النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
وبین ما یریدون.
﴿أَوْ ءَاوِيّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ أي: ألجأُ وأَنضَوي. وقُرِئ: ﴿أُو آوِيّ﴾(١) بالنصب
عطفاً على ((قوّة))، كأنه قال: ((لو أن لي بكم قوّة)) أو إيواءً إلى ركن شديد، أي: وأنْ
آويَ، فهو منصوبٌ بإضمار ((أن)). ومراد لوطٍ بالرُّكنِ العشيرةُ والمنعةُ بالكثرة(٢).
وبلَغَ بهم قبيحُ فعلهِم إلى قوله هذا معَ علمه بما عندَ اللهِ تعالى، فيُرْوَى أن
الملائكةَ وَجَدتْ عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إنَّ ركنَك لشدید.
وفي البخاريِّ عن أبي هريرةَ أنَّ رسول اللـه ﴿] قال: ((يرحَمُ اللهُ لوطاً، لقد كان
يَأوي إلى ركنٍ شديد» الحديث، وقد تقدّم في ((البقرة)»(٣). وخرَّجه الترمذيُّ وزاد: ((ما
بعث الله بعدَه نبيًّا إلا في ثروةٍ من قومه)). قال محمدُ بنُ عمرو: والثروة: الكثرة
والمَنَعَة؛ حديثٌ حسن (٤).
ویروی أن لوطاً علیه السلام لمّا غلبه قومه، وهمُّوا بكسر الباب وهو يُمسكه،
قالت له الرُّسل: تنخَّ عن الباب، فتنخَّى وانفتح الباب، فضربهم جبريلُ بجناحه
فَطَمَسَ أعينَهم، وعَمُوا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاءَ(٥)، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُّنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧].
وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوطٌ بابه والملائكةُ معه في الدار، وهو
يُناظِرُ قومَه ويُناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوُّرَ الجدار؛ فلما رأت
الملائكة ما لقيَ من الجَهْد والكَرْبِ والنَّصَب بسببهم، قالوا: يا لوطُ، إنَّ ركنَك
(١) القراءات الشاذة ص ٦٠ - ٦١، والمحتسب ٣٢٦/١.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٥/٣.
(٣) ٤ /٣١٠.
(٤) سنن الترمذي (٣١١٦)، ومحمد بن عمرو: هو أبو عبد الله، ويقال: أبو الحسن، الليثي المدني، أحد
رجال الإسناد.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٥/٣ - ١٩٦ .

١٨٢
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
الشديدٌ، وإنهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردود، وإنّ رسلُ ربِّك؛ فافتحْ البابَ ودَعْنا وإياهم،
ففتح البابَ فضربَهم جبريلُ بجناحه على ما تقدّم. وقيل: أخذ جبريلُ قبضةً من تراب
فأَذْراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عينٍ مَن بَعُد ومَن قَرُب مِن ذلك الترابِ فطَمَس
أعينهم، فلم يعرفوا طريقاً، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاءَ النجاءَ،
فإنَّ في بيت لوط قوماً هم أَسْحرُ مَنْ على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعمّوا
أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوطُ، كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه(١).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ﴾ لمَّا رأت الملائكةُ حُزْنَه واضطرابَه
ومدافعَته عرّفوه بأنفسهم، فلمّا علم أنهم رسلٌ مگّن قومَه من الدخول، فأمرَّ جبريلُ
عليه السلام يدَه على أعينهم فعَمُوا، وعلى أيديهم فجفَّتْ. ﴿لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ أي:
بمكروه.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، قرئ ((فأسرٍ)) بوصل الألف وقَطْعها، لغتان فصيحتان(٢). قال
الله تعالى: ﴿وَلَِّلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] وقال
النابغةُ ۔ فجمع بین اللغتين -:
أَسْرتْ عليه من الجوزاء ساريةٌ تُزجِي الشمالُ عليهِ جامِدَ البَرَدِ (٣)
وقال آخر (٤):
حَيِّ النَّضيرةَ ربَّةَ الخِدْرِ
أسْرَتْ إليكَ ولم تَكِنْ تَسْري
وقد قيل: ((فَأَسْرِ))؛ بالقَطْعِ: إذا سار من أوَّل الليل، وسرى: إذا سار من آخره،
(١) عرائس المجالس ص١٠٧، وتفسير البغوي ٣٩٦/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/٢، وقرأ بوصل الهمزة من السبعة نافع وابن كثير وقرأ الباقون بقطعها.
السبعة ص٣٣٨ ، والتيسير ١٢٥ .
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص٣١ وفيه: سرت، بدل: أسرت، وهو في المحرر الوجيز ١٩٦/٣ بلفظ
المصنف.
(٤) هو حسان بن ثابت، والبيت مطلع قصيدة له في الديوان ص٢٢٤ .

١٨٣
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
ولا يقال في النهار إلا : سار. وقال لبيد:
قَضَى عملاً والمرءُ ما عاش عامِلُ(١)
إذا المرءُ أَسْرَى ليلةً ظَنَّ أنَّهُ
وقال عبد الله بن رواحةً:
عند الصّباحِ يَحمَدُ القومُ السُّرَی
وتَنْجِلِي عنهم غَيَاباتُ الكَرَى(٢)
﴿يِقِطْعِ مِنَ الَلِ﴾ قال ابن عباس: بطائفةٍ من الليل. الضّحاك: ببقية من الليل.
قَتَّادة: بعد مُضيٍّ صدرٍ من الليل(٣). الأخفش: بعد جُنح من الليل. ابن الأعرابي:
بساعة من الليل. وقيل: بظلمةٍ من الليل(٤). وقيل: بعدَ هَذْهٍ من الليل. وقيل: هَزيعٍ من
اللّيل. وكلُّها متقاربة.
وقيل: إنه نصفُ اللَّيل، مأخوذٌ من قَطْعِه نِصْفين، ومنه قول الشاعر:
ونائحةٍ تَنوحُ بِقِطْعٍ ليلٍ على رجلٍ بقارعةِ الصَّعيدِ(٥)
فإن قيل: السُّرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى ((بقِطْع من الليل))؟ فالجواب: أنّه
لو لم يقل: (بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ)) جاز أن يكون أوَّله(٦).
﴿وَلَا يَلْثَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدُّ﴾ أي: لا ينظرْ وراءَه منكم أحدٌ، قاله مجاهد. ابن
عباس: لا يتخلف منكم أحدٌ. عليُّ بنُ عيسى: لا يشتغلْ منكم أحدٌ بما يُخلِّفه من مال
(١) النكت والعيون ٢/ ٤٩٠ . والبيت في دیوان لبید ص٢٥٤ .
(٢) الرجز في النكت والعيون ٢/ ٤٩٠، ونسب في الحيوان ٥٠٨/٦ لبكر بن عبد الله المزني، وفي مجمع
الأمثال ٣/٢ لخالد بن الوليد ﴾.
(٣) أورد هذه الأقوال البغوي ٣٩٦/٢، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ١٢/ ٥٢٤ .
(٤) أورد هذا القول الواحدي في الوسيط ٢/ ٥٨٤ ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) النكت والعيون ٤٩١/٢، والبيت أورده أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٨٥/١،
والسيوطي في الدر المنثور ٣٤٥/٣، والآلوسي في روح المعاني ١٠٩/١٢ ونسبوه لمالك بن كنانة
بلفظ :
على رجل أهانته شعوب
ونائحة تقوم بقطع ليل
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٩٦/٢ .

١٨٤
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
أو متاع (١).
﴿إِلَّا أَقْرَكَّ﴾ بالنصب(٢)، وهي القراءة الواضحةُ البيّنةُ المعنى، أي: فأَسر
بِأهلِك إلا امرأتَك. وكذا في قراءة ابن مسعود: ((فَأَسرِ بِأهلِك إِلا امرأتَك))(٣) فهو
استثناءٌ من الأهل. وعلى هذا لم يخرجْ بها معه. وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿كَانَتْ مِنَ
الْغَبِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣] أي: من الباقين. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ((إِلا امرأتُك)»
بالرفع على البدل من ((أحد)). وأنكر هذه القراءةَ جماعةٌ منهم أبو عُبيد، وقال: لا
يصحُّ ذلك إلا برفع ((يلتفت)) ويكون نعتاً؛ لأن المعنى يصير - إذا أَبدلْتَ وجَزمْتَ - أن
المرأة أُبيحَ لها الالتفاتُ، ولیس المعنى كذلك.
قال النحاس(٤): وهذا الحَملُ من أبي عُبيد وغيرِه على مثلٍ أبي عمرو مع جلالته
ومَحلِّه من العربية لا يجب أن يكون، والرفع على البدل له معنّى صحيحٌ، والتأويلُ له
على ما حكى محمدُ بن الوليد(٥) عن محمدٍ بن يزيدَ أن يقولَ الرجل لحاجبه: لا
يخرجْ فلانٌ، فلَفْظُ النَّهي لفلان، ومعناه للمخاطب، أي: لا تَدَعْه يخرجُ، ومثلُه
قولك: لا يَقُمْ أحدٌ إلا زيدٌ، يكونُ معناه: انهَهُم عن القيام إلا زيداً. وكذلك النهيُ
للوطِ ولفظُه لغيرِهِ، كأنه قال: إِنْهَهُم لا يلتفتْ منهم أحدٌ إلا امرأتُك. ويجوز أن يكونَ
استثناءً من النهي عن الالتفات لأنه كلامٌ تامٌّ، أي: لا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتَك،
فإنها تلتفتُ وتَهلِكُ، وأنّ لوطاً خرج بها، ونهى مَن معه ممن أُسريَ بهم ألا يلتفتَ،
(١) النكت والعيون ٤٩١/٢، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥٢٤/١٢ ، وقول ابن عباس رضي الله عنهما
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٥ .
(٢) قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص٣٣٨، والتيسير ص ١٢٥.
(٣) ذكرها الطبري ٥٢٥/١٢. والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٧/٢ ، والكلام الذي قبله فيه بنحوه، وينظر البيان لأبي البركات الأنباري
٢٦/٢.
(٥) المصري النحوي التميمي، يُعرف بولَّاد، قرأ كتاب سيبويه على المبرّد. توفي سنة (٢٩٨هـ). إنباه الرواة
٢٢٥/٣ .

١٨٥
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
فلم يلتفتْ منهم أحدٌ سوى زوجتِه، فإنها لمّا سمعتْ هذَّةَ العذاب التفتَتْ، وقالت:
واقوماه، فأدركها حَجَرٌ فقتلها(١).
﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا﴾ أي: من العذاب. والكناية في ((إنه)) ترجعُ إلى الأمر والشأن، أي:
فإن الأمرَ والشأن والقصة(٢).
﴿مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ لما قالت الملائكة: ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْبَةٌ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لوط: الآنَ الآن. استعجلَهم بالعذاب لغيظه على قومه،
فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الشُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ وقرأ عيسى بن عمرَ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبُحُ﴾ بضمّ الباء،
وهي لغةٌ(٣). ويَحتمِلُ أن يكون جَعَلَ الصبحَ ميقاتاً لهلاكهم؛ لأن النفوسَ فيه أَودعُ،
والناسَ فيه أَجمعُ(٤).
وقال بعضُ أهل التفسير: إنّ لوطاً خرج بابنتيهِ ليس معه غيرُهما عند طلوع
الفجر، وإن الملائكة قالت له: إن الله قد وكّل بهذه القرية ملائكةً معهم صوتُ رعد،
وخطفُ برق، وصواعقُ عظيمةٌ، وقد ذكرنا لهم أنّ لوطاً سيخرج فلا تُؤْذوه، وأمارتُه
أنه لا يلتفتُ، ولا تلتفتُ ابنتاه فلا يهولنَّك ما ترى. فخرج لوطٌ وطوى اللهُ له الأرضَ
في وقته حتی نجا ووصل إلی إبراهیم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَلَّمَ أَقْرُنَا﴾ أي: عذابُنا. ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ وذلك أن
جبريل عليه السلام أدخل جناحَه تحت قُرى قوم لوط، وهي خمسٌ: سدومُ - وهي
القرية العظمى - وعامورا، ودادوما، وصعرة، وقتم(٥)، فرفعها من تخوم الأرض
حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهلُ السماء نهيقَ حُمُرهم وصياحَ
(١) تفسير البغوي ٣٩٦/٢ .
(٢) ينظر مجمع البيان ١٩٥/١٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٧/٢، وقراءة عيسى بن عمر في القراءات الشاذة ص٦١.
(٤) النكت والعيون ٤٩١/٢ - ٤٩٢ .
(٥) اختلفت النسخ والمصادر في أسماء هذه القرى اختلافاً كبيراً ما عدا سدوم. وينظر المحبر ص ٤٦٧ ،
والتعريف والإعلام للسُّهيلي ص١٧٦، ومعجم البلدان ٤١٨/٢ و٤١١/٣ و٧١/٤.

١٨٦
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
دِیکتهم، لم تَنكفئ لهم جرَّةٌ، ولم ينكسر لهم إناء، ثم نُكِسوا على رؤوسهم، وأتبعهم
اللهُ بالحجارة. مقاتل: أُهلكتْ أربعة، ونَجتْ صعرة. وقيل غير هذا، والله أعلم (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ دليلٌ على أنّ من فعل فعلهم حكمُه
الرَّجم، وقد تقدَّم في ((الأعراف))(٢).
وفي التفسير: أُمطرْنا في العذاب، ومُطرنا في الرحمة(٣). وأمّا كلام العرب
فيقال: مَطرتِ السماء وأَمطرت، حكاه الهرويّ(٤).
واختُلِفَ في ((السِّجِّيل)) فقال البخاري(٥): السجّيل: الشديد الكثير، وسجیل
وسِجِّين اللام والنون أختان. وقال أبو عُبيدة (٦): السِّجِيل الشديد، وأنشد:
ضَرْباً تَوَاصَى به الأبطالُ سِجِّینا(٧)
قال النحاس(٨): وردَّ عليه هذا القولَ عبدُ الله بن مسلم(٩) وقال: هذا سجِّين
وذلك سجِّيل، فكيف يستشهد به؟! قال النحاس: وهذا الردُّ لا يلزم، لأنَّ أبا عُبيدةَ
ذهب إلى أن اللام تُبدلُ من النون لقرب إحداهما من الأخرى، وقولُ أبي عُبيدة يُرَدُّ
من جهة أخرى، وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارةً سجِيلاً؛ لأنه لا يقال:
حجارةٌ من شديد؛ لأنّ شديداً نعتٌ.
وحكى أبو عُبيد(١٠) عن الفراء (١١) أنه قد يقال لحجارة الأزحاء: سجِّيل. وحكى
(١) عرائس المجالس ص١٠٧، وتفسير البغوي ٣٩٦/٢، والمحرر الوجيز ١٩٧/٣، وسلف الكلام
٢٨٠/٩ .
(٢) ٩/ ٢٧٤ وما بعدها.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٩٧/٣.
(٤) تهذيب اللغة ٣٤١/١٣ .
(٥) في (م): النحاس، والكلام عند البخاري (٤٦٨٤) وينظر فتح الباري ٨/ ٣٥١.
(٦) في مجاز القرآن ٢٩٦/١ .
(٧) سيأتي بتمامه قريباً.
(٨) في معاني القرآن ٣٧٠/٣ - ٣٧١.
(٩) هو ابن قتيبة، وكلامه في تفسير غريب القرآن له ص٢٠٨ .
(١٠) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): أبو عبيدة، والمثبت من (ف) وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٢٩٧/٢،
والكلام منه.
(١١) في معاني القرآن ٢/ ٢٤ .

١٨٧
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
عن محمدُ بن الجهم(١) أن سجِّيلاً طينٌ يُطبَخُ حتى يصيرَ بمنزلة الأَرْحاء.
وقالت طائفةٌ - منهم ابنُ عباس وسعيد بن جُبير وابن إسحاق -: إنّ سجِيلاً لفظةٌ
غيرُ عربيةٍ عُرِّبتْ، أصلُها سنج وجيل. ويقال: سنك وكيل، بالكاف موضع الجيم،
وهما بالفارسية حجرٌ وطين؛ عرَّبتهما العربُ، فَجَعَلَتْهما اسماً واحداً. وقيل: هو من
لغة العرب.
وقال قتادة وعِكرمة: السجِّيلُ: الطينُ؛ بدليل قوله: ﴿لِتُسِلَ عَلَهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾
[الذاريات: ٣٣]. وقال الحسن: كان أصلُ الحجارة طيناً فشدّدت. والسجِّيل عند العرب
كلُّ شديدٍ صُلْب. وقال الضحاك: يعني الآجُرَّ. وقال ابنُ زيد: طينٌ طُبِخَ حتى كان
كالآجرّ، وعنه أنّ سجيلاً اسمُ السماء الدنيا(٢)، ذكره المهدويّ، وحكاه الثعلبيُّ عن
أبي العالية، وقال ابن عطية(٣): وهذا ضعيفٌ يردُّه وصفُه بـ((منضود)). وعن عكرمةً:
أنه بحرٌ معلَّق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلتِ الحجارة(٤). وقيل: هي جبالٌ
في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿وَيَُُّ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ
بَوَ﴾(٥) [النور: ٤٣]. وقيل: هو مما سُجِّل لهم، أي: كُتبَ لهم أن يُصيبهم، فهو في
معنى سِجِّين، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَذَرَكَ مَا ◌ِّينُ كِتَبٌ تَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨-٩] قاله
الزجَّاج(٦) واختاره. وقيل: هو فِعِيل مِن أَسجلْتُه؛ أي: أرسلتُه، فكأنها مُرسَلٌ عليهم.
وقيل: هو مِن أسجلته: إذا أعطيتَه، فكأنه عذابٌ أُعطوه، قال:
مَنْ يُساجِلْني يُساجِلْ ماجِداً يَمْلأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ(٧)
(١) أبي عبد الله السِّمَّري، الأديب، تلميذ الفراء وراويه. توفي سنة (٢٧٧هـ). السير ١٦٣/١٣ .
(٢) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٥٢٦/١٢ - ٥٢٩، وتفسير البغوي ٢٩٧/٢، وزاد المسير ١٤٤/٤.
(٣) في المحرر الوجيز ٣/ ١٩٧.
(٤) زاد المسير ١٤٤/٤.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٣٩٧ .
(٦) في معاني القرآن ٧١/٣ .
(٧) معاني القرآن للزجاج ٧١/٣، والبيت الفضل بن العباس، وهو في الكامل ٢٥٠/١، والأغاني =

١٨٨
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
وقال أهل المعاني: السِّجِّيلُ والسِّجِّين: الشديد من الحَجَر والضَّرب، قال ابن
مُقبل:
ورَجْلةٌ يضرِبون البَيْضَ ضَاحِيَةً
ضَرْباً تَواصَى بِه الأبطالُ سِجِینَا (١)
﴿َنْضُورٍ﴾ قال ابن عباس: مُتتابع. وقال قتادة: نُضِدَ بعضُها فوق بعض. وقال
الرّبيع: نُضِدَ بعضُه على بعض حتى صار جسداً واحداً. وقال عكرمة: مصفوف(٢).
وقال بعضُهم: مرصوص، والمعنى متقارب. يقال: نَضَدتُ المتاعَ واللَِّنَ: إذا جعلتَ
بعضَه على بعض، فهو منضود ونَضِید ونَضَد، قال:
ورفَّعَتْه إلى السِّجْفَين فالنَّضَدِ (٣)
وقال أبو بكر الهُذَليّ: مُعَدٍّ، أي: هو ممَّا أعدَّه الله لأعدائه الَّلَمة (٤).
﴿َُؤَّمَةٌ﴾ أي: مُعْلَمة، من السِّيما؛ وهي العلامة، أي: كان عليها أمثالُ
الخواتيم(٥). وقيل: مكتوبٌ على كل حجرٍ اسمُ مَن رُميَ به، وكانت لا تُشاكِلُ حجارةَ
الأرض(٦). وقال الفرّاء(٧): زعموا أنها كانت مخطّطَةً بحمرة وسَواد في بياض، فذلك
= ١٧٢/١٦. قال المبرد: وأصل المساجلة أن يستقي ساقيان، فيخرج كل واحد منهما في سَجْله مثلَ ما
يُخرج الآخر، فأيهما نكَلَ فقد غُلب، فضربَتْه العرب مثلاً للمفاخرة اهـ قوله: الكَرَب: هو حبل يُشَدُّ
على عَراقي الدلو، يُثَنَّى ثم يُثلث. رغبة الآمل لسيد بن علي المرصفي ٢/ ٢٣٧ .
(١) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٩٦/١، والبيت في ديوان تميم بن مقبل ص٣٣٣، وفيه: عن عرض،
بدل: ضاحية. قوله: البّض، هو جمع بيضة، وهي الخُوذة.
(٢) تنظر هذه الأقوال في زاد المسير ١٤٥/٤، وقولا الربيع وعكرمة أخرجهما الطبري ١٢/ ٥٢٩ .
(٣) ينظر معاني القرآن للنحاس ٣٧١/٣، والبيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣١ ، وصدره:
خلَّت سبيل أتيٍّ كان يحبسه.
والسّجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدَّم البيت. شرح القصائد المشهورات للنحاس ١٦٠/٢،
وسيأتي البيت بتمامه في تفسير الآية (٢٩) من سورة الواقعة.
(٤) أخرجه الطبري ٥٢٩/١٢ .
(٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٩٧/١، والنكت والعيون ٤٩٣/٢.
(٦) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ١٢/ ٥٣٠ - ٥٣١، وتفسير البغوي ٣٩٧/٢، وزاد المسير
٤ / ١٤٥ - ١٤٦.
(٧) في معاني القرآن ٢٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٩٧ .

١٨٩
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣
تسويمُها. وقال كعب: كانت مُعلمةً ببياض وحُمرة(١)، وقال الشاعر:
غلامٌ رماه اللهُ بالحسنِ يافِعاً له سِيمياءٌ لا تَشِقُّ على البَصَرْ(٢)
و((مُسَوَّمَةً)) من نعت حجارة. و((منضودٍ)) من نعت ((سِجّيل)). وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَِّكَ﴾
دليلٌ على أنها ليست من حجارة الأرض، قاله الحسن(٣). ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ
بِبَعِيدٍ﴾ يعني قومَ لوط، أي: لم تكن تُخطئهم(٤). وقال مجاهد: يُرهِب قريشاً(٥)،
المعنى: ما الحجارةُ من ظالمي قومك يا محمدُ ببعيد(٦). وقال قتادة وعِكرمة: يعني
ظالمي هذه الأمةِ، واللهِ ما أجارَ الله منها ظالماً بعدُ(٧). ورويَ عن النبي # أنه قال:
((سيكون في آخرِ أمّتي قومٌ يكتفي رجالُهم بالرجال ونساؤهم بالنساء، فإذا كان ذلك
فارتقبوا عذابَ قوم لوط، أن يرسِلَ الله عليهم حجارةً من سجيل))، ثم تلا رسول الله ﴾
﴿وَمَا هِىَ مِنَ الَِّنَ بِبَعِيدٍ﴾. وفي روايةٍ عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تذهبُ الليالي
والأيامُ حتى تستحلَّ هذه الأمةُ أدبارَ الرجالِ كما استحلُّوا أدبارَ النساء، فتصيب طوائفَ
من هذه الأمة حجارةٌ من ربِّك))(٨). وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد،
وهي بين الشام والمدينة(٩). وجاء ((بِبَعِيدٍ)) مذَكّراً على معنى بمكان بعيد.
(١) النكت والعيون ٤٩٣/٢، وزاد المسير ١٤٥/٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) البيت لابن عنقاء الفزاري، وهو في الأغاني ٢٠٨/١٩، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٢٣٨،
وسمط اللآلئ ٥٤٣/١ ، وعندهم: بالخير، بدل: بالحسن.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٧٢/٣ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٣٢ .
(٦) معاني القرآن للفراء ٢٥/٢.
(٧) أخرجه الطبري ٥٣٣/١٢ .
(٨) لم نقف عليه، وأورد ابن حبان في المجروحين ٢/ ١٨٢ نحوه من حديث واثلة بن الأسقع وأنس بن
مالك رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ: ((لا تذهب الدنيا حتى يستغني النساءُ بالنساء، والرجال بالرجال،
السحاق زنا النساء فیما بینهنّ))، وفي إسناده العلاء بن كثير الدمشقي، قال ابن حبان: کان ممن يروي
الموضوعات عن الأثبات. قال البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بشيء. ميزان الاعتدال
١٠٤/٣.
(٩) ينظر المحرر الوجيز ١٩٨/٣.

١٩٠
سورة هود: الآيات ٧٧ - ٩٥
وفي الحجارة التي أُمطرتْ قولان: أحدُهما: أنها أُمطرت على المدن حين رفعها
جبريلُ. الثاني: أنها أُمطرتْ على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهِ
غَيْرَةٌ وَلَا نَنَقُصُواْ الْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَّ إِنَّ أَرَدِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّ أَخَافُ عَلَكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ ﴿﴿ وَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا
يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
النَّاسَ أَشْبَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوّا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (9)
كُتُم ◌ُؤْمِنٌّ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ
تَّتْكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّآ أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ
الرَّشِيدُ الْ﴾ قَالَ يَقَوْمِ أَرَدَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍ وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّاً
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَّآ أَنْهَنكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا
﴿ وَيَقَوْمِ لَا يَحْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ
تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
١٩
مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوُجِ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِ وَمَا قَوْمُ لُوٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ
وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِ رَحِمٌ وَدُودٌ ﴾ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ
كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَّنَا
بِعَزِيزِ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اَللَّهِ وَّخَذَّقُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ◌ِهْرِقًّا
إِنَ رَبِى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيَظْ ٧ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَئِكُمْ إِّ عَمِلٌ سَوْفَ
تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ
رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّا جَّةَ أَمْرُنَا نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَصْبَحُواْ فِ دِيَِهِمْ جَثِمِينَ ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيَأْ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ
٩٥
كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأَرسلنا إلى مدينَ، ومدينُ هم
قوم شعيب.
(١) النكت والعيون ٤٩٤/٢ .

١٩١
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدُهما: أنهم بنو مدينَ بنِ إبراهيمَ، فقيل: مدينُ،
والمرادُ بنو مدينَ. كما يقال: مُضَر، والمراد: بنو مُضَر. الثاني: أنه اسم مدينتهم،
فنُسبوا إليها(١).
قال النحاس(٢): لا ينصرفُ مدينُ لأنه اسم مدينة. وقد تقدَّم في ((الأعراف)) هذا
المعنى وزيادة(٣).
﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ تقدَّم (٤). ﴿وَلَا تَنَقُصُواْ أَلِكْيَالَ
وَالْمِيزَانٌ﴾ كانوا مع كفرهم أهلَ بَخْسٍ وتَظْفيف(٥)، كانوا إذا جاءهم البائعُ بالطعام
أخذوا بكَيلٍ زائد، واستوفَوا بغاية ما يَقدِرون عليه، وظلموا، وإن جاءهم مشتَرٍ
للطعام باعُوه بكَيلٍ ناقص، وشخَّحوا له بغاية ما يقدِرون، فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن
الشِّرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف.
﴿إِنَّ أَرَنكُم بِخَيْرٍ﴾ أي: في سَعةٍ من الرزق، وكثرةٍ من النِّعم (٦). وقال
الحسن: كان سِعرُهم رخيصاً(٧).
﴿وَإِنَّ ◌َغَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ وَصَفَ اليومَ بالإحاطة، وأراد وَصْفَ
ذلك اليومِ بالإحاطةِ بهم، فإنَّ يومَ العذابٍ إذا أحاط بهم فقد أحاط العذابُ بهم،
وهو کقولك: یوم شدید، أي: شدیدٌ حَرُّه.
واختُلِفَ في ذلك العذاب، فقيل: هو عذابُ النار في الآخرة. وقيل: عذابُ
(١) النكت والعيون ٢/ ٤٩٤ .
(٢) في إعراب القرآن ٣٩٨/٢ .
(٣) في ٩/ ٢٨٠ وما بعدها.
(٤) ٩/ ٢٥٧.
(٥) ينظر النكت والعيون ٢/ ٤٩٥، وتفسير الرازي ٤٠/١٨ .
(٦) ينظر تفسير أبي الليث ١٣٩/٢.
(٧) أخرجه الطبري ١٢/ ٥٣٩ .

١٩٢
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
الاستئصالِ في الدنيا. وقيل: غلاءُ السِّعر؛ رويَ معناه عن ابن عباس(١). وفي
الحديث عن النبيِّ#: ((ما أَظهرَ قومُ البَحْسَ في المكيال والميزانِ إلا ابتلاهم اللهُ
بالقَحْط والغلاء))، وقد تقدَّم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بالإيفاء بعد أن نَهى
عن التطفيف تأكيداً. والإيفاءُ: الإتمام. ((بالقسط)) أي: بالعدل والحقّ، والمقصودُ أن
يَصِلَ كلُّ ذي نصيبٍ إلى نصيبه، وليس يريدُ إيفاءَ المَكيل والموزون، لأنه لم يقل:
أوفُوا بالمكيال وبالميزان، بل أراد ألَّا تَنْقُصوا حَجْمَ المكيالِ عن المعهود، وكذا
الصَّنَجات.
﴿وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ أي: لا تَنْقُصوهم مما استحقُّوه شيئاً(٣) ..
تَعْثَوْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بيَّن أنّ الخيانة في المكيال والميزان مبالَغَةٌ في الفساد في
الأرض، وقد مضى في ((الأعراف)» زيادةٌ لهذا(٤)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: ما يُبقيه اللهُ لكم بعد إيفاءِ الحقوقِ
بالقسط أَكثرُ بركةً، وأَحمدُ عاقبةً مما تُبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبُّر
والظلم، قال معناه الطبريُّ(٥) وغيرُه. وقال مجاهد: ((بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لكم)) يريدُ طاعتَه(٦).
وقال الرّبيع: وصيةُ الله(٧). وقال الفرّاء(٨): مراقبةُ الله. ابن زيد: رحمةُ الله.
(١) النكت والعيون ٤٩٥/٢، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٥٣٨/١٢.
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٩/٣ بنحوه، ولم نقف عليه مرفوعاً عند غيره، وقد تقدم بنحوه
من قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعزاه المصنف ثمة لمالك، وهو في الموطأ ٢/ ٤٦٠ .
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ١٣٩/٢ .
(٤) ٩/ ٢٨٢.
(٥) في تفسيره ١٢/ ٥٤١، وينظر المحرر الوجيز ١٩٩/٣.
(٦) تفسير مجاهد ٣٠٨/١، وأخرجه الطبري ١٢/ ٥٤٢ .
(٧) النكت والعيون ٤٩٥/٢ .
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٢٥.

سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
١٩٣
قتادةُ والحسن: حظّكم من ربِّكم خيرٌ لكم. وقال ابن عباس: رزقُ الله خيرٌ لكم(١).
﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ شَرَطَ هذا لأنهم إنما يَعرفون صحةَ هذا إن كانوا
مؤمنين(٢). وقيل: يَحتمِلُ أنهم كانوا يعترفون بأنَّ الله خالقُهم فخاطبهم بهذا.
﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِغِيظٍ﴾ أي: رقیب أَرْقُبُكم عند گیلکم ووزنکم، أي: لا
يُمكِنُني شُهودُ كلِّ معاملةٍ تَصْدُرُ منكم حتى أُؤاخذَكم بإيفاءِ الحقّ. وقيل: أي: لا يتهيّأْ
لي أن أَحفظكم من إزالة نِعَم الله عليكم بمعاصيكم(٣).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ﴾ وقرئ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ من غير جَمع(٤).
﴿تَأْمُرُكَ أَنْ تَتَرْكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآَ﴾ ((أن)) في موضع نصب؛ قال الكِسائي: مَوضِعُها
خفضٌ على إضمار الباء(٥).
وروي أنّ شعيباً عليه السلامُ كان كثيرَ الصلاة، مواظِباً على العبادةِ (٦) فَرْضِها
ونَفْلِها، ويقول: الصلاةُ تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلمّا أَمَرهم ونهاهم عيَّرُوه بما
رأَوه يَستمرُّ عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به، فقالوا ما أَخبرَ اللهُ عنهم(٧).
وقيل: إن الصلاةَ هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيانُ عن الأعمش، أي: قراءتُك
تأمرُك، ودلَّ بهذا على أنهم كانوا كفاراً (٨). وقال الحسن: لم يبعثِ اللهُ نبيًّا إلا فَرَضَ
(١) أخرج الأقوال الثلاثة الطبري ١٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤، وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ١٤٩/٤.
(٢) زاد المسير ١٤٩/٤.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٢، وينظر مجمع البيان ١٢/ ٢٠٤ .
(٤) قرأ بالتوحيد عاصم - في رواية حفص - وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون: ((أصلواتك)) بالجمع. السبعة
ص٣١٧ ، والتيسير ص١١٩ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٢ .
(٦) في النسخ: مواظب العبادة. والمثبت من (م).
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥١/٣ بنحوه.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٣٧٤/٣، وقول الأعمش أخرجه الطبري ٥٤٦/١٢ - ٥٤٧ وسفيان: هو
الثوري.
:

١٩٤
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
عليه الصلاةَ والزكاة (١).
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتَؤْاْ﴾ِ زَعَم الفراءِ(٢) أنّ التقديرَ: أوَتنهانا أن نفعلَ في
أموالنا ما نشاء. وقرأ السُّلَميُّ والضّحاك بن قيس: ((أو أنْ تَفعلَ في أموالنا ما تشاء)»
بالتاء في الفعلين(٣)، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس: ((أو أن)) على
هذه القراءة معطوفةٌ على ((أن)) الأولى(٤). ورُويَ عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما
نهاهم عنه حَذْفُ الدراهم(٥). وقيل: معنى ((أَوْ أَنْ نَفْعَل في أموالنا ما نشاءُ» إذا
تَراضَيْنا فيما بيننا بالبخس فَلِمَ تمنعُنا منه (٦)؟ !.
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يَعْنون عند نَفْسك بزعمك(٧)، ومِثلُه في صفة أبي
جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي: عند نفسك بزعمك.
وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة(٨). ومنه قولُهم للحبشيّ: أبو
البيضاء، وللأبيض: أبو الجَون، ومنه قولُ خَزَنة جهنم لأبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾(٩). وقال سفيانُ بن عُيّينةَ: العربُ تَصِفُ الشيءَ بضِدِّه للتطيُّر
والتفاؤل، كما قيل لِلَِّيغ: سَلِيم، وللفلاة: مَفازة (١٠). وقيل: هو تعريضُ أرادوا به
السبّ.
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٢٠٠.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٨/٢ .
(٣) قرأ السُّلمي: ((نفعل)) بالنون، وقرأ الضحاك: ((تفعل)) بالتاء، وقرأ كلاهما: ((تشاء)) بالتاء. ينظر القراءات
الشاذة ص٦١، والدر المصون ٦/ ٣٧٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٥٤٥/١٢. وحذف الدراهم، أي: كسرها. ينظر معاني القرآن للزجاج ٧٣/٣.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣٧٤/٣ .
(٧) المصدر السابق.
(٨) النكت والعيون ٤٩٦/٢ .
(٩) الكلام بنحوه في عرائس المجالس ص١٦٧ . والجون من الأضداد، يقال للأبيض والأسود. الأضداد
لا بن الأنباري ص١١١ .
(١٠) ذكره البغوي في تفسيره ٣٩٨/٢ دون نسبة.

١٩٥
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
وأَحسَنُ من هذا كلِّه، ويدلُّ ما قبلَه على صحته، أي: إنك أنت الحليمُ الرشيد
حقًّا، فكيف تأمرُنا أنْ نتركَ ما يعبد آباؤنا؟! ويدلُّ عليه: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا
يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ أَنكروا - لمَّا رأَوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليمٌ رشيدٌ - بأن يكونَ
يأمرُهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضاً ما يدلُّ عليه، ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهَ يْتُمْ إِن
كُتُ عَلَى بِِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: أفلا أَنْهاكم عن الضلال؟(١)
وهذا كلُّه يدلُّ على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويُشبه هذا
المعنى قولَ اليهود من بني قريظةً للنبي # حين قال لهم: ((يا إخوةَ القردة» فقالوا: یا
محمدُ ما عَلِمِناك جهولاً!(٢)
مسألة: قال أهلُ التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعُذِّبوا لأجله قطعُ الدنانیرِ
والدراهم (٣)، كانوا يَقْرِضون من أطراف الصِّحاح لِتفضُلَ لهم القُراضة، وكانوا
يتعاملون على الصِّحاح عدداً (٤)، وعلى المقروضة وزناً، وكانوا يبخّسون في الوزن.
وقال ابن وهب: قال مالك: كانوا يكسِرون الدنانير والدراهمَ، وكذلك قال
جماعةٌ من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم، وغيرهما،
وكَسْرُهما ذنبٌ عظيم(٥). وفي كتاب أبي داودَ عن علقمةَ بنِ عبد الله، عن أبيه قال:
نهى رسولُ اللـه﴾ أنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ المسلمين الجائزةُ بينهم إلا من بأس (٦). فإنها إذا
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠١/٣، والحديث أخرجه الحاكم ٣٤/٣ - ٣٥، وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ومن طريقه أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٨/٤ - ٩. وعندهما:
فحاشاً، بدل: جهولاً. وقد قال النبي # ذلك في يهود بني قريظة عندما غزاهم.
(٣) عرائس المجالس ص١٦٧ .
(٤) في (م): عدًّا.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥١/٣ - ١٠٥٢.
(٦) سنن أبي داود (٣٤٤٩). والسِّكة: الدنانير والدراهم المضروبة، يُسمَّى كل واحد منهما سكة؛ لأنه طبع
بالحديدة. النهاية (سكك).

١٩٦
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
كانت صِحاحاً قام معناها، وظهرَتْ فائدتُها، وإذا كُسِرتْ صارت سِلعةً، وبَطَلت منها
الفائدةُ، فأضرَّ ذلك بالناس؛ ولذلك حُرِّم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وگانَ فِ
الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] أنهم كانوا يَكسِرون
الدراهمَ؛ قاله زيدُ بن أسلم(١). قال أبو عمرَ بنُ عبد البر(٢): زعموا أنه لم يكن
بالمدينة أعلمُ بتأويل القرآن من زيدِ بن أسلم بعد محمدِ بن كعب القُرَظيّ.
مسألة: قال أصْبغُ: قال عبدُ الرحمن بنُ القاسم بنِ خالدِ بن جُنادً مولی زیدِ بن
الحارث العُتَقيّ: مَنْ كَسَرَها لم تُقبَلْ شهادتُه، وإن اعتذر بالجهالة لم يُعْذَرْ، وليس
هذا بموضع عذر، قال ابنُ العربي(٣): أمّا قوله: لم تُقبلْ شهادتُه فلأنه أتى كبيرةً،
والكبائر تُسقِطُ العدالةَ دون الصغائر، وأمّا قوله: لا يُقبلُ عذرُه بالجهالة في هذا،
فلأنه أمرٌ بيِّنٌ لا يَخفى على أحد، وإنما يُقبَلُ العذرُ إذا ظهر الصدقُ فيه، أو خَفِيَ وجهُ
الصدق فيه، وكان اللهُ أعلمَ به من العبد كما قال مالك.
مسألة: إذا كان هذا معصيةً وفساداً تُردُّ به الشهادة؛ فإنه يُعاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذلك. ومرَّ
ابنُ المسيِّب برجل قد جُلد، فقال: ما هذا؟ فقالوا(٤): رجلٌ يقطَّعُ الدنانير والدراهم،
قال ابنُ المسّيب: هذا من الفساد في الأرض، ولم يُنكِرْ جَلْدَه. ونحوه عن سفيان.
وقال أبو عبد الرحمن النّجيبي(٥): كنت قاعداً عند عمرَ بنِ عبد العزيز، وهو إذ ذاك
أمير المدينة، فأُتِيَ برجلٍ يقطعُ الدراهمَ وقد شُهِدَ عليه، فضربه وحَلَقه، وأَمَر فَطِيف
به، وأَمَره أن يقول: هذا جزاءُ مَن يقطع الدراهمَ، ثم أَمَرَ أن يُرَدَّ إليه، فقال: إنه لم
يمنعني أن أَقْطَعَ يدَك إلّا أني لم أكن تقدّمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدَّمت في
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٢/٣.
(٢) في التمهيد ٢٤٠/٣ .
(٣) في أحكام القرآن ١٠٥٢/٣ ، وما قبله منه.
(٤) في النسخ: قال، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥٣/٣، والكلام منه.
(٥) وقع في (ز) وأحكام القرآن لابن العربي التجيبي، ولم تجود في (ظ)، ولم نعرفه.

١٩٧
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
ذلك، فمن شاء فَلْيقطع.
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ(١): أمّا أدبُه بالسوط فلا كلامَ فيه، وأما حَلْقُه فقد
فعله عمر، وقد كنتُ أيامَ الحُكم بين الناس أَضرِبُ وأَخْلِقُ، وإنما كنتُ أفعل ذلك
بمن يربِّي(٢) شَعْرَه عوناً له على المعصية، وطريقاً إلى التجمُّل به في الفساد، وهذا هو
الواجبُ في كلِّ طريقٍ للمعصية؛ أنْ يُقْطَعَ إذا كان غيرَ مُؤثِّر في البدن، وأمَّا قَطْعُ بدِه
فإنما أَخَذَ ذلك عمرُ مِن فَضْلٍ (٣) السرقة، وذلك أنَّ قَرْضَ الدراهم غيرُ كَسْرها، فإنّ
الكسرَ إفسادُ الوصف، والقرضَ تنقيصٌ للقدر، فهو أخذُ مالٍ على جهة الاختفاء، فإن
قيل: أليس الحِرزُ أصلاً في القطع؟ قلنا: يَحتمِلُ أن يكونَ عمرُ يرى أنَّ تهيئتها للفصل
بين الخلق ديناراً أو درهماً حِرِزٌ لها، وحِرزُ كل شيءٍ على قَدْرِ حاله، وقد أَنْفَذَ ذلك
ابنُ الزبير، وقَطَعَ يدَ رجل في قَطْع الدنانيرِ والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: إن
الدنانيرَ والدراهم خواتيمُ الله، عليها اسمُه، ولو قُطع - على قول أهلِ التأويل - مَنْ
كَسَرَ خاتماً لله كان أهلاً لذلك، إذ من(٤) کسر خاتمَ سلطانٍ عليه اسمُه أُدّب، وخاتمُ
الله تُقضى به الحوائجُ فلا يستويان في العقوبة.
قال ابن العربيّ(٥): وأرى أن يُقْطَعَ في قرضها دون كسرها، وقد كنتُ أفعل ذلك
أيامَ توليتي الحُكْمَ، إلّا أني كنتُ محفوفاً بالجُهَّال، فلم أُجَبْ(٦) بسبب المقالِ
للحسَدَةِ الضُّلّال، فمن قَدَرَ عليه يوماً من أهل الحق؛ فليفعله احتساباً لله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَِّنَةٍ مِن رَّبِ﴾ تقدَّم(٧). ﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا
(١) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٥٣، وما قبله منه.
(٢) في النسخ: يرى، والمثبت من أحكام القرآن.
(٣) في (ظ): قصد.
(٤) في (د) و(م): أو من، وفي (ظ): ومن، والمثبت من (ز) و(ف)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٥) في أحكام القرآن ١٠٥٤/٣ .
:
(٦) في (م): أجبن.
(٧) في ٣٩٨/٨، وص١٠١ من هذا الجزء.

١٩٨
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
حَسَنَّاً﴾ أي: واسعاً حلالاً، وكان شعيبٌ عليه السلامُ كثيرَ المال، قاله ابن عباس
وغيرُهُ(١). وقيل: أراد به الهدى والتوفيق، والعلمَ والمعرفة(٢)، وفي الكلام حذفٌ،
وهو ما ذكرناه، أي: أفلا أَنهاكم عن الضلال؟!(٣) وقيل: المعنى: ((أرأيتُم إنْ كنتُ
على بيِّنة من ربِّي)) أَتَّبعُ الصَّلال(٤)؟ وقيل: المعنى: ((أرأيتم إنْ كنتُ على بيِّنة من ربي))
أتأمرونني بالعصيان في البَخْس والتطفيف وقد أغناني الله عنه؟!
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ((أُريدُ))(٥). ﴿إِلَ مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ أي:
ليس أَنهاكم عن شيءٍ وأَرتكبه(٢)، كما لا أَترك ما أَمرتُكم به. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا
اسْتَطَنْتُ﴾ أي: ما أُريدُ إلا فِعْلَ الصلاح، أي: أن تُصلحوا دنياكم بالعَدْل، وآخرتكم
بالعبادة، وقال: ((ما اسْتَطَعْتُ)) لأنّ الاستطاعةَ من شروط الفعل دون الإرادة(٧).
و(ما)) مصدرية، أي: إنْ أُريدُ إلا الإصلاحَ جَهدي واستطاعتي(٨). ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ﴾ أي:
رُشْدي، والتوفيقُ: الرشدُ. ﴿إِلَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ قَوَكَّتُ﴾ أي: اعتمدتُ. ﴿وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ أي:
أَرجع فيما يُنزِلُ بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجعُ في الآخرة. وقيل: إنَّ الإنابةَ
الدعاءُ، ومعناه: وله أدعو(٩).
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ وقرأ يحيى بن وثاب: ((يُجْرِمَنَّكُمْ))(١٠).
(١) النكت والعيون ٢/ ٤٩٧، وزاد المسير ١٥١/٤.
(٢) ينظر تفسير البغوي ٣٩٨/٢، وزاد المسير ١٥١/٤ .
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢، والنكت والعيون ٢/ ٤٩٧ .
(٤) تفسير أبي الليث ١٣٩/٢، وزاد المسير ١٥١/٤.
(٥) يعني ((أن أخالفكم)) في موضع نصب بـ ((أريد))، ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ .
(٦) في (ظ): أركبه، وينظر تفسير الطبري ٥٤٩/١٢، وتفسير البغوي ٣٩٨/٢، وزاد المسير ١٥١/٤.
(٧) النكت والعيون ٢/ ٤٩٧ .
(٨) ينظر تفسير الرازي ٤٦/١٨ .
(٩) ينظر النكت والعيون ٢/ ٤٩٧ .
(١٠) المحتسب ٣٢٧/١.

١٩٩
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
﴿يشِقَافِىَ﴾ في موضع رفع. ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ في موضع نصب(١)، أي: لا يَحمِلَنَّكم
مُعاداتي على ترك الإيمان فيصيبَكم ما أصاب الكفارَ قبلكم، قاله الحسن وقتادة(٢).
وقيل: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقي إصابتَكم العذابَ كما أصاب مَن كان قبلكم، قاله
الزجاج(٣). وقد تقدَّم معنى ((يجرمنَّكم)) في ((المائدة))، و((الشقاقِ)) في ((البقرة)» (٤) وهو
هنا بمعنى العداوة، قاله السدّي، ومنه قول الأخطل:
أَلَا مَنْ مُبْلغٌ عني رسولاً فكيف وجَدتُمُ طَعْمَ الشِّقاقِ(٥)
وقال الحسن البصري: إضراري. وقال قتادة: فِراقي(٦).
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ وذلك أنهم كانوا حديثي عهدٍ بهلاك قومٍ لوط.
وقيل: وما ديارُ قوم لوط منكم ببعيد(٧)، أي: بمكان بعيد، فلذلك وحَّدَ البعيد(٨).
قال الكسائيُّ: أي: دورُهم في دورِكم(٩).
قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تقدَّم (١٠). ﴿إِنَّ رَبٍِّ رَحِمٌ
وَدُودٌ﴾ اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيَّنَّهما في كتاب ((الأسنى في شرح الأسماء
الحسنى)»(١١). قال الجوهريّ(١٢): وَدِدتُ الرجلَ أَوَدُّه ◌ُدًّا: إذا أحببتَه، والودود:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ .
(٢) أخرجه بنحوه الطبري ١٢/ ٥٥١ عن قتادة.
(٣) في معاني القرآن ٧٤/٣ بنحوه، وينظر النكت والعيون ٤٩٨/٢ .
(٤) في المائدة ٧/ ٢٦٥، وفي البقرة ٤١٩/٢ .
(٥) النكت والعيون ٤٩٨/٢، والبيت في ديوان الأخطل ص٣١، وفيه: قيساً، بدل: عني.
(٦) النكت والعيون ٤٩٨/٢ .
(٧) تفسير الطبري ٥٥١/١٢ - ٥٥٢، وتفسير البغوي ٣٩٩/٢ .
(٨) زاد المسير ١٥١/٤.
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢ .
(١٠) في ص٦٧ من هذا الجزء.
(١١) ينظر ص ٨١ و٨٦ و٩١، وينظر شرح الرحيم ص٣٩٥، وليس في المطبوع منه شرح ((الودود)).
(١٢) في الصحاح (ودد).

٢٠٠
سورة هود: الآيات ٨٤ - ٩٥
المُحبُّ، والوَدُّ والوِدّ والوُدّ: المَودَّةِ(١).
ورُويَ عن النبي # أنه كان إذا ذَكَر شعيباً قال: ((ذاك خطيبُ الأنبياء))(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهم؛ لأنك تَحمِلُنا
على أمورٍ غائبة من البَعْث والنُّشور، وتَعِظُنا بما لا عهدَ بمثله. وقيل: قالوا ذلك
إعراضاً عن سماعه، واحتقاراً لكلامه(٣)، يقال: فَقِه يفقَه: إذا فَهِم؛ فِقْهاً وفَقَهاً،
وحكى الكسائيُّ: فَقَهاناً، وفَقُه فَقَها وفِقْها(٤): إذا صار فقيهاً.
﴿وَإِنَّا لَتَرَكَ فِنَا ضَعِيفًاً﴾ قيل: إنه كان مصاباً ببصره؛ قاله سعيد بن جُبير وقتادة.
وقيل: كان ضعيفَ البصر؛ قاله الثوريّ(٥)، وحكى عنه النحاسُ(٦) مثلَ قول سعيدِ بن
جُبير وقتادةً. قال النحاس: وحكى أهلُ اللغة أنَّ حِمْيَر تقول للأعمى: ضعيفٌ، أي:
قد ضَعُفَ بذهاب بصرِهِ، كما يقال له: ضرير، أي: قد ضُرَّ بذهاب بصره، كما يقال
له: مكفوفٌ، أي: قد كُفَّ عن النظر بذهاب بصره(٧). قال الحسن: معناه: مَهين.
وقيل: المعنى ضعيفُ البدن؛ حكاه عليُّ بن عيسى. وقال السدّي: وحيداً ليس لك
جندٌ وأعوان تَقْدِرُ بها على مُخالفتنا. وقيل: قليلُ المعرفةِ بمصالح الدنيا وسياسةٍ
أهلها(٨).
(١) في (م): والوَدّ والوِدّ والُدّ والمودة: المحبة.
(٢) سلف ٩/ ٢٨١، وهو حديث ضعيف.
(٣) النكت والعيون ٤٩٩/٢ .
(٤) وقعت العبارة في (م): فَقِهَ يفقَه إذا فهم فِقْهاً، وحكى الكسائي: فَقُّه فَقَهاً وفِقْها .. ، والمثبت من النسخ
الخطية، وهو موافق لإعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٢، والكلام منه.
(٥) تفسير الطبري ١٢/ ٥٥٣، والنكت والعيون ٤٩٩/٢ .
(٦) في معاني القرآن ٣٧٥/٣ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٣٧٦/٣. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٢/٣: وهذا كله ضعيف، ولا
تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه، والظاهر من قولهم: ((ضعيفاً)) أنه ضعيف الانتصار والقدرة. اهـ
وكذلك ضعَّف هذا القول الرازي من عدّة وجوه، تنظر في تفسيره ٤٩/١٨ .
(٨) أورد هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤٩٩/٢ .