النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
سورة هود: الآيات ٢٧ - ٣١
الأول. وقال الأزهريُ(١): معناه: فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكونَ،((بَادِيَ
الرَّأَي)) من بدأ يبدَأُ، وحذف الهمزةَ.
وحَقَّقَ أبو عمرٍو الهمزةَ فقرأ: ((بَادِئ الرأي))(٢) أي: أوَّلَ الرأي، أي: اتّبعوك
حين ابتدؤوا ينظرون، ولو أمْعَنوا النَّظَرَ والفِكْرَ لم يتّبعوك. ولا يختلف المعنی هاهنا
بالهمز وتَركِ الهمز(٣). وانتصبَ على حذف ((في))، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَغْثَرَ مُوسَى
قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥](٤).
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي: في اتِّباعه، وهذا جَحْدٌ منهم لنبوَّتِهِ { #. ﴿بَلّ
تَقُكُمْ كَذِينَ﴾ الخطابُ لنوحِ ومَن آمنَ معه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَلِ رَحْمَةُ مِنْ عِنِهِ،
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِئُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَا كَرِهُونَ (١٨) وَيَقَوْمِ لَآَ أَشْثَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًاٌ إِنْ
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنْ أَرَّكُتْ قَوْمًا
تَّجْهَلُونَ ﴿﴿ وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ الَّهِ إِن ◌َهُهُمَّ أَفَلَ نَذَكَّرُونَ ﴿ وَلَآَ أَقُولُ
لَكُمْ عِندِى خَرَِّنُ اَللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ أَقُولُ إِّ مَلَكٌ وَلَآَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ
أَعْيُئُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيَّ أَنْفُسِهِمْ إِنَّ إِذَّا لَّمِنَ النَِّمِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَكِ مِن رَّبِ﴾ أي: على يقين؛ قاله أبو
عِمرانَ الجونيّ(٥). وقيل: على معجزةٍ، وقد تقدَّم في ((الأنعام)) هذا المعنى(٦).
(١) في تهذيب اللغة ٢٠٣/٤ .
(٢) السبعة ص٣٣٢، والتيسير ص١٢٤ .
(٣) وقال الفارسي في الحجة ٣١٧/٤ - ٣١٨: وابتداء الشيء يكون ظهوراً، وإن كان الظهور قدٍ يكون
ابتداءً وغيرَ ابتداءٍ، فلذلك تُستعمل كلُّ واحدة من الكلمتين في موضع الأخرى.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٠/٢.
(٥) أورده عنه الماوردي في النكت والعيون ٤٦٥/٢ بلفظ: على ثقة. بدل: على يقين. وكذا أخرجه عنه ابن
أبي حاتم ٢٠٢٣/٦ (١٠٨١٧).
(٦) ٣٩٨/٨.
١٠٢
سورة هود: الآيات ٢٨ - ٣١
﴿َوَءَانَنِى رَحْمَةُ مِّنْ عِنِدِهِ﴾ أي: نبوَّةً ورسالة؛ عن ابن عباس(١)؛ وهي رحمةٌ على
الخلق. وقيل: الهدايةُ إلى الله بالبراهين. وقيل: الإيمان(٢) والإسلام.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عَمِيتْ عليكم الرسالةُ والهدايةُ فلم تفهموها. يقال:
عَمِيتُ عن كذا، وعَمِيَ عليَّ كذا، أي: لم أَفهمْه. والمعنى: فَعمِيت الرحمةُ. فقيل:
هو مقلوبٌ؛ لأنَّ الرحمةَ لا تَعمَى إنَّما يُعمَى عنها، فهو كقولك: أدخلتُ القَلَنْسُوة في
رأسي(٣)، ودخَلَ الخفُّ في رجلي.
وقرأها الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿فَعُِّيَتْ﴾ بضمِّ العين وتشديد الميم على ما
لم يُسمَّ فاعِلُه (٤)، أي: فعمَّاها الله عليكم، وكذا في قراءة أبيٍّ: ((فعَمَّاها))؛ ذكرها
الماوَرْدِيّ(٥).
﴿أَنْزِئُكُمُوهَا﴾ قيل: شهادةُ أن لا إله إلا الله. وقيل: الهاءُ تَرجِعُ إلى الرحمة.
وقيل: إلى البيِّنة، أي: أنلزمُكم قَبولها، وأُوجبُها عليكم (٦)؟! وهو استفهامٌ بمعنى
الإنكار، أي: لا يُمكِنني أن أَضْطَرَّكم إلى المعرفة بها، وإنَّما قَصَدَ نوحٌ عليه السلام
بهذا القولِ أن يردَّ عليهم.
وحكى الكسائيُّ والفرَّاءُ(٧): ((أَنُلْزِمْكُمُوهَا)) بإسكان الميم الأولى تخفيفاً، وقد
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٦٦/٢ .
(٢) في (م): بالإيمان.
(٣) في (د) و(ف) و(م): أدخلت في القلنسوة رأسي، وفي (ظ): أدخلت القلنسوة رأسي، وسقط هذا
الموضع من (خ) و(ز)، والمثبت من الحجة للفارسي ٣٢٢/٤ والكلام منه، والمحرر الوجيز ١٦٤/٣،
والبحر ٢١٦/٥، والدر المصون ٣١٤/٦. وقال مكي في الكشف عن وجوه القراءات ٥٢٧/١: ويجوز
أن یکون معنی ((عَمِیت)): خَفِيَت، فلا یکون فيه قلب.
(٤) وهي قراءة عاصم من رواية حفص أيضاً. السبعة ص٣٣٢، والتيسير ص١٢٤ . وذكرها عن الأعمش
الفرَّاء في معاني القرآن ٢/ ١٢ .
(٥) في النكت والعيون ٤٦٦/٢، وذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ١٢/٢، وابن خالويه في القراءات
الشاذة ص٥٩ . وذكرها الطبري ١٢/ ٣٨٢ عن ابن مسعود ﴾.
(٦) ذكر هذا القول والذي قبله الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤٦٦ .
(٧) في معاني القرآن ١٢/٢، ونقله المصنف عنه وعن الكسائي بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٨٠.
١٠٣
سورة هود: الآيات ٢٨ - ٣١
أجاز مثلَ هذا سيبويهِ، وأنشد:
فاليومَ أَشربْ غيرَ مُستَحْقِبٍ إِثْماً مِنَ اللهِ وَلَا وَاغِلٍ(١)
وقال النحاس(٢): ويجوزُ على قول يونسَ [في غير القرآن]: أنلْزِمُكُمْها، يُجري
المضمَر مُجرَى المُظْهَر؛ كما تقول: أنلزمُكمْ ذلك.
﴿وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ﴾ أي: لا يصِحُ قَبولُكم لها معَ الكراهة عليها. قال قتادةُ: والله
لو استطاع نبيُّ الله نوح عليه السلام لألزمها قومَه، ولكنَّه لم يملكْ ذلك(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْثَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، والدعاءِ إلى الله،
والإيمانِ به، أجراً، أي: ﴿مَالٌ﴾ فيثقلَ عليكم. ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ثوابي في
تبليغِ الرسالة. ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ سألوه أنْ يطردَ الأراذلَ الذين آمنوا به،
كما سألت قريشٌ النبيَّ﴾ أنْ يطرُدَ المواليَ والفقراءَ، حَسْبَ ما تقدَّمَ في ((الأنعام)»
بيانُه (٤). فأجابَهم بقوله: ﴿وَمَآ أَنَّأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ يَحتَمِلُ أن
يكون قال هذا على وجهِ الإِعِظامِ لهم بلقاء الله عزَّ وجلَّ، ويَحتَمِلُ أن يكون قاله على
وجهِ الاختصام، أي: لو فعلتُ ذلك لخاصموني عند الله، فیجازيهم على إيمانهم،
ويجازي مَن طردهم . ﴿وَلَكِنِّي أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَّهَلُونَ﴾ في استرذالِكم لهم، وسؤالِكم
طردهم(٥).
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ مَنْ يَنصُرُفِي مِنَ اللَّهِ﴾ قال الفرَّاء(٦): أي: يمنعني من عذابه.
كَتُهُمَّ﴾ أي: لأَجْل إيمانهم. ﴿أَفَلَا تَذََّّرُونَ﴾ أُدغِمَت التاء في الذال. ويجوز
(١) الكتاب ٢٠٤/٤، والبيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٢٢ برواية: فاليوم أُسقى. وسلف ٢/ ١١٢ .
(٢) في إعراب القرآن ٢٨/٢، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) النكت والعيون ٤٦٦/٢، وقول قتادة أخرجه الطبري ٣٨٣/١٢ . وابن أبي حاتم ٢٠٢٣/٦ (١٠٨١٩).
(٤) ٨/ ٣٨٧ وما بعدها.
(٥) النكت والعيون ٢/ ٤٦٧ .
(٦) في معاني القرآن ١٣/٢.
١٠٤
سورة هود: الآيات ٢٨ - ٣١
حذفُها فتقول: ﴿نَذَكَّرُونَ﴾(١).
قوله تعالى: ﴿وَلََّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَِّنُ اَللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أَخبر بتذلُّله وتواضُعِه
لله عزَّ وجلَّ، وأنه لا يدَّعي ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامُه على مَن يشاء من
عباده. وأنه لا يعلم الغيب؛ لأنَّ الغيبَ لا يعلمُه إلا الله عزَّ وجلَّ.
﴿وَلََّ أَقُولُ إِِّ مَلَكٌ﴾ أي: لا أقول إنَّ منزلتي عند الناس منزلةُ الملائكة. وقد
قالت العلماءُ: الفائدةُ في الكلام: الدلالةُ على أنَّ الملائكةَ أفضلُ من الأنبياء؛
الدوامهم على الطاعة، واتصالِ عبادتهم إلى يوم القيامة، صلواتُ الله عليهم
أجمعين(٢). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة)) (٣).
﴿وَلَآَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيِّ أَعْيُئُكُمْ﴾ أي: تستَقِلُّ(٤) وتحتقرُ أعينُكم، والأصلُ:
تزدريهم، حُذِفت الهاءُ والميمُ لطول الاسم. والدَّالُ مبدلَةٌ من تاء؛ لأنَّ الأصلَ في
تزدري: تَزْتَرِي، ولكنَّ الثَّاءَ تُبْدَلُ بعدَ الزاي دالاً؛ لأنَّ الزَّايَ مَجْهورةٌ والتاءً
مهموسةٌ، فأُبدلَ من التاء حرفٌ مجهورٌ من مخرجها(٥). ويقال: أَزْرَيتُ عليه: إذا
عِبْتَه، وزرَيتُ عليه: إذا حقَّرتَه(٦). وأنشد الفرَّاء:
يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ .. حَلِيلَتُه ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ(٧)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٨٠ ، وقرأ «تَذَگّرون» بتخفیف الذال حیث وقع إذ كان بالتاء، حفص
وحمزة والكسائي، وشدَّدها الباقون. التيسير ص١٠٨ ، وينظر السبعة ص ٢٧٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٣) ١/ ٤٣٠ وما بعدها.
(٤) في (م): تستثقل.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٢ .
(٦) ينظر الكامل للمبرد ٥٠٦/٢، والنكت والعيون ٤٦٨/٢ .
(٧) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ص٩١، وعيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ٢٤٢، والبيان والتبيين
٢٣٤/١ برواية: ويُقصَى في النَّديِّ وتزدريه ... ، وفي العقد الفريد ٢٩/٣ برواية: يباعده القريب ... ،
وهو في النكت والعيون ٢/ ٤٦٨ موافق لرواية المصنف.
١٠٥
سورة هود: الآيات ٢٨ - ٣٥
﴿لَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ أي: ليس لاحتقاركم لهم تَبْطُلُ أجورُهم، أو يَنقُصُ ثوابُهم.
﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ فيجازيهم عليه ويؤاخذُهم به. ﴿إِنِّ إِذَا لَِّنَ الَِّمِينَ﴾ أي:
إن قلتُ هذا الذي تقدَّمَ ذكرُهُ(١). و((إِذاً)) ملغاةٌ؛ لأنها متوسطة (٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن
كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ (٣) قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اَللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ
وَلَا يَنَفَمَّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَّرَنَةٌ قُلْ إِنِ أَفْتَرَّتُهُ فَعَلَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىٌّ
◌ِّمَا تُجْرِمُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا﴾ أي: خاصمتَنا فأكثرتَ
خصومتَنا وبالغتَ فيها. والجَدَلُ في كلام العرب: المبالغةُ في الخصومة، مشتقٌّ من
الجَدْل، وهو شدَّةُ الفَتْل. ويقال للصقر أيضاً: أَجْدَلُ؛ لشدَّته في الطَّير(٣)، وقد مضى
هذا المعنى في ((الأنعام))(٤) بأشبعَ من هذا. وقرأ ابن عباس: ((فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا)). ذكره
النحاس(٥).
والجَدَلُ في الدِّين محمود؛ ولهذا جادلَ نوحٌ والأنبياءُ قومَهم حتى يَظهرَ الحقُّ،
فمَن قَبِله أَنْجَحَ وأفْلَحَ، ومَن ردَّه خابَ وخَسِر. وأمَّا الجِدالُ لغير الحقِّ حتى يَظهرَ
الباطلُ في صورةٍ الحقِّ فمذمومٌ، وصاحبُه في الدَّارين مَلُوم.
﴿فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: مِنَ العذاب ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في قولك.
(١) النكت والعيون ٤٦٨/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٢.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤٩/٣ وفيه: لأنه من أشدّ الطير، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٢، وعنه نقل
المصنف.
(٤) ٩ / ١٧ .
(٥) في إعراب القرآن ٢/ ٢٨١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٠، وابن جني في المحتسب
٣٢١/١ عن ابن عباس وأيوب السختياني.
١٠٦
سورة هود: الآيات ٣٢ - ٣٥
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيَكُمْ بِ اللَّهُ إِن شَآءٌ﴾ أي: إن أراد إهلاكَكُم عذَّبكم.
﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعِْينَ﴾ أي: بفائتين(١). وقيل: بغالبينَ بكَثْرَتكم؛ لأنهم أُعجبوا بذلك؛
كانوا مَلَؤوا الأرضَ سهلاً وجبلاً على ما يأتي(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَفَمُّكُوْ نُصْحِئٍ﴾ أي: إبلاغي واجتهادي في إيمانكم ﴿إِنْ أَرَّتُ
أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ أي: لأنكم لا تَقبلون نُصحاً، وقد تقدَّم في ((براءة)»(٣) معنى النُّضحِ لغةً.
﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: يُضِلَّكم. وهذا مما يدلُّ على بطلان مذهب
المعتزلة والقَدَريَّة ومَن وافقهما؛ إذ زعموا أنَّ اللهَ تعالى لا يريدُ أن يَعصيَ العاصي،
ولا يَكفرَ الكافرُ، ولا يَغْوَى الغاوي، وأنه يفعلُ ذلك واللهُ لا يريد ذلك؛ فردّ الله
عليهم بقوله: ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾. وقد مضى هذا المعنى في ((الفاتحة))
وغيرِها(٤). وقد أَكْذَبوا شيخَهم اللعينَ إبليسَ على ما بيِّنَّاه في ((الأعراف)»(٥) في إغواء
الله تعالى إيّاه حيثُ قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى﴾ [الأعراف: ١٦]، ولا محيصَ لهم عن قول
نوحٍ عليه السلام: ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، فأضاف إغواءَهم إلى الله سبحانه
وتعالى؛ إذ هو الهادي والمُضِلُّ، سبحانه عمَّا يقول الجاحدون والظالمون عُلُوًّا كبيراً.
وقيل: ((أَنْ يُغْوِيَكُمْ)): يُهلككم؛ لأنَّ الإضلالَ يُفضي إلى الهلاك. الطَّبريّ(٦):
(يُغْوِيَكُمْ)): يهلككم بعذابه؛ حُكي عن طيِّئ: أصبح فلانٌ غاوياً، أي: مريضاً،
وأغويته: أهلكته، ومنه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ فإليه الإغواءُ، وإليه الهدايةُ. ﴿وَإِلَّهِ تُرْجَعُونَ﴾ تهديدٌ ووعید.
قوله تعالى: ﴿أَمَّ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ﴾ يَعنونَ النبيَّ ﴾. افترى: افتعل، أي: اختلَقَ
(١) تفسير البغوي ٣٨١/٢ .
(٢) ص ١١٠ من هذا الجزء.
(٣) ٢٢٦/٨.
(٤) ٢٣٠/١ و٢٨٥، و٣١/٥، وغيرها.
(٥) ١٧١/٩ - ١٧٢ .
(٦) في تفسيره ٣٨٩/١٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٣٤٥/٣.
١٠٧
سورة هود: الآيات ٣٢ - ٣٧
القرآنَ من قِبَل نفسِه، وما أخبرَ به عن نوحِ وقومِه؛ قاله مقاتل(١).
وقال ابن عباس: هو من محاورةٍ نوحٍ لقومه(٢). وهو أظهرُ؛ لأنه ليس قَبْلَه ولا
بعده إلا ذِكْرُ نوحٍ وقومِه، فالخطابُ منهم ولهم.
﴿قُلّ إِنِ أَفْتَرَّتُهُ﴾ أي: اختلقتُه وافتعلتُه، يعني الوحيَ والرسالة. ﴿فَعَلَّى إِجْرَامِ﴾
أي: عقابُ إجرامي. وإنْ كنتُ مُحِقًّا فيما أقولُه فعليكم عقابُ تكذيبي. والإجرامُ
مصدرُ أَجْرَمَ؛ وهو اقترافُ السَّيئة. وقيل: المعنى: أي جزاءُ جُرْمي وكَسْبي. وجَرَم
وأَجْرَم بمعنّى، عن النحاس وغيرِه(٣). قال:
طَرِيدُ عَشيرةٍ وَرَهِينُ جُرْمٍ
بما جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَاني(٤)
ومَن قرأ: ((أَجْرَامي)) بفتحِ الهمزة؛ ذهبَ إلى أنه جمعُ جُرْم؛ وذكره النحاس
أيضاً (٥). ﴿وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَّا تُّجُرِمُونَ﴾ أي: من الكفر والتكذيب.
قوله تعالى: ﴿وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَ
نَّبْتَكِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٣) وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ
ظَلَمُوْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ ((أنه)) في
(١) ذكره البغوي ٣٨١/٢، وقال بهذا القول أيضاً الطبري ٣٨٩/١٢، والماوردي في النكت والعيون
٤٦٨/٢.
(٢) ذكره البغوي ٢/ ٣٨١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤٩/٣.
(٤) قائله الهَيْرُدَان السعديُّ كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٨٨/١ برواية: ورهين ذنب، وهو في النكت
والعيون ٤٦٨/٢ دون نسبة موافق لرواية المصنف. وذكره أبو الفرج في الأغاني ١٩١/٢ عن الشاعر
النَّمري برواية:
طريد عشيرة وطريد حرب
بما اجترمت يدي ...
(٥) في معاني القرآن ٣٤٦/٣، ومعاني القرآن للفراء ١٣/٢، وللزجاج ٤٩/٣، وذكر القراءة ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص ٦٠ عن الفراء.
١٠٨
سورة هود: الآيتان ٣٦ - ٣٧
موضع رفعٍ على أنه اسمُ ما لم يُسمَّ فاعلُه. ويجوزُ أنْ يكون في موضع نصب، ويكونُ
التقديرُ: بأنه (١). و((آمَنَ)) في موضعٍ نصبٍ بـ ((يؤمن)»(٢). ومعنى الكلامِ الإياسُ من
إيمانهم، واستدامةُ كفرهم، تحقيقاً لنزول الوعيد بهم. قال الضخّاك: فدعا عليهم لمَّا
أُخْبِرَ بهذا فقال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ الآيتين [نوح: ٢٦-٢٧](٣).
وقيل: إنَّ رجلاً من قوم نوحٍ حمَلَ ابنَه على كتفه، فلمَّا رأى الصبيُّ نوحاً قال
لأبيه: أعطني حجراً؛ فأعطاه حجراً، ورمى به نوحاً عليه السلامُ فأدماه؛ فأوحى الله
تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾(٤).
﴿فَلَ نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي فلا تغتَمَّ بهلاكِهم حتى تكونَ بائساً، أي:
حزيناً. والبؤسُ: الحزنُ، ومنه قولُ الشاعر:
فلم أَبتئسْ والرُّزءُ فيه جَلِيلٌ(٥)
وكم مِن خليلٍ أو حميمٍ رُزِئُه
يقال: ابتأسَ الرجلُ: إذا بلغَه شيءٌ يكرهُه. والابتئاسُ: حُزْن في استكانة.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْنَعَ الْفُلْكَ بِأَعْيُذِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي: اعمل السفينةَ لتركبها أنتَ ومَن
آمَنَ معك. ((بِأَعْيُنِنَا)) أي: بمرأى منَّا وحيثُ نراك (٦). وقال الرَّبيع بنُ أنس: بحفظِنا،
[والتأويل: بحفظنا] إياكَ حِفظَ مَن يَراك(٧). وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/٢.
(٢) كذا قال المصنف رحمه الله، والواقع أن قوله: ((آمن))، صلة الموصول، وقوله: ((مَنْ قد آمن)) في
موضع رفع بـ ((يؤمن)). ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/٢، ومشكل إعراب القرآن ٣٦١/١، وإملاء
العكبري ٢٧٣/٣ (بهامش الفتوحات الإلهية).
(٣) النكت والعيون ٤٦٩/٢، وأخرج خبر الضحاك الطبري ٣٩١/١٢.
(٤) ذكر الثعلبي في عرائس المجالس ص٥٦، والبغوي ٢/ ٣٨٢، وابن الجوزي ١٠١/٤ قصة بمعنى هذه
القصة، ولم نقف عليها بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف.
(٥) النكت والعيون ٤٦٩/٢، وذكره أبو حيان ٢٢٠/٥ برواية: نبتئس، بدل: أبتئس.
(٦) ينظر النكت والعيون ٤٦٩/٢، وتفسير البغوي ٣٨٢/٢. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٦/٢:
يريد: بمرأى منا وتحت إدراك، فتكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ.
(٧) الوسيط ٢/ ٥٧٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وذكر خبر الربيع أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير
١٠١/٤.
١٠٩
سورة هود: الآيات ٣٦ - ٤٠
بحراستنا، والمعنى واحد.
فعبَّر عن الرؤيةِ بالأعين؛ لأنَّ الرؤيةَ تكونُ بها (١). ويكون جمعُ الأعينِ للعظمة لا
للتكثير؛ كما قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] ﴿فَنِعْمَ اُلْمَهِدُونَ﴾
[الذاريات: ٤٨] ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. وقد رجع(٢) معنى الأعينِ في هذه الآيةِ
وغيرِها إلى معنى عين؛ كما قال: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ [طه: ٣٩]، وذلك كلُّه عبارةٌ عن
الإدراكِ والإحاطةِ، وهو سبحانه منزَّه عن الحواسِّ والتشبيه والتكييف، لا ربَّ غيرُه.
وقيل: المعنى: ((بِأَغْيُنِنَا))، أي: بأعينٍ ملائكتِنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك
ومعونتك، فیکونُ الجمعُ علی هذا التکثیر علی بابه.
وقيل: ((بِأَعْيُنِنَا)) أي: بعلمنا؛ قاله مقاتل(٣). وقال الضَّحَّاك وسفيان: ((بِأَعْيُنِنَا)):
بأمرنا. وقيل: بوَحْيِنا. وقيل: بمعونتِنا لك على صُنْعها. ((وَوَحْيِنَا)) أي: على ما أوحينا
إليك مِن صنعتها. ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِي الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ أي: لا تطلبْ إمهالَهم
فإِنِّي مُغْرِقُهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ اَلْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَزَّ عَلَيْهِ مَلَأَ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ
إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِهِ عَذَابٌ
يُخْزِيِ وَحِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ (َ حََّ إِذَا جَلَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُّورُ قُلْنَا أَخِلْ فِيهَا
مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآ ءَامَنَ مَعَدُر
إِلَّا قَلِلٌ
قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ اَلْقُلْكَ﴾ أي: وَطفِقَ يصنعُ. قال زيدُ بنُ أسلم: مكَّثَ
(١) النكت والعيون ٤٦٩/٢، وحقُّ هذا الكلام أن يذكر إثر أول قول ذكره المصنف، وهو قوله: بمرأى
منا، وكذا ذكره الماوردي.
(٢) في (د) و(ز) و(ف) و(م): وقد يرجع، والمثبت من (ظ). ووقع في المحرر الوجيز ١٦٩/٣ (والكلام
منه): فرجع.
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٢ .
١١٠
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
نوحٌ ﴿ مئةَ سنةٍ يَغْرِسُ الشَّجرَ ويَقطعُها ويُبِّسها، ومئةَ سنةً يعملُها(١).
وروى ابنُ القاسم عن ابنِ أشرسَ عن مالكِ قال: بلغني أنَّ قومَ نوحِ مَلَؤوا
الأرضَ، حتى مَلَؤوا السّهلَ والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا
هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء، فمكث نوحٌ يَغرس الشجرَ مئة عامٍ لعمل السَّفينة، ثم
جمعها يُيِّسُها مئةَ عام، وقومُه يسخَرون، وذلك لما رأوه يصنعُ من ذلك؛ حتى كان
من قضاء الله فيهم ما كان(٢).
ورُويَ عن عمرو بنِ الحارث قال: عملَ نوحٌ سفينته ببقاعِ دمشقَ، وقطّع خشبَها
من جبل لبنانَ(٣).
وقال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ: لمَّا استنقذ الله سبحانه وتعالى مَن في
الأصلاب والأرحام من المؤمنين أَوحَى الله إليه: أنه لن يؤمنَ مِن قومك إلّا مَنْ قد
آمنَ، فاصنع الفُلك. قال: يا ربِّ! ما أنا بنجَّار. قال: بلى، فإنَّ ذلك بعيني. فأخذ
القَدُوم فجعلَه بيده، وجعلتْ يدُه لا تُخطئ، فجعلوا يمرُّون به ويقولون: هذا الذي
يزعمُ أنه نبيٍّ صار نجَّاراً؛ فعَمِلَها في أربعين سنة (٤).
وحكى الثَّعلبيُّ وأبو نصر القُشَيريُّ عن ابن عباس قال: اتخذَ نوحٌ السفينةَ في
سنتين(٥). زاد الثَّعلبيُّ: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعةُ الفُلْك، فأوحى الله إليه أن
اصنعها كُؤْجُؤْ الطائر(٦). وقال كعب(٧): بناها في ثلاثين سنة، واللهُ أَعْلَمُ.
المَهْدَويُّ: وجاء في الخبر أنَّ الملائكةَ كانت تُعلِّمه كيف يصنعُها.
(١) النكت والعيون ٢/ ٤٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٢٦/٦ (١٠٨٤٦).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٥/٣ - ١٠٤٦.
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ١٧٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٦/٣. وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٢٧/٦ (١٠٨٤٧) عن كعب الأحبار.
(٥) ذكره البغوي ٢/ ٣٨٢ .
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٩٢، وابن أبي حاتم ٢٠٢٥/٦ (١٠٨٣٣). والجؤجؤ: الصدر. النهاية (جؤجؤ).
(٧) هو كعب الأحبار، وكلامه في تفسير البغوي ٣٨٣/٢.
١١١
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
واختلفوا في طولها وعرضها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان طولُها
ثلاثَ مئة ذراع، وعرضُها خمسون، وسمكُها ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب
السَّاجِ(١). وكذا قال الكَلْبِيُّ وقَتَادةُ وعِكْرمةُ: كان طولها ثلاثَ مئة ذراع. والذِّراعُ إلى
المَنْكِب؛ قاله سلمانُ الفارسيّ(٢).
وقال الحسنُ البصريُّ: إنَّ طولَ السَّفينةِ ألفُ ذراعِ ومئتا ذراع، وعرضَها ستُّ مئة
ذراع(٣).
وحكى (٤) الثّعلبيُّ في كتاب ((العرائس))(٥): روَى عليُّ بنُ زيدٍ، عن يوسفَ بن
مِهرانَ، عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعَثْتَ لنا رجلاً
شهدَ السفينةَ يحدِّثنا عنها. فانطلقَ بهم حتى انتهى إلى كَثِيبٍ من ترابٍ، فأخذَ كفَّا من
ذلك التراب، قال: أتدرونَ ما هذا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ! قال: هذا قبر سامِ بنِ
نوح (٦)، قال: فضربَ الكثيبَ بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائمٌ ينفضُ التراب
عن رأسه وقد شابَ(٧)، فقال له عيسى: أهكذا هلكْتَ؟ قال: لا، بل مِتُّ وأنا
شابٍّ، ولكنني ظننتُ أنها الساعةُ، فمن ثَمَّ شِبتُ. قال: أَخبرْنا عن سفينة نوح؟ قال:
كان طولُها ألفَ ذراع ومئتي ذراع، وعرضُها ستَّ مئة ذراع، وكانت ثلاثَ طبقات؛
طبقة فيها الدوابُ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. وذَكَر باقيَ الخبرِ
(١) تفسير البغوي ٣٨٢/٢، وأخرجه الطبري ٣٩٤/١٢ عن قتادة. والساج: شجر يعظم جدًّا، ويذهب
طولاً وعرضاً، يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه من المطر. اللسان (سوج).
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٠٠ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٩٥/١٢ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(ف) و(م): وحكاه، والمثبت من (د).
(٥) ص٦٠، وأخرجه الطبري في التفسير ٣٩٥/١٢، وفي التاريخ ١٨١/١.
(٦) في العرائس: هذا سام بن نوح، وفي تفسير الطبري: هذا كعب حام بن نوح، وفي التاريخ: هذا قبر
حام بن نوح.
(٧) في النسخ الخطية: وقد شاخ، والمثبت من (م) والمصادر.
١١٢
سورة هود: الآيات ٣٨ -٤٠
على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى(١).
وقال الكَلْبيُّ فيما حكاه النقاش: ودخل الماءُ فيها أربعةَ أذرُع، وكان لها ثلاثةٌ
أبواب؛ بابٌ فيه السِّبَاعِ والطير، وبابٌ فيه الوحش، وبابٌ فيه الرجال والنساء.
ابن عباس: جعلها ثلاثَ بطون؛ البطنُ الأسفلُ للوحوش والسباع والدواب،
والأوسطُ للطعام والشراب، ورَكِبَ هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسَدَ آدَمَ عليه
السلامُ معترِضاً بينَ الرجال والنساء(٢)، ثم دفنه بعدُ ببيت المقدس، وكان إبليسُ
معهم في الكَوْثَل(٣).
وقيل: جاءت الحيَّةُ والعقربُ لدخول السفينة، فقال نوح: لا أحملُكما؛ لأنكما
سببُ الضَّررِ والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألَّا نَضُرَّ أحداً ذَكَرك. فَمَن قرأ
حينَ يخاف مَضَرَّتهما: ﴿سَلَمُّ عَلَى نُوجِ فِ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] لم تضرَّاه(٤)؛ ذكره
القشيريُّ وغيرُه.
وذكر الحافظُ ابن عساكر في ((التاريخ)) له مرفوعاً من حديث أبي أمامةً قال: قال
رسول الله﴾: ((مَن قال حين يُمسي: صلَّى الله على نوح، وعلى نوحِ السلامُ، لم
تلدغه عقربٌ تلك الليلة))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا﴾ ظرفٌ ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأُ مِنِ قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ﴾ قال الأخفشُ
(١) ص١٢١ من هذا الجزء. قال أبو حيان في البحر ٢٢١/٥: اختلفوا في هيئتها من التربيع والطول، وفي
مقدار مدة عملها، وفي المكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها وعرضها، على أقوال متعارضة لم يصح
منها شيء. وقال الرازي ٢٢٤/١٧: اعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني؛ لأنها أمور لا حاجة إلى
معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلاً.
(٢) قوله: وحمل معه جسد آدم ... ، جزء من خبر أخرجه الطبري في التاريخ ١٨٥/١ عن طريق الكلبي،
عن أبي صالح عن ابن عباس، وما قبله ذكره عن ابن عباس البغوي ٣٨٣/٢.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٧١/٣. والكوثل: مؤخَّر السفينة. اللسان (كثل).
(٤) تفسير البغوي ٣٨٤/٢ .
(٥) تاريخ ابن عساكر ٢٥٦/٦٢، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢/ ٤٤٠، وفيه بشر بن نمير، قال
فيه الحافظ في التقريب: متروك متهم.
١١٣
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
والكِسائيُّ يقال: سَخِرْتُ به ومنه(١).
وفي سخريتهم منه قولان: أحدُهما: أنهم كانوا يرَونه يبني سفينةً في البَرّ،
فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا نوحُ، صرتَ بعد النبوّة نجاراً.
الثاني: لمَّا رَأَوْه يبني السفينةَ ولم يشاهدوا قبلَها سفينةً بُنيتْ قالوا: يا نوحُ ما
تصنعُ؟ قال: أبني بيتاً يمشي على الماء. فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ابن
عباس: ولم يكنْ في الأرضِ قبلَ الُوفان نهرٌ ولا بحر؛ فلذلك سخروا منه، ومياهُ
البحار هي بقيةُ الطوفان(٢).
﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ أي: من فِعْلِنا اليومَ عند بناء السفينة ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ غداً
عند الغرق. والمرادُ بالسخريةِ هنا: الاستجهالُ؛ ومعناه: إنْ تَسْتَجْهِلونا فإنَّا
نستجهلُكم كما تستجهلونا(٣).
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن بَأَنِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيدِ﴾ تهديدٌ، و((مَنْ)) مِثَصلةٌ بـ
(سوف تعلمون))، و((تعلمون)» هنا من باب التعدية إِلى مفعول، أي: فسوف تعلمون
الذي يأتيه العذابُ. ويجوز أن تكونَ (مَن)) استفهاميةً؛ أي: أيُّنا يأتيه العذابُ؟ وقيل:
(مَن) في موضعِ رفعٍ بالابتداء(٤)، و((يأتيهِ)) الخبر، و((يُخْزِيه)) صفةٌ لـ ((عذاب)).
وحكى الكسائيُّ: أنَّ أناساً من أهل الحجاز يقولون: سَوْ تعلمون، وقال: مَن
قال: ((ستعلمون)) أسقَطَ الواوَ والفاءَ جميعاً. وحكى الكوفيُّونَ: سَفَ تعلمون، ولا
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٨٢ .
(٢) كذا نقل المصنف عن الماوردي في النكت والعيون ٤٧١/٢، وهو مخالف لصريح النقل، وفي نسبته
لا بن عباس نظر.
(٣) النكت والعيون ٢/ ٤٧١، وذكره أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧١/٣ وقال: إلا أن التصريف
يضعفه.
(٤) كذا وقع في النسخ، والواقع أن ((مَنْ)) في موضع رفع بالابتداء، وذلك على أنها استفهامية، فلعل
الصواب حذف لفظة ((قيل)) في قوله: وقيل: ((من)) في موضع رفع ... وتكون العبارة: و((من)) في
موضع رفع ... ينظر تفسير الرازي ٢٢٤/١٧ - ٢٢٥، والبحر المحيط ٢٢٢/٥.
١١٤
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
يعرفُ البصريونَ إلا سوفَ تفعلُ، وستفعلُ، لغتان ليست إحداهما من الأخرى(١).
﴿وَلُ عَلَيْهِ﴾ أي: يجبُ عليه وينزلُ به. ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائمٌ، يريدُ عذابَ
الآخرة.
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَقْرُنَا وَفَارَ النَّنُورُ﴾ اختُلِفَ في التنُّور على أقوالٍ سبعة:
الأول: أنه وجهُ الأرضِ، والعربُ تسمِّي وجهَ الأرضِ تنُوراً؛ قاله ابنُ عباس
وعِكرمةُ والزُّهريُّ وابنُ عُيَيْنَ، وذلك أنه قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجه الأرض
فاركبْ أنت ومَن معك(٢).
الثاني: أنه تنُّورُ الخبز الذي يُخْبَزُ فيه، وكان تنُّوراً من حجارة، وكان لحوَّاءَ حتى
صار لنوح، فقيل له: إذا رأيتَ الماءَ يفور من التنُّور؛ فاركب أنت وأصحابُك. وأَنْبَعَ
اللهُ الماءَ من التّنُّور، فعلمتْ به امرأتُه، فقالت: يا نوحُ، فار الماءُ من التَنُّور، فقال:
جاء وعدُ ربي حقًّا. هذا قول الحسن، وقاله مجاهدٌ، وعطيةُ عن ابن عباس(٣).
الثالث: أنه موضعُ اجتماع الماءِ في السفينة؛ عن الحسن أيضاً (٤).
الرابع: أنه طلوعُ الفجر، ونورُ الصبح؛ من قولهم: نوَّرَ الفجرُ تنويراً؛ قاله عليّ
ابنُ أبي طالبٍ ﴾(٥).
الخامس: أنه مسجدُ الكوفة؛ قاله عليّ بن أبي طالب أيضاً (٦)، وقاله مجاهد.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/٢، وينظر الإنصاف في مسائل الخلاف ٦٤٦/٢ - ٦٤٧ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٤٧٢، وأخرجه عن ابن عباس وعكرمة الطبري ٤٠١/١٢ - ٤٠٢، وذكره عن
الزهري البغويُّ ٣٨٣/٢ .
(٣) أخرج هذه الأخبار الطبري ١٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وعطية هو العوفي.
(٤) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧١/٣.
(٥) أورده النحاس في معاني القرآن ٣٤٨/٣، والماوردي في النكت والعيون ٤٧٢/٢، وأخرجه الطبري
٤٠٢/١٢ - ٤٠٣.
(٦) أورده أبو الليث ١٢٦/٢، والماوردي في النكت والعيون ٤٧٢/٢، وأخرجه الطبري ٤٠٦/١٢ عن
الشعبي. وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٢٨/٦ (١٠٨٥٦) عن محمد بن علي.
١١٥
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
قال مجاهد: كان ناحيةُ التنُّور بالكوفة. وقال: اتخذَ نوحٌ السفينةَ في جوف مسجدٍ
الكوفةِ، وكان التنورُ على يمين الدَّاخل مما يلي كِندةَ. وكان فَوَرانُ الماء منه عَلَماً
لنوح، ودليلاً على هلاك قومه(١). قال الشاعرُ وهو أمية:
فار تثُّورُهم وجاشَ بماءٍ صار فوق الجبالِ حتى عَلَاها (٢)
السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضعُ المرتفعةُ منها؛ قاله قتادة(٣).
السابع: أنه العينُ التي بالجزيرة ((عين الوردة)) رواه عكرمة(٤). وقال مقاتل: كان
ذلك تنُّورَ آدمَ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: ((عینُ وَرْدَة»(٥). وقال ابن عباس
أيضاً: فارَ تُنُّورُ آدَمَ بالهند (٦).
قال النحاس(٧): وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أخبرنا أنَّ
الماء جاء من السماء والأرض؛ قال: ﴿فَقَتَحْنَاً أَبْوَبَ السَّمَآِ بٍِّ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَرْنَا اُلْأَرْضَ
عُيُونًا﴾ [القمر: ١١، ١٢]. فهذه الأقوالُ تجتمعُ في أنَّ ذلك كان علامةٌ.
والفَوَرانُ: الغَلَيَانُ(٨). والتنُّور اسمٌ أعجميٍّ عرَّبتْه العربُ، وهو على بناء فَعَّل؛
لأنّ أصْلَ بنائه: تَنَّرَ، وليس في كلام العرب نونٌ قبل راءٍ (٩).
(١) تفسير البغوي ٣٨٣/٢ - ٣٨٤، وعرائس المجالس ص٥٧ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٤٧٢، وأمية هو ابن أبي الصلت، والبيت في ديوانه ص ١٤٩ برواية: طمَّ، بدل :.
صار.
(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٠٤ .
(٤) النكت والعيون ٢/ ٤٧٢ وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٢٩/٦ (١٠٨٩٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
وعين الوردة: هو رأسُ عين، المدينةُ المشهورة بالجزيرة. وبقربها يقع جبل طورزيتا عند قنطرة الخابور.
ينظر معجم البلدان ٤٧/٤ و١٨٠.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٤. وعرائس المجالس ص٥٧ .
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٤، وأخرجه الطبري ٤٠٨/١٢ بلفظ: فار التنور بالهند.
(٧) في معاني القرآن ٣٤٨/٣ - ٣٤٩.
(٨) عرائس المجالس ص٥٧، وتفسير البغوي ٣٨٤/٢ .
(٩) ينظر تهذيب اللغة ٢٦٩/١٤ - ٢٧٠، ومقاييس اللغة ٢٨/٣ .
١١٦
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
وقيل: معنى: ((فَارَ التَّنُّورُ)): التمثيلُ لحضور العذاب، كقولهم: حَمِيَ الوطيسُ:
إذا اشتدَّت الحرب. والوطيسُ: التُّور. ويقال: فارت قِدرُ القوم: إذا اشتدَّ حربُهم(١)؛
قال شاعرهم:
تركتُم قِدْرَكم لا شيءَ فيها وقِذْرُ القوم حاميةٌ تَفُورُ (٢)
قوله تعالى: ﴿قلنا احْمِلْ فيها مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنٍ﴾ يعني ذكراً وأنثى؛ لبقاء
أصل النَّسْل بعد الطوفان. وقرأ حفصٌّ: ﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ﴾ بتنوينِ ((كلِّ)) أي:
من كلِّ شيءٍ زوجين(٣). والقراءتان ترجعان إلى معنى: واحدٌ (٤) معه آخَرُ لا يَستغنِي
عنه(٥). ويقال للاثنين: هما زوجان، في كلِّ اثنين لا يَستغني أحدُهما عن صاحبه؛
فإنَّ العربّ تسمِّي كلَّ واحدٍ منهما زوجاً(٦). يقال: له زوجا نعل، إذا كان له نعلان.
وكذلك: عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قُيود، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَُّ خَلَقَ الَّوْجَيْنِ
الذَّكَرَ وَآلْأُنثَ﴾ [النجم: ٤٥](٧). ويقال للمرأة: هي زوجُ الرجل، وللرجل: هو زوجُها.
وقد يقال للاثنين: هما زوجٌ(٨). وقد يكون الزوجانِ بمعنى الضَّرْبين، والصِّنفين،
وكلُّ ضَرْبٍ يُدْعَى زوجاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٧١/٣، ومجمع البيان ١٥٧/١٢ . وقوله: حميَ الوطيس، أولُ مَن قال هذه
الكلمة رسول الله ﴾ في غزوة حنين، قال: ((هذا حين حمي الوطيس) أخرجه مطولاً أحمد (١٧٧٥)،
ومسلم (١٧٧٥). قال أبو العباس في المفهم ٦١٧/٣: وهذه الاستعارة عجيبة لا يُعرف مَن تكلّم بها
قبل النبي ﴾ من العرب، ومنه تُلُقِّيَتْ فصُيِّرت مثلاً في الأمر إذا اشتد.
(٢) قائله جبل بن جوَّال الثعلبي كما في سيرة ابن هشام ٢٧٣/٢ .
(٣) السبعة ص٣٣٣، والتيسير ص١٢٤ . قال الزجاج في معاني القرآن ٥١/٣ : والمعنى واحدٌ في
الزوجين أَضَفْتَ أم لم تُضِفْ.
(٤) بعدها في (م): شيء.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٤٩/٣ .
(٦) تفسير البغوي ٣٨٤/٢ .
(٧) تفسير الطبري ٤٠٨/١٢ . وذكره بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين.
(٨) الحجة للفارسي ٣٢٥/٤، وذكره عن أبي الحسن الأخفش.
١١٧
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٠
أي: من كلِّ لونٍ وصنف(١). وقال الأعشى:
وكلُّ زوجٍ من الدّيباجِ يَلبَسهُ أبو قُدامةَ مَحْبُوٌّ بذاك مَعَا(٢)
أراد: کلَّ ضربٍ ولون.
و﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ﴾ في موضع نصبٍ بـ ((احمل))(٣). ﴿آثَنَّنِ﴾ تأكيد ﴿وَأَهْلَكَ﴾
أي: واحملْ أهَلَكُ ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ﴾ ((مَن)) في موضع نصبٍ بالاستثناء(٤). ﴿عَلَّهِ الْقَوْلُ﴾
منهم، أي: بالهلاك، وهو ابنُه كنعانُ وامرأتُه وَاعِلَهُ؛ كانا كافرَيْن(٥). ﴿وَمَنْ ءَامَنَّ﴾
قال الضحَّاك وابن جُريج: أي: احمل مَن آمن بي، أي: مَن صدَّقك، فـ((مَن)) في
موضع نصپٍ بـ ((احمل)).
﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: آمنَ مِن قومِه ثمانونَ
إنساناً (٦). منهم ثلاثةٌ من بنيه: سامٌ وحامٌ ويافث، وثلاثُ كنائنَ له(٧). ولمَّا خرجوا
من السفينة بنَوْا قريةً وهي اليوم تُدْعَى قريةَ الثمانين بناحيةِ الموصلِ(٨).
وورد في الخبر: أنه كان في السفينة ثمانيةُ أَنْفُس؛ نوحٌ وزوجتُه غيرُ التي
عوقبت، وبنوه الثلاثةُ وزوجاتُهم. وهو قولُ قتادةَ والحَكّم بنِ عُتَيْبةَ وابنٍ جريجٍ
(١) ينظر تفسير الطبري ٤٠٨/١٢، والمحرر الوجيز ١٧١/٣.
(٢) ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص١٥٧، وتفسير الطبري ٤٠٩/١٢ وهو فيهما برواية وفيهما: محبوًّا،
والبيت من قصيدة في مدح هوذة بن علي، وهو أبو قدامة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) تفسير البغوي ٣٨٤/٢، والمحرر الوجيز ١٧٢/٣ وفيه: والعة، بدل: واعلة. وقال ابن عطية: وقيل:
هو عموم في من لم يؤمن من قوم نوح وعشيرته.
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٤١٢ .
(٧) تفسير الطبري ٤١١/١٢، وعرائس المجالس ص٥٨، وتفسير البغوي ٣٨٤/٢ .
(٨) هي بليدة عند جبل الجودي قرب جزيرة ابن عمر التغلبي فوق الموصل. معجم البلدان ٢/ ٨٤، والخبر
أخرجه مطولاً ابن أبي حاتم ٢٠٣٢/٦ (١٠٨٨٢). عن ابن عباس رضي الله عنهما.
٠٫٠
١١٨
سورة هود: الآيات ٣٨ - ٤٤
ومحمد بنِ كعب (١). فأصاب حامٌ امرأتَه في السفينة، فدعا نوحُ اللهَ أنْ يُغيِّرَ نطفتَه
فجاء بالسُّودان(٢). قال عطاء: ودعا نوحٌ على حام ألَّا يَعْدُوَ شَعْرُ أولادِه آذانَهم،
وأنَّهم حيثُما كان ولدُه يكونون عبيداً لولد سام ويافث(٣).
وقال الأعمش: كانوا سبعةً: نوحٌ، وثلاثُ كنائنَ، وثلاثةُ بنينَ (٤)، وأَسقطَ امرأةً
نوح. وقال ابنُ إسحاق: كانوا عشرةً سوی نسائهم: نوحٌ وبنوه سام وحام ويافث،
وستةُ أناس ممن كان آمَن به، وأزواجُهم جميعاً(٥).
و ((قَلِيلٌ)) رفع بـ((آمَنَ))، ولا يجوزُ نصبُه على الاستثناء؛ لأنَّ الكلامَ قبلَه لم يتمَّ،
إلَّا أنَّ الفائدةَ في دخولِ ((إلَّا)) و((مَا))؛ أنك(٦) لو قلتَ: آمنَ معَه فلانٌ وفلانٌ جازَ أن
يكونَ غيرُهم قد آمن؛ فإذا جئت بما وإلَّا، أوجبتَ لما بعدَ إلَّ، ونفيتَ عن غيرِهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِهَا وَمُرْسَهَا إِنَّ رَبٍِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَهِىَ تَّرِى بِهِمْ فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ, وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَّ
أَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِينَ (٨) قَالَ سَنَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ
اٌلْمَلَّ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِرُّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
(٤٣)
المُغْرَقِینَ
وَقِيلَ يَتَأَرْضُ أَبْلَمِى مَآءَكِ وَبَسَمَّةٍ أَقْلِ وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ
٤٤
وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الَِّلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا﴾ أمرٌ بالركوب؛ ويحتمل أن يكونَ من الله تعالى،
(١) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٤ دون ذكر الحكم، وأخرجه عن قتادة وابن جريج الطبري ٤١٠/١٢ - ٤١١ .
وأخرج عن الحكم قوله: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ، إِلَّا قَلِلٌ﴾: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.
(٢) هذا تتمة خبر ابن جريج - المذكور في التعليق السابق - عند الطبري ١٢/ ٤١١ .
(٣) عرائس المجالس ص٦٢ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢ / ٤١١ .
(٥) تفسير البغوي ٣٨٤/٢ .
(٦) في النسخ: لأنك، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٢ .
١١٩
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
ويحتملُ أن يكون مِن نوحٍ لقومه. والركوبُ: العلوُّ على ظهر الشيء. ويقال: ركبه
الدَّيْن. وفي الكلام حذف، أي: اركبوا الماءَ في السفينة. وقيل: المعنى: اركبوها،
و((في )) للتأكيد؛ كقوله تعالى: ﴿إِن كُتُمْ لِلْرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣](١) وفائدة
(في)): أنَّهم أُمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها(٢).
قال عِكرمة: رَكِب نوحٌ عليه السلام في الفُلْك لعشرٍ خلَوْنَ من رجب، واستوت
على الجُوديِّ لعشرٍ خَلَون من المحرم، فذلك ستةُ أشهر. وقاله قَتَادةُ وزاد: وهو يومُ
عاشوراء، فقال لمن كان معه: مَن كان صائماً فليتمَّ صومَه، ومَن لم يكن صائماً
فليصُمْه(٣).
وذكر الطبريُّ في هذا حديثاً عن النبيِّ ﴾: أنَّ نوحاً ركب في السفينة أوَّلَ يومٍ من
رجب، وصام الشهرَ أجمعَ، وجرت بهم السفينةُ إلى يوم عاشوراء، ففيه أرسَتْ على
الجوديِّ، فصامه نوح ومَن معه(٤).
وذكر الطبريُّ عن ابن إسحاقَ ما يقتضي أنه أقام على الماء نحوَ السنة(٥). ومرَّت
بالبيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله عن الغرق فلم يَنَلْه غرقٌ، ثم مضتْ إلى اليمن،
ورجعت إلى الجوديِّ فاستوت علیه(٦).
قوله تعالى: ﴿يِسْمِ اللَّهِ بَجْرِئُهَا وَمُرْسَهَا﴾ قراءةُ أهل الحرمين وأهلِ البصرة بضم
(١) أي: إن كنتم تعبُرون الرؤيا، فاللام صلة. ينظر المدهش لابن الجوزي ص٣٣ ، وتاج العروس (عبر)،
والبحر ٣١٢/٥ .
(٢) ينظر تفسير الرازي ٢٢٨/١٧، والبحر ٢٢٤/٥، والدر المصون ٣٢٤/٦.
(٣) النكت والعيون ٢/ ٤٧٣ عن قتادة، وأخرجه عنه الطبري ١٢/ ٤٢٠، ولم نقف عليه عن عكرمة.
(٤) تفسير الطبري ٤١٩/١٢ - ٤٢٠ من طريق عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه قال: قال رسول الله ﴾،
وذكره. قال الحافظ في الإصابة ٣٢٦/٧ : وهذا مقلوب وفيه انقطاع، والصواب رواية عبد الغفور، عن
أبيه عبد العزيز، عن أبيه سعيد. هذا من حيث السند، وإلا فرجاله ما بين ضعيف ومجهول.
(٥) المحرر الوجيز ١٧٥/٣ .
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٢٠ عن ابن جريج.
١٢٠
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
الميم فيهما إلا مَن شذّ [منهم] على معنَى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فمجراها
ومُرساها في موضع رفعٍ بالابتداء، ويجوز أن تكونَ في موضع نصب، ويكونُ
التقدير: بسم الله وقتَ إجرائها، ثم حُذِفَ وقت، وأُقيمَ ((مُجراها)) مُقامه(١).
وقرأ الأعمش وحمزةُ والكسائي: ﴿بِسْمِ اَللَّهِ يَجْرِبِهَا﴾ بفتح الميم (٢). ﴿وَمُرْسَهَا﴾
بضم الميم.
وروى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن يحيى بن وثّاب: ((بسم الله مَجْرَاها
وَمَرْساها)) بفتح الميم فيهما، على المصدر من جَرت تَجري جرياً ومَجرّى، ورَست
رُسُوَّا ومَرْسَى: إذا ثبتَتْ(٣).
وقرأ مجاهدٌ ومسلم(٤) بنُ جُنْدُب وعاصم الجَحْدَريُّ وأبو رَجاء العُطَارِدِيُّ: ((بسم
الله مُجْرِيها ومُرْسِيها)) نعتٌ لله عزَّ وجلَّ في موضعٍ جرّ. ويجوز أن يكون في موضعٍ
رفعٍ على إضمارٍ مبتدأ، أي: هو مُجريها ومُرسيها. ويجوز النصب على الحال(٥).
وقال الضحَّاك: كان نوح عليه السلام إذا قال: بسم الله مَجراها، جرت. وإذا
قال: بسم الله مرساها، رست(٦).
وروی مروان بن سالم، عن طلحةً بنِ عبيد الله بن کرِیز، عن الحسين بن عليّ، عن
النبيِّ﴾ قال: أمَانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك: بسم الله الرحمن الرحيم:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٢. وما بين حاصرتين منه، وذكر النحاس أنه يجوز أيضاً أن يكون
التقدير: باسم الله موضعَ إجرائها، ثم حُذف موضع، وأقيم مجراها مقامه.
(٢) السبعة ص٣٣٣، والتيسير ص١٢٤ . والكلام من إعراب القرآن للنحاس ...
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٢ .
(٤) في النسخ: وسليمان، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وهو الصواب. وينظر معرفة القراء الكبار
١٨٤/١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٢ - ٢٨٤، وذكر القراءة عن مجاهد والجحدري ابنُ خالويه في
القراءات الشاذة ص ٦٠ .
(٦) أخرجه الطبري ٤١٦/١٢ .