثبت من أحكام القرآن.
(٢) الاستذكار ٢٢/ ١٥٧.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٨/٣ .
(٤) الاستذكار ١٥٧/٢٢.
(٥) في المطبوع من الاستذكار ١٥٦/٢٢ (والكلام منه): ومن قضى بحديثه.
(٦) في الاستذكار: والكوفيين.
(٧) التمهيد ١٢٨/٣ - ١٢٩، وما سلف بين حاصرتين منه.

٢٦٨
سورة يوسف: الآية ١٠
ففيه قولان: أحدهما: يُستقرض له في ذمَّته. والثاني: يقسّط على المسلمين من غير
عِوَض(١).
السابعة: وأمَّا اللَّقَطةُ والضَّوَالُّ فقد اختلف العلماء في حكمهما؛ فقالت طائفة
من أهل العلم: اللُّقَطَةُ والضَّوالُّ سواءٌ في المعنى، والحكمُ فيهما سواءٌ. وإلى هذا
ذهب أبو جعفر الطحاويُّ، وأنكر قولَ أبي عُبيد القاسم بنِ سلام - إنَّ الضالّة لا تكون
إلا في الحيوان، واللَّقطة في غير الحيوان - وقال: هذا غلَط؛ واحتجَّ بقوله{8# في
حديث الإفك للمسلمين: ((إنّ أمَّكم ضلَّت قِلادتَها)) فأَطلق ذلك على القِلادة(٢).
الثامنة: أجمع العلماء على أنَّ اللُّقَطةَ ما لم تكن تافهاً يسيراً، أو شيئاً لا بقاء
له(٣)، فإنَّها تُعرَّف حولاً كاملاً. وأجمعوا أنَّ صاحبها إنْ جاء فهو أحقُّ بها من
مُلتقِطِها إذا ثبت له أنه صاحبها. وأجمعوا أنَّ ملتقِطَها إنْ أَكَلَها بعد الحول وأراد
صاحبُها أن يضمِّنه فإنَّ ذلك له، وإن تصدَّق بها فصاحبُها مخيَّر بين التضمين، وبين أن
ينزل على أجرها، فأيَّ ذلك تَخَيَّر كان ذلك له بإجماع؛ ولا تنطلقُ يدُ ملتقطها عليها
بصدقة، ولا تُصرَفُ قبل الحول. وأجمعوا أنَّ [آخِذ] ضالّة الغنم [في الموضع]
المخوفِ عليها له أكلُها.
التاسعة: واختلف الفقهاء في الأفضل مِن تَرْكِها أو أخذها؛ فمِن ذلك أنَّ في
الحديث دليلاً على إباحة التقاط اللُّقَطة وأَخْذِ الضالَّة ما لم تكن إبلاً. وقال في الشاة:
((لكَ أو لأخيكَ أو للذئب)» يحضُّه على أخذها، ولم يقل في شيء: دعوه حتى يضيع
(١) التنبيه للشيرازي ص ١٣٤.
(٢) التمهيد ١١١/٣ - ١١٢، والاستذكار ٣٣٣/٢٢ - ٣٣٤، وقول الطحاوي في شرح معاني الآثار
١٣٩/٤، والحديث بهذا اللفظ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١١١/١. وحديث الإفك
أخرجه مطولاً البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠) دون اللفظ المذكور، وينظر ما ورد من أحاديث في
قصة إضاعة عائشة رضي الله عنها قلادتها فيما سلف ٣٥٤/٦ - ٣٥٧.
(٣) في النسخ: لها، والمثبت من التمهيد ١٠٧/٣، والاستذكار ٣٢٩/٢٢، والكلام وما سيرد بين
حاصرتین منهما.

٢٦٩
سورة يوسف: الآية ١٠
أو يأتيَه ربُّه. ولو كان تركُ اللَّقطة أفضلَ لأَمر به رسول الله # كما قال في ضالَّة
الإبل، والله أعلم(١).
وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في سَعَة؛ إنْ شاء أَخَذَها، وإن شاء تركها؛ هذا
قولُ إسماعيل بن إسحاق رحمه الله.
وقال المُزَنيُّ عن الشافعيِّ: لا أحبُّ لأحدٍ تَرْكَ لُقَطةٍ إنْ وجدها؛ إذا كان أميناً
عليها، قال: وسواءٌ قليلُ اللُّقطة وكثيرُها(٢).
العاشرة: روى الأئمةُ؛ مالكٌ وغيره عن زيد بن خالد الجُهَنيِّ قال: جاء رجل إلى
النبيِّ ﴾، فسأله عن اللَّقَطة، فقال: ((اعْرِفْ عِفَاصَها ووِكَاءَها، ثم عَرِّفها سنةً، فإنْ
جاء صاحبُها، وإلا فشأنَك بها)). قال: فضالَّةُ الغنم يا رسول الله؟ قال: ((لكَ أو
لأخيكَ أو للذئب)). قال: فضالةُ الإِبل؟ قال: ((ما لَكَ ولَها؟! معها سِقاؤها
وحِذاؤها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجر حتى يلقاها ربُّها))(٣).
وفي حديث أُبيِّ قال: ((احفَظْ عَدَدها ووِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاء صاحبُها، وإلَّ
فاستمتع بها)). ففي هذا الحديثِ زيادةُ العدد؛ خرَّجه مسلم وغيره (٤).
وأجمع العلماء أنَّ عِفاص اللُّقَطة ووكاءَها من إحدى علاماتها وأَدَلّها عليها(٥)،
فإذا أتى صاحب اللَّقَطة بجميع أوصافها دُفعت له؛ قال ابن القاسم: يُجبَر على
دفعها، فإن جاء مستحقٌّ يَستحقُّها ببيِّنة أنها كانت له، لم يَضْمَن الملتقطُ شيئاً (٦). وهل
(١) التمهيد ١٠٨/٣، وسيأتي حديث ضالة الإبل وضالة الغنم في المسألة التالية.
(٢) التمهيد ١٠٩/٣ و١١٠.
(٣) الموطأ ٢/ ٧٥٧، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٢٤٢٩)، ومسلم (١٧٢٢): (١)، وأخرجه بنحوه
من غير طريق مالك أحمد (١٧٠٥٠). والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خرقة أو
غير ذلك. والوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس. النهاية (عفص) و(وكا).
(٤) صحيح مسلم (١٧٢٣)، وهو عند أحمد (٢١١٦٦).
(٥) التمهيد ٣/ ١٠٧.
(٦) التمهيد ١٢٠/٣، والاستذكار ٣٣٩/٢٢.

٢٧٠
سورة يوسف: الآية ١٠
يُحَلَّف مع الأوصاف أو لا؟ قولان: الأوّلُ لأشهب، والثاني لابن القاسم. ولا تلزمه
بَيِّنةٌ عند مالكِ وأصحابه وأحمدَ بنِ حَنْبل وغيرهم(١).
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: لا تُدفع له إلَّ إذا أقام بينةً أنها له. وهو بخلاف نصِّ
الحديث، ولو كانت البيِّنةُ شرطاً في الدفعِ لمَا كان لذكرِ العِفاص والوِكاء والعَدد
معنَّى؛ فإنه يستحقُّها بالبينة على كلِّ حال، ولَمَا جاز سكوتُ النبيِّ# عن ذلك، فإنه
تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة (٢). والله أعلم.
الحادية عشرة: نَصَّ الحديث على الإبل والغنم وبيَّن حكمهما، وسكت عمَّا
عداهما من الحيوان. وقد اختلف علماؤنا في البقر؛ هل تُلحَقُ بالإبل أو بالغنم؟
قولان. وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهرُ قولِ ابن
القاسم أنَّها تلتقط، وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط(٣). وقول ابن القاسم أصحُ؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((احفَظْ على أخيك المؤمنِ ضالَّته))(٤).
الثانية عشرة: واختلف العلماء في النفقة على الضَّوالّ؛ فقال مالك فيما ذكر عنه
ابنُ القاسم: إنْ أنفق الملتقِطُ على الدوابِّ والإبل وغيرها فله أن يرجع على صاحبها
بالنفقة، وسواءٌ أَنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره، قال: وله أن يحبسَ بالنفقة ما
أَنفق عليه، ويكونُ أحقَّ به كالرهن. وقال الشافعيُّ: إذا أَنفق على الضوالٌ مَن أَخَذها
فهو متطوَّعٌ؛ حكاه عنه الرّبيع. وقال المُزنيُّ عنه: إذا أمره الحاكم بالنفقة كانت دَيْناً،
وما ادَّعى قُبِل منه إذا كان مثلُه قَصْداً. وقال أبو حنيفة: إذا أَنفق على اللُّقَطة والآبق(٥)
(١) المفهم ١٨٣/٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المفهم ١٩٠/٥ .
(٤) قطعة من حديث أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٥/٤ - ١٣٦، والبيهقي ١٥٣/٤.
برواية: احبس، بدل: احفظ. قال الطحاوي: ففي هذا الحديث إباحة أخذ الضوال التي قد يُخاف عليها
الضياع، وحبسها له (أي لصاحبها).
(٥) في (د) و(م): والإبل، وفي (ز) و(ظ) و(ف): والابن، والمثبت من مختصر اختلاف العلماء
للجصاص ٣٤٩/٤، والتمهيد ١٢٩/٣ والكلام منه، وما سيرد بين حاصرتين منهما.

٢٧١
سورة يوسف: الآية ١٠
بغير أمر القاضي فهو متطوِّع، وإن أنفق بأمر القاضي فذلك دَينٌ على صاحبها إذا
جاء، وله أن يحبسها [بالنفقة] إذا حضر صاحبها، والنفقةُ عليها ثلاثةُ أيام ونحوها،
حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما أشبهها ويقضي بالنفقة.
الثالثة عشرة: ليس في قوله # في اللّقطة بعد التعريف: ((فاستَمتِعْ بها))(١) أو:
((فشأنَكَ بها))(٢) أو: ((فهي لك))(٣) أو: ((فاستَنْفِقْها))(٤) أو: ((ثم كُلُّها)»(٥) أو: ((فهو مالُ
الله يؤتيه من يشاء)»(٦) على ما في ((صحيح)) مسلم وغيره، ما يدلُّ على التمليك
وسقوطِ الضَّمان عن الملتقط إذا جاء ربُّها، فإنَّ في حديث زيد بن خالد الجُهَنيِّ عن
النبيِّ ﴾: ((فإنْ لم تعرف، فاستَنْفِقْها ولْتَكُنْ وديعةً عندك، فإنْ جاء صاحبُها يوماً من
الدهر فأدِّها إليه)»(٧) في رواية: (ثم)) كُلْها، فإن جاء صاحبُها فأدِّها إليه)) خرَّجه
البخاريُّ ومسلم(٨).
وأجمع العلماء على أنَّ صاحبها متی جاء فهو أحقُّ بها، إلَّا ما ذهب إليه داود من
أنَّ الملتَقِط يملك اللُّقطة بعد التعريف؛ لتلك الظواهر. ولا التفات لقوله؛ لمخالفة(٩)
الناس، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((فأدِّها إليه)) (١٠).
(١) سلف في المسألة العاشرة من حديث أبي ﴾.
(٢) سلف في المسألة العاشرة من حديث زيد بن خالد الجهني ﴾.
(٣) أخرج هذه الرواية أحمد (١٧٠٣٧)، ومسلم (١٧٢٢): (٦).
(٤) أخرجها أحمد (١٧٠٦٠)، والبخاري (٢٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٢): (٣) و(٥).
(٥) أخرجها أحمد (٢١٦٨٦)، ومسلم (١٧٢٢): (٧)، وجميع هذه الروايات من حديث زيد بن خالد
الجهني ﴾.
(٦) أخرجه أحمد (١٧٤٨١)، وأبو داود (١٧٠٩)، والنسائي في الكبرى (٥٧٧٦)، وابن ماجه (٢٥٠٥) من
حدیث عياض بن حمار.
(٧) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٧٢٢): (٥)، وبنحوه البخاري (٢٤٢٨).
(٨) صحيح البخاري (٩١)، وصحيح مسلم (١٧٢٢): (٧)، وهو عند أحمد (٢١٦٨٦) وقد سلف تخريجه
في بداية هذه المسألة، ووقع عند البخاري: استمتع بها، بدل: ثم كلها.
(٩) في (ظ): لمخالفته.
(١٠) المفهم ١٨٧/٥ - ١٨٨.

٢٧٢
سورة يوسف: الآيتان ١١ - ١٢
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَكَأَبَّنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَصِحُونَ
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَكَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل للحسن: أَيحسُد المؤمنُ؟
قال: ما أَنساكَ ببني يعقوب(١)! ولهذا قيل: الأبُ جلَّاب، والأخُ سلَّاب(٢).
فعند ذلك أَجمعوا على التفريقِ بينه وبين ولدِه بضربٍ من الاحتيال، وقالوا
ليعقوب: ﴿يَأَبَّنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ﴾. وقيل: لمَّا تفاوضوا وافترقوا على رأي
المتكلِّم الثاني، عادوا إلى يعقوبَ عليه السلامُ وقالوا هذا القولَ. وفيه دليلٌ على أنَّهم
سألوه قبلَ ذلك أن يَخرُج معهم يوسفُ فأبى، على ما يأتي.
قرأ يزيدُ بنُ القَعْقَاعِ وعمرو بنُ عُبيد والزُّهريُّ: ((لا تأمَنًا)) بالإدغام وبغير إشمامِ،
وهو القياسُ؛ لأنَّ سبيلَ ما يُدغَم أن يكونَ ساكناً.
وقرأ طلحةُ بن مُصَرِّف: ((لَا تَأْمَنُنَا)» بنونَيْنِ ظاهرتين على الأصلِ.
وقرأَ يحيى بنُ وثَّاب وأبو رَزِين - وروي عن الأعمش -: ((لا تِيمَنَّا)) بكسرِ التاء،
وهي لغةُ تميم؛ يقولون: أنت تِضْرب؛ وقد تقدَّم (٣).
وقرأ سائر الناسِ بالإدغام والإشمام، ليدلَّ على حالِ الحرفِ قبل إدغامِه (٤).
﴿وَإِنَّا لَهُ لَتَصِحُونَ﴾ أي: في حفظِهِ وحيطتِه حتى نَردَّه إليك(٥). قال مقاتل: في
الكلام تقديمٌ وتأخير، وذلك أنَّ إخوة يوسفَ قالوا لأبيهم: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ الآيةِ،
فحينئذٍ قال أبوهم: ﴿إِ لَيَحْزُنُِيِّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ فقالُوا حينئذٍ جواباً لقوله: ﴿مَا لَكَ
(١) أخرجه هناد في الزهد (١٣٩٤)، وابن حبان في روضة العقلاء ص١٣٦.
(٢) عرائس المجالس ص١١٤ .
(٣) ٢٢٦/١ و٢٩٧/٩.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٩٤/٣، ومعاني القرآن للفراء ٣٨/٢،
ومختصر شواذ القرآن ص٦٢، والمحرر الوجيز ٢٢٣/٣.
(٥) تفسير الطبري ٢٤/١٣ .

٢٧٣
سورة يوسف: الآيتان ١١ - ١٢
لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ﴾ الآية ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إلى الصحراء(١) ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾.
((غداً)) ظرفٌ، والأصلُ عند سيبويهِ: غَدْوٌ، وقد نُطِق به على الأصل(٢)؛ قال
النَّضر بنُ شُميل: ما بينَ الفجرِ وصلاةِ الصبح يُقال له: غُذْوةٌ، وكذا بُكْرة(٣).
((تَرْتَعْ وَتَلْعَبْ)) بالنون وإسكان العين قراءةُ أهل البصرة، والمعروفُ من قراءةِ أهلِ
مكة: (نَرْتَعِ)) بالنون وكسر العين، وقراءةِ أهل الكوفة: ((يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)) بالياء وإسكانٍ
العين. وقراءةِ أهلِ المدينة بالياء وكسرِ العين(٤). القراءةُ الأولى من قولِ العرب: رَتَع
الإنسانُ والبعير: إذا أَكَلا كيف شاءا، والمعنى: نتسع في الخِصْب؛ وكلُّ مُخْصِب
رائعٌ(٥)؛ قال:
فارعَيْ فزارةُ لا هَنَاكِ المَرْتَعُ(٦)
وقال آخر :
فإِنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ(٧)
تَرْتَعُ ما غَفَلتْ حتى إذا ادَّكرتْ
وقال آخر :
وبعد عَطائِكَ المئةَ الرَّتَاعًا (٨)
أكفراً بعد رَدِّ الموتِ عنِّي
أي: الرائعة لكثرةِ المَرْعَى. وروى مَعْمر عن قَتَادة: ((ترتع)): تسعى؛ قال
النحاس: أخذه من قولِه: ((إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)) لأنَّ المعنى: نستبقُ في العَدْوِ إلى غايةٍ
(١) زاد المسير ١٨٦/٤ - ١٨٧.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٧/٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٣/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٧/٢ .
(٤) تفسير الطبري ٢٤/١٣ - ٢٥، والتيسير ص١٢٨، والسبعة ص٣٤٥ - ٣٤٦.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٩٥/٣، والنكت والعيون ١٢/٣ - ١٣.
(٦) عجز بيت للفرزدق، وصدره: ومضت لمَسلَمَةً الركابُ مودَّعاً، وهو في ديوانه ٤٠٨/١.
(٧) البيت للخنساء في ديوانها ص٤٨، وسلف ٥٤/٣ .
(٨) البيت للقُطامي في ديوانه ص٣٧، وسلف ١٠٥/٥ .

٢٧٤
سورة يوسف: الآيات ١١ - ١٤
بعينها؛ وكذا: ((يرتع)) بإسكان العين، إلا أنه ليوسف وحدَه ﴾. و((يرتع)) بكسر العين
من رَعي الغنم، أي: ليتدربَ بذلك ويترجَّل؛ فمرةً يرتع، ومرةً يلعب لصغرِه. وقال
القُتَبِيُّ: ((نرتع)) نَتَحارسُ ونَتَحافظُ، ويَرعى بعضُنا بعضاً؛ من قولِك: رعاكَ الله؛ أي:
حفظك. ((ونلعب)) من اللعب، وقيل لأبي عَمرو بنِ العلاء: كيف قالوا: ((ونلعب))
وهم أنبياءُ؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء(١). وقيل: المرادُ باللعبِ المباحُ من
الانبساط، لا اللعبُ المحظور الذي هو ضدُّ الحقّ؛ ولذلك لم ينكر يعقوبُ قولَهم:
((ونلعب))(٢). ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((فهَلَّا بِكْراً تُلاعبُها وتُلاعبك))(٣). وقرأَ
مجاهد وقَتَادة: ((يُرتِع)) (٤)، على معنى يُرتِع مطيته، فحذف المفعول، ((وَلْعَبُ)) بالرفع
على الاستئناف؛ والمعنى: هو ممَّن يلعبُ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ من كلِّ ما تخافُ عليه. ثم يحتملُ أنَّهم كانوا يخرجون
ركباناً، ويحتمل أنَّهم كانوا رجّالة. وقد نُقِل أنَّهم حَملُوا يوسفَ على أكتافِهم ما دام
يعقوبُ يراهم، ثم لمَّا غابوا عن عينِه طَرحوه؛ ليعْدُو معهم إضراراً به (٥).
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِ لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ()
قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا
١٤
أَخَسِرُونَ.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِ لَيَحْزُنُنِيَّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ في موضع رفعٍ؛ أي: ذهابُكم
(١) تفسير الطبري ٢٥/١٣، والمحرر الوجيز ٢٢٤/٣.
(٢) النكت والعيون ١٢/٣ - ١٣، وزاد المسير ١٨٨/٤.
(٣) أخرجه أحمد (١٤٣٠٦) والبخاري (٢٣٠٩)، ومسلم (٧١٥).
(٤) نسبها ابن جني في المحتسب ٣٣٣/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٤/٣، وأبو حيان في البحر
المحيط ٢٨٥/٥ لأبي رجاء، وذكر ابن عطية وأبو حيان أنَّ قراءة مجاهد وقتادة نُرتع بضم النون وكسر
التاء، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ١٨٧/٤ لأنس وأبي رجاء.
(٥) تفسير البغوي ٤١٣/٢ - ٤١٤ .

٢٧٥
سورة يوسف: الآيتان ١٣ - ١٤
به(١). أخبر عن حزنه لغَيبتِه. ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ﴾ وذلك أنَّه رأى في منامِه أن
الذئب شدَّ على يوسف، فلذلك خافَه عليه؛ قاله الكلبيُّ.
وقيل: إنه رأى في منامِه كأنه على ذِروة جبل، وكأنَّ يوسفَ في بطن الوادي،
فإذا عَشَرٌ من الذئاب قد احتَوشتْهُ تريدُ أكلَه، فدراً عنه واحدٌ، ثم انشقَّتِ الأرض،
فَتَوارَى يوسفُ فيها ثلاثةَ أيام، فكانتِ العشرةُ إخوتَه، لمَّا تَمالؤوا على قتله، والذي
دافعَ عنه أَخوه الأكبرُ يهوذا، وتَواريهِ في الأرضِ هو مُقَامُه في الجبِّ ثلاثةَ أيام.
وقيل: إنَّما قال ذلك؛ لخوفِه منهم عليه، وأنَّه أرادَهم بالذئب، فخوفُه إنَّما كان
من قتلِهم له، فكنَّى عنهم بالذئبِ مساترةً لهم، قال ابن عباس: فسمَّاهم ذئاباً. وقيل:
ما خافَهم عليه، ولو خافَهم لَمَا أرسلَه معهم، وإنَّما خاف الذئبَ؛ لأنه أغلبُ ما
يُخاف في الصَّحارَى(٢).
والذئبُ مأخوذٌ من تَذَاءبتِ الريحُ: إذا جاءت من كلِّ وجهٍ؛ كذا قال أحمدُ بنُ
يحيى؛ قال: والذئبُ مهموزٌ؛ لأنَّه يجيء من كل وجه.
وروى ورش عن نافع: ((الذِّيبُ)) بغيرِ همز؛ لما كانت الهمزةُ ساكنةً وقبلها كسرةٌ
فخفَّفها؛ صارت ياء(٣).
﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ﴾ أي: مشتغلون بالرعي.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَيِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعةٌ نَرى الذئبَ ثم
لا نَردُّه عنه (٤) ﴿إِنَّ إِذَّا لَّخَسِرُونَ﴾ أي: في حِفِظِنَا أَغنامَنا. أي: إذا كنّا لا نقدرُ على
دفعِ الذئب عن أخينا، فنحنُ أعجزُ أن ندفعه عن أغنامِنا. وقيل: «لَخَاسِرُونَ»:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٧/٢ - ٣١٨.
(٢) النكت والعيون ١٣/٣، والمحرر الوجيز ٢٢٤/٣، وزاد المسير ١٨٨/٤ - ١٨٩، وعرائس
المجالس ص١١٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٨/٢، وقرأ: الذيب، بغير همز أيضاً أبو عمرو في رواية السوسي،
والكسائي ووقفاً حمزة. السبعة ص٣٤٦، والتيسير ص١٢٨ .
(٤) الوسيط ٦٠٢/٢، وزاد المسير ١٨٨/٤.

٢٧٦
سورة يوسف: الآيات ١٣ - ١٥
الجاهلون بحقِّه. وقيل: لعاجزون(١).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الُّْ وَأَوْحَيْنَآَ إِلَيْهِ
لَتُنَتَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ ((أَنْ)) في موضع نصب(٢)، أي:
على أن يجعلوهُ في غَيَابةِ الجُبِّ.
قيل في القصة: إنَّ يعقوبَ عليه السلام لمَّا أرسلَه معهم أخذَ عليهم ميثاقاً غليظاً
لَيحفظُنَّه، وسلَّمه إلى روبيل وقال: يا روبيل، إنَّه صغير، وتَعلَم يا بنيَّ شَفقتي عليه؛
فإن جاعَ فَأَطعِمه، وإن عَطِش فاسقِه، وإن أَعيا فاحمِلْه، ثم عَجِّل بردِّه إليّ(٣). قال:
فأخذوا يَحمِلونه على أكتافِهم، لا يضعُه واحدٌ إلا رَفعه آخر، ويعقوبُ يُشيّعهم ميلاً
ثم رجع، فلمَّا انقطعَ بصرُ أبيهم عنهم، رماهُ الذي کان یَحمِلُه إلى الأرضِ حتى كادَ
ينكسر، فالتجأ إلى آخر، فوجدَ عندَ كلِّ واحدٍ منهم أشدَّ ممَّا عند الآخرِ من الغيظِ
والعَسْف، فاستغاثَ بروبيل وقال: أنتَ أكبرُ إخوتي، والخليفةُ من بعدٍ والدي عليَّ،
وأقربُ الإخوة إليَّ، فارحمني وارحمْ ضَعفي، فلطَّمَه لطمةً شديدة وقال: لا قرابةً
بيني وبينك، فادعُ الأحدَ عشرَ كوكباً فلتُنجك منَّا؛ فَعلِم أنَّ حقدهم من أجل رؤياه،
فتعلَّق بأخيهِ يهوذا، وقال: يا أخي، ارحم ضعفي وعجزي وحداثةً سني، وارحمْ
قلبَ أبيكَ يعقوب، فما أسرعَ ما تَناسيتُم وصيتَه، ونَقَضتُم عهدَه؛ فَرَقَّ قلبُ يهوذا
فقال: واللهِ لا يَصِلون إليك أبداً ما دمتُ حيًّا، ثم قال: يا إخوتاه، إنَّ قتلَ النفسِ
التي حرم الله من أعظم الخطايا، فَرُدُّوا هذا الصبيَّ إلى أبيه، ونُعاهِدُه ألا يُحدِّث
والدّه بشيءٍ مما جرى أبداً، فقال له إخوتُه: والله ما تريدُ إلا أن تكون لك المكانةُ
عند يعقوب، والله لئنْ لم تَدعْهُ لنقتلنَّك معه، قال: فإنْ أَبيتم إلَّا ذلك فهاهنا هذا
(١) ينظر تفسير الطبري ٢٩/١٣، وتفسير الكشاف ٣٠٦/٢، وتفسير الرازي ٩٨/١٨.
(٢) تفسير الكشاف ٣٠٦/٢ .
(٣) ينظر عرائس المجالس ص ١١٥.

٢٧٧
سورة يوسف: الآية ١٥
الجبُّ الموحشُ القفر، الذي هو مأوى الحياتِ والهوام، فألقُوه فيه، فإنْ أُصيبَ
بشيءٍ من ذلك فهو المرادُ، وقد استرحتم من دمِه، وإنِ انفَلتَ على أيدي سيَّارة
يذهبون به إلى أرضٍ فهو المرادُ؛ فأجمع رأيُهم على ذلك(١)، فهو قولُ الله تعالى:
﴿فَلَمَا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ اَلْبُّ﴾ وجوابُ ((لمَّا)) محذوفٌ؛ أي: فلما
ذهبوا به، وأَجمعوا على طرحِه في الجبِّ عَظُمت فتنتُهم(٢). وقيل: جوابُ ((لما))
قولُهم: ﴿قَالُواْ يَبَنَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧]. وقيل: التقديرُ: فلما ذهبوا به من
عندِ أبيهم، وأجمعوا أن يجعلوه في غيابةِ الجُبِّ جعلوه فيها، هذا على مذهب
البصريين، وأمَّا على قولِ الكوفيين فالجوابُ: ((أوحينا))(٣) والواو مقحمةٌ، والواو
عندهم تُزاد مع لما وحتى؛ قال الله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾
[الزمر: ٧٣] أي: فتحت، وقوله: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَُّّورُ﴾ [هود: ٤٠] أي: فار.
قال امرؤ القيس :
فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحَةَ الحِيِّ وانتَحَى (٤)
أي: انتحى، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَُّ لِلْجَبِينِ وَنَدَيْنَهُ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٤]
أي: نادیناه.
وفي قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَيْهِ﴾ دليلٌ على نبوَّتْه في ذلك الوقت. قال الحسنُ ومجاهدٌ
والضَّحاك وقتادة: أعطاهُ اللهُ النبوة وهو في الجُبِّ على حجرٍ مرتفع عن الماء. وقال
الكَلْبي: أُلقي في الجُبِّ وهو ابن ثماني عشرةَ سنة، فما كان صغيراً؛ ومَن قال: كان
صغيراً فلا يبعدُ في العقلِ أن يتنبأ الصغيرُ ويُوحى إليه. وقيل: كان وحيَ إلهامٍ كقوله :
(١) ينظر تفسير الطبري ٣٠/١٣، وتفسير البغوي ٤١٣/٢ - ٤١٤، والوسيط ٦٠٣/٢، وزاد المسير
١٨٩/٤.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٢٢٥/٣، والكشاف ٣٠٦/٢، وتفسير الرازي ٩٩/١٨ .
(٣) وقال الطبري في التفسير ١٣/ ٣٠: ((وأجمعوا» هو الجواب.
(٤) وعجزه: بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل، والبيت في ديوانه ص ١٥. وانتحيت لفلان، أي: عرضت له.
اللسان (نحي).

٢٧٨
سورة يوسف: الآية ١٥
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقيل: كان مناماً، والأوّلُ أظهرُ - والله أعلم -
وأنَّ جبريل جاءه بالوحي(١).
قوله تعالى: ﴿لَتُنْتَنَّهُم بِأَتْرِهِمْ هَذَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه أَوحَى إليه أنه سَيلقاهم ويُوبخُهم على ما صنعوا. فعلى هذا يكونُ
الوحي بعدَ إلقائه في الجبِّ تقويةً لقلبه، وتبشيراً له بالسَّلامة.
الثاني: أنه أَوحَى إليه بالذي يصنعونَ به؛ فعلى هذا يكون الوحيُّ قبلَ إلقائه في
الجُبِّ إنذاراً له . ﴿وَهُمْ لَا يَتْعُونَ﴾ أنَّك يوسف، وذلك أنَّ الله تعالى أَمره لمَّا أفضى
إليه الأمر بمصرَ ألَّا يُخبر أباه وإخوته بمكانِه. وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة؛ قاله
ابنُ عباس ومجاهد(٢). وقيل: ((الهاء)) ليعقوب(٣)، أَوحى الله تعالى إليهِ ما فعلُوه
بيوسف، وأنَّ سَيُعرِّفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أَوحى الله إليه، والله أعلم.
ومما ذُكر من قصتِه إذ أُلقي في الجُبِّ ما ذَكره السُّدِّيُّ وغيرُه، أنَّ إخوتَه لمَّا
جعلوا يُدلونَه في البئرِ، تعلَّق بشفير البئرِ، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا
إخوتاهُ! رُدُّوا عليَّ قميصي أَتوارى به في هذا الجُبِّ، فإنْ متُّ كان كفني، وإن عِشتُ
أُواري به عورتي؛ فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشر كوكباً فلتُؤْنِسِكَ وتَكسُّكَ؛
فقال: إني لم أَر شيئاً. فدلَّوه في البئرِ حتى إذا بلغَ نصفَها أَلقَوْه إرادةَ أن يسقطَ
فيموتَ، فكان في البئرِ ماءٌ، فسقطَ فيه، ثم آوى إلى صخرةٍ فقامَ عليها (٤).
وقيل: إنَّ شمعون هو الذي قطعَ الحبل إرادةَ أن يتفتتَ على الصخرة، وكان
جبريلُ تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أَدرِك عبدي؛ قال جبريل: فأسرعتُ
(١) ينظر تفسير الطبري ٣١/١٣ - ٣٢، والمحرر الوجيز ٢٢٥/٣، والنكت والعيون ١٤/٣، والكشاف
٣٠٧/٢، وتفسير الرازي ٩٩/١٨، وزاد المسير ١٩٠/٤ - ١٩١.
(٢) النكت والعيون ١٤/٣، وينظر زاد المسير ١٩١/٤.
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٥/٣ .
(٤) تفسير الطبري ٣٠/١٣، وزاد المسير ١٨٩/٤ - ١٩٠.

٢٧٩
سورة يوسف: الآية ١٥
وهبطتُ حتى عارَضْتُهُ بينَ الرمي والوقوعِ، فأقعدتُه على الصخرةِ سالماً، وكان ذلك
الجبُّ مأوى الهوامِ، فقام على الصَّخرةِ وجعل يبكي، فنادَوه، فظنَّ أنها رحمةٌ عليه
أَدركَتْهم، فأجابهم؛ فأرادوا أن يرضخُوه بالصخرةِ، فَمنعَهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيهِ
بالطعام، فلما وقعَ عرياناً نزل جبريلُ إليه؛ وكان إبراهيمُ حين أُلقيَ في النار عُرياناً
أتاه جبريلُ بقميصٍ من حريرِ الجنةِ، فألبسه إياه، فكان ذلك عندَ إبراهيم، ثم وَرِئَه
إسحاق، ثم وَرِثَه يعقوبُ، فلما شَبَّ يوسفُ جعلَ يعقوبُ ذلك القميصَ في تعويذةٍ،
وجعله في عنقِه، فكان لا يفارقه، فلما أُلقي في الجُبِّ عرياناً أَخرجَ جبريلُ ذلك
القميصَ فألبسه إياه(١).
قال وهب: فلمَّا قام على الصخرةِ قال: يا إخوتاه، إنَّ لكل ميتٍ وصیةً،
فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلَّكم فآنسَ بعضُكم بعضاً،
فاذكُروا وَحِشَتي، وإذا أَكلتم، فاذكروا ◌ُوعي، وإذا شَرِبتُم، فاذكُروا عطشي، وإذ
رأیتم غريباً، فاذكروا ◌ُربتي، وإذا رأيتم شابًّا، فاذكروا شبابي. فقال له جبريلُ : يا
يوسفُ! كُفَّ عن هذا، واشتغل بالدعاءِ، فإنَّ الدعاءَ عند الله بمكان. ثم علَّمه فقال:
قلٍ : اللهمَّ یا مؤنسَ كلِّ غریب، ویا صاحبَ كلِّ وحید، ویا ملجأ كلِّ خائف، ویا
کاشفَ كلِّ کربة، ویا عالم كلِّ نجوى، ویا منتھی کلِّ شکوی، ویا حاضرَ كلِّ ملأ ، یا
حيُّ يا قيوم، أَسألكَ أن تقذفَ رجاءك في قلبي، حتى لا يكونَ لي همٍّ ولا شغلٌ
غيرَك، وأن تجعلَ لي من أمري فرجاً ومخرجاً، إنك على كل شيءٍ قدير. فقالت
الملائكة: إلهنا، نسمعُ صوتاً ودعاءً، الصوتُ صوتُ صبيٍّ، والدعاءُ دعاءُ نبيّ.
وقال الضَّحاكُ: نزلَ جبريلُ عليه السلام على يوسف وهو في الجبِّ فقال له: أَلا
أُعلمك كلماتٍ إذا أنت قُلتهنَّ عجّل الله لك خروجك من هذا الجبّ؟ فقال: نَعم!
فقال له: قل: يا صانعَ كلِّ مصنوع، ويا جابرَ كلِّ كَسِير، ویا شاهدَ كلِّ نَجْوی، ویا
حاضرَ كلّ ملأ، ويا مفرِّج كلِّ كُرْبة، ويا صاحبَ كلِّ غريب، ويا مؤنسَ كلِّ وحيد،
(١) عرائس المجالس ص١١٥ - ١١٦، وتفسير الكشاف ٣٠٧/٢، وتفسير الرازي ٩٩/١٨ .

٢٨٠
سورة يوسف: الآيتان ١٥ - ١٦
ايتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجوَ أحداً سواك. فردّدها
يوسفُ في ليلته مراراً، فأخرجه الله في صَبيحةِ يومِه ذلك من الجُبِّ(١).
قوله تعالى: ﴿وَجَءُ وّ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَجَءُوّ أَبَاهُمْ عِشَآءُ﴾ أي: ليلاً، وهو ظرفٌ يكون في
موضعِ الحال(٢)؛ وإنَّما جاؤوا عشاءً؛ ليكونوا أَقدرَ على الاعتذارِ في الظلمة، ولذا
قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإنَّ الحياءَ في العينين، ولا تَعتذرْ بالنهارِ من ذنب
فَتَتلجلج في الاعتذار(٣)، فروي أنَّ يعقوبَ عليه السلام لمَّا سمعَ بكاءَهم قال: ما
بكم؟ أَجَرى في الغنم شيءٌ؟ قالوا: لا. قال: فأينَ يوسفُ؟ قالوا: ذَهبنا نستبقْ،
فأكله الذئب، فبكى وصاحَ وقال: أينَ قميصُه؟ على ما يأتي بيانُه إن شاء الله(٤).
وقال السديُّ وابنُ حبَّان: إنَّه لمّا قالوا: أَكلَه الذئبُ خرَّ مغشيًّا عليه، فأفاضوا
عليه الماءَ، فلم يتحرك، ونادَوه فلم يُچِب.
قال وهب: ولقد وَضَع بهوذا يده على مخارجِ نَفسٍ يعقوب فلم يُحِسَّ بنَفَس، ولم
يَتحرَّك له عِرقٌ، فقال لهم يهوذا: ويلٌ لنا من ديَّانِ يومِ الدِّين! ضيَّعنا أخانا، وقَتلنا
أبانا، فلم يُفِق یعقوبُ إلا ببردِ السَّحر(٥)، فآفاق ورأسُه في حِجْرٍ روبیل، فقالَ: یا
روبيل، أَلَم آتَمِنْك على ولدي؟ ألم أَعهد إليك عهداً؟ فقال: يا أَبتِ! كُفَّ عنّي بكاءَك
أُخبِرْك، فكفَّ يعقوبُ بكاءَه فقالَ: يا أَبتٍ ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ
مَثَلِنَا فَأَكَلَهُ الذِّقْتُ﴾.
(١) عرائس المجالس ص١١٦، وزاد المسير ١٩٠/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٨/٢.
(٣) عرائس المجالس ص١١٧، وينظر زاد المسير ١٩١/٤ .
(٤) ينظر الوسيط ٦٠٣/٢، والكشاف ٣٠٧/٢، وتفسير الرازي ١٨/ ١٠١ .
(٥) ينظر عرائس المجالس ص ١١٧ .