النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة هود: الآية ١١١ الزجَّاج، غير أنَّ ((ما)) عند الزجاج زائدة، وعند الفراء اسمٌ بمعنى ((من)). وقيل: ليست بزائدة، بل هي اسمٌ دخل عليها لامُ التأكيد، وهي خبر ((إن))، و (ليوفينهم)) جوابُ القسم، التقدير: وإنَّ كلَّا خَلْقٌ ليوفينهم ربُّك أعمالهم(١). وقيل: ((ما)) بمعنى ((مَن)) كقوله: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلِ﴾ [النساء: ٣] أي: مَنْ، وهذا كلُّه هو قولُ الفراءِ بعينه. وأما مَن شدَّد ((لمّا)) وقرأ: ((وَإِنَّ كُلَّا لَمَّا)) بالتشديد فيهما - وهو حمزةُ ومَن وافقه ۔ فقيل: إنه لحنٌ، حُكي عن محمد بنٍ يزيد أنَّ هذا لا يجوز، ولا يقال: إنَّ زيداً إِلَّا لأَضرِبَنَّه، ولا لَمَّا لِأَضْربَّه(٢) وقال الكِسائي: اللهُ أعلمُ بهذه القراءة، وما أعرف لها وجهاً. وقال هو وأبو عليَّ الفارسي (٣): التشديد فيهما مُشكِل. قال النحاس(٤) وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أنَّ أصلها ((لَمَن ما)) فقلبت النون ميماً، واجتمعت ثلاثُ ميمات، فحذفت الوسطى، فصارت ((لمَّا)). و((ما)) على هذا القولِ بمعنى ((مَن)) تقديره: وإن کلَا لَمَن الذین، کقولهم: وإِنِّي لَمِمَّا (٥) أُصْدِرُ الأمرَ وجهَهُ إذا هو أَعيا بالسَّبيل مصادرُه وزيَّف الزجاج(٦) هذا القول، وقال: (مَن)) اسمٌ على حرفين، فلا يجوز حذفه. (١) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٥٣٧/١. (٢) في (ز) و(ظ): ضربته، وفي (م): لضربته، والمثبت موافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢ والكلام منه. (٣) الحجة للقراء السبعة ٣٨٧/٤ . (٤) في إعراب القرآن ٣٠٦/٢ . (٥) في (د) و(ظ) و(م): لما، والمثبت من (ز) و(ف) وهو موافق لما في معاني القرآن للفراء ٢٩/٢ ، وتفسير الطبري ٥٩٣/١٢، وهو شاهد على حذف ميم عند توالي الميمات لا على أن ((ما)) بمعنى ((مَن)) لأن ((لمما)» التي في البيت أصلها: لَمِنْ ما، مِن حرف جر. وينظر تعليق الشيخ محمود شاكر رحمه الله على هذا البيت في تفسير الطبري (طبعته) ١٥/ ٤٩٤ . (٦) في معاني القرآن ٨١/٣ . ٢٢٢ سورة هود: الآية ١١١ الثاني: أنَّ الأصل: لَمِن ما، فحذفت الميمُ المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإنَّ كُلَّا لَمِنْ خَلْقٍ لَيوفينهم(١). وقيل: ((لمَّا)) مصدر ((لَمَّ)) وجاءت بغير تنوين حملاً للوصل على الوقف(٢)، فهي على هذا كقوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ الثُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا﴾ [الفجر: ١٩] أي: جامعاً للمال المأكول، فالتقدير على هذا: وإن كلَّا ليوفينهم ربُّك أعمالهم توفيةً لمَّا، أي: جامعةً لأعمالهم جمعاً، فهو كقولك: قياماً لَأقومنَّ. وقد قرأ الزُّهري: (لَمًّا)) بالتشديد والتنوينِ على هذا المعنى(٣). الثالث: أنَّ ((لمَّا)) بمعنى ((إلّا))؛ حكى أهلُ اللغة: سألتك بالله لمَّا فعلت، بمعنى: إلَّا فعلت، ومثلُه قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَّهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: إلَّا عليها، فمعنى الآية: ما كلُّ واحدٍ منهم إلَّا لَيوفينهم. قال القُشيريّ: وزيَّف الزجاجُ هذا القولَ بأنه لا نفيَ لقوله: ((وإنْ كلَّا لما)» حتى تقدِّرَ ((إلَّا)) ولا يقال: ذهب الناسُ لمَّا زيد(٤). الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل: وإن كلَّا لَمَا بتخفيف ((لَمَّا)) ثم ثُقِّلت کقوله : في عامنا ذا بعد ما أَخصَبًّا(٥) لقد خَشِيتُ أَنْ أَری چِدَبًّا وقال أبو إسحاق الزجَّاج(٦): هذا خطأ، إنما يُخفَّف المثقَّل، ولا يُثقَّل المُخفَّف. (١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٩/٢، واستشهد له بالبيت السالف. (٢) ذكره مكي في الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥٣٧، وقال: وهو قول ضعيف في الإعراب. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢، والقراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٨/١. (٤) هذا القول لم يُزيّقه الزجاج كما نقل المصنف عن القشيري، بل قال الزجاج في معاني القرآن ٨١/٣-٨٢ : لا يجوز غيره عندي، وسيأتي قريباً، والذي ضعَّف هذا القول الفراء في معاني القرآن ٢٩/٢ فقال: وأما من جعل ((لما)) بمنزلة ((إلا)) فإنه وجه لا نعرفه. (٥) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص١٦٩ . (٦) في معاني القرآن ٣/ ٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٠٦/٢. ٢٢٣ سورة هود: الآية ١١١ الخامس: قال أبو عُبيد القاسمُ بنُ سلَّام: يجوز أن يكون التشديدُ من قولهم: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّه لَمَّا: إذا جمعته، ثم بنَى منه فَعْلَى، كما قُرئ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا : [المؤمنون: ٤٤] بغير تنوينٍ وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتُمال على هذا تَتْرَّ القولٍ لأصحاب الإمالة. قال أبو إسحاق(١): القول الذي لا يجوز غيرُه عندي أنَّ ((إن)) تكون مُخفَّفةً من الثقيلة، وتكون بمعنى ((ما))، مثل: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، وكذا أيضاً تُشدَّد على أصلها، وتكون بمعنى ((ما))، و((لمَّا)) بمعنى ((إلا))، حكى ذلك الخليلُ وسيبويه وجميع البصريين، وأنَّ ((لمَّا)) يُستعمل بمعنى ((إلا)). قلت: هذا القول الذي ارتضاه الزجَّاجُ حكاه عنه النحاس وغيرُه، وقد تقدَّم مثلُه وتضعيفُ الزجاج له، إلا أنَّ ذلك القولَ صوابُه: ((إنْ)) فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا(٢). وبقيت قراءتان. قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَيّ: ((وَإِنْ كلَّا إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ))(٣). وروي عن الأعمش: ((وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا)) بتخفيف ((إن))، ورفع ((كل))، ويتشديد ((لمَّا))(٤). قال النحاس(٥): وهذه القراءات المخالفةُ للسواد تكون فيها ((إنْ)) بمعنى ((ما)) لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يُقرأَ بما خالف السَّوادَ إلا على هذه (١) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن ٨١/٣ . (٢) ذكر محققو (م) أنه ورد في حواشي إحدى النسخ ما نصه: صواب ما ذكره الشيخ رحمه الله أن يقول: إلا أن هذا القول ((إن)) فيه نافية، والقول المتقدِّم ((إن)) فيه مخففة من الثقيلة فافترقا. (٣) في (م): ((وإنْ كلِّ إلا لَيوفِّينَّهم)، وفي إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢ (والكلام منه): ((وإنْ كلَّ إلا لَيوفِّينَّ ربُّك أعمالَهم). وفي الدر المصون ٣٩٨/٦: قال أبو حاتم: الذي في مصحف أُبيّ: ((وإنْ من كلٌّ إلا لَيوفِيَّهم)). وذكر السمين في الدر ٣٩٧/٦ قراءةً أُخرى لأَبيّ، وهي: ((وإنْ كلُّ لمَّا ... )) بتخفيف ((إن)) ورفع (کڵ)) وتشديد (لمَّا)). (٤) ذكر ابن جني في المحتسب ٣٢٨/١ والسمين في الدر المصون ٦/ ٣٩٧ أن الأعمش قرأ: ((وإنْ كلِّ إلَّا ليوفِّهم)). والقراءة التي ذكرها المصنف هي لأبيّ كما في التعليق السابق. (٥) في إعراب القرآن ٣٠٥/٢ ، وما قبله منه. ٢٢٤ سورة هود: الآية ١١٢ الجهة .﴿إِنَّهُ پما يعملُونَ خپِےٌ﴾ تهديدٌ ووعيد. قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَّوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ صِيرٌ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبيِّ ﴾ ولغيرِه. وقيل: له، والمراد أمتُه؛ قاله السُّدِّيُّ. وقيل: ((اسْتَقِمْ)): اطلب الإقامةَ على الدِّين من الله واسأله ذلك. فتكونُ السين سينَ السؤال، كما تقول: أستغفر الله: أَطلبُ الغفرانَ منه. والاستقامةُ: الاستمرارُ في جهةٍ واحدة من غير أخذٍ في جهة اليمين والشمال، أي(١): فاستقم على امتثال أمر الله. وفي ((صحيح)) مسلم (٢) عن سفيان بن عبد الله الثقفيِّ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدَك. قال: ((قُلْ آمنتُ باللهِ، ثم اسْتَقِمْ)). وروى الدارميُّ أبو محمد في ((مسنده)) عن عثمان بن حاضِر الأزديِّ قال: دخلتُ على ابن عباس فقلت: أَوْصِني، فقال: نعم، عليك بتقوى اللهِ والاستقامةِ، اتَّبِعْ ولا . (٣) تَبتدعُ(٣). ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: استقم أنت وهُم، يريد أصحابَه الذين تابوا من الشِّرك، ومَن بعده ممن اتَّبعه من أمَّته. قال ابن عباس: ما نَزَل على رسول اللهِ ﴾ آيةٌ هي أشدُّ ولا أَشَقُّ من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيبُ! فقال: ((شيَّبتني هودٌ وأخواتُها)). وقد تقدَّم في أول السورة(٤). (١) قوله: أي، من (ز) و(ف). (٢) برقم (٣٨)، وسلف ٢٢٧/٢ . (٣) مسند الدارمي (١٤١)، وأخرجه أيضاً ابن وضاح في البدع ص ٢٥، وبنحوه المروزي في السنة (٨٣) من طريق طاوس عن ابن عباس. (٤) ص٦٣ من هذا الجزء وهو حديث ضعيف، سلف الكلام عليه ثمة. ٢٢٥ سورة هود: الآيتان ١١٢ - ١١٣ ورُوي عن أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ، قال: سمعت أبا عليٍّ الشَّبُّوِي(١) يقول: رأيتُ النبيَّ ﴿ في المنام فقلتُ: يا رسول الله! رُويَ عنك أنك قلت: ((شيَّبتني هود)). فقال: نعم، فقلت له: ما الذي شيَّيك منها؟ قصصُ الأنبياءِ وهلاكُ الأمم! فقال: لا، ولكنْ قولُه: فاستَقِمْ كما أُمِرْت(٢). ﴿وَلَا تَظْقَوْ﴾ نهيٌ عن الظُغيان، والطغيانُ: مجاوزةُ الحد، ومنه: ﴿إِنَّا لَمَا طَغَا اٌلْعَّهُ﴾ [الحاقة: ١١](٣). وقيل: أي: لا تتجبَّروا على أحد. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزْكَنُوا﴾ الرُّكون حقيقتُه(٤): الاستنادُ والاعتماد، والسكونُ إلى الشيء والرضا به. قال قتادة: معناه: لا تَوَدُّوهم ولا تُطيعوهُم(٥). ابن جريج: لا تَميلوا إليهم (٦). أبو العالية: لا تَرضَوْا أعمالَهم. وكلُّه متقارب. وقال ابن زيد: الرُّكون هنا: الْإِذْهَان، وذلك ألَّا يُنْكِر عليهم كفرهم(٧). الثانية: قرأ الجمهور: ((تَرْكَنُوا)) بفتح الكاف، قال أبو عمرو: هي لغةُ أهلِ الحجاز. وقرأ طلحةُ بنُ مُصرِّفٍ وقتادةُ وغيرُهما: ((تركُنوا)) بضمِّ الكاف؛ قال الفرَّاء: (١) تحرف في النسخ وشعب الإيمان إلى: ((السَّري))، وهو محمد بن عمر بن شبّويه الشّبّوي المرزوي، راوي صحيح البخاري عن أبي عبد الله الفربري توفي نحو (٣٨٠) هـ. السير ٤٢٣/١٦، توضيح المشتبه ٢٩١/٥، التقييد لابن نقطة ٨٥/١. (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٣٩)، وأورده القشيري في الرسالة: ٩٤ والسيوطي في الدر المنثور ٩/٨، والذهبي في السير ٤٢٣/١٦ وابن رجب في جامع العلوم ٥٠٩/١ - ٥١٠ . (٣) المحرر الوجيز ٢١٢/٣ . (٤) في (م): حقيقة. (٥) لم نقف عليه عن قتادة، وإنما عن عكرمة كما في معاني القرآن للنحاس ٣٨٥/٣، والوسيط للواحدي ٢/ ٥٩٣، وذكره السيوطي في الدر ٣/ ٣٥١ عن عكرمة أيضاً، وعزاه لأبي الشيخ. (٦) أخرجه الطبري ٦٠١/١٣ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره عن ابن عباس أيضاً الماوردي في النكت والعيون ٥٠٨/٢ ، والواحدي في الوسيط ٥٩٣/٢ . (٧) أخرج قول أبي العالية وابن زيد الطبري ١٢ / ٦٠٠ و٦٠١ . ٢٢٦ سورة هود: الآيتان ١١٣ - ١١٤ وهي لغةُ تميم وقيس(١). وجوَّز قومٌ ركَن يركّن، مثل منَعَ يَمنَع(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قيل: أهل الشرك. وقيل: هي عامَّةٌ فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨] وقد تقدَّم. وهذا هو الصحيحُ في معنى الآية، وأنها دالَّةٌ على هجران أهلِ الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ فإنَّ صحبتهم كفرٌ أو معصية؛ إذ الصحبةُ لا تکون إلا عن مودّة؛ وقد قال حكيم(٣): عن المرء لا تَسأَلْ وسَلْ عن قَرينه فكلُّ قَرِينٍ بالمُقَارِن يَقْتَدي فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتَقيَّة؛ فقد مضى القول فيها في ((آل عمران)) و «المائدة))(٤). وصحبةُ الظالم على التقيَّة مستثناةٌ من النَّهي بحالِ الاضطرارِ(٥). والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي: تُخْرِقَكم، بمخالطتهم ومصاحبتهم، وممالأتِهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم. قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ اَلْضَلَوَةَ ◌َرَفَِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ فیه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ اَلْضَلَوَةَ طَرَنِ النَّهَارِ﴾ لم يختلف أحدٌ من أهل (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/٢، والقراءة في القراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٩/١. (٢) المحتسب ٣٢٩/١، وقراءة العامة من: ركن يركّن، بكسر العين في الماضي كعلم. ينظر تهذيب اللغة ١٨٩/١٠، والدر المصون ٤١٨/٦ . (٣) هو طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص٤٤، وقيل إنه لعدي بن زيد، وسلف ٢٧٣/٥ ، والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٤/٣ . (٤) ٨٧/٥ في تفسير ((آل عمران))، ولم نقف عليه في تفسير ((المائدة)). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٤/٣ . ٢٢٧ سورة هود: الآية ١١٤ التأويل في أنَّ الصلاة في هذه الآية يُراد بها الصلواتُ المفروضة(١)؛ وخصّها بالذكر لأنها ثانيةُ الإيمان، وإليها يُفزع في النوائب؛ وكان النبيُّ :﴿ إذا حَزَبَه أَمرٌ فزع إلى الصلاة(٢). وقال شيوخ الصُّوفية: إنَّ المراد بهذه الآية استغراقُ الأوقات بالعبادة فرضاً ونفلاً؛ قال ابن العربي(٣): وهذا ضعيفٌ، فإنَّ الأمر لم يتناول ذلك؛ لا(٤) واجباً [فإنها خمس صلوات، و] لا نَفْلاً، فإنَّ الأوراد معلومةٌ، وأوقات النوافل المرغَّبِ فيها محصورةٌ، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها النَّذْبُ على البدل لا على العموم، وليس ذلك في قوة بشَرٍ. الثانية: قوله تعالى: ﴿طَرَفَ اَلنَّهَارِ﴾ قال مجاهد: الظَّرفُ الأول صلاةُ الصبح، والطرفُ الثاني صلاةُ الظهر والعصر. واختاره ابن عطية(٥). وقيل: الطَّرفان: الصبحُ والمغرب؛ قاله ابن عباس والحسن(٦). وعن الحسن أيضاً: الطرفُ الثاني: العصرُ وحدَه. وقاله قتادةُ والضّحاك(٧). وقيل: الطَّرفان: الظهر والعصر، والزُّلَف: المغرب والعشاء والصبح. كأنَّ هذا القائل راعَى جَهْرَ القراءة(٨). وحكى الماورديُّ: أنَّ الطرف الأوّل صلاةُ الصبح باتِّفاق (٩). (١) المحرر الوجيز ٢١٢/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٦/٣. (٢) سلف ١/ ٢٦٢ من حديث حذيفة بن اليمان ﴾. (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٥٧، وما قبله وما سيأتي بين حاصرتين منه، وقول شيوخ الصوفية في نقل ابن العربي من لطائف الإشارات ١٦١/٢ . (٤) في النسخ: إلا، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) في المحرر الوجيز ٢١٢/٣، وأخرجه عن مجاهد الطبري ١٢/ ٦٠٢ . (٦) أخرجه عنهما الطبري ١٢/ ٦٠٣ . (٧) أخرج قولهم الطبري ١٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥ . (٨) المحرر الوجيز ٢١٢/٣، وذكر القول الطبري ٦٠٥/١٢ . (٩) النكت والعيون ٥٠٨/٢ . ٢٢٨ سورة هود: الآية ١١٤ قلتَ: وهذا الاتفاقُ ينقضُه القول الذي قبله. ورجّح الطَّريُّ(١) أنَّ الطرفين: الصبحُ والمغرب، وأنه الظاهر؛ قال ابن عطية: ورُدَّ عليه بأنَّ المغرب لا تدخل فيه لأنَّها من صلاة الليل(٢). قال ابن العربي: والعَجب من الطبري الذي يرى أنَّ طرَفي النهارِ الصبحُ والمغرب، وهما طرفا الليل! فقَلَب القوسَ ركْوةً(٣)، وحاد عن البُرْجَاس غَلْوة(٤)؛ قال الطبريُّ: والدليلُ عليه إجماعُ الجميع على أنَّ أحد الطرفين الصبح، فدلَّ على أنَّ الطَّرف الآخَر المغرب. ولم يُجْمِعْ معه على ذلك أحد(٥). قلت: هذا تحامُلٌ من ابن العربيِّ في الردِّ، وأنه لم يُجمع معه على ذلك أحدٌ، وقد ذكرنا عن مجاهد أنَّ الطرف الأول صلاةُ الصبح، وقد وقع الاتفاق - إلَّا مَن شذَّ - بأنَّ مَن أكل أو جامَعَ بعد طلوع الفجر متعمِّداً أنَّ يومه ذلك يومُ فِظْر، وعليه القضاءُ والكفارة، وما ذلك إلا وما(٦) بعدَ طلوع الفجر من النهار؛ فدلَّ على صحّة ما قاله الطبريُّ في الصبح، وتبقى عليه المغربُ، والردُّ عليه فيه ما تقدَّم. واللهُ أعلم. (١) في تفسيره ١٢/ ٦٠٥، والكلام لابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٢/٣ . (٢) لم نقف على هذا القول في المحرر الوجيز، وقول ابن عطية الذي قاله إثر قول الطبري: إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى. والرد الذي ذكره المصنف هو لابن العربي في أحكام القرآن ١٠٥٦/٣. (٣) الرّكوة مثلثة: زورق صغير، وصارت القوس ركوة، يضرب في الإدبار وانقلاب الأمور. القاموس (ر کو). (٤) البُرْجاس: غرض في الهواء على رأس رمح ونحوه يُرمى به. تاج العروس (برجس). والغرض: الهدف الذي يرمى فيه الشيء المقصود. والغَلْوة: هي ثلاث مئة إلى أربع مئة ذراع، أو هي قدر رمية سهم أبعد ما تقدر. معجم متن اللغة (غرض) و(غلو) وورد شرح البرجاس في (ظ) و(ف) أقحمه الناسخان ضمن المتن. فجاء فيهما بعد قوله البرجاس، ما نصه: غرض في الهواء يرمى فيه. وأظنه مولداً. قاله الجوهري. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٦/٣ - ١٠٥٧. وذِكْرُ الطبري للإجماع هو في تفسيره ٦٠١/١٢-٦٠٢ و ٦٠٥ . (٦) في (ظ): أن، بدل: وما. ٢٢٩ سورة هود: الآية ١١٤ الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَزُلَفَّا مِّنَ اَلَيَّلِّ﴾ أي: في زُلَفٍ من الليل، والزُّلَف: الساعات القريبةُ بعضُها من بعض؛ ومنه سميت المزْدلِفَة؛ لأنها منزلٌ بعد عَرَفة بقربٍ مکة(١). وقرأ ابن القَعْقاع وابن أبي إسحاق وغيرُهما: ((وَزُلُفاً))؛ بضمِ اللام جمع زَلِيف؛ لأنه قد نُطِق بزليف (٢). ويجوز أن يكون واحدُه ((زُلْفة)) لغة، كُبُسْرة ويُسُر، في لغةٍ مَن (٣) ضمَّ السين (٣). وقرأ ابن محيصن: ((وَزُلْفاً من الليل))، بإسكان اللام، والواحدة ((زُلْفة)» تُجمع جمعَ الأجناس التي هي أشخاصٌ، كدرَّةٍ ودُرٍّ، وبُرَّة وبُوَّ(٤). وقرأ مجاهد وابنُ محيصن أيضاً: ((زُلْفَى)) مثل قُرْبَى(٥). وقرأ الباقون: ((وزُلَفاً)) بفتح اللام كغُرْفة وغُرَف. قال ابن الأعرابي: الزُّلَف: الساعات، واحدُها: زُلْفَة. وقال قوم: الزُّلْفةُ أولُ ساعةٍ من الليل(٦) بعد مغيب الشمس، فعلى هذا يكون المراد بزُلَفِ اللَّيْلِ صلاةَ العَتَمة؛ قاله ابن عباس. وقال الحسن: المغرب والعشاء(٧). وقيل: المغرب والعشاء والصبح، وقد تقدَّم. وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم يعيِّن. الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ذهب جمهورُ المتأوِّلين من (١) ينظر تفسير الطبري ٦٠٦/١٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣٨٧/٣ والنكت والعيون ٥٠٨/٢ - ٥٠٩ والمحرر الوجيز ٢١٢/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٧/٢، والقراءة عن أبي جعفر يزيد بن القعقاع في النشر ٢٩١/٢ - ٢٩٢، وعن ابن أبي إسحاق في المحتسب ٣٣٠/١ . (٣) المحتسب ٣٣٠/١. ويجوز أيضاً أن يكون ((زُلُفا) اسماً مفرداً كعُنُق. ينظر الدر المصون ٤٢٠/٦. (٤) المحتسب ٣٣٠/١، وقال ابن جني: وذلك أن الزُّلْفة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهراً. (٥) معاني القرآن للنحاس ٣٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٢١٢/٣. قال النحاس: إلا أنَّ ابن محيصن نوَّن في الإدراج. (٦) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢١٤/١٣ عن الليث قال: الزُّلّف أول ساعات الليل. (٧) أخرج قول ابن عباس وقول الحسن الطبري ٦٠٨/١٢، ٦٠٩ . ٢٣٠ سورة هود: الآية ١١٤ الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين: إلى أنَّ الحسنات هاهنا هي الصلواتُ الخمس. وقال مجاهد: الحسناتُ قولُ الرجلِ: سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إله إلا اللهُ واللهُ أكبر؛ قال ابن عطية (١): وهذا على جهة المثال في الحسنات، والذي يظهر أنَّ اللفظ عامٌّ في الحسنات خاصٍّ في السيئات؛ لقوله(٢) ﴿: ((ما اجْتُنِيَت الكبائر))(٣). قلت: سببُ النزول يعضُدُ قولَ الجمهور؛ نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليَسَر بن عمرو. وقيل: اسمه عَبَّاد. خلا بامرأةٍ فقَبَّلها وتلذَّذ بها فيما دون الفرْج(٤). روى الترمذيُّ عن عبد الله قال: جاء رَجُلٌ إلى النبيِّ ﴾ فقال: إنِّي عالجتُ امرأةً في أقصى المدينة، وإنِّي أصبتُ منها ما دونَ أن أَمسَّها، وأنا هذا، فاقضٍ فيَّ كما شئتَ. فقال له عمر: لقد سترَك اللهُ، لو سترتَ على نفسك! فلم يردّ عليه رسولُ الله ﴾ شيئاً، فانطلق الرجل، فأَتْبعه رسولُ اللـه# رجلاً فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ ◌َرَفَي التَّهَارِ وَزُلَغَا مِنَ أَلَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ إلى آخِرٍ الآية، فقال رجلٌ من القوم: هذا له خاصة؟ قال: ((لا، بل للناس كافة)). قال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح(٥). وخرَّج أيضاً عن ابن مسعود، أنَّ رجلاً أصاب من امرأةٍ قُبلةَ حرام، فأتى النبيَّ ﴾ فسأله عن كفَّارتها، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ اٌلْضَلَوةَ ◌َرَفَيِ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ أَلَيْلِّ إِنَّ أَلْحَسَنَتِ يُذْحِبْنَ السَِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: أَلي هذه يا رسول الله؟ فقال: («لك ولمن عَمِلَ بها مِن (١) في المحرر الوجيز ٢١٢/٣ - ٢١٣، وما قبله منه. (٢) في المحرر الوجيز: بقوله. (٣) أخرجه أحمد (٨٧١٥)، ومسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، کفاراتٌ لما بینھنَّ ما اجتنبت الكبائر)). (٤) المحرر الوجيز ٢١٣/٣، وذكر الحافظ في الفتح ٣٥٦/٨ - ٣٥٧ الاختلاف على اسم صاحب القصة وما ورد فيه من روايات، ثم قال: وأمَّا قصة عباد فحكاها القرطبي ولم يَعزُها، وعباد اسم جد أبي اليسر، فلعله نُسب ثم سقط شيء، وأقوى الجميع أنه أبو اليسر. اهـ وسيأتي خبر أبي اليسر فيما سيرد من أخبار. (٥) سنن الترمذي (٣١١٢)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٧٦٣): (٤٢)، وبنحوه عند أحمد (٤٢٥٠). ٢٣١ سورة هود: الآية ١١٤ أمَّتي)). قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ صحيح(١). وروى عن أبي الْيَسَر قال: أتتني امرأةٌ تَبتاعُ تمراً فقلت: إنَّ في البيت تمراً أطيبَ من هذا، فدخلَت معي في البيت، فأهويتُ إليها فقبَّلتُها، فأتيتُ أبا بكر فذكرتُ ذلك له، فقال: استر على نفسك وتُبْ، ولا تخبر أحداً. فلم أصبر، فأتيتُ عمرَ، فذكرتُ ذلك له، فقال: اسْتُرْ على نفسك وتُبْ، ولا تُخْبِر أحداً. فلم أَصْبِرْ، فأتيتُ رسولَ الله ﴿ فذكرتُ ذلك له فقال: ((أَخَلَفْتَ غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟!)) حتى تمنَّى أنه لم يكن أسلم إلَّا تلك الساعة، حتى ظنَّ أنه من أهل النار. قال: وأَظْرقَ رسولُ الله # حتى أوحى اللهُ إليه: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَبْلِّ إِنَّ الْمَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِّكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ قال أبو اليَسَر: فأتيتُه فقرأها عليَّ رسولُ اللـه ﴾، فقال أصحابه: يا رسول الله! أَلِهذا خاصةً، أم للناس عامة؟ فقال: (بل للناس عامةً)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب، وقيس بنُ الربيع ضعَّفه وَكِيعٌ وغيره(٢). وقد رُوي أنَّ النبيَّ # أَعْرضَ عنه، وأقيمت صلاة العصر، فلمَّا فرغَ منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية، فدعاه فقال له: ((أشهِدتَ معنا الصلاة؟)) قال: نعم! قال: ((اذهبْ، فإنَّها كفَّارةٌ لمَا فَعَلْت))(٣). ورُوي أنَّ النبيَّ ﴿﴿ لَمَّا تلا عليه هذه الآيةَ قال له: ((قُمْ فَصَلِّ أربعَ ركعاتٍ))(٤). (١) سنن الترمذي (٣١١٤)، وهو عند أحمد (٣٦٥٣)، والبخاري (٥٢٦) و(٤٦٨٧)، ومسلم (٢٧٦٣): (٣٩). (٢) سنن الترمذي (٣١١٥). ووقع في المطبوع: حسن صحيح، وما ذكره المصنف موافق لما في التحفة ٨/ ٣٠٧ . وقال الترمذي أيضاً: وروى شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواية قيس بن الربيع. اهـ قلنا: أخرجه من طريق شريك المذكور النسائي في الكبرى (٧٢٨٦). (٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٩٧/٢، وعزاه الحافظ في الفتح ٣٥٦/٨ لابن منده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢١٦٣)، ومسلم (٢٧٦٥) من حديث أبي أمامة وأخرجه بنحوه أيضاً البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤) من حديث أنس ﴾ (٤) أخرجه البزار (٢٢١٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: وأخرجه عبد الرزاق في التفسير = ٢٣٢ سورة هود: الآية ١١٤ واللهُ أعلم. وِخرَّج الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) من حديث ابن عباس عن رسول الله ﴾، قال: ((لم أرَ شيئاً أَحْسَنَ طَلَباً ولا أَسْرعَ إدراكاً من حسنةٍ حديثةٍ لذنب قديم: ﴿إِنَّ اُْسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّكِينَ﴾))(١). الخامسة: دلَّت الآيةُ مع هذه الأحاديث على أنَّ القُبلة الحرام، واللَّمسَ الحرام، لا يجب فيهما الحدُّ، وقد يُستدلُّ به على أن لا حدَّ ولا أدبَ على الرجل والمرأة وإن وُجدا في ثوبٍ واحد، وهو اختيار ابن المنذر(٢)؛ لأنه لمَّا ذَكَر اختلافَ العلماء في هذه المسألة ذَكَر هذا الحديثَ، مشيراً إلى أنه لا يجب عليهما شيءٌ، وسيأتي ما للعلماء في هذا في ((النور))(٣) إن شاء الله تعالى. السادسة: ذكّر الله سبحانه في كتابه الصلاةَ بركوعها وسجودِها وقيامِها وقراءتها وأسمائها، فقال: ﴿أَقِرِ الصَّلَوَةَ﴾ الآية [لقمان: ١٧]. وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨] وقال: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِی التَمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧-١٨]. وقال: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَيِّكَ قَبْلَ مُلُوعِ الشَمْسِ وَقَبلَ غُرُوِهاً﴾ [طه: ١٣٠]. وقال: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]. وقال: = ٣١٥/١، والطبري ٦٢٣/١٢ - ٦٢٤ من طريق يحيى بن جعدة أن رجلاً من أصحاب النبي #، فذكر القصة. وأخرجه الترمذي (٣١١٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، وفيه : ... فأمره أن يتوضأ ويصلي ... ، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل؛ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. (١) نوادر الأصول ص٢٣٨، وأخرجه العقيلي ٤٢١/٤، والطبراني في الكبير (١٢٧٩٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٢١٣/٢٢. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٧: في إسناده مالك بن يحيى بن عمرو التُّكري، وهو ضعيف، وكذلك أبوه. وقال العقيلي: يحيى بن عمرو النكري لا يتابع على حديثه. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٥ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٤٧٥ عن فضيل بن زيد الرقاشي قوله. (٢) في الإشراف ٢/ ٥٥ . (٣) عند تفسير الآية الثانية منها. ٢٣٣ سورة هود: الآيات ١١٤ - ١١٦ ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] على ما تقدَّم. وقال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بقراءتك. وهذا كلَّه مجمَلٌ أَجْمَلَه في كتابه، وأحال على نبيِّه في بيانه، فقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبَيَّن # مواقيتَ الصلاة، وعددَ الركعاتِ والسَّجَدات، وصفةً جميع الصلوات فَرْضِها وسُنَنِها، وما لا تصحّ الصلاةُ إلا به من الفرائض، وما يُستحبُّ فيها من السُّنَن والفضائل، فقال في (صحيح)) البخاريِّ: ((صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي))(١). ونقل ذلك عنه الكافَّةُ عن الكافة، على ما هو معلومٌ، ولم يَمت النبيُّ ﴿ حتى بيَّن جميعَ ما بالناس الحاجةُ إليه، فكمَّل الدِّين، وأوضح السبيل؛ قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْفَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَغَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ أي: القرآنُ موعظةٌ وتوبةٌ لمن اتَّعظَ وتَذَكَّر، وخَصَّ الذاكرين بالذِّكر؛ لأنهم المنتفعون بالذكرى. والذكرى مصدرٌ جاء بألف التأنيث. فَلَوْلَا كَانَ مِنَ قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهُوَّنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إلَّا قَلِلًا مِّمَنْ أَفْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أَثْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِنَ قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ﴾ أي: على الصلاة، كقوله: ﴿وَأَمْرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَّبِرْ عَلَيّاً﴾ [طه: ١٣٢]. وقيل: المعنى: واصبر يا محمدُ على ما تَلْقَى من الأذى. ﴿فَإِنَّ اللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني المصلين. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ أي: فهلَا كان ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم التي قبلكم ﴿أُوْلُواْ يَقِيَّةٍ﴾ أي: أصحابُ طاعةٍ ودينٍ وعقلٍ وبَصَر ﴿يَنْهَوْنَ﴾ قومَهم ﴿عَنِ (١) صحيح البخاري (٦٣١)، وسلف ٦٧/١ . ٢٣٤ سورة هود: الآيات ١١٥ - ١١٩ الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ﴾ لِمَا أعطاهم اللهُ تعالى من العقول، وأراهم من الآيات. وهذا توبيخٌ للكفار. وقيل: ((لولا)) هاهنا للنفي؛ أي: ما كان مِن قَبْلِكم، كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] أي: ما كانت. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ منقطع، أي: لكنْ قليلاً(١) ﴿مِّمَنْ أَفْنَا مِنْهُمْ﴾ نَهَوْا عن الفساد في الأرض. قيل: هم قومُ يونس؛ لقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]. وقيل: هم أتباعُ الأنبياء وأهل الحق. ﴿وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أَشْرَكُوا وَعَصَوا ﴿مَّ أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي: من الاشتغال بالمال واللذات، وإيثارٍ ذلك على الآخرة ﴿وَكَانُوا تُجْرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَجِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (٣٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ أي: أهلَ القرى ﴿يُظُلْرٍ﴾ أي: بشرك وكفر ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي: لم يكن ليهلكَهم بالكفر وحدَه حتى ينضاف إليه الفسادُ، كما أَهْلكَ قومَ شعيبٍ بَبَخْس المكيال والميزان، وقومَ لوطٍ باللواط(٢). ودلَّ هذا على أنَّ المعاصيّ أقربُ إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشِّرك، وإن كان عذابُ الشِّرك في الآخرة أصعب. وفي ((صحيح)) الترمذيِّ من حديث أبي بكر الصدِّيق ﴾ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((إنَّ الناس إذا رأوا الظالمَ فلم يأخذوا على يديه، أَوْشَكَ أن يَعمَّهم اللهُ بعقابٍ من عنده)). وقد تقدَّم(٣). (١) ينظر المحرر الوجيز ٢١٤/٣. (٢) ينظر تفسير أبي الليث ١٤٦/٢ - ١٤٧. (٣) ٣٨٦/٣، وهو في سنن الترمذي (٢١٦٨)، وفي قول المصنف: صحيح الترمذي، تجوّز. ٢٣٥ سورة هود: الآيات ١١٧ - ١١٩ وقيل: المعنى: وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مسلمون، فإنه يكون ذلك ظلماً لهم ونقصاً من حقُّهم، أي: ما أهلك قوماً إلا بعد إعذارٍ وإنذار. وقال الزَّجَّاج: يجوز أن يكون المعنى: ما كان ربُّك ليهلك أحداً وهو يظلمُه وإن كان على نهايةِ الصلاح؛ لأنه تصرّف(١) في ملكه؛ دليلُه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤](٢). وقيل: المعنى: وما كان اللهُ ليهلكُهم بذنوبهم وهم مصلحون، أي: مُخْلِصون في الإيمان. فالظلمُ المعاصي على هذا(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أَّةً وَجِدَةٌ﴾ قال سعيد بن جُبير: على ملَّة الإسلام وحدَها. وقال الضّحاك: أهل دينٍ واحدٍ، أهل ضلالة أو أهل هدى (٤). ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ﴾ أي: على أديانٍ شتَّى؛ قاله مجاهد وقتادة(٥). ﴿إِلَّا مَنْ تَّحِمَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ منقطع؛ أي: لكن مَن رَحِم ربُّك بالإيمان والهدى، فإنه لم يختلف(٦). وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غنيٌّ وهذا فقير ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ بالقناعة؛ قاله الحسن(٧). (١) في (ز) و(ظ): لأن تصرفه. (٢) معاني القرآن للزجاج ٨٣/٣ دون قوله: وإن كان على نهاية الصلاح لأنه تصرف في ملكه. (٣) ذكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٥/٣، ورجح أن يكون معنى ((بظلم)) أي: بظلم منه لهم، تعالی عن ذلك. (٤) النكت والعيون ٥١١/٢ . (٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون عن مجاهد وعطاء، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٩٣/٦ (١١٢٨٢) عن الحسن، ولم نقف عليه عن قتادة. (٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ٨٣/٣، وتفسير البغوي ٤٠٦/٢. وقال أبو حيان في البحر ٢٧٣/٥: هو استثناء متصل من قوله: ((ولا يزالون مختلفين)) ولا ضرورة تدعو إلى أنه بمعنى لكن فيكون استثناء منقطعاً. (٧) النكت والعيون ٥١١/٢ . وأخرجه بنحوه الطبري ١٣/ ٦٣٦. ٢٣٦ سورة هود: الآيات ١١٧ - ١١٩ ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن ومقاتل وعطاء ويَمَان: الإشارةُ للاختلاف، أي: وللاختلافِ خَلَقهم (١). وقال ابن عباس ومجاهد وقَتَادة والضَّحاك: ولرحمته خَلَقهم(٢). وإنما قال: ((ولذلك))، ولم يقل: ولتلك، والرحمةُ مؤنثةٌ؛ لأنه مصدر، وأيضاً فإنَّ تأنيث الرحمة غيرُ حقيقي، فحُمِلت على معنى الفضل(٣). وقيل: الإشارةُ بـ ((ذلك)) للاختلاف والرحمة، وقد یشار بـ ((ذلك)) إلى شيئين مُتَضادّين، كقوله تعالى: ﴿لَّا فَارِضٍّ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨](٤) ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال: ﴿وَأَذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقال: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] وكذلك قوله: ﴿قُلّ بِفَضْلِ اَلَّهِ وَبِرَحْمَتِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]. وهذا أحسنُ الأقوال إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنه يعمُّ، أي: ولِمَا ذُكِرٍ خَلَقَهم. وإلى هذا أشار مالكٌ رحمه اللهُ فيما روى عنه أشهب؛ قال أشهب: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، قال: خَلَقهم ليكون فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير(٥). أي: خُلَق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهلَ الرحمة للرحمة. وروي عن ابن عباس أيضاً قال: خَلَقهم فريقين؛ فريقاً يرحمه، وفريقاً لا يرحمه (٦). قال المهدويُّ: وفي الكلام على هذا التقدير تقديمٌ وتأخير، المعنى: ولا يزالون (١) النكت والعيون ٢/ ٥١١ عن الحسن وعطاء، والوسيط ٢/ ٥٩٧ عن الحسن ومقاتل. (٢) أخرج قولهم الطبري ٦٣٩/١٣ - ٦٤٠ . (٣) تفسير الرازي ٧٩/١٨ . (٤) ينظر تفسير الطبري ٦٤٠/١٣ - ٦٤١، والمحرر الوجيز ٢١٥/٣، والبحر ٢٧٣/٥ . واختار الطبري هذا القول وقال: فمعنى اللام في قوله: ﴿وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ بمعنى على، كقولك للرجل: أكرمتك على برِّك بي. وأكرمتك لبرِّك بي. (٥) تفسير البغوي ٤٠٦/٢، وأخرجه الطبري ٦٣٩/١٣. (٦) أخرجه الطبري ٦٣٨/١٣ . ٢٣٧ سورة هود: الآيات ١١٧ - ١٢٠ مختلفين إلَّا مَن رحِم ربك، وتمَّت كلمةُ ربِّك لأملأنَّ جهنمَ من الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم(١). وقيل: هو متعلِّق بقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] والمعنى: ولشُهودٍ ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلَّق بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أي: للسّعادة والشّقاوة خلقهم(٢). قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ معنى ((تمت)): ثَبَتَ ذلك كما أُخبر وقدّر في أَزَلِه، وتمامُ الكلمة: امتناعُها عن قبول التغيير والتبديل . ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِثَّةِ وَأُلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (مِن)) لبيان الجنس، أي: من جنس الجنة وجنس الناس. ((أجمعين)) تأكيد، وكما أخبر أنه يملأ نارَه كذلك أخبر على لسان نبيِّهِ ﴾ أنه يملأ جَنَّتَه بقوله: ((ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها)). خرَّجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة وقد تقدّم(٣). قوله تعالى: ﴿وَكُلَّا تَّقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَثْبَءِ الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَفْ وَجَكَ فِىِ هَذِ ١٢٠ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَّكَ﴾ ((كُلَّا)) نصب بـ ((نقصُّ))، معناه: وكلُّ الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصُّ عليك(٤). وقال الأخفش: ((كُلَّا)) حالٌ مقدَّمة، كقولك: كُلَّا ضربتُ القوم(٥). ﴿مِنْ أَتَبَِّ الرُّسُلِ﴾ أي: من أخبارهم وصبرِهم على أذى قومهم. ◌ِمَا تُثَِّتُ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ أي: على أداء الرسالة، والصبرٍ على ما يَنالُك فيها من الأذى. وقيل: نزيدك به تثبيتاً ويقيناً. وقال ابن عباس: ما نشدُّ به قلبك(٦). وقال ابن (١) ذكر قول المهدوي أبو حيان في البحر ٢٧٣/٥ وقال: وهذا بعيد جدًّا من تراكيب كلام العرب. (٢) ذكر القولين الأخيرين ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٥/٣، وقال: وهذان المعنّان وإن صحًّا، فهذا العَوْدُ المتباعدُ لیس بجیّد. (٣) ٣٥٦/١ - ٣٥٧، وهو عند البخاري (٤٨٥٠). (٤) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٨/٢، وينظر معاني القرآن للأخفش ٥٨٥/٢ . (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٥٩٨/٢ بلفظ: ليزيدك يقيناً ويقوِّي قلبك. ٢٣٨ سورة هود: الآيات ١٢٠ - ١٢٣ جُريج: نُصبِّرُ به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نُطيِّب، والمعنى متقارب. و((ما)) بدلٌ من ((كلَّا)) المعنى: نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك(١). ﴿وَجَكَ فِىِ هَذِهِ آلْحَقُّ﴾ أي: في هذه السورة؛ عن ابن عباس وأبي موسى (٢) وغيرهما. وخَصَّ هذه السورة لأنَّ فيها أخبارَ الأنبياء والجنة والنار. وقيل: خصَّها بالذِّكر تأكيداً، وإنْ كان الحقُّ في كلِّ القرآن(٣). وقال قَتَادة والحسن: المعنى: في هذه الدنيا، يريد النبوّة(٤). ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الموعظة: ما يُتَّعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذِّبة. وهذا تشريفٌ لهذه السُّورة؛ لأنَّ غيرها من السُّور قد جاء فيها الحقُّ والموعظة والذِّكرى، ولم يقل فيها كما قال في هذه على التَّخصيص. ((وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) أي: يتذكَّرون ما نزَل بمن هلك فيتوبون، وخَصَّ المؤمنين لأنهم المتَّعظون إذا سمعوا قصصَ الأنبياء. وَأَنْتَظِرُوا إِنَّا قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ (١٨) مُنْتَظِرُونَ (١٧) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ ١٢٣ عَلَيْهٍ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديدٌ ووعيد. ﴿إِنَّا عَمِلُونَ. وَأَظِرُواْ إِنَّا مُنَظِرُونَ﴾ تهديدٌ آخَرُ، وقد تقدَّم معناه(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: غيبُهما وشهادتُهما؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن عباس: خزائنُ السماوات والأرض. وقال الضحَّاك: جمیعُ (١) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٣ . (٢) النكت والعيون ٢/ ٥١٢، وأخرج قولهما الطبري ١٣/ ٦٤٣ - ٦٤٤، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً سعيد بن منصور في سننه (١١٠٨ - تفسير). (٣) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٣ - ٨٥ . (٤) زاد المسير ١٧٣/٤، وأخرج قولهما الطبري ١٢ / ٦٤٧ . (٥) ينظر ١٣٣/٩ وص٥٨ من هذا الجزء. ٢٣٩ سورة هود: الآيات ١٢١ - ١٢٣ ما غاب عن العباد فيهما(١). وقال الباقون: غيب السماوات والأرض: نزولُ العذاب من السماء، وطلوعُه من الأرض. وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: وَلِله علمُ(٢) غَيْبِ السَّمَاوَات والأَرْضِ، أي: عِلم ما غاب فيهما(٣)؛ أضاف الغيب - وهو مضافٌ إلى المفعول - توسُّعاً؛ لأنه حَذَفَ حرفَ الجرّ؛ تقول: غِبْتُ في الأرض وغبت ببلد كذا. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي: يومَ القيامة؛ إذ ليس لمخلوق أمرٌ إلا بإذنه. وقرأ نافع وحفص: ﴿يُرْجَعُ﴾ بضمِّ الياء وبفتح الجيم (٤)؛ أي: يُرَدّ. ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه﴾ أي: الجأُ إليه وثِقْ به. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: يجازي كلَّ بعمله. وقرأ أهل المدينة والشام وحفصٌ بالتاء على المخاطبة. الباقون بياءٍ على الخبر(٥). قال الأخفش سعيد(٦): (يعملون)) إذا لم يخاطِب النبيَّ # معهم، قال: وقال بعضهم: ((تعملون)) بالتاء لأنه خاطب النبيَّ #، أو قال: قل لهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال كعب الأحبار: خاتمةُ التوراة خاتمةُ ((هود))(٧) من قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخِرِ السورة. تمت سورةُ هود، ويتلوها سورة يوسف عليه السلام. (١) ذكر قول ابن عباس وقول الضحاك الطبرسي في مجمع البيان ٢٣٨/١٢. (٢) قوله: علم، من (ز) و(ظ). (٣) الوسيط ٥٩٨/٢، وزاد المسير ١٧٥/٤. (٤) وقرأ الباقون بفتح الياء وكسر الجيم. السبعة ص ٣٤٠، والتيسير ص١٢٦ . (٥) قرأ نافع وابن عامر وحفص: ((تعملون)) بالتاء، والباقون بالياء. السبعة ص٣٤٠، والتيسير ص١٢٦ . (٦) في معاني القرآن ٥٨٦/٢ . (٧) أخرجه الطبري ٦٤٩/١٣، وسلف ٣١١/٨. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الـ سورة يوسف عليه السلام وهي مكيَّةٌ كلُّها. وقال ابن عباس وقتادة: إلَّا أربعَ آيات منها (١). ورُويَ أنَّ اليهود سألوا رسول الله# عن قصة يوسف، فنزلت السُّورة، وسيأتي(٢). وقال سعد بن أبي وقّاص: أُنزِل القرآن على رسول الله :﴿، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا ◌ٍ لو قصَصْت علينا، فنزل: [﴿الَّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُِّينِ﴾ إلى قوله:] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ فتلاه عليهم زماناً فقالوا: لو حدَّثْتنا، فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣](٣). قال العلماء: وذكر الله أقاصيصَ الأنبياء في القرآن وکرَّرها بمعنى واحدٍ في وجوهٍ مختلفة، بألفاظِ متباينةٍ على درجاتِ البلاغة، وقد ذكر قصَّة يوسف ولم يكرِّرها؛ فلم يَقْدِر مخالفٌ على معارضة ما تكرَّر، ولا على معارضةٍ غيرِ المتكرِّر، والإعجازُ لمن تأمَّل. قوله تعالى: ﴿الَّرِ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ قوله تعالى: ﴿الَرْ﴾ تقدَّم القولُ فيه (٤)، والتقدير هنا: ((تلك آياتُ الكتاب)) على (١) النكت والعيون ٥/٣ . (٢) ص٢٤٢ و٢٥٩ من هذا الجزء. (٣) أخرجه البزار (١١٥٢) و(١١٥٣)، وأبو يعلى (٧٤٠)، والطبري ٨/١٣ ، وابن حبان (٦٢٠٩)، والواحدي في أسباب النزول ص٢٧٣ ، وما بين حاصرتين من المصادر. (٤) ٢٣٧/١ وما بعدها، و ٤٤٥/١٠ - ٤٤٦ .