النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ نُوحًا﴾ [هود: ٢٥]. وقيل له أخوهم؛ لأنه منهم، وكانت القبيلةُ تجمعُهم، کما تقول: یا أخا تميم، وقيل: إنَّما قيل له: أخوهم؛ لأنه من بني آدم، كما أنَّهم من بني آدم(١)، وقد تقدَّم هذا في ((الأعراف))(٢)، وكانوا عَبَدَةَ الأوثان. وقيل: هم عادَان، عادِّ الأُولى، وعادّ الأخرى، فهؤلاء هم الأولى، وأما الأخرى فهو شدَّاد ولُقْمان المذكوران في قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]. وعادٌ: اسم رجلٍ، ثم استمرّ (٣) على قومٍ انتسبوا إليه. ﴿قال يا قومٍ اعبُدُوا اللهَ مالكم من إلهٍ غيرِهِ﴾ بالخَفْض على اللفظ، و((غيرُهُ» بالرفع على الموضع، و((غيرَهُ)) بالنَّصب على الاستثناءِ(٤). ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَّرُونَ﴾ أي: ما أنتم في اتِّخاذِكُم إلهاً غيرَه إلَّا كاذبون عليه جلَّ وعَّ(٥). قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَآ أَسْشَلُكُمُ عَلَّهِ أَجْرًّاْ إِنَّ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنْ﴾ تقدَّم معناه(٦). والفِظرة: ابتداءُ الخلق. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما جرى على قومٍ نوحٍ لمَّا كذَّبوا الرُّسل. قول تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ تقدَّم في أوَّل السورة(٧). ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ﴾ جُزِم لأنه جوابٌ، وفيه معنى المُجازاة. (١) ضعف هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٩/٣. (٢) ٩/ ٢٦٢. (٣) في (ظ): اشتهر. (٤) الخفض والرفع قراءتان متواترتان، وقد سلف الكلام فيهما ٩/ ٢٦٠، وأما النصب فقراءة شاذة. القراءات الشاذة ص٤٤ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/٢ . (٦) ص٢٥-٢٦ من هذا الجزء. (٧) ص٦٧ من هذا الجزء. ١٤٢ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ ﴿عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ نصبٌ على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي: يرسلُ السماء بالمطر متتابعاً يتلو بعضه بعضاً، والعربُ تحذِفُ الهاء في مِفْعال على النَّسَب(١)، وأكثرُ ما يأتي مِفْعال من أَفْعَل، وقد جاء هاهنا من فَعَل؛ لأنه من: درَّتِ السماءُ تَدِرُّ وتَدُرُّ، فهي مِدْرارٌ. وكان قومٌ هود - أعني عاداً - أهلَ بساتين وزروعٍ وعمارةٍ، وكانت مساكنُهم الرمالَ التي بين الشام واليمن(٢)، كما تقدَّم في ((الأعراف))(٣). ﴿ویزِدُمْ﴾ عطفٌ علی یُرسل. ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ قال مجاهد: شدَّةً إلى (٤) شدَّتكم. الضَّحَّاك: خِصْباً إلى خِصْبكم. عليُّ بنُ عيسى: عِزَّا إلى(٥) عزّكم. عِكرمة: ولدُ الولد(٦). وقيل: إن الله حَبَسَ عنهم المطر وأَعْقَم الأرحامَ ثلاثَ سنين، فلم يُؤْلَد لهم ولدٌ، فقال لهم هودٌ: إنْ آمنتُم أحيا الله بلادَكم، ورزَقكم المال والولد، فتلك القوَّة. وقال الزجَّاج(٧): المعنى يَزِدكم قوَّةً في النُّعم. ﴿وَلَ نَوَلَوْ مُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تُعْرِضوا عمَّا أدعوكم إليه، وتُقيموا على الكفر. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَدَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: حُجَّة واضحة. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إصرارٌ(٨) منهم على الكفر. (١) مشكل إعراب القرآن ٣٦٧/١. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٥٧ . (٣) ٢٣٦/٧، وفيه أن مساكنهم كانت بنواحي حضر موت إلى اليمن. (٤) في (د) و(م): على. (٥) في (م): على. (٦) في (م): ولداً إلى ولدكم، وفي (ظ): دوام الولد، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢ / ٤٧٧ . (٧) في معاني القرآن ٣/ ٥٧ . (٨) في (م): إصراراً. ١٤٣ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ قوله تعالى: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنكَ﴾ أي: أصابَكَ. ﴿بَعْضُ ءَالِهَتِنَا﴾ أي: أصنامِنا. ﴿يُسُوّوْ﴾ أي: بجنونٍ لِسَبِّك إياها، عن ابن عباس وغيره(١). يقال: عَرَاهُ الأمرُ واْتَرَاه واعتَرَّهُ(٢): إذا أَلَمَّ به. ومنه ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتََّ﴾ (٣) [الحج: ٣٦]. ﴿قَالَ إَِّ أُشْهُ اللّهَ﴾ أي: على نفسي. ﴿وَأَشْهَدُوّا﴾ أي: وأُشهِدُكم، لا أنَّهم كانوا أهلَ شهادةٍ، ولكنَّه نهايةٌ للتقرير، أي: لتعرفوا ﴿أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: من عبادة الأصنام التي تعبدونَها. ﴿فَكِدُونِيِ جَمِيعًا﴾ أي: أنتم وأوثانُكم في عداوتي(٤) وضَرِّي. ﴿ثُمَّ لَا نُظِرُونِ﴾ أي: لا تؤخِّرون. وهذا القولُ مع كثرة الأعداء يدلُّ على كمال الثّقة بنصر الله تعالى، وهو من أعلام النبوَّة؛ أن يكون الرسولُ وحدَه يقولُ لقومه: ﴿فَكِدُونِ جَمِيعًا﴾، وكذلك قال النبيُّ# لقريش(٥)، وقال نوحٌ ﴾: ﴿فَأَخِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٧١]. قوله تعالى: ﴿إِنِّ تَوَكَّْتُ عَلَى اَللَّهِ رَبٍِ وَرَبِّكُمْ﴾ أي: رضيتُ بحُكمه، ووَثِقْتُ بنصره. ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ﴾ أي: نفسٍ تدِبُ على الأرض، وهو في موضع رفعٍ بالابتداء . ﴿إلّا هُوَ ءَلِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: يَصْرِفها كيف يشاء، ويمنعُها مما يشاء، أي: فلا تصلون إلى ضَرِّي. وكلُّ ما فيه رُوح يقال له: دابٌّ ودابّة، والهاء للمبالغة (٦). وقال الفراء: مالكُها، والقادرُ عليها، وقال القُتَبِيُّ(٧): قاهرُها؛ لأنَّ من أخذتَ بناصيته فقد قهرتَه، وقال الضخَّاك: يُحييها ثم يميتُها (٨)، والمعنى متقارِبٌ. (١) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٤٧ . (٢) قوله: واعترَّه، ليس في (م). (٣) معاني القرآن للنحاس ٣٥٧/٣. (٤) في (ظ): عذابي. (٥) يشير إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِن كَانَ لَكُرْ كَّدٌ فَكِدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩]. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/٢ . (٧) في تأويل مشكل القرآن ص١٣٨ . (٨) تفسير البغوي ٣٨٨/٢ - ٣٨٩، والأقوال السالفة منه. ١٤٤ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ والناصية: قُصاصُ الشَّعر في مقدَّم الرأس، ونَصَوْتُ الرجلَ أَنصوه نَصْواً، أي: مددتُ ناصیته. قال ابن جَرِير(١): إنما خَصَّ الناصية؛ لأنَّ العربَ تستعمل ذلك إذا وصفَتْ إنساناً بالذّلَّة والخضوع، فيقولون: ما ناصيةُ فلان إلَّا بيد فلان، أي: إنه مطيعٌ له يُصرِّفُه كيف يشاء، وكانوا إذا أسروا أسيراً وأرادوا إطلاقه والمَنَّ علیه جَزُّوا ناصیتَه، ليعرفوا بذلك فخراً عليه، فخاطبهم اللهُ بما يعرفونَ في كلامهم. وقال الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول))(٢): قوله تعالى: ﴿مَّا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ ءَلٌِ بِنَاصِيَهَ﴾ وجهُهُ عندنا أن الله تعالى قدَّر مقادير أعمال العباد، ثم نظَرَ إليها، ثم خَلَقَ خلقَه، وقد نفَذَ بصرُه في جميع ما هم فيه عاملون من قَبْل أن يخلقَهم، فلمَّا خلقَهم وضعَ نور تلك النَّظْرة في نواصيهم، فذلك النورُ آخِذٌ بنواصيهم، يُجريهم إلى أعمالهم المقدَّرة عليهم يوم المقادير. وخلَقَ الله المقادير قبل أن يخلُقَ السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، رواه عبد الله بنُ عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول اللـه # يقول: ((قدَّرَ الله المقادير قبل أن يخلُقُ السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ)(٣). ولهذا قَوِيَتِ الرسلُ وصاروا من أُولي العَزْم؛ لأنهم لاحظوا نورَ النواصي، وأيقنوا أنَّ جميعَ خلقه منقادون(٤) بتلك الأنوار إلى ما نفَذَ بصرُه فيهم من الأعمال، فأوفرُهم حظًّا من الملاحظة أقواهم في العَزْم، ولذلك ما قَوِيَ هود(٥) النبيُّ # حتى قال: ﴿فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ. إِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبَّكُم مَّا مِنْ دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ؟ بِنَاصِيَنْهَا﴾. (١) في النسخ: ابن جُريج، وهو خطأ، وابن جرير: هو الطبري، والكلام في تفسيره ١٢/ ٤٤٩ . (٢) قوله: في نوادر الأصول، ليس في (ظ)، ولم نقف على كلامه في المطبوع من النوادر. (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٦٥٣). (٤) في (ظ): متفاوتون. (٥) في (ظ): عزم، بدل: هود. ١٤٥ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ وإنما سُمِّيت ناصيةً؛ لأن الأعمالَ قد نَصَّت وبرزَتْ من غيبِ الغيب، فصارت منصوصةً في المقادير، قد نفذ بَصَرُ الخالق في جميع حركات الخلق بقدرةٍ، ثم وُضِعَتْ حركاتُ كلِّ من دَبَّ على الأرض حيًّا في جبهته بين عينيه، فسُمِّي ذلك الموضعُ منه ناصيةً؛ لأنها تَنُصُّ حركاتِ العباد بما قدَّر، فالناصيةُ مأخوذةٌ بمنصوصٍ الحركات التي نظَرَ اللهُ تعالى إليها قبل أن يخلُقَها. ووصفَ ناصيةَ أبي جهل، فقال: ﴿نَاصِيَةِ كَذِيَةٍ خَالَِةٍ﴾ [العلق: ١٦]؛ يُخْبِرُ أنَّ النواصيّ فيها كاذبةٌ خاطئةٌ، فعلى سبيل ما تأوَّلوه يستحيلُ أن تكون الناصيةُ منسوبةً إلى الكذب والخطأ، والله أعلم. ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال النخَّاس: الصِّراط في اللغة: المِنْھاج الواضحُ، والمعنى أن الله جلَّ ثناؤه، وإن كان يقدِرُ على كلِّ شيء، فإنه لا يأخُذُهم إلا بالحقِّ(١). وقيل: معناه: لا خَلَلَ في تدبيره، ولا تفاوتَ في خلقه سبحانه(٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنِ تَوَلَوْا﴾ في موضع جزم؛ فلذلك حُذِفت منه النون، والأصلُ: تتولَّوا، فحُذِفت التاءُ؛ لاجتماع تاءين. ﴿فَقَدْ أَبَغْتَّكُم مَّ أُزْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ﴾ بمعنى: قد بيَّنتُ لكم. ﴿وَيَسْتَغْلِفُ رَبٍِ قَوْمًا غَيَكُ﴾ أي: يُهْلِكُكم، ويخلُقُ من هو أطوَعُ له منكم يوحِّدُونه ويعبُدونه. ((ويَستخلِفُ)) مقطوعٌ ممَّا قبلَه، فلذلك ارتفع، أو معطوفٌ على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: ((فقد أَبلَغتُكم))(٣). ورُويَ عن حفص عن عاصم: ((ويَستخلِفْ)) بالجَزْم حملاً على موضع الفاء وما بعدها(٤)، مثل: ﴿ويَذَرْهُم في طُغيانِهِم يَعْمَهونَ﴾(٥) [الأعراف: ١٨٦]. (١) معاني القرآن ٣٥٩/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/٢ . (٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/٢. (٤) رواها هبيرة عن حفص. المحرر الوجيز ١٨٢/٣، والقراءة المتواترة عن حفص بالرفع، كقراءة الجماعة. (٥) وهي قراءة حمزة والكسائي، وسلف ذكرها ٩/ ٤٠٤ . ١٤٦ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًاْ﴾ أي: بتولِّيكم وإعراضكم. ﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: لكلِّ شيءٍ حافظٌ. ((على)) بمعنى اللام، فهو يحفظُني من أن تنالوني بسوء. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جََّ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابُنا بهلاك عادٍ. ﴿نَّنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا﴾ لأن أحداً لا يَنْجو إلا برحمةِ الله تعالى، وإن كانت له أعمالٌ صالحة. وفي (صحيح)) مسلم والبخاريِّ وغيرِهما(١)، عن النبيِّ ﴾: ((لن يُنجيَ أحداً منكم عملُه)) قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يَتغمَّدنيَ اللهُ برحمةٍ منه)). وقيل: معنى ((بِرَحْمَةٍ مِنَّا)): بأن بيَّنًا لهم الهُدى الذي هو رحمةٌ. وكانوا أربعةً آلاف، وقيل: ثلاثةَ آلاف. ﴿وَّنَهُ مِّنْ عَذَابٍ غَلِظِ﴾ أي: عذابٍ يوم القيامة، وقيل: هو الريحُ العقيم؛ كما ذكر الله في ((الذاريات)) وغيرِها، وسيأتي(٢). قال القُشَيريُّ أبو نَصْر: والعذابُ الذي يتوعَّد به النبيُّ أُمته إذا حضر يُنَجِّي الله منه النبيَّ والمؤمنين معه، نعم، لا يبعُدُ أن يبتليَ الله نبيًّا وقومَه فَيَعُمَّهم ببلاء، فيكون ذلك عقوبةً للكافرين، وتمحيصاً للمؤمنين، إذا لم يكن مما توقَّدَهم النبيُّ به. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَارٌ﴾ ابتداءً وخبر. وحكى الكسائيُّ أن من العرب من لا يصرِفُ ((عاداً))، فيجعله اسماً للقبيلة (٣). ﴿جَعَدُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: كذَّبوا بالمعجزات وأنكروها. ﴿وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ يعني هوداً وحدَه، لأنه لم يُرسل إليهم من الرُّسل سواه. ونظيره قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] يعني النبيَّ ﴾ وحدَه؛ لأنه لم يكن في عصرِه رسولٌ سواه، وإنما جَمَعَ هاهنا؛ لأن من كذَّب رسولاً واحداً فقد كَفَرَ بجميع الرُّسل. وقيل: عَصَوا هوداً والرسُلَ قبلَه، وكانوا بحيث لو (١) صحيح مسلم (٢٨١٦): (٧١)، وصحيح البخاري (٦٤٦٢) عن أبي هريرة، وهو في المسند (٧٢٠٣). (٢) عند تفسير الآية (٤١) منها. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/٢. ١٤٧ سورة هود: الآيات ٥٠ - ٦٠ أُرسِلَ إليهم ألفُ رسولٍ لَجَحدوا الكُلَّ. ﴿وَأَتَّبَعُواْ أَقَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: اتَّبع سُقَّاطُهم رؤساءَهم. والجَبَّار: المتكبِّر، والعنيد: الطاغي الذي لا يقبَلُ الحقَّ ولا يُذعِنُ له. قال أبو عُبيدة (١): العَنِيد والعَنود والعانِد والمُعانِد: المُعارِض بالخلاف، ومنه قيل للعِرْق الذي ينفجِرُ بالدم: عانِدٌ. قال الراجز: إِنِّي كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا(٢) قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً﴾ أي: أُلحِقُوها. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: وأُتَبِعُوا يوم القيامة مثل ذلك، فالتمامُ على قوله: ((ويومَ القيامة))(٣). ﴿َلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ﴾ قال الفرَّاء(٤): أي: كفروا نعمةَ ربهم، قال: ويُقال: گَفَرتُه وگَفَرتُ به، مثل: شکرتُه وشکرتُ له. ﴿أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمٍ هُورٍ﴾ أي: لا زالوا مُبْعَدين عن رحمة الله. والبُعد: الهلاك، والبُعد: التَّباعُدُ من الخير، يقال: بَعُد يَبعُد بُعْداً: إذا تأخّر وتباعَدَ، وبَعِد يَبْعَد بَعَداً: إذا هلك، قال: سمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ (٥) لا يَبعَدَنْ قومي الذین هُمُ وقال النابغة : وكلُّ امرئ يوماً به الحالُ زائلٌ(٦) فلا تَبعَدنْ إنَّ المنيةَ مَنهَلٌ (١) في (م): أبو عبيد، والمثبت من (ز) و(ظ)، والكلام في مجاز القرآن له ٢٩٠/١، بنحوه، وينظر تفسير البغوي ٣٨٩/٢ . (٢) أورده كذلك الطبري ٤٥٢/١٢، وابن الشجري في أماليه ١/ ٤٢٢، وقبله عنده: إذا ركبت فاجعلوني وسطاً. والعندا: الصعاب من الإبل، وسيذكر المصنف الرجز عند تفسير الآية (١٥) من سورة إبراهيم. (٣) والوقف حسن، كما في الوقف والابتداء لابن الأنباري ٢/ ٧١٤ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٢٠، ونقله عنه المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٨٩/٢. (٥) سلف ٥٦/٣ . (٦) ديوان النابغة الذبياني ص٩٠ ، وفيه: إن المنية موعد. ١٤٨ سورة هود: الآية ٦١ قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَةُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ أُحِبُ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ أي: أرسلنا إلى ثمود ﴿لَنَامُ﴾ أي: في النَّسَب. (صَلِحًا﴾. وقرأ يحيى بنُ وثَّاب: ((وإِلى ثَمُودٍ)) بالتنوين في كلِّ القرآن(١)، وكذا رُويَ عن الحسن، واختلف سائر القرَّاء فيه، فصَرَفوه في موضع، ولم يَصرفوه في موضع (٢)، وزعم أبو عُبيدة أنه لولا مخالفةُ السَّواد لكان الوجهُ تركَ الصَّرف؛ إذ كان الأغلبُ عليه التأنيث. قال النخَّاس(٣): الذي قاله أبو عُبيدة - رحمه الله - من أن الغالب عليه التأنيثُ كلامٌ مردودٌ؛ لأن ثموداً يقال له حيٍّ، ویقال له قَبِیلة، ولیس الغالب عليه القَبِيلة، بل الأمرُ على ضدِّ ما قال عند سيبويه، والأجودُ عند سيبويه(٤) فيما لم يُقل فيه: بنو فلان، الصَّرفُ، نحو قريش وثَقِيف وما أشبهَهما، وكذلك ثمود، والعلةُ في ذلك أنه لمَّا كان التذكيرُ الأصلَ، وكان يقعُ له مذكَّر ومؤنَّث؛ كان الأصلُ الأخفُّ أولى، والتأنيث جيِّد بالغٌ حسن. وأنشد سيبويه(٤) في التأنيث: غَلبَ المَسامِيحَ الوليدُ سماحةٌ وَكَفَى قريشَ المعضِلاتِ وسَادَها(٥) الثانية: قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌَّ﴾ تقدَّم(٦). ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأَ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدمَ خُلِقَ من (١) القراءات الشاذة ص٤٤ ، وزاد نسبتها للأعمش. (٢) ينظر السبعة ص٣٣٧، والتيسير ص ١٢٥ . (٣) في إعراب القرآن ٢٨٩/٢ -٢٩٠، وما قبله منه. إلا أن فيه: أبو عبيد، في الموضعين. (٤) الكتاب ٣/ ٢٥٠ . ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس. (٥) البيت لعَدِيٍّ بن الرِّقاع. والمساميح: جمع سَمْحٍ على غير قياسٍ، وهو من الجمع النادر، والمعضلات: الشدائد. شرح الشواهد للشنتمري ص ٤٦٠ - ٤٦١ . (٦) ٢٦٠/٩. ١٤٩ سورة هود: الآية ٦١ الأرض على ما تقدَّم في ((البقرة)) و((الأنعام))(١). وهم منه. وقيل: أنشأكم في الأرض. ولا يجوز إدغامُ الهاء من ((غيره)» في الهاء من ((هو)) إلا على لغةٍ مَنْ حذَفَ الواوَ (٢) في الإدراج (٢). ﴿وَأَسْتَعْمَرَكُ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عُمَّارَها وسكَّانَها. قال مجاهدٌ: ومعنى ((استعمَرَكم)): أعمركم، من قولهم (٣): أَغْمَر فلانٌ فلاناً دارَه، فهي له عُمْرَى، وقال فَتَادة: أسكنكم فيها، وعلى هذين القولين يكون استَفْعَل بمعنى أَفْعَل، مثل: استجاب بمعنى أجاب، وقال الضَّحَّاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارُهم من ثلاث مئة إلى ألف(٤). ابن عباس: أعاشَكم فيها. زيد بن أسلم: أمرَكم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناءِ مساكنَ، وغَرْسِ أشجارٍ. وقيل: المعنى: ألهمَكم عمارتَها من الحَرْث والغَرْس وحَفْر الأنهار وغيرها. الثالثة: قال ابنُ العربيّ(٥): قال بعضُ علماء الشافعية: الاستعمار: طلبُ العِمارة، والطلبُ المطلقُ من الله تعالى على الوجوب. قال القاضي أبو بكر: تأتي كلمةُ استَفْعَل في لسان العرب على معان منها: استَفْعَل بمعنى طلب الفعل، كقوله: استحملتُه، أي: طلبتُ منه حُملاناً، وبمعنى اعتقَدَ، كقولهم: استسهلتُ هذا الأمر: اعتقدتُه سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتُه؛ أي: اعتقدتُه عظيماً ووجدتُه، ومنه استفعلتُ بمعنى أصبتُ، كقولهم: استجَدْتُه أي: أصبتُه(٦) جيداً، ومنها بمعنى فَعَل، كقوله: قَرَّ في المكان واستقَرَّ، وقالوا: وقوله: ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ٥] (١) ٤١٧/١ و٣١٨/٨. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٠/٢، وإدغام الهاء من ((غيره) في الهاء من ((هو) من الإدغام الكبير لأبي عمرو البصري من رواية السوسي. (٣) في (د) و(م): قوله. (٤) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ١٢/ ٤٥٣، والنكت والعيون ٤٧٩/٢، وتفسير البغوي ٣٩٠/٢. (٥) في أحكام القرآن ١٠٤٧/٣ ، وما سیرد بین حاصرتين منه. (٦) في (د): وجدته، وفي (ظ): أصبت. ١٥٠ سورة هود: الآية ٦١ و﴿ يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] منه. فقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمُ فِيهَا﴾ خلقَكم لعمارتها، لا على معنى استَجَدْتُهُ واستسهلتُه، أي: أصبتُه جيداً وسهلاً، وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع إلى أنه خَلَقٍ؛ لأنه الفائدةُ، وقد يُعبَّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحُّ أن يقال: إنه طلبٌ من الله تعالى لعمارتها؛ فإنَّ هذا اللفظَ لا يجوز في حقِّه، أمَا أنه يصحُّ أن يقال: إنه استدعى عِمارتَها؛ فإنه جاء بلفظ استَفْعَل، وهو استدعاءُ الفعل بالقول ممن هو دونَه إذا كان أمراً، وطلبٌ للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى [رغبة]. قلتُ: لم يذكر استَفْعَل بمعنى أَفْعَل، مثل قوله: استوقَدَ بمعنى أوقَدَ، وقد ذکرناه(١). وهي: الرابعة: ويكون فيها دليلٌ على الإسكان والعُمْرى، وقد مضى القولُ في ((البقرة)» في السُّكْنى والرُّقْبِى(٢). وأما العُمْرى فاختلف العلماءُ فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: إنها تمليكٌ لمنافع الرَّقَبة حياةَ المُعْمَر مدةَ عُمُرِهِ، فإن لم يذكُر عَقِباً، فمات المُعْمِرُ؛ رجعتْ إلى الذي أعطاها أو لورثته، هذا قول القاسم بن محمد ویزید ابن قُسيط والليث بن سعد، وهو مشهورُ مذهب مالك، وأحدُ أقوال الشافعي، وقد تقدَّم في ((البقرة)) حُجَّةُ هذا القول(٣). الثاني: إنها تمليكُ الرقَبة ومنافِعِها، وهي هبةٌ مَبْتُولةٍ(٤)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثَّوري والحسن بن حيٍّ وأحمد بن حنبل وابن شُبْرمة (١) ٣٢١/١. (٢) ١/ ٤٤٥، وما بعدها. (٣) ٤٤٦/١ . (٤) في (ظ) مقبولة. ومبتولة، أي: منقطعة من مال واهبها خارجة عنه، من البَتْل: وهو القطع وتمييز الشيء من الشيء. تهذيب اللغة ١٤/ ٢٩١ . : ١٥١ سورة هود: الآية ٦١ وأبي عُبيد، قالوا: من أعمَرَ رجلاً شيئاً حياتَه فهو له حياتَه، وبعد وفاتِه لورثته؛ لأنه قد ملَكَ رقبَتَها، وشَرْطُ المعطي الحياةَ أو العمرَ باطلٌ؛ لأن رسولَ اللـه :# قال: ((العُمْرى جائزةٌ))(١)، و((العُمْرى لمن وُهِبت له))(٢). الثالث: إن قال: عُمرَك، ولم يذكر العَقِبَ، كان كالقولِ الأوّل، وإن قال: لعَقِيِك، كان كالقول الثاني، وبه قال الزُّهريُّ وأبو ثور وأبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن وابنُ أبي ذئب (٣)، وقد رُوي عن مالك، وهو ظاهرُ قوله في ((الموطأ) (٤). والمعروفُ عنه وعن أصحابه أنها ترجعُ إلى المُعْمِر إذا انقرضَ عَقِبُ المُعْمَر، إن كان المُعْمِر حيًّا، وإلا فإلى من كان حيًّا من ورثته وأولى الناس بميراثه، ولا يملِكُ المُعْمَر بلفظ العُمْرى عند مالك وأصحابه رقبةً شيءٍ من الأشياء، وإنما يملِكُ بلفظ العُمْرى المنفعةَ دون الرقبة(٥). وقد قال مالك في الحُبُس أيضاً إذا حبَسَ على رجل وعَقِبه: إنه لا يرجع إليه، وإن حبَسَ على رجلٍ بعينه حياتَه رجَعَ إليه، وكذلك العُمْرى قياساً (٦)، وهو ظاهر (الموطأ)). وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((أَيُّما رجلٍ أَغْمر رجلاً عُمْرى له ولعَقِبه فقال: قد أعطيتُكَها وعَقِبَك ما بقي منكم أحدٌ، فإنَّها لمن أُعْطِيَها(٧)، وإنها لا ترجِعُ إلى صاحبها؛ من أجلِ أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريثُ)). وعنه قال: إن العُمْرى التي أجاز رسولُ اللـه# أن يقول: هي لك ولعَقِبك، فأما إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنَّها ترجِعُ إلى صاحبِها. قال مَعْمَر: وبذلك كان الزُّهريّ يُقتي(٨). (١) أخرجه أحمد (٨٥٦٧)، والبخاري (٢٦٢٦)، ومسلم (١٦٢٦): (٣٢) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) أخرجه أحمد (١٤٢٤٣)، والبخاري (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥): (٢٥) من حديث جابر بن عبدالله﴾. (٣) ينظر التمهيد ١١٤/٧ وما بعدها. (٤) ٧٥٦/٢ . (٥) الاستذكار ٣١٧/٢٢. (٦) الكافي ٢/ ١٠١٣ . (٧) بعدها في (ز) و(ظ): وعقبه. (٨) صحيح مسلم (١٦٢٥): (٢٢) و (٢٣)، وهما في مسند أحمد (١٥٢٩٠) و(١٤١٣١). ١٥٢ سورة هود: الآيات ٦١ - ٦٨ قلتُ: معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني؛ لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَأُسْتَعْتَرَكُ﴾ بمعنى أعمركم، فأعمَرَ الرجلَ الصَّالح فيها مدةً حياتِه بالعمل الصَّالح، وبعد موته بالذِّكر الجميل والثناءِ الحسن، وبالعكس الرجلُ الفاجرُ، فالدنيا ظرفٌ لهما حياةً وموتاً. وقد يقال: إن الثناء الحسن يجري مجرى العَقِب. وفي التنزيل: ﴿وَأَجْعَل لِِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] أي: ثناءً حسناً، وقيل: هو محمدٌ ﴾(١). وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وقال: ﴿وَيَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقِّ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: سَلُوه المغفرةَ من عبادة الأصنام. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: ارجِعُوا إلى عبادته. ﴿إِنَّ رَّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أي: قريبُ الإجابة لمن دعاه. وقد مضى في ((البقرة)) عند قوله: ﴿فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [١٨٦] القولُ فيه(٢). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَّا أَنَتْهَننَّا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شٍَّ مِّمَا تَدْعُونًا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (١٧) قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَهْرٍ مِّن رَّبِى وَءَاتَنِ مِنْهُ رَحْمَةُ فَمَن يَنصُرُفِىِ مِنَ اَللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرِ ﴿٣ وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ) فَلَمَا جَآءَ أَقْرُنَا تَتْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ثَلَاثَةَ أَِّ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ (٥) ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِرِيٍ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيِزُ ﴾ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِمِينَ ( كَن لَّمْ يَغْنَوْا فِهَاْ أَلََّ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بَعْدًا لِشَمُودَ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَِّحُ قَدْ كُنتَ فِنَا مَرْجُوَّا قَبْلَ هَذٌَّ﴾ أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيِّداً قبل هذا، أي: قبل دعوتك النبوّة. وقيل: كان صالحٌ يعيب آلهتهم ويَشْنَؤُها، (١) ينظر ما سيرد عند تفسير الآية ٨٣ من سورة الشعراء. (٢) ١٧٨/٣ فما بعدها. ١٥٣ سورة هود: الآيات ٦٢ - ٦٨ وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلمَّا دعاهم إلى الله قالوا: انقطَعَ رجاؤُنَا منك(١). ﴿أَنْهَنْنَا﴾ استفهامُ معناه الإنكارُ. ﴿أَنْ تَّْبُدَ﴾ أي: عن أن نعبُدَ ﴿مَا يَعْبُدُ ءَآبَاؤُنا﴾ فـ ((أن)) في محلِّ نصبٍ بإسقاط حرفِ الجر. ﴿وَإِنَّا لَفِى شَّكِ﴾ وفي سورة ((إبراهيم)): ﴿وَإِنَّا﴾ [٩] والأصلُ: وإنَّنا، فاستثقل ثلاثَ نوناتٍ فأسقطَ الثالثة(٢). ﴿مِّمَا تَدْعُونَ﴾ الخطابُ لصالح، وفي سورة ((إبراهيم)): ﴿تَدْعُونَنَآَ﴾ [٩] لأنَّ الخطابَ للرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم ﴿إِلَيْهِ مُيٍ﴾ من أَرَبْتُه فأنا أُرِيبُه: إذا فعلتَ به فعلاً يوجبُ لديه(٣) الرِّيبة. قال الهُذَليُّ: كنتُ إذا أتوتُهُ مِن غَيْبٍ يَشَمُّ عِظْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبي كأنَّما أَرَبْتُه بِرَيْبٍ(٤) قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّ وَءَاتَنْنِ مِنْهُ رَحْمَةٌ﴾ تقدَّم معناه في قول نوح(٥). ﴿فَمَن يَنصُرُفِي مِنَ الَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ استفهامٌ معناه النفيُّ؛ أي: لا ينصُرني منه إن عصيتُه أحدٌ. ﴿فَا تَزِيدُونَنِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: تضليلٍ وإبعادٍ من الخير، قاله الفرَّاء(٦). والتَّخْسيرُ لهم لا له ﴾، كأنه قال: غيرَ تخسيرٍ لكم، لا لي، وقيل: المعنى ما تزيدونَني باحتجاجِكم بدينٍ آبائكم غيرَ بصيرةٍ بخسارتكم، عن ابن عباس(٧). قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ وخبر. ﴿لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ نصبٌ على (١) تفسير البغوي ٣٩٠/٢. (٢) ينظر زاد المسير ١٢٤/٤. (٣) في (د): توجب به. (٤) قائله خالد بن زهير، جعلہ أبو ذئیب - خاله ـ رسولاً بينه وبين عشيقته، فأفسدما علیه، فکان یشك فيه، فقال له خالد هذه الأبيات. والشعر في ديوان الهذليين ١٦٥/١، وقبله: يا قوم ما بالُ أبي ذؤيب. وأتوته: لغة في أتيته، وییز ثوبي، أي: يجذبه إليه. اللسان: (أتى) و(بزز). (٥) ص١٠١ من هذا الجزء. (٦) معاني القرآن ٢٠/٢، ونقله عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٠/٢. (٧) تفسير البغوي ٣٩١/٢ . ١٥٤ سورة هود: الآيات ٦٢ - ٦٨ الحال، والعاملُ معنى(١) الإشارة، أو التنبيه في ((هذه)). وإنَّما قيل: ناقةُ الله؛ لأنه أخرجَها لهم من جبل على ما طلبوا، على أنَّهم يؤمنون (٢). وقيل: أخرجَها من صخرةٍ صمَّاءَ منفردةٍ في ناحيةِ الحِجْر يقال لها: الكائِبَة، فلما خرجَتِ الناقةُ - على ما طَلَبوا - قال لهم نبيُّ الله صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ الَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ﴾ أمرٌ وجوابُه، وحُذِفت النونُ من ((فذروها)) لأنه أمرٌ، ولا يقال: وَذَرَ ولا وَاذِرٌ إلا شاذًّا، وللنحويين فيه قولان: قال سيبويه(٣): استغنَوا عنه بِتَرَكَ، وقال غيرُه: لمَّا كانت الواو ثقيلةً، وكان في الكلام فِعْلٌ بمعناه لا واوَ فيه؛ ألغَوه. قال أبو إسحاق الزجَّاج: ويجوزُ رفع ((تأكل)) على الحال والاستئناف. ﴿وَلَا تَمَسُوهَا﴾ جزمٌ بالنهي. ﴿بِسُوْءٍ﴾ قال الفرَّاء: بعَقْر. ﴿فَأْخُذَكُ﴾ جوابُ النهي. ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ أي: قريبٌ من عَقْرِها (٤). قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَّابِ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ إنما عَقَرها بعضُهم، وأُضيف إلى الكلِّ؛ لأنه كان برضا الباقين. وقد تقدَّم الكلامُ في عَقْرها في ((الأعراف)). ويأتي أيضاً (٥). ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ﴾ أي: قال لهم صالح: تمتَّعوا، أي: بنعم الله عزَّ وجلَّ قبلَ العذاب. ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ أي: في بلدكم، ولو أراد المنزِلَ لقال: في دُورِكم. وقيل: أي: يتمثَّع كلُّ واحدٍ منكم في داره ومسكنه، كقوله: ﴿يُخْرِيُكُمْ ◌ِفْلًا﴾(٦) [غافر: ٦٧]؛ أي: كلَّ واحدٍ طفلاً. وعبَّر عن التمتع بالحياة؛ لأن الميِّتَ لا يتلذَّذ ولا (١) في (ظ): فيه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٠/٢ . (٣) الكتاب ٢٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٠/٢، والأقوال السالفة منه. (٥) ينظر ٩/ ٢٧٠. وسيرد في تفسير الآية ٢٩ من سورة القمر، والآية ١٤ من سورة الشمس. (٦) في (ظ): ﴿نُخْرِئُكُمْ ◌ِقْلَا﴾ [الحج: ٥]. ١٥٥ سورة هود: الآيات ٦٢ - ٦٨ يتمتّع بشيء، فعُقِرت يومَ الأربعاء، فأقاموا يومَ الخميس والجمعة والسَّبت، وأتاهم العذابُ يومَ الأحد، وإنَّما أقاموا ثلاثةَ أيام؛ لأنَّ الفَصِيل رغا ثلاثاً، على ما تقدَّم في (الأعراف))(١)، فاصفرَّت ألوانُهم في اليوم الأوَّل، ثم احمرَّت في الثاني، ثم اسودَّت في الثالث، وهَلَكوا في الرابع، وقد تقدَّم في ((الأعراف))(٢). الثانية: استدلَّ علماؤنا بإرجاء الله العذابَ عن قومٍ صالحِ ثلاثةَ أيامٍ على أن المسافرَ إذا لم يُجمِعْ على إقامة أربع ليالٍ قَصَرَ؛ لأنَّ الثلاثةَ الأيامِ خارجةٌ عن حكم الإقامة. وقد تقدَّم في ((النساء))(٣) ما للعلماء في هذا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدُ غيرُ مَگذُوپٍ﴾ أي: غیر گذِبٍ. وقيل: غیر مكذوب فيه. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَلَّ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابُنا. ﴿بَّنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمُ بِرحمةٍ مِنَا﴾ تقدَّم(٤) . ﴿وَمِنْ خِزِي يومپذً﴾ أي: ونجيناهم من خِزْي يومئذٍ، أي: من فضيحته وذِلَّته. وقيل: الواو زائدةٌ؛ أي: نجَّيناهم من خِزْي يومئذ، ولا يجوزُ زيادتُها عند سيبويه(٥) وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتُها مع ((لمَّا) و(حتَّى)) لا غير (٦). وقرأ نافع والكسائيُّ: ((يومئذٍ) بالنصب، والباقون بالكَسْر على إضافة ((يوم)) إلى ((إذ))(٧). وقال أبو حاتم: حدَّثنا أبو زيد، عن أبي عَمرو أنه قرأ: ((وَمِنْ خِزْي يَوْمِیذِ))؛ أدغَمَ الياء في الياء، وأضاف، وكَسَر الميم في (يومئذ)). قال النحاس(٨): الذي يرويه (١) ٩/ ٢٧١ . (٢) لم يذكر المصنف هذا في ((الأعراف))، وينظر المحرر الوجيز ٤٢٢/٢. (٣) ٨٣/٧ . (٤) تقدم معناه في قصة هود ص١٤٦ من هذا الجزء. (٥) الكتاب ١٠٣/٣ . (٦) ينظر الإنصاف للأنباري ٤٥٦/٢ وما بعدها. (٧) السبعة ص٣٣٦، والتيسير ص١٢٥ . (٨) إعراب القرآن ٢/ ٢٩١، وما قبله منه. ١٥٦ سورة هود: الآيات ٦٢ - ٦٨ النحويون مثلُ سيبويه ومن قارَبَه(١) عن أبي عَمرِو في مثل هذا الإخفاءُ(٢)، فأما الإدغامُ فلا يجوز؛ لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كَسْرُ الزاي(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْسَةُ﴾ أي: في اليوم الرابع؛ صِيْحَ بهم فماتوا، وذَكَّر؛ لأنَّ الصَّيحة والصِّياح واحدٌ. قيل: صيحةُ جبريل، وقيل: صيحةٌ من السَّماء فيها صوتُ كلِّ صاعقة، وصوتُ كلِّ شيء في الأرض، فتقطّعت قلوبُهم وماتوا (٤). وقال هنا: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ وقال في ((الأعراف)): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [٧٨]، وقد تقدَّم بيانُه هناك. وفي التفسير: إنهم لمَّا أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض: ما مُقامُكم أن يأتيَكُم الأمرُ بَغْتَةً؟! قالوا: فما نصنَعُ؟ فأخذوا سيوفَهم ورِماحَهُم وعُدَدَهم، وكانوا فيما يقال: اثني عشَرَ ألف قبيلة، في كلِّ قبيلةٍ اثنا عشَرَ ألف مقاتل، فوقفوا على الظُّرُق والفِجَاج - زعموا - يُلاقون العذاب، فأوحى الله تعالى إلى المَلَك الموگَّل بالشمس أن يُعذِّبَهم بحرِّها، فأدناها من رؤوسهم، فاشْتَوَتْ أيديهم، وتدلّت ألسنتُهم على صدورهم من العطش، ومات كلُّ ما كان معهم من البهائم، وجعل الماءُ يتفوّر من تلك العيون من غَلَيانه حتى يبلُغَ السماء، لا يسقطُ على شيءٍ إلا أهلَكَه من شدَّة حَرِّه، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى مَلَك الموت ألَّا يقبِضَ أرواحهم؛ تعذيباً لهم إلى أن غَرَبت الشَّمس، فصِيْحَ بهم، فأهلكوا. (١) في (ظ): قارنه. (٢) قال سيبويه في الكتاب ٤٣٨/٤: وإذا كان قبل الحرف المتحرك الذي بعده حرف مثلُه سواءٌ حرف ساكن لم يجز أن يسكن، ولكنك إن شئت أخفيت، وكان بزنته متحركاً . (٣) قال أبو عمرو الداني في جامع البيان ١/ ١٨٣ مقرراً مذهب أبي عمرو البصري في الإدغام: فأما المثلان إذا كانا من كلمتين فإنه أدغم الأول في الثاني منهما في جميع القرآن، وسواء سكن ما قبله أو تحرك ... إلا موضعاً واحداً وهو في لقمان: ﴿فَلاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ﴾ [٢٣] فإنه لم يدغم الكاف في الكاف فيه؛ لسكون النون قبلها، وكونها مخفاة عنده، فلو أدغمها لوالى بين إعلالين. (٤) تفسير البغوي ٢/ ٣٩١، والقول الثاني أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/ ٤٦٢ في سياق طويل، من حديث عمرو بن خارجة مرفوعاً. ١٥٧ سورة هود: الآيات ٦٢ - ٧١ ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَئِينَ﴾ أي: ساقطين على وجوههم قد لَصِقوا بالتراب، كالطَّير إذا جَثَمت. ﴿أَّ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ﴾ تقدَّم معناه(١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَتْ رُسُلْنَا إِنَزَهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمًّا قَالَ سَلَّمٌّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿ فَلَمَّا رَءَا أَبْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (١٥) وَأَمَْتُمُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَّمَتْ رُسُلْنَآَ إِنْزَهِيَمَ بِالْبُشْرَى﴾ هذه قصَّة لوط عليه السلام، وهو ابنُ عمِّ إبراهيم عليه السلام لَّجًا(٢)، وكانت قرى لوطٍ بنواحي الشَّام، وإبراهيمُ ببلاد فلسطين، فلمَّا أنزل الله الملائكةَ بعذابٍ قومٍ لوط مُرُّوا بإبراهيمَ ونزلوا عندَه، وكان كلُّ من نزَلَ عنده يُحسِنُ قِرَاهُ، وكانوا مُرُّوا ببشارة إبراهيم، فظنَّهم أضيافاً، وهم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ عليهم السلام، قاله ابنُ عباس. الضخَّاك: كانوا تسعةً. السُّدِّيّ: أحدَ عَشَر مَلَكاً على صورة الغِلْمان الحِسَان الوجوه، ذَوو وَضاءةٍ وجمالٍ بارع(٣). ﴿ بَلْبُشْرَى﴾ قيل: بالولد، وقيل: بإهلاك قوم لوطٍ، وقيل: بشّروه بأنَّهم رسلُ الله عزَّ وجلَّ، وأنه لا خوفَ علیه. ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ نُصِب بوقوع الفعل عليه، كما تقول: قالوا خيراً، وهذا اختيارُ الطبريٌّ(٤). وأما قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] فالثلاثةُ اسمٌ غيرُ قولٍ مقول(٥)، (١) في قصة هود ص ١٤٧ من هذا الجزء. (٢) أي: لاصق النسب. الصحاح: (لحح). (٣) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٣٩٢ . (٤) تفسير الطبري ١٢/ ٤٦٦ . (٥) في (د): غير منقول. ١٥٨ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ ولو رُفِعا جميعاً أو نُصِبا جميعاً ﴿قَالُواْ سَكَمَّا قَالَ سَلَمٌ﴾ جاز في العربية(١). وقيل: انتصَبَ على المصدر، وقيل: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: فاتَحوه بصوابٍ من القول، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أي: صواباً، فسلاماً معنى قولهم، لا لفظُه. قال معناه ابنُ العربيِّ واختارَه(٢)، قال: ألا ترى أنَّ الله تعالى لمَّا أراد ذِكْر اللفظ قالَه بعينه، فقال مخبراً عن الملائكة: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صٌَّ﴾ [الرعد: ٢٦] ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقيل: دَعَوا له، والمعنى: سَلِمتَ سَلاماً. ﴿قَالَ سَلَمٌ﴾ في رفعه وجهان: أحدهما: على إضمار مبتدأ؛ أي: هو سلامٌ، وأمري سلامٌ. والآخرُ بمعنى: سلامٌ عليكم، إذا جُعِلَ بمعنى التحيَّة، فأضمَرَ الخبر، وجاز ((سلامٌ)) على التنكير؛ لكثرة استعماله، فحذَفَ الألف واللام كما حُذِفت من لاهمَّ في قولك: اللهُمَّ. وقُرئ: ((سِلْمٌ))(٣) قال الفرَّاء(٤): السِّلم والسَّلام بمعنّى، مثل الحِلِّ والحلال. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ فيه أربعَ عَشْرة مسألة(٥): الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَِّثَ أَنْ جَمَ﴾ ((أن)) بمعنى حتَّى، قاله كُبراء النّحویین، حكاه ابنُ العربيّ(٦)، التقدير: فما لبِثَ حتَّى جاء. وقيل: ((أن)) في موضع نصبٍ بسقوط حرفِ الجرِّ، التقدير: فما لبِثَ عن أن جاء، أي: ما أبطأَ عن مجيئه بعجلٍ، فلمَّا حذف حرف الجرِّ بقي ((أن)) في محلٌ (١) معاني القرآن للفراء ٢١/٢. (٢) في أحكام القرآن ١٠٤٨/٣ . (٣) وقرأ بها من السبعة حمزة والكسائي. السبعة ص٣٣٧ - ٣٣٨، والتيسير ص١٢٥ . (٤) معاني القرآن ٢٠/٢ - ٢١. (٥) المسائل التي ذكرها المصنف تنتظم هذه الآية والتي بعدها. (٦) أحكام القرآن ٣/ ١٠٥٠، وعقب عليه بقوله: وأعجب لهم كيف استجازوا ذلك مع سعة معرفتهم. ثم ذكر أن التحقيق في موضع ((أن جاء)) النصب على حكم المفعول. ١٥٩ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ النَّصبِ، وفي ((لبث)) ضميرُ اسمٍ إبراهيم. و ((ما)) نافيةٌ، قاله سيبويه. وقال الفراء(١): فما لبث مجيتُه، أي: ما أبطَأَ مجيتُه، فـ((أن)) في موضع رفعٍ، ولا ضميرَ في ((لبِثَ))، و((ما)) نافيةٌ، ويصحُّ أن تكون ((ما)) بمعنى الذي، وفي (لبث)) ضميرُ إبراهيم، و((أن جاء)) خبرُ ((ما)) أي: فالذي لبِثَ إبراهيمُ هو مجيتُه بعجلٍ حَنِيدٍ. و﴿حَنِيذٍ﴾ مشويٍّ، وقيل: هو المشويُّ بِحَرِّ الحجارة من غير أن تَمَسَّه النارُ. يقال: حَنَذتُ الشاةَ أحنِذُها حَتْذاً، أي: شويتُها، وجعلتُ فوقَها(٢) حجارةً مُحْمَاة لتُنضجها، فهي حنيذٌ، وحَنَذتُ الفرس أحنِذُه حَنْذاً - وهو أن تُحضِره(٣) شوطاً أو شوطين ثم تُظاهِرَ عليه الجِلال في الشمس ليعرَقَ - فهو محنوذٌ وحَنِيذٌ، فإن لم يعرَقْ قيل: كَبًا. وحَنَذٌ: موضعٌ قريبٌ من المدينة(٤). وقيل: الحَنِيذُ: السَّمِيطُ(٥). ابنُ عباس وغيره: حنيذٌ: نَضِيج (٦). وحَنِيذٍ بمعنى محنوذٌ، وإنما جاء بعجلٍ؛ لأنَّ البقرَ كانت أكثرَ أمواله. الثانية: في هذه الآية من أدب الضَّيف أن يُعجِّل قِراه، فيقدِّمَ الموجودَ الميسَّرَ في الحال، ثم يُتَبِعَه بغيره إن كان له جِدَةٌ، ولا يتكلَّفَ ما يَضُرُّ به. والضِّيافةُ من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خُلُق النبيِّين والصَّالحين، وإبراهيمُ أوَّلُ من أضافَ على ما تقدَّم في ((البقرة)»(٧)، وليست بواجبةٍ عند عامَّة أهل العلم؛ لقوله ﴿: ((الضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، وجائِزتُه يومٌ وليلةٌ، فما (١) في معاني القرآن ٢١/٢ . (٢) في (ظ): وجعلتها فوق. (٣) قال في الصحاح (حضر): أحضر الفرسُ إحضاراً واحتضر، أي: عدا، واستحضرته: أعديته. (٤) الصحاح: (حنذ). (٥) السميط في قول الليث: إذا مُرط عنه صوفه، ثم شُوي بإهابه. وأصل السمط: أن ينزع صوف الشاة المذبوحة بالماء الحار لتشوى. اللسان: (سمط). (٦) أخرجه الطبري ٤٦٨/١٢ - ٤٦٩ . (٧) ٣٥٢/٢ . ١٦٠ سورة هود: الآيات ٦٩ - ٧١ كان وراءَ ذلك فهو صَدَقةٌ)) (١)، والجائزةُ: العطيةُ والصِّلةُ التي أصلُها على النَّدب، وقال#: ((من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرِمْ جارَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرِمْ ضيفَه))(٢)، وإكرامُ الجارِ ليس بواجبٍ إجماعاً، فالضيافةُ مثلُه(٣)، والله أعلم، وذهب الليثُ إلى وجوبها مُتمسِّكاً (٤) بقوله ﴾: ((ليلةُ الضَّيف حقٌّ))(٥) إلى غير ذلك من الأحاديث، وفيما أشرنا إليه كفايةٌ، والله الموفِّقُ للهداية. قال ابنُ العربيّ(٦): وقد قال قومٌ: إنَّ وجوب الضِّيافة كان في صَدْر الإسلام ثم نُسِخَ. وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ الوجوبَ لم يثبُتْ، والناسخَ لم يَرِد. وذَكّر حديثَ أبي سعيد الخدريِّ، خرَّجه الأئمةُ(٧)، وفيه: ((فاستضفناهم فأبوا أن يُضيِّفونا، فلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحيِّ)) الحديثَ. وقال: هذا ظاهرٌ في أن الضِّيافةَ لو كانت حقًّا لَلَامَ النبيُّ ﴾ القومَ الذين أَبَوا، ولَبيَّنَ لهم ذلك. الثالثة: اختلفَ العلماء فيمن يُخاطَبُ بها؛ فذهب الشافعيُّ ومحمد بنُ عبد الحَكّم إلى أنَّ المخاطَبَ بها أهلُ الحَضَر والبادية، وقال مالكٌ: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ. قال سُخنون: إنَّما الضِّيافة على أهل القُرى، وأما الحَضَر فالفُنْدق ينزِلُ فيه المسافر (٨)، واحتجُوا بحديث ابن عُمر قال: قال رسول اللـه﴾: ((الضّيافةُ (١) أخرجه أحمد (١٦٣٧١)، والبخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨): (١٤) [١٣٥٢/٢] بنحوه، من حديث أبي شريح الخزاعي. وأخرجه الترمذي (١٩٦٨) وفيه: ((وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة)). (٢) أخرجه أحمد (٧٦٢٦)، والبخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧): (٧٤) من حديث أبي هريرة. (٣) التمهيد ٤٧/٢١ . (٤) في (م): تمسكاً. (٥) أخرجه أحمد (١٧١٧٢)، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧) من حديث أبي كريمة المقدام بن معدي کرب. (٦) في أحكام القرآن ١٠٤٩/٣ - ١٠٥٠ . (٧) أخرجه أحمد (١١٣٩٩)، والبخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١): (٦٥). (٨) بعدها في (د) و(م): حكى اللغتين صاحب العين وغيره، وهي مقحمة لا وجه لها.