النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ على أهل الوَبَرِ، وليست على أهل المَدَرِ))(١). وهذا حديثٌ لا يصحُّ، وإبراهيم ابنُ أخي عبد الرزاق متروكُ الحديث، منسوبٌ إلى الكذب، وهذا ممَّا انفرد به، ونُسِبَ إلى وَضْعه، قاله أبو عمر بنُ عبد البَرِّ (٢). قال ابنُ العربيِّ(٣): الضِّيافةُ حقيقةً فرضٌ على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبةٌ في القُرى حيثُ لا طعامَ ولا مأوى (٤)، بخلافِ الحواضر؛ فإنَّها مشحونةٌ بالمأْوَاةِ(٥) والأقوات، ولا شكَّ أن الضَّيف کریمٌ، والضِّيافة كرامةٌ، فإن كان غريباً(٦) فهي فريضةٌ. الرابعة: قال ابنُ العربيّ(٧) قال بعضُ علمائنا: كانت ضيافةُ إبراهيمَ قليلةً، فشكرها الحبيبُ. وهذا حكمٌ بالظنِّ في موضع القَطْع، وبالقياس في موضع النقل، من أين عَلِمَ أنه قليل؟! بل قد نقَلَ المفسِّرون أن الملائكةَ كانوا ثلاثةٌ: جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ، وعِجْلٌ لثلاثةٍ عظيمٌ، فما هذا التفسيرُ لكتابِ الله بالرأي؟! هذا - بأمانةِ الله - هو التفسيرُ المذمومُ، فاجتنبوه فقد عَلِمْتُموه. الخامسة: السُّنةُ إذا قُدِّم للضَّيف الطعامُ أن يبادِرَ المقدَّم إليه بالأكل؛ فإنَّ كرامةً الضَّيف تعجيلُ التقديم، وكرامة صاحبِ المنزل المبادرةُ بالقَبول، فلمَّا قبضوا أيديهم نَكِرَهم إبراهيمُ؛ لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السُّنَّة، وخاف أن يكون وراءَهم مكروهٌ(٨) يقصِدُونَه(٩). ورُوي أنهم كانوا يَنكُتُون بقِداحٍ كانت في أيديهم في اللَّحم، (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٧١/١، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٨٤). من طريق إبراهيم بن عبد الله ابن أخي عبد الرزاق. (٢) في التمهيد ٤٣/٢١ - ٤٤ . (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٥٠ . (٤) في (د) و(ز) و(ظ): ولا ماء. (٥) في (د) و(ز) و(ظ): بالمياه. (٦) في (ظ): كانت عرساً. (٧) في أحكام القرآن ١٠٥١/٣. (٨) في (ز) و(ظ): مكر. (٩) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥١/٣ . ١٦٢ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ ولا تصِلُ أيديهم إلى اللَّحم، فلمَّا رأى ذلك منهم ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةٌ﴾(١) أي: أضمَرَ، وقيل: أحسَّ، والوجوسُ: الدخولُ، قال الشاعر(٢): فأوجَسَ القلبُ من قِرْطاسِه جَزَعا جاء البریدُ بقِرْطاسٍ يَخُبُّ بهِ ((خِيفَةً)): خوفاً، أي: فزعاً، وكانوا إذا رأوا الضيفَ لا يأكُلُ ظنُّوا به شرًّا، فقالت الملائكةُ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. السادسة: من أدب الطعام أنَّ لصاحب الضَّيف أن ينظرُ في ضيفه هل يأكُلُ أم لا ، وذلك ينبغي أن يكون بتلفُّتٍ ومسارقةٍ، لا بتحديدِ النَّظَر. رُوي أن أعرابياً أكلَ مع سُليمان بنِ عبد الملك، فرأى سليمانُ في لقمة الأعرابيِّ شعرةً، فقال له: أزِلِ الشعرةً عن لقمتك، فقال له: أتنظُرُ إليَّ نظر من يرى الشَّعرة في لقمتي؟! والله لا أكلتُ معك(٣). قلتُ: وقد ذُكر أنَّ هذه الحكايةَ إنما كانت مع هشام بنِ عبد الملك لا مع سُليمان، وأن الأعرابيَّ خرج من عنده وهو يقول: يُلاحظُ أطرافَ الأَكيلِ على عَمْدٍ(٤) ولَلموتُ خيرٌ من زيارةٍ باخِلٍ السابعة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: أنكرهم، تقول: نَكِرتُك، وأنكرتُك، واستنكرتُك: إذا وجدتَه على غير ما عَهِدتَه، قال الشاعر(٥): (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/ ٤٧١ من قول جندب بن سفيان. (٢) هو يزيد بن معاوية، قاله حينما جاءه نعي والده معاوية ، والبيت في ديوان شعره ص٢٥. (٣) المحرر الوجيز ١٨٨/٣. (٤) العقد الفريد ١٨٢/٦، والبيت نسب لحاتم الطائي، ولقيس بن عاصم، وهو في البيان والتبيين ٣١٠/٣، وعيون الأخبار ٢٦٣/٣ دون نسبة، وينظر تعليق الأستاذ عبد السلام هارون على البيان والتبيين. (٥) نُسِبَ للأعشى، والبيت في ديوانه ص١٥١، غير أن أبا عبيدة نقل في مجاز القرآن ١/ ٢٩٣ عن يونس عن أبي عمرو أنه هو الذي زاد هذا البيت في شعر الأعشى، وقال: فأتوب إلى الله منه. ١٦٣ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرتْ مِن الحوادِثِ إلا الشَّيبَ والصَّلَعَا فجمع بين اللغتين(١). ويقال: نَكِرتُ: لما تراهُ بعينك. وأنكرتُ: لما تراه بقلبك. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآَمْرَأَتُ قآیمةٌ﴾ ابتداءً وخبر، أي: قائمةٌ بحیث ترى الملائكةَ، قيل: كانت من وراء السِّتر، وقيل: كانت تخدِمُ الملائكة وهو جالسٌ، وقال محمد بن إسحاق: قائمة تُصلي(٢)، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: ((وامرأتُه قائمةٌ وهو قاعِدٌ))(٣). التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قال مجاهد وعِكْرمة(٤): حاضَتْ، وكانت آيسةً، تحقيقاً للبشارة، وأنشد على ذلك اللغويون: وإني لآتي العِرْسَ عند ظُهورها وأهجرُها يوماً إذا تَكُ ضاحِكا (٥) وقال آخر: وضِحْكُ الأرانبِ فوق الصَّفَا كمثلِ دم الجَوفِ يومَ اللِّقًا(٦) والعرب تقول: ضَحِكَت الأرنبُ: إذا حاضَتْ، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعِكرمة (٧)، أُخِذَ من قولهم: ضحكتِ الكافورةُ - وهي قشرة الطَّلْعة - إذا انشقَّت، وقد أنكر بعضُ اللغويين أن يكون في كلام العرب ضَحِگت بمعنى: حاضت. (١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٢ . (٢) في المحرر الوجيز ١٨٨/٣: وقالت فرقة. ولم نقف على من نسبَ هذا القول لابن إسحاق. (٣) تفسير الطبري ٤٧٣/١٢، والمحرر الوجيز ١٨٨/٣، وقراءة ابن مسعود عندهما: ((وهو جالس))، وذكرها الفراء في معاني القرآن ٢٢/٢ مثل رواية المصنف. (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري ٤٧٦/١٢ - ٤٧٧، وقول عكرمة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٠٦/٢ . (٥) أورده أبو الشيخ عقب قول عكرمة فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣٤٠/٣، دون نسبة. (٦) أورده الطبري في تفسيره ٤٧٧/١٢ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٩/٣. (٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم وغيره فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠، وقول عكرمة ذكره الرازي في تفسيره ٢٦/١٨ . ١٦٤ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ وقال الجمهور: هو الضَّحِكُ المعروف، واختلفوا فيه: فقيل: هو ضحك التعُّب، قال أبو ذؤيب: فجاءَ بِمِزْجٍ لم يَرَ الناسُ مثلَه هو الضَّحْكُ إلا أنه عَمَلُ النَّحْلِ (١) وقال مقاتل: ضحكت من خوفٍ إبراهيم ورِعْدَته من ثلاثةِ نفرٍ، وإبراهيمُ في حَشَمِه وخَدَمه(٢)، وكان إبراهيمُ يُقَوَّم وحدَه بمئة رجل. قال: وليس الضَّحك: الحيض في اللغة بمستقيم، وأنكر أبو عُبَيدة(٣) والفرَّاء ذلك. قال الفراء(٤): لم أسمعه من ثقةٍ، وإنما هو كنايةٌ. ورُويَ أن الملائكةَ مَسَحَت العجلَ، فقام من موضعه، فلَحِقَ بأمه، فضحكت سارةُ عند ذلك، فبشَّروها بإسحاق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا أرادَ أن يكرِمَ أضيافَه أقامَ سارةَ تَخْدِمهم، فذلك قوله: ﴿وَأَمْرَتْهُ قَآَيِمَةٌ﴾ أي: قائمةٌ في خدمتهم. ويقال: ((قَائِمَةٌ)) لروع إبراهيم، ((فَضَحِكَتْ)) لقولهم: (لَا تَخَفْ)) سروراً بالأمن(٥). وقال الفرَّاء: فيه تقديمٌ وتأخير، المعنى: فبشَرناها بإسحاق فضحكت، أي: ضحكت سروراً بالولد، وقد هَرِمَتْ، والله أعلم أيَّ ذلك كان(٦). (١) ديوان الهذليين ١/ ٤٢. والمزج: العسل، والضحك: قيل في تفسيره هنا: هو الشهد، وقيل: الزُّبْد، وقيل: الثلج، والأجود في تفسير البيت - فيما ذكر الأستاذ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ٣٩٣/١٥ - أن يقال: إن الضحك هنا: هو طلع النخل حين ينشق عما في جوفه، وهو أبيض شديد البياض والنقاء. وينظر اللسان: (مزج) و(ضحك). (٢) تفسير البغوي ٣٩٣/٢ . (٣) في (م): أبو عبيد، والمثبت من (ز)و(ظ)، وهو الموافق لما في تفسير الرازي ٢٦/١٨. وقد نقل الرازي عن أبي بكر الأنباري قوله: هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم. (٤) معاني القرآن ٢/ ٢٢. (٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٩٣/٢، وتفسير الرازي ٢٥/١٨ - ٢٦. (٦) معاني القرآن للفراء ٢٢/٢، إلا أنه لم يجزم بهذا القول، بل ذكر أنه مما يقوله بعض المفسرين، ثم قال: وهو مما قد يحتمله الكلام، والله أعلم بصوابه. ١٦٥ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ قال النحاس(١): فيه أقوال: أحسنُها: أنهم(٢) لمَّا لم يأكلوا أنكرهم (٣) وخافَهم، فلما قالوا: لا تَخَفْ، وأخبروه أنهم رُسُلُ الله، فرِحَ بذلك، فضحكَتْ امرأتُه سروراً بفرحه. وقيل: إنها كانت قالت له: أحسَبُ أن هؤلاء القوم سينزِلُ بهم عذابٌ، فَضُمَّ لوطاً إليك، فلما جاءت الرسلُ بما قالته؛ سُرَّتْ به فضحكت. قال النحاس(٤): وهذا إن صحَّ إسنادُه فهو حسنٌ. والضَّحِكُ: انكشافُ الأسنان، ويجوز أن يكون الضَّحك: إشراقُ الوجه، تقول: رأيتُ فلاناً ضاحكاً، أي: مشرقاً، وأتيتُ على رَوْضةٍ تضحكُ، أي: مشرقة. وفي الحديث: ((إن الله سبحانه يبعثُ السَّحابَ، فيضحَكُ أحسَنَ الضَّحِك)»(٥)؛ جعل انجلاءه عن البَرْق ضَحِكاً، وهذا كلامٌ مستعارٌ (٦). ورُويَ عن رجل من قرَّاء مكةً يقال له: محمد بنُ زياد الأعرابيُّ: ((فضَحَكت))، بفتح الحاء (٧)، قال المَهْدَوي: وفتحُ ((الحاء)) من ((فضحكت)) غیرُ معروفٍ. وضَحِك يضحك ضَحْكاً وضِحْكاً وضِحِكاً وضَحِكاً، أربع لغات. والضَّحْكة: المرَّة الواحدةُ، ومنه قول كُثَيِّر: غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رقابُ المالِ(٨) (١) في معاني القرآن ٣٦٣/٣. (٢) في (ظ): أنه. (٣) في (ز) و(ظ): نكرهم. (٤) في معاني القرآن ٣٦٣/٣ . (٥) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٦٨٦) من حديث رجل من بني غفار، بلفظ: ((إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك)». (٦) هذا تأويل ابن الأثير في النهاية: (ضحك)، وقد أول الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢١٨/١٣ ضحك السحاب: بخروج الزهر والمرعى في الجنان بما يهطل من مائه. (٧) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٠ دون نسبة. (٨) ديوانه ص٢٩٥، وصدره: غَمْرُ الرداء إذا تبسَّم ضاحكاً. ١٦٦ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ قاله الجوهري(١). العاشرة: روى مسلم عن سَهْل بن سَعْد قال: دعا أبو أُسَيد الساعِديُّ رسولَ الله ◌ِ﴾ في عُرْسه، فكانت امرأتُه يومئذٍ خادِمَهم، وهي العَروس، قال سَهْل: أتدرون ما سقَّتْ رسولَ الله ﴾؟ أنقَعَتْ له تمراتٍ من الليل في تَوْرٍ، فلمَّا أُكَلَ سقَتْه إياه(٢). وأخرجه البخاريُّ(٣) وترجَمَ له: بابُ قيامِ المرأة على الرجال في العُرْس وخِذمتهم بالنفس. قال علماؤنا: فيه جوازُ خدمة العَروس زوجَها وأصحابَه في عُرْسها، وفيه أنه لا بأسَ أن يعرِضَ الرجلُ أهلَه على صالحِ إخوانه، ويستخدِمَهنَّ لهم، ويَحتَمِلُ أن يكون هذا قبلَ نزولِ الحجاب. والله أعلم. الحادية عشرة: ذكر الطبريُّ(٤) أنَّ إبراهيم عليه السلام لما قَدَّم العِجْلَ قالوا: لا نأكُلُ طعاماً إلا بثمنٍ، فقال لهم: ثمنُه أن تذكروا الله في أوَّله، وتحمَدوه في آخره، فقال جبريلُ لأصحابه: بِحَقِّ اتخَذَ الله هذا خليلاً. قال علماؤنا: ولم يأكلوا؛ لأن الملائكةَ لا تأكُلُ. وقد كان من الجائز كما يَسَّر الله للملائكة أن يتَشكَّلوا(٥) في صفة الآدميّ جسداً وهيئةً أن يُيَسِّر لهم أكل الطعام؛ إلا أنه في قول العلماء أرسَلَهم في صفة الآدمي، وتكلَّف إبراهيمُ عليه السلام الضِّيافَةَ، [حتى إذا رأى التوقُّفَ وخافَ، جاءته البُشْرى فجأةً](٦). الثانية عشرة: ودلَّ هذا على أن التَّسْمية في أول الطعام، والحمدَ في آخره (١) في الصحاح: (ضحك). (٢) صحيح مسلم (٢٠٠٦) (٨٦)، وهو عند أحمد (١٦٠٦٢). (٣) صحيح البخاري (١٥١٨٢). (٤) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤ . (٥) في (ز) و(ظ): ينسلكوا، وفي (د): يسلكوا، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥١/٣، وما بين حاصرتين منه. ١٦٧ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ مشروعٌ في الأمم قبلنا، وقد جاء في الإسرائيليات أنَّ إبراهيم عليه السلام كان لا يأكُلُ وحدَه، فإذا حضَرَ طعامُه أرسَلَ يطلُبُ من يأكُلُ معه، فلقيَ يوماً رجلاً، فلما جلَسَ معه على الطعام، قال له إبراهيم: سَمِّ اللهَ، قال الرجل: لا أدري ما اللهُ؟ فقال له: فاخرجْ عن طعامي، فلما خرَجَ نزل إليه جبريلُ، فقال له: يقول الله: إنه يرزُقُه على كفره مدى عمره، وأنت بخلتَ عليه بلقمةٍ، فخرج إبراهيم فَزِعاً يجرُّ رداءَه، وقال: ارجِعْ، فقال: لا أرجعُ حتى تخبرني لم تردُّني لغيرِ معنًى؟ فأخبره بالأمر، فقال: هذا ربُّ كريم، آمنتُ، ودخل وسمَّى الله، وأكلَ مؤمناً (١). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ لمَّا وُلد لإبراهيم إسماعيلُ من هاجر تمثَّتْ سارة أن يكون لها ابن، وأَيِسَتْ لِكِبَر سنِّها، فبُشِّرت بولدٍ يكون نبيًّا ويلِدُ نبيًّا، فكان هذا بشارةً لها بأن ترى ولدَ ولدِها. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ قرأ حمزة وعبد الله بن عامر: ((يعقوبَ)) بالنصب، ورفع الباقون(٢)، فالرفع على معنى: ويحدُثُ لها من وراء إسحاق يعقوبُ، ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعملُ في ﴿مِن وَرَآءٍ﴾(٣) كأنَّ المعنى: وثبَتَ لها من وراء إسحاقَ يعقوبُ، ويجوز أن يرتفعَ بالابتداء، ویکون في موضع الحال، أي: بشّروها بإسحاق مقابلاً له يعقوب، والنَّصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوبَ، وأجاز الكِسائيُّ والأخفشُ وأبو حاتم أن يكون ((يعقوبَ)) في موضع جرِّ، على معنى: وبشَّرناها من وراء إسحاق بيعقوبَ. قال الفرَّاء(٤): ولا يجوزُ الخَفْض إلا بإعادة الحرفِ الخافض. قال سيبويه(٥) ولو قلتَ: مررتُ بزیدٍ أوَّل من (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٩/٣ . (٢) وعن عاصم روايتان: فروى عنه أبو بكر الرفع، وروى حفص عنه النصب. السبعة ص٣٣٨، والتيسير ص١٢٥ . (٣) لفظة: ((وراء))، ليست في (م). (٤) في معاني القرآن ٢٢/٢ . (٥) في الكتاب ٩٣/١ - ٩٤ . ١٦٨ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧٢ أمسٍ وأمس عمرٍو كان قبيحاً خبيثاً؛ لأنك فرقتَ بين المجرور وما يَشْرَكُه وهو الواو، كما تُفَرِّق بين الجارِّ والمجرور (١)؛ لأن الجارَّ لا يُفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبین الواو(٢). قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَوَيِلَ ءَأَلِهُ وَأَنَاْ عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَچِیب فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوَيَِّ﴾ قال الزجَّاجِ(٣): أصلُها: يا ويلتي، فأُبدِلَ من الياء ألفٌ؛ لأنها أخفُّ من الياء والكسرة. ولم تُرِدِ الدعاءَ على نفسها بالويل، ولكنها كلمةٌ تَخِفُّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهنَّ ما يعجَبْنَ منه، وعجبَتْ من ولادتها وكون (٤) بعلها شيخاً؛ لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرَبٌ ومستنكر. و﴿مَلِدُ﴾ استفهامٌ معناه التعجُّب. ﴿وَأَنَا عَجُوزُ﴾ أي: شيخةٌ، ولقد عَجَزتْ تَعجُزُ عَجْزاً، وعَجَّزتْ تَعْجِيزاً، أي: طعنت في السِّنِّ. وقد يقال: عجوزةٌ أيضاً. وعَجِزَت المرأةُ، بكسر الجيم: عظُمَتْ عجيزتُها عُجْزاً وعَجَزاً، بضم العين وفتحها. قال مجاهدٌ: كانت بنتَ تسع وتسعين سنة. وقال ابن إسحاق: كانت بنت تسعين. وقيل غيرُ هذا(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِى﴾ أي: زوجي ﴿شَيْئًا﴾ نصبٌ على الحال، والعاملُ فيه التنبيهُ أو الإشارة، ((وهذا بَعْلي)) ابتداءٌ وخبر، وقالِ الأخفش: وفي قراءة (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٢، وعنه نقل المصنف قولي الفراء وسيبويه. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٦٢. (٣) في معاني القرآن له ٦٣/٣ . (٤) في (د): ولو أن، وفي (م): ومن كون. (٥) ينظر تفسير البغوي ٣٩٣/٢ . ١٦٩ سورة هود: الآيتان ٧٢ - ٧٣ ابن مسعود وأُبيِّ: ((وهذا بعلي شيخٌ)). قال النخَّاس(١): كما تقول: هذا زيدٌ قائم، فزيدٌ بدل من هذا، وقائم خبرُ الابتداء، ويجوز أن يكون ((هذا)) مبتدأ، و«زيدٌ قائمٌ)) خبرین، وحکی سيبويه(٢): هذا حلوٌ حامضٌ. وقيل: كان إبراهيم ابن مئة وعشرين سنة، وقيل: ابن مئة، فكان يزيدُ عليها في قول مجاهدٍ سنةً(٣). وقيل: إنها عرَّضَتْ بقولها: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْئًا﴾ أي: عن ترك غِشْيانه لها. وسارة هذه امرأةُ إبراهيم بنتُ هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهي بنتُ عمِّ إبراهيم (٤). ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ﴾ أي: الذي بشَّرتُموني به لشيءٌ عجيبٌ. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ (مَا﴾ فيه أربعُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لما قالت: ﴿وَأَنَّ عَجُوٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ وتعجَّبت، أنكرتِ الملائكةُ عليها تعجّبها من أمر الله؛ أي: من قضائه وقَدَره، أي: لا عجب من أن يرزقَكما اللهُ الولدَ، وهو إسحاق. وبهذه الآية استدلَّ كثيرٌ من العلماء على أن الذَّبيحَ إسماعيل، وأنه أسنُّ من إسحاق؛ لأنها بُشِّرت بأن إسحاق يعيشُ حتى يولَدَ له يعقوبُ(٥). وسيأتي الكلامُ في هذا وبيانُه في ((الصافات)) إن شاء الله تعالى. (١) في إعراب القرآن ٢٩٤/٢ . (٢) في الكتاب ٢/ ٨٣ . (٣) تفسير البغوي ٣٩٣/٢. (٤) وقيل: في نسبها غير ذلك، ينظر الطبري ١٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣، والوسيط ٥٨١/٢، وتفسير البغوي ٣٩٢/٢، والمحرر الوجيز ١٨٩/٣. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٩٠/٣. ١٧٠ سورة هود: الآية ٧٣ الثانية: قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ﴾ مبتدأٌ، والخبر ﴿عَيْكُمْ﴾. وحكى سيبويه: ((عَلَيكِم)) بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبرٌ أو دعاء؟ وكونُه إخباراً أشرفُ؛ لأنَّ ذلك يقتضي حصولَ الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصَلَ الله لكم رحمتَه وبركاتِهِ أهلَ البيت، وكونُه دعاءً إنما يقتضي أنه أمرٌ يُتَرجَّى ولم يتحصَّل بعدُ. ونصب ﴿أَهْلَ الْبَيْتَّ﴾ على الاختصاص، وهذا مذهبُ سيبويه(١). وقيل: على النداء. الثالثة: هذه الآيةُ تعطي (٢) أن زوجةَ الرجل من أهل البيت، فدلَّ هذا على أنَّ أزواجَ الأنبياء من أهل البيت، فعائشةُ رضي الله عنها وغيرُها من جملةِ أهلِ بيت النبيِّ #، ممن قال الله فيهم: ﴿ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وسيأتي. الرابعة: ودلَّت الآيةُ أيضاً على أنَّ منتهى السلام: وبركاتُهُ، كما أخبر الله عن صالحي عباده: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ﴾. والبركةُ النموُّ والزيادة، ومن تلك البركات أنَّ جميعَ الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة(٣). وروى مالكٌ(٤) عن وَهْب بن كَيْسان أبي نُعَيم، عن محمد بن عَمْرو بن عطاء، قال: كنتُ جالساً عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجلٌ من أهل اليمن، فقال: السَّلام عليكَ ورحمةُ الله وبركاتُه، ثم زاد شيئاً مع ذلك، فقال ابنُ عباس، وهو يومئذٍ قد ذهب بصرُه: مَن هذا؟ فقالوا: اليمانيُّ الذي يغشاكَ، فعرَّفوه إياه، فقال: إن السَّلام انتهى إلى البركة. (١) الكتاب ٢٣٦/٢. ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٩٤/٢ . (٢) في (ظ): تقتضي. (٣) كذا قال المصنف رحمه الله، وقال ابن الجوزي في زاد المسير ١٣٣/٤: إن أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة. (٤) الموطأ ٩٥٩/٢ . ١٧١ سورة هود: الآيات ٧٣ - ٧٦ ورُويَ عن عليٍّ﴾ أنه قال: دخلتُ المسجدَ، فإذا أنا بالنبيِّ# في عُضْبةٍ من أصحابه، فقلتُ: السَّلام عليكم، فقال: ((وعليكَ السلامُ ورحمةُ الله، عشرون لي، وعَشْر لك)). قال: ودخلتُ الثانيةَ، فقلت: السَّلام عليكم ورحمةُ الله، فقال: ((وعليك السَّلام ورحمةُ الله وبركاته، ثلاثون لي وعشرون(١) لك(٢)). فدخلتُ الثالثةَ، فقلت: السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه: فقال: ((وعليكَ السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه، ثلاثون لي وثلاثون لك، أنا وأنتَ في السَّلام سواءٌ)»(٣). ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾ أي: محمودٌ ماجِدٌ. وقد بيَنَّاهما في ((الأسماء الحُسْنى))(٤). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرَّعُ وَجَآءَتَّهُ الْبُشْرَى يُجَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ بَابِرَهِيمُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِكٌ ٧٥) إِنَّ إِتَزْهِيَمَ لَعَلِيمٌ أَّةٌ مُنِيبٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُورٍ (®)﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الزَّوْعُ﴾ أي: الخوف؛ يقال: ارتاع من كذا: إذا خاف، قال النابغة : فارتاعَ من صَوْتٍ كَلَّابٍ فباتَ لهُ طوعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ (٥) ﴿وَجَآءَتْهُ اٌلْبُشْرَى﴾ أي: بإسحاق ويعقوب، وقال قتادة: بشَّروه بأنهم إنَّما أَتَوا بالعذاب إلى قومٍ لوط، وأنه لا يخافُ(٦). (١) في (د) و(ز): وعشرة. (٢) في (ظ): لأصحابي. (٣) أخرجه البزار في مسنده (٨٠٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣٠، وقال: فيه مختار بن نافع التيمي، وهو ضعيف، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك. (٤) بيان ((المجيد)) في الأسنى ص٢٤٤، وأما ((الحميد)» فلم نقف على بيانه في المطبوع منه. (٥) ديوان النابغة الذبياني ص٣٢. يصف ثوراً فزع من صوت الصياد صاحب الكِلاب، فبقي قائماً منقاداً لشوامته - أي: قوائمه، جمع شامتة - من الخوف والصَّرَد، وهو البرد. وقيل: طوع الشوامت، أي: بات له ما يسر الأعداء الشامتين به. ينظر: شرح القصائد المشهورات للنحاس ١٦٣/٢، وشرح القصائد العشر ص٣٥٣ - ٣٥٤، وخزانة الأدب ١٨٨/٣ - ١٨٩. (٦) تفسير الطبري ٤٨٦/١٢ . ١٧٢ سورة هود: الآيات ٧٤ - ٧٦ ﴿يُحَدِلَنَا﴾ أي: يجادِلُ رسلَنا، وأضافَه إلى نفسه؛ لأنهم نزلوا بأمرِه، وهذه المجادلةُ رواها حُميد بنُ هِلال، عن جُندبٍ، عن حُذَيفةَ؛ وذلك أنهم لمَّا قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لهم: أرأيتُم إن كان فيها خمسون من المسلمين؛ أتُهلِكُونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها عشرةٌ - أو خمسةٌ، شكَّ حُميد - قالوا: لا(١). قال قتادة نحواً منه، قال: فقال يعني إبراهيمَ: قومٌ ليس فيهم عشرةٌ من المسلمين لا خيرَ فيهم(٢). وقيل: إنَّ إبراهيم قال: أرأيتُم إن كان فيها رجلٌ مسلمٌ، أتُهلِكُونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَّا لَتُنَجِيَتَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. وقال عبد الرحمن بنُ سَمُرة: كانوا أربع مئة ألف. ابن جُريج: وكان في قرى قومٍ لوطِ أربعةُ آلاف ألفٍ(٣). ومذهبُ الأخفش والكِسائيِّ أنّ ((يُجادِلُنا)) في موضع ((جادَلَنا)). قال النخَّاس(٤): لمَّا كان جوابُ («لمَّا)) يجب أن يكون بالماضي جُعِل المستقبلُ مكانَه، كما أنَّ الشرطَ يجبُ أن يكون بالمستقبل، فجُعِلَ الماضي مكانَه، وفيه جوابٌ آخر: أن يكون (يُجادِلُنا) في موضع الحال؛ أي: أقبَلَ يُجادِلُنا، وهذا قول الفرَّاءِ(٥). ﴿إِنَّ إِتَزْهِيَمَ لَعَلِيمُ أَّةٌ مُنِيبٌ﴾ تقدَّم في ((براءة))(٦) معنى ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. والمنيبُ: الراجعُ(٧)، يقال: أناب: إذا رجَع. وإبراهيمُ ﴾ كان راجعاً إلى الله تعالى في أموره (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢٣/١١ - ٥٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٧ (١١٠٣٧). (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٠٨/٢ . (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/ ٤٩٢ . (٤) في إعراب القرآن ٢٩٥/٢ . (٥) في معاني القرآن له ٢٣/٢ . (٦) في ١٠/ ٤٠١ - ٤٠٤ . (٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٩٣، وتفسير أبي الليث ١٣٦/٢. ١٧٣ سورة هود: الآيات ٧٤ - ٨٣ كلِّها (١). وقيل: الأوَّاه: المتأوّه أَسَفاً على ما قد فات قومَ لوطٍ من الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَإِّهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: دَعْ عنك الجِدال في قوم لوط. ﴿إِنَّهُ قَدّ ◌ََّ أَمْهُ رَيْكٌ﴾ أي: عذابُه لهم. ﴿وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ﴾ أي: نازلٌ بهم. ﴿عَذَابُ غَيْرُ مَنْدُورُ﴾ أي: غيرُ مصروفٍ عنهم ولا مدفوع (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآَتْ رُسُلْنَا لُوَطَّا سِىّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ وَجَآءَُّ قَوْمُ يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ عَصِيبُ بـ هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُّ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَائِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَارِىّ إِلَى رَّكٍْ شَدِيدٍ ﴾ قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِّنَ الَّيْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّ أَمْرَتُكَّ إِنَّهُ ج مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الشُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ فَلَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ عِندَ رَبْكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الَّلِينَ بِبَعِيدٍ مُسَوَّمَةٌ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوَكَّا سِّءَ بِهِمْ﴾ لمّا خرجت الملائكةُ من عند إبراهيمَ - وكان بين إبراهيمَ وقرية لوطٍ أربعةُ فراسخَ - بَصُرَتْ بنتا لوط وهما تَستقیان بالملائكة ورأتا هيئةً حسنة، فقالتا: ما شأنُكم؟ ومِنْ أين أَقبلتُم؟ قالوا: مِن مَوضع كذا، نريدُ هذه القريةَ، قالتا: فإنَّ أهلَها أصحابُ الفواحش، فقالوا: أَبِها مَنْ يُضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخُ، وأشارتا إلى لوط، فلمَّا رأى لوطٌ هيئتَهم خاف قومَه عليهم (٣). ﴿سِوَءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءَه مجيتُهم(٤)، يقال: ساء يسوء، فهو لازم، وساءه يسوؤه، (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٢ . (٢) تفسير أبي الليث ١٣٦/٢، وتفسير البغوي ٣٩٤/٢ . (٣) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث ١٣٦/٢ . (٤) تفسير الطبري ٤٩٤/١٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣٦٦/٣. ١٧٤ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ فهو متعدٍّ أيضاً (١)، وإن شئتَ ضَممتَ السينَ؛ لأنَّ أصلَها الضمُّ، والأصل: سُوِئ بهم مِنَ السّوء، قُلِبتْ حركةُ الواوِ على السين فانقلبتْ ياءً، وإن خفَّفتَ الهمزةَ ألقيتَ حركتَها على الياء، فقلتَ: ((سِيَ بهم)) مخففًّا، ولغةٌ شاذةٌ بالتشديد(٢). ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: ضاق صدرُه بمجيئهم، وكَرِهَه. وقيل: ضاق وُسْعُه وطاقَتُه. وأصلُه أن يَذْرَع البعيرُ بيديه في سيره ذَرْعاً على قدر سَعة خَطْوِه، فإذا حُمِل على أكثرَ مِن طَوْقه ضاق عن ذلك، وضَعُفَ ومدَّ عنقَه (٣)، فضيقُ الذّرعِ عبارةٌ عن ضِيق الوُسع. وقيل: هو مِن: ذَرَعه القيءُ، أي: غلَبَه، أي: ضاق عن حبسِه المكروه في نفسِه(٤)، وإنما ضاق ذرعُه بهم لِمَا رأى مِن جَمالهم، وما يعلمُ من فسق قومه (٥). ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ﴾ أي: شديدٌ في الشرّ(٦). وقال الشاعر: وإنّكَ إِلَّا تُرضٍ بكرَ بنَ وائلٍ يكنْ لكَ يومٌ بالعراقِ عِصِيبُ(٧) وقال آخر : يومٌ عَصِيبٌ يَعصِبُ الأبطالا عَصْبَ القَوِيّ السَّلَمَ الطَّوالا(٨) ويقال: عصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ على التكثير، أي: مكروهٌ مجتمعُ الشرّ، وقد عَصَبَ؛ أي: عَصَبَ بالشرِ عصابة، ومنه قيل: عُصبة وعِصابة، أي: مجتمعو الكلمة، أي: (١) ينظر تفسير الرازي ١٨/ ٣١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٢ . (٣) تهذيب اللغة ٣١٦/٢ . (٤) ينظر زاد المسير ١٣٦/٤. (٥) ينظر تفسير البغوي ٣٩٤/٢ . (٦) مجمع البيان ١٢/ ١٩٤ . (٧) قائله ◌ِتبان بن أُصيلة - ويقال: وصيلة - الشيباني، وهو في الاشتقاق لابن دريد ص٣٥٩ ومعجم الشعراء للمزرباني ص١٠٨ . (٨) هو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٩٤/١، وتفسير الطبري ٤٩٨/١٢ . والسَّلَم: شجر من العضاه (الشوك). الصحاح (سلم). ١٧٥ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ مجتمعون في أنفسهم. وعَصّبةُ الرجل: المجتمعون معه في النَّسَب، وتعصّبتُ لفلان: صِرتُ كَعَصَبَته، ورَجلٌ معصوبٌ، أي: مجتمعُ الخَلْق. قوله تعالى: ﴿وَجَُّ قَوْمُ يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ في موضع الحال(١). ((يُهْرَعُونَ)) أي: يُسرعون. قال الكسائيُّ والفرَّاءُ وغيرُهما مِن أهل اللغة: لا يكون الإهراعُ إلا إسراعاً(٢) معَ رِعدة، يقال: أُهْرع الرجلُ إهراعاً، أي: أسرع في رِعْدَة من بَرْد أو غضب أو حُمَّى، وهو مُهِرَع(٣)، قال مُهلهِل: فجاؤوا يُهرَعون وهُمْ أُسَارى نَقودُهمُ على رَغْم الأُنوفِ (٤) وقال آخر: بِمُعْجَلاتٍ نحوه مَهارع(٥) وهذا مثلُ: أُولِعَ فلانٌ بالأمر، وأُرعِدَ زيدٌ، وزُهِيَ فلان. وتجيءُ ولا تُستعملُ إلا على هذا الوجه. وقيل: أُهرِع، أي: أَهْرَعَه حِرصُه(٦)، وعلى هذا (يُهْرَعُونَ)) أي: يُستحثُون عليه(٧). ومَن قال بالأول قال: لم يُسمَعْ إلا أُهْرِعَ الرجلُ، أي: أَسرعَ، على لفظ ما لم يُسَمَّ فاعلُه(٨). قال ابن القوطيّة(٩): هُرع الإنسان هَرَعاً، وأُهرع: سِيقَ واستُعجِلَ. وقال الهرويُّ: يقال: هُرع الرجلُ وأُهرِع، أي: استُحِثَّ(١٠). قال ابن (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٢، وما قبله منه. (٢) في النسخ الخطية: سراعاً، والمثبت من (م). (٣) ينظر تهذيب اللغة ١٤١/١، والنكت والعيون ٤٨٨/٢، وزاد المسير ١٣٧/٤. (٤) تفسير الطبري ٥٠٠/١٢، وتهذيب اللغة ١٤١/١، والمحرر الوجيز ١٩٤/٣. (٥) هو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٩٤/١، وتفسير الطبري ٤٩٩/١٢ . (٦) تفسير الرازي ٣٢/١٨ . (٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٩٤/١ ، وفيه: يُستحقُّون إليه. (٨) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٠٦ ، والصحاح (هرع). (٩) محمد بن عمر بن عبد العزيز الأندلسي، القرطبي، النحوي، ألَّف ((تصاريف الأفعال))، وصنّف تاريخاً في أخبار الأندلس. توفي سنة (٣٦٧هـ). السير ٢١٩/١٦. (١٠) ينظر تهذيب اللغة ١٤١/١. ١٧٦ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ عباس وقتادة والسّدّي: ((يُهرعون)): يُهرولون. الضحاك: يَسعَون. ابن عيينة: كأنهم يُدفعون. وقال شِمْر بنُ عطية: هو مشيٌّ بين الهرولة والجَمَزَى(١). وقال الحسن: مشيّ بين مشیین(٢)، والمعنى متقارب. وكان سببُ إسراعهم ما رُوي أنَّ امرأةَ لوط الكافرةَ، لمّا رأتِ الأضيافِ وجَمالَهم وهيئتَهم، خرجَتْ حتى أَتتْ مجالسَ قومِها، فقالت لهم: إنّ لوطاً قد أضافَ الليلةَ فِتيةً ما رُئِيَ مثلُهم جمالاً، وكذا وكذا، فحينئذٍ جاؤوا يُهرَعون إليه(٣). ويُذْكَرُ أنَّ الرسُلَ لمّا وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطاً في حَرْثٍ له. وقيل: وَجدوا ابنتَه تستقي ماءً مِن نهر سَدومَ(٤)، فسألوها الدَّلالةَ على من يُضيفهم، ورأت هيئتَهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانَكم! وذهبتْ إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا: نريدُ أنْ تُضيفَنا الليلةَ، فقال لهم: أوَ مَا سمعتُم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: ما عملُهم؟ فقال: أشهدُ بالله إنهم لَشرُّ قوم في الأرض - وقد كان اللهُ عزَّ وجلَّ قال لملائكته: لا تُعذّبوهم حتى يشهدَ لوطٌ عليهم أربعَ شهادات - فلمّا قال لوطٌ هذه المقالةَ، قال جبريلُ لأصحابه: هذه واحدةٌ، وتردّد القولُ بينهم حتى كرَّر لوط الشهادة أربعَ مرات، ثم دخل بهم المدينة(٥). قوله تعالى: ﴿وَمَن قَبْلُ﴾ أي: ومن قبلِ مَجيء الرُّسل(٦). وقيل: مِن قبلِ لوط(٧). (١) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٢/ ٥٠٠ - ٥٠١ . والجَمَزَى: ضربٌ من السَّير سريع. النهاية (جمز). (٢) تفسير البغوي ٣٩٥/٢ . (٣) المحرر الوجيز ١٩٤/٣، وأخرجه الطبري ١٢/ ٥٠٤ عن ابن إسحاق بنحوه. (٤) قال الأزهري في تهذيب اللغة ٣٧٤/١٢: وسدوم: مدينة من مدائن قوم لوط، كان قاضيها يقال له: سدوم. قال أبو حاتم في كتاب المُزال والمُفسَد: إنما هو سذوم، بالذال، والدال خطأ. قال الأزهري: وهذا عندي هو الصحيح. اهـ. قلنا: يضرب المثل بجور قاضيها، فيقال: أجور من قاضي سدوم. معجم البلدان ٢٠٠/٣ . (٥) المحرر الوجيز ١٩٣/٣. وأخرجه الطبري ٤٩٦/١٢ عن قتادة والسدي. (٦) تفسير الطبري ٥٠٢/١٢، وتفسير البغوي ٣٩٥/٢ . (٧) تفسير أبي الليث ١٣٦/٢. ١٧٧ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: كانت عادتُهم إتيانَ الرجال. فلما جاؤوا إلى لوط وقَصَدوا أضيافَه قام إليهم لوظٌ مُدافعاً(١)، وقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ﴾ ابتداءٌ وخبر(٢). وقد اختُلِفَ في قوله: ((هؤلاء بناتي)) فقيل: كان له ثلاثُ بناتٍ من صُلبه. وقيل: بنتان، زيتا وزعوراء، فقيل: كان لهم سَيِّدان مُطاعان، فأراد أنْ يزوجَهما ابنتيه(٣). وقيل: ندَبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سُنَّتُهم جوازَ نكاحِ الكافرِ المؤمنةَ (٤)، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزاً ثم نُسخ، فزوَّج رسولُ اللـه # بنتاً له مِن عُثْبَة بنِ أبي لَهب، والأُخرى من أبي العاص بن الربيع قبلَ الوحي، وكانا كافرين(٥). وقالت فرقةٌ - منهم مجاهدٌ وسعيد بن جُبير -: أشار بقوله: (بَنَاتِي)) إلى النساء جملةً، إذ نبيُّ القومِ أبٌّ لهم، ويقَوِّي هذا أنَّ في قراءة ابنِ مسعود: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بالمؤمنينَ مِنْ أَنْفُسِهِم وأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أبٌّ لهم))(٦). وقالت طائفة: إنما كان الكلامُ مُدافعةً، ولم يُرِدْ إمضاءَه، رُويَ هذا القولُ عن أبي عبيدةً، كما يقال لمن يُنهى عن أكل مالِ الغير: الخنزير أَحَلُّ لك مِن هذا(٧). (١) المحرر الوجيز ١٩٤/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٢ . (٣) مجمع البيان ١٢/ ١٩٧ . (٤) المحرر الوجيز ١٩٤/٣. (٥) تفسير البغوي ٣٩٥/٢. وحديث تزويج النبي ﴿ رُقية رضي الله عنها من عُتبة بن أبي لهب أخرجه الطبراني في الكبير ٤٣٤/٢٢ (١٠٥٦) وفيه :... فلما أنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿قَبَّتْ بَدَآ أَبِ لَهَرِ﴾ سأل النبيُّ ﴾ عُتبةَ طلاقَ رُقية، وسألته رقيةُ ذلك، فطلقها، فتزوج عثمانُ ﴾ رقية وتوفيت عنده. اهـ وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٨٦/٧ أن عُتبةَ تزوَّجِ رُقيَّةً قبل عثمان ولم يدخل بها، فأمره أبوه بمفارقتها ففارقها. وحديث تزويج النبي # زينب رضي الله عنها من أبي العاص بن الربيع قبل أن يُسلم، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٣٦/٣، وقد ترجم البخاري قبل الحديث (٣٧٢٩): باب ذكر أصهار النبي 38، منهم أبو العاص بن الربيع. اهـ وولدت له أمامةً، وهي التي كان النبي # يحملها وهو يصلي، كما في الحديث المشهور. (٦) أخرجه الطبري ٥٠٢/١٢ - ٥٠٤. وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص١١٩. (٧) المحرر الوجيز ١٩٤/٣، وقال ابنُ عطية: وهذا التنطَّع ليس من كلام الأنبياء صلى الله عليهم وسلم. ١٧٨ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ وقال عِكرمة: لم يعرِضْ عليهم بناتِهِ ولا بناتِ أُمَّته، وإنما قال لهم هذا لِينصرفوا(١). قوله تعالى: ﴿هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: أُزوّجكموهنَّ، فهو أَطهرُ لكم مما تريدون، أي: أَحَلُّ. والتطُّرُ التنزُّه عمّا لا يَحِلّ. وقال ابن عباس: كان رؤساؤهم خَطبوا بناتِهِ فلم يُجبهم(٢)، وأراد ذلك اليومَ أن يفديَ أضيافَه ببناته. وليس أَلِفُ (أَطَهَرُ)) للتفضيل حتى يُتَوهَّمَ أنَّ في نكاح الرجال(٣) طهارةً، بل هو كقولك: الله أكبرُ وأعلى وأجلُّ، وإن لم يكن تفضيلاً؛ وهذا جائزٌ شائعٌ في كلام العرب، ولم يُكابرِ اللهَ تعالى أحدٌ حتى يكون اللهُ تعالى أكبرَ منه. وقد قال أبو سفيانَ ابنُ حرب يومَ أُحد: أُعْلُ هُبَلُ، فقال النبيُّ # لعمر: ((قل: الله أعلى وأجلّ)). وهُبَل لم يكن قطّ عالياً ولا جليلاً(٤). وقرأ العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر: ((هُنَّ أطهرَ)) بالنصب على الحال(٥). و«ُهُنّ) عِماد. ولا يُجيزُ الخليلُ وسيبويهِ والأخفشُ أن يكونَ ((هُنّ)) هاهنا عماداً، وإنما يَكون عماداً فيما لا يتِمُّ الكلامُ إلا بما بعدها، نحوُ: كان زيدٌ هو أخاك، لتدلَّ بها على أنَّ الأخَ ليس بنعت(٦). قال الزجَّاج(٧): ويدلُّ بها على أنّ (كان)) تحتاجُ إلى خبر. وقال غيرُه: يدلُّ بها على أنَّ الخبرَ معرفةٌ أو ما قاربَها(٨). (١) معاني القرآن للنحاس ٣٦٨/٣. (٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ١٩٥ بنحوه دون نسبة. (٣) في النسخ: النساء، وهو خطأ. (٤) ينظر تفسير الرازي ٣٣/١٨، والحديث أخرجه البخاري مطولاً من حديث البراء بن عازب ﴾، وسلف ٣٥٨/٥ - ٣٥٩. (٥) القراءات الشاذة ص ٦٠، والمحتسب ٣٢٥/١، والمحرر الوجيز ١٩٤/٣. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/٢، وينظر قول الخليل وسيبويه في الكتاب ٣٩٧/٢، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٥٨١ . (٧) في معاني القرآن له ٦٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٦/٢ . (٨) في (م): قارنها. ١٧٩ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ قوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىٌ﴾ أي: لا تُهينوني ولا تُذِلُّوني، ومنه قول حسان: ولقَّاكَ قبلَ الموت إحدى الصَّواعقِ فأخزاك ربي يا عُتيبَ بنَ مالك ودَمَّيْتَ فاهُ قُطُّعتْ بالبَوَارِقِ (١) مَددتَ يميناً للنبيِّ تَعمُّداً ويجوزُ أن يكون من الخَزَاية؛ وهو الحياء والخجل، قال ذو الرُّمّة: خَزايةٌ أدركتْه بعد جولتِهِ من جانبٍ الحبلِ مخلوطاً بها الغضبُ(٢) وقال آخر: من البِيض لا تَخزَى إذا الريحُ ألصقتْ بها مِرْطَها أو زايَل الحَلْيَ جِيدُهَا(٣) وضَيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد؛ لأنه في الأصل مصدرٌ(٤)، قال الشاعر: لا تَعدَمي الدهرَ شِفارَ الجازِرِ لِلضّيفِ والضيفُ أَحقُّ زائرٍ (٥) ويجوز فيه التثنيةُ والجمعُ(٦)، والأوّلُ أكثرُ كقولك: رجالُ صَوْم وفِطر وزَوْر. وخَّزِيَ الرجلُ خَزَايةً، أي: استحيا(٧)، مثلُ: ذَلَّ وهان. وخَزِيَ خزياً إذا اقْتُضِحَ، يَخْزَى فيهما جميعاً(٨). (١) ديوان حسان ص٣٤٧ - ٣٤٨، وفيه: بسطتَ، بدل: مددتَ، وبرميةٍ، بدل: تعمُّداً، وفأدميت، بدل: ودَمَّيْتَ. (٢) ديوان ذي الرمة ١٠٣/١، وينظر تهذيب اللغة ٤٩١/٧ . (٣) قائله ابن الدُّمينة، وهو في ديوانه ص ٥٢ وفيه: ألزقت، بدل: ألصقت، ونسبه المَرزُباني في معجم الشعراء ص١٣٤ لعلي بن حسان البكري، وفيه: درعها، بدل: مرطها، ونسبه البكري في سمط اللالئ ١٠٨/١ للحسين بن مطير. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/٢، وينظر البيان لأبي البركات الأنباري ٢٥/٢ . (٥) لم نقف على قائله، وهو في فتح القدير ٥١٤/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/٢ . (٧) ينظر تفسير الرازي ٣٤/١٨ . (٨) ينظر تهذيب اللغة ٤٩١/٧ - ٤٩٢ . ١٨٠ سورة هود: الآيات ٧٧ - ٨٣ ثم وبَّخهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾؟(١) أي: شديدٌ يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل: ((رشيد)) أي: ذو رَشَد. أو بمعنى راشد أو مُرشِد، أي: صالح أو مُصلِح. ابن عباس: مؤمن. أبو مالك: ناهٍ عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرّشَد، والرَّشَد والرَّشاد: الهُدى والاستقامةَ. ويجوز أن يكون بمعنى المُرشَد، كالحكيم بمعنى المُحكّم(٢). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ﴾ رويَ أنّ قومَ لوطِ خطبوا بناتِهِ فردَّهم، وكانت سنَّتُهم أنَّ مَنْ رُدَّ في خِطبةِ امرأةٍ لم تَحِلَّ له أبداً، فذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِىِ بَنَائِكَ مِنْ حَيٍّ﴾ وبَعُدَ أنْ تكون هذه الخاصيّة(٣). فوجْهُ الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلُّقٌ، ولا هنَّ قَصْدُنا، ولا لنا عادة نطلبُ ذلك(٤). ﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدٌ﴾ إشارةٌ إلى الأضياف. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ لمَّا رأى استمرارَهم في غَيِّهم، وضَعُفَ عنهم، ولم يَقدِرْ على دَفْعهم، تمنَّى لو وجد عوناً على ردِّهم، فقال على جهة التفجُّع والاستكانة: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٥) أي: أنصاراً وأعواناً. وقال ابنُ عباس: أراد الولدَ (٦). و ((أنّ) في موضع رفعٍ بفعل مضمر، تقديره: لو اتّفقَ أو وقع. وهذا يظَّرِدُ في ((أنّ) التابعةِ لِ ((لو)). وجوابُ ((لو)) محذوفٌ(٧)، أي: لرددتُ أهلَ الفساد، وحُلْتُ بينهم (١) المحرر الوجيز ١٩٥/٣. (٢) ينظر النكت والعيون ٤٨٩/٢، وتفسير البغوي ٣٥٩/٢، وزاد المسير ١٣٩/٤. (٣) في النسخ: وبعد ألا تكون هذه الخاصية. والمثبت من المحرر الوجيز ١٩٥/٣، والكلام منه. (٤) في (د) و(ز) و(ظ): ولكنها عادة نطلبها في ذلك، وفي (ف): ولا كنا عادة نطلب ذلك، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز. (٥) المحرر الوجيز ١٩٥/٣. (٦) النكت والعيون ٤٩٠/٢ . (٧) المحرر الوجيز ١٩٥/٣ .