النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة يونس: الآية ٨٨
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم؛ أي:
اللهم فلا يؤمنوا، أي: فلا آمنوا (١). ومنه قول الأعشى:
فلا يَنْبَسِطْ من بين عينَيْكَ ما انزوَى ولا تَلْقَني إلَّا وأنفُك راغِمُ
أي: لا انبسط(٢). ومَن قال: ((لِيَضِلُّوا)) دعاء - أي: ابتلهم بالضلال ـ قال: عُطف
عليه ((فلا يُؤْمِنُوا)).
وقيل: هو في موضع نصبٍ لأنه جواب الأمر، أي: واشدد على قلوبهم فلا
يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضاً، وأنشد الفراء:
إلى سليمانَ فنَسْتَريحا(٣)
يا ناقُ سيري عَنّقاً فسيحا
فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب.
﴿حَّ يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ابن عباس: هو الغرق (٤).
وقد استَشْكَّل بعضُ الناس هذه الآيةَ فقال: كيف دعا عليهم، وحُكْمُ الرسل
استدعاءُ إيمانٍ قومهم؟
فالجواب: أنه لا يجوز أن يدعوَ نبيَّ على قومه إلا بإذنٍ من الله، وإعلامٍ أنه ليس
فيهم مَن يؤمن، ولا يخرج من أصلابهم مَن يؤمن، دليلُه: قولُه لنوح عليه السلام:
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وعند ذلك قال: ﴿رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. والله أعلم.
(١) ينظر تفسير الطبري ٢٦٩/١٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٨١/١،
وزاد المسير ٥٧/٤، وقول الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٧٧، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٨١.
(٢) تفسير الطبري ٢٦٩/١٢، وزاد المسير ٥٧/٤، والبيت في ديوان الأعشى ص١٢٩، وسلف ١٢٩/٨.
(٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/٢، ومشكل إعراب القرآن
٣٥٣/١. والرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص٨٢، والكتاب ٣٥/٣. والعَنّق: ضَرْبٌ من
السير. والفسيح: الواسع المكين، وأراد: سليمان بن عبد الملك، والشاهد فيه نصب ما بعد الفاء على
جواب الأمر. تحصيل عين الذهب ص٣٩٤ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٦٧ .

٤٢
سورة يونس: الآية ٨٩
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَّعَآَنِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت ذَعْوَتُكُمَا﴾ قال أبو العالية: دعا موسى وأمَّن هارون؛
فسمي هارون - وقد أمَّن على الدعاء - داعياً. والتأمين على الدعاء أن يقول: آمين،
فقولك: آمين؛ دعاء، أي: يا رب استجب لي(١).
وقيل: دعا هارون مع موسى أيضاً (٢).
وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العربُ الواحدَ بخطاب الاثنين(٣)؛ قال
الشاعر:
بنَزْعِ أصوله فاجتزَّ شِيحا(٤)
فقلتُ لصاحبي لا تُعْجِلانا
وهذا على أنَّ آمين ليس بدعاء، وأنَّ هارون لم يَدْعُ.
قال النحاس(٥): سمعت عليَّ بن سليمان يقول: الدليل على أنَّ الدعاء لهما قولُ
موسى عليه السلام: ((ربَّنا))، ولم يقل: ربّ.
وقرأ عليٍّ والسُّلَميُّ: ((دعواتُكما)) بالجمع(٦). وقرأ ابن السَّمَيفَع: ((أَجبتُ
دعوتكما))(٧) خبراً عن الله تعالى، ونصب ((دعوة)) بعده.
(١) النكت والعيون ٤٤٨/٢، وأخرج قول أبي العالية الطبري ٢٧١/١٢ - ٢٧٢ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣١/٣.
(٣) تفسير الطبري ١٢/ ٢٧١، والصحاح (جزز).
(٤) نسبه الجوهري في الصحاح (جزز) ليزيد بن الطَّثرية، ونُسب لمُفَرِّس بن رِبْعيَّ الأسدي كما في شرح
شواهد الشافية ٤٨١/٤، واللسان (جزز). وذكر دون نسبة في تأويل مشكل القرآن ص٢٢٤، وتفسير
الطبري ٢٧١/١٢ . ووقع في المصادر عدا تفسير الطبري: لا تَحْپسانا، بدل: لا تُعجلانا. وذکر صاحب
اللسان روايةً أخرى وهي: لا تَحْبِسَنًا. وقال في شرح البيت: يقول: لا تَحبِسْنا عن شَيِّ اللحم بنزع
أصول الشجر، بل خذ ما تيسَّر من قضبانه وعيدانه. اهـ والشّيح: نبت معروف. القاموس (شيح).
(٥) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٧ .
(٦) القراءات الشاذة ص٥٨، والمحتسب ٣١٦/١.
(٧) ذكرها أبو حيان في البحر ١٨٧/٥ .

٤٣
سورة يونس: الآية ٨٩
وتقدَّم القول في ((آمين)) في آخِرِ الفاتحة(١) مستوفّى. وهو مما خُصَّ به نبيُّنا محمدٌ ﴾
وهارونُ وموسى عليهما السلام؛ روى أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ
الله قد أَغْطَى أمَّتي ثلاثاً لم تُعْطَ أحداً قبلَهم: السلامُ، وهي تحيةُ أهل الجنة،
وصفوفُ الملائكة، وآمين، إلا ما كان من موسى وهارون)» ذكره الترمذيُّ الحكيمُ في
(نوادر الأصول))، وقد تقدَّم في الفاتحة(٢).
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِيمَا﴾ قال الفرَّاءِ(٣) وغيره: أَمْرٌ بالاستقامة على أمرهما
والثبات عليه؛ من دعاء فرعون وقومِه إلى الإيمان؛ إلى أن يأتيَهما تأويلُ الإجابة.
قال محمد بن عليٍّ وابنُ جريج: مَكَثَ فرعون وقومُه بعد هذه الإجابة أربعين سنةً
ثم أُهلكوا (٤).
وقيل: ((استقيما)) أي: على الدعاء، والاستقامةُ في الدعاء تركُ الاستعجال في
حصول المقصود، ولا يَسقط الاستعجالُ من القلب إلا باستِقامة السكينةِ فيه، ولا
تكون تلك السكينةُ إلا بالرضا الحسنِ لجميع ما يبدو من الغيب(٥).
﴿وَلَا نَّعَنِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتشديد النون في موضعٍ جزمٍ على النهي،
والنونُ للتوكيد وحُركت لالتقاء الساكنّيْن، واختير لها الكسرُ لأنها أَشْبَهتْ نونَ الاثنين(٦).
وقرأ ابن ذَكْوَان بتخفيف النون على النفي (٧). وقيل: هو حالٌ من ((استقيما))،
(١) ١٩٥/١ .
(٢) ١/ ٢٠١ وذكرنا ثمة أن في إسناده زربي بن عبد الله الأزدي، وهو منكر الحديث. وهو في نوادر
الأصول ص١٨٥ .
(٣) في معاني القرآن ٤٧٨/١ .
(٤) أخرجه عن ابن جريج الطبري ٢٧٣/١٢، وعن محمد بن علي أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٠
(١٠٥٥٢).
(٥) لطائف الإشارات للقشيري ١١٣/٢، وفيه: بوجدان السكينة، بدل: باستقامة السكينة.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٦٧، وبنحوه في معاني القرآن للزجاج ٣١/٣.
(٧) السبعة ص٣٢٩، والتيسير ص١٢٣ ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر الشامي. وقال مكي في الكشف
عن وجوه القراءات ٥٢٢/١: فيكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي.

٤٤
سورة يونس: الآيتان ٨٩ - ٩٠
أي: استقيما غيرَ متَّبِعَين(١).
والمعنى: لا تسلكا طريقَ مَن لا يَعلم حقيقةَ وَعْدي ووَعِيدي.
قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا
حَتََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إَِهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَآمَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَغِيلَ وَأَنَّأْ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ﴾ تقدَّم القولُ فيه في ((البقرة)) في قوله:
﴿وَإِذْ فَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾(٢) [الآية: ٥٠]. وقرأ الحسن: ((وجوَّزنا))(٣)، وهما لغتان.
﴿فَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ يقال: تَبع وأَتْبع؛ بمعنى واحد: إذا لَحِقَه وأدركه. واَّبع؛
بالتشديد: إذا سار خلفه(٤).
وقال الأصمعي: يقال: أَتْبعه؛ بقطع الألف: إذا لَحِقَه وأدركه، واتَّبعه؛ بوصل
الألف: إذا اتّبع أثره، أدركه أو لم يُدركه. وكذلك قال أبو زيد.
وقرأ قتادة: ((فاتَّعهم)) بوصل الألف (٥).
وقيل: (اتَّبعه)) - بوصل الألف - في الأمر: اقتدى به. وأتبعه - بقطع الألف - خيراً
أو شرًّا؛ هذا قول أبي عمرو. وقد قيل: هما بمعنّى واحد (٦).
فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستُّ مئة ألف وعشرون ألفاً، وتَبِعه فرعون
مُصْبِحاً في ألفي ألف وستُّ مئة ألف. وقد تقدَّم(٧).
(١) الكشف عن وجوه القراءات ٥٢٢/١ .
(٢) ٨٩/٢ وما بعدها.
(٣) القراءات الشاذة ص٥٨ .
(٤) تفسير البغوي ٣٦٦/٢ .
(٥) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٠/٣، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٨ للحسن.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣١٣/٣ .
(٧) ٩٢/٢، وذكر المصنف رحمه الله ثمة أن عدَّة قوم فرعون ألف ألف ومئتا ألف.

٤٥
سورة يونس: الآية ٩٠
﴿بَغْيًا﴾ نصب على الحال. ﴿وَعَدْوًّا﴾ معطوف عليه؛ أي: في حال بَغْي واعتداء
وظلم، يقال: عَدَا يَعدو عَذْواً، مثلُ: غَزًا يَغزو غَزْواً. وقرأ الحسن: ((وعُدُوًّا)) بضم
العين والدال وتشديد الواو(١)، مثلُ: علا يعلو عُلُوًّا. وقال المفسرون: ((بغياً)) طلباً
للاستعلاء بغير حق في القول، ((وعَذْواً)) في الفعل(٢)، فهما نصبٌ على المفعول له.
﴿حََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي: ناله ووَصَله. ﴿قَالَ ءَامَنتُ﴾ أي: صدَّقت. ﴿أَنَّهُ﴾
أي: بأنه(٣)، فلمَّا حُذِف الخافض، تعدَّى الفعلُ فنصَبَ. وقُرِئ بالكسر(٤)، أي:
صِرتُ مؤمناً، ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوفٌ(٥)، أي: آمنت فقلت:
إنه، والإيمان لا ينفع حينئذ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأمّا بعدها وبعد
المخالطة، فلا تُقبل، حَسَبَ ما تقدَّم في ((النساء)» بيانُه(٦).
ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر، وكان على حصان أدهمَ، ولم يكن في
خيل فرعونَ فرسٌ أنثى، فجاء جبريلُ على فرس وَدِيق - أي: شَهيٍّ - في صورة هامان
وقال له: تقدَّم، ثم خاض البحر، فتبعها حصان فرعون، وميكائيلُ يسوقهم لا يشُذُّ
منهم أحد، فلما صار آخِرهم في البحر وهَمَّ أوّلهم أن يخرج، انطبق عليهم البحر،
وأَلجم فرعونَ الغرقُ، فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل؛ فدَسَّ جبريل في فمه
حال البحر(٧).
وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبيَّ # قال: ((لمَّا أغرق الله فرعون، قال:
آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد، فلو رأيتَني وأنا
(١) القراءات الشاذة ص٥٨ .
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ١١٠/٢، وتفسير البغوي ٣٦٦/٢.
(٣) بعدها في (د) و(م): لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل.
(٤) قرأ بها من السبعة حمزة والكسائي. السبعة ص ٣٣٠، والتيسير ص ١٢٣.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٧/٢.
(٦) ٦ / ١٥٢ - ١٥٤ .
(٧) أخرجه الطبري ١/ ٦٥٥ - ٦٦٠ بنحوه عن عبد الله بن شداد بن الهاد وابن عباس ، والحال: الطين
الأسود.

٤٦
سورة يونس: الآية ٩٠
آخذ مِن حال البحر فأدسُّه في فيه مَخافةً أن تُدرِكَه الرحمة)». قال أبو عيسى: هذا
حديث حسن(١). حالُ البحر: الطّين الأسود الذي يكون في أرضه؛ قاله أهل اللغة(٢).
وعن ابن عباس عن النبيِّ# أنه ذكر: ((أن جبريل جعل يدُسُّ في في فرعونَ الطّينَ
خشیةً أن یقول: لا إله إلا الله، فیرحمه الله، أو خشية أن يرحمه)). قال: هذا حديث
حسن غريب صحيح(٣).
وقال عَون بن عبد الله: بلغني أن جبريل قال للنبيِّ ﴾: ما وَلَدُ إبليسَ أبغَضَ إليَّ
من فرعون، وإنه لمَّا أدركه الغرق قال: ﴿ءَامَنتُ﴾ الآية، فخشِيت أن يقولها فيُرحم،
فأخذت تُربة - أو طِينة - فحشوتُها في فيه. وقيل: إنما فَعَل هذا به عقوبةً له على عظيم
ما كان يأتي (٤).
وقال كعب الأحبار: أمسك الله نِيل مصرَ عن الجَرْي في زمانه، فقالت له
القِبْط: إن كنت ربَّنا، فأجْرٍ لنا الماء؛ فركب وأمر بجنوده قائداً قائداً، وجعلوا يقفون
على درجاتهم، وقعد(٥) حیث لا يرونه، ونزل عن دابته، ولیس ثياباً له أخرى،
وسجد، وتضرَّع لله تعالى، فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة
مُسْتَقْتٍ وقال: ما يقول: الأمير في رجل له عبد، قد نشأ في نعمته لا سندَ (٦) له غيرُه،
(١) سنن الترمذي (٣١٠٧)، وهو عند أحمد (٢٨٢٠). وفيه: علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف،
ويوسف بن مهران، وهو لين الحديث، لم يرو عنه إلا ابن جُدعان. تقريب التهذيب ص٣٤٠ و٥٤١ .
(٢) ينظر تهذيب اللغة ٢٤٥/٥، والصحاح (حول).
(٣) سنن الترمذي (٣١٠٨)، وهو عند أحمد (٢١٤٤)، والنسائي في تفسيره (٢٥٨) والحاكم ٣٤٠/٢،
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس،
ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرج الموقوف أحمد (٢١٤٤)، والنسائي في التفسير (٢٥٨) قال الرازي
في تفسيره ١٥٦/١٧: هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه،
الجواب: الأقرب أنه لا يصح. اهـ وانظر تتمة كلامه، وينظر كلام الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف
ص٨٥ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٣١٤/٣ .
(٥) في (م): وقفز.
(٦) في (ز) و(ف): لا سيد.

٤٧
سورة يونس: الآيات ٩٠ - ٩٢
فكفر نِعَمَه، وجَحَدَ حقّه، واذَّعى السيادةَ دونه؛ فكتب فرعون: يقول أبو العباس
الوليدُ بنُ مصعب بنِ الرَّان: جزاؤه أن يُغَرَّق في البحر، فأخذه جبريل ومرَّ، فلمَّا
أدركه الغرق، ناوله جبريل عليه السلام خطّه(١). وقد مضى هذا في ((البقرة)) عن
عبد الله بن عمرو بن العاص وابنِ عباس مُسنَداً؛ وكان هذا في يوم عاشوراء على ما
تقدَّم بيانُه في ((البقرة)) أيضاً، فلا معنى للإعادة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من الموحِّدين المستسلمين بالانقياد
والطاعة.
قوله تعالى: ﴿وَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل(٣). وقيل: ميكائيل،
صلوات الله عليهما، أو غيرِهما من الملائكة(٤) صلوات الله عليهم. وقيل: هو من
قول فرعونَ في نفسه، ولم یکن ثَمَّ قولٌ باللسان بل وقع ذلك في قلبه، فقال في نفسه ما
قال، حيث لم تنفعه الندامة؛ ونظيره: ﴿إِنَّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، أثنى عليهم
الربُّ بما في ضميرهم، لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقيُّ كلامُ القلب.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ
٩٢
قوله تعالى: ﴿فَلْيَّوْمَ نُنَجِيِكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: نُلْقيك على نَجْوة من الأرض(٥). وذلك
أن بني إسرائيل لم يصدِّقوا أن فرعون غَرِق، وقالوا: هو أعظم شأناً مِن ذلك،
(١) الخبر من الإسرائيليات، وأورد هذه القصة الزمخشري في الكشاف ٢٥١/٢ مختصرة، ولم ينسبها.
(٢) ٢/ ٩٣ - ٩٤، وقد تقدم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقط، ولم نقف على حديث عبد الله
ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٣) تفسير الرازي ١٧ / ١٥٦ .
(٤) بعدها في (ف) و(م): له.
(٥) النكت والعيون ٤٤٩/٢ .

٤٨
سورة يونس: الآية ٩٢
فألقاه الله على نَجْوة من الأرض، أي: مكانٍ مرتفع من الأرض (١) حتى شاهدوه.
قال أوس بنُ حَجَر يصف مطراً:
فمَنْ بِعَقْوَته كمن بِنَجْوَتِهِ وَالْمُسْتَكِنُّ كمِنْ يَمْشِي بِقِرْواحِ (٢)
وقرأ اليزيديُّ وابن السَّمَيْفَع: ((نُنَحِّيك)) بالحاء؛ من التنحية(٣)، وحكاها علقمة
عن ابن مسعود، أي: تكون على ناحية من البحر (٤). قال ابن جُريج: فرُميَ به على
ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل، وكان قصيراً أحمرَ كأنه ثور (٥).
وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ: ((بندائك)) من النداء(٦). قال أبو بكر
الأنباري: ولیس بمخالِف لهجاء مصحفنا، إذ سبيلُه أن یکتب بياء وكاف بعد الدال؛
لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من ((الظلمات))
و((السماوات))، فإذا وقع بها الحذف؛ استوى هجاء بدنك وندائك، على أنَّ هذه
القراءة مرغوبٌ عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامَّةُ المسلمين، والقراءة سُنّة يأخذها
آخِرٌ عن أوَّل، وفي معناها نقصٌ عن تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدِّرع ذِكرٌ، الذي
تتابعت الآثار بأن بني إسرائيلَ اختلفوا في غَرَق فرعون، وسألوا الله تعالى أن يُريَهم
إياه غريقاً، فألقاه(٧) على نَجوة من الأرض ببدنه، وهو درعُه التي كان(٨) يلبَسها في
الحروب. قال ابن عباس ومحمد بنُ كعبِ القُرَظي: وكانت درعه من لؤلؤ منظوم.
(١) في (د) و(ز) و(ف) وم): البحر، والمثبت من (ظ). وينظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ .
(٢) سلفن ١٢٤/٧، وجاء الشطر الأول: فمن بنجوته كمن بعقوته. وقوله: بعقوته، أي: الساحة وما حول
الدار والمحلة. وقِرْواح: البارز الذي ليس يستره من السماء شيء.
(٣) المحتسب ٣١٦/١.
(٤) النكت والعيون ٤٤٩/٢. وينظر القراءات الشاذة ص٥٨ .
(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ .
(٦) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر المحيط ١٨٩/٥.
(٧) في (د) و(ز) و(ف) و(م): فألقوه، والمثبت من (ظ).
(٨) لفظة: كان، ليست في (د) و(ز) و(م).

٤٩
سورة يونس: الآية ٩٢
وقيل: مِن الذهب وكان يُعرف بها(١). وقيل: من حديد؛ قاله أبو صخر(٢). والبَدَن:
الدِّرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشی:
لها قَوْنَسٌ فوق جَيْبِ البَدَنْ(٣)
وبيضاءَ كالنِّهْيٍ مَوْضُونةً
وأنشد أيضاً لعمرو بن معد يكرب:
جَدْلَاءَ سابغةٍ وبالأبدانِ(٤)
ومضى نساؤهمُ بكل مُفاضةٍ
وقال کعب بن مالك:
على الأبطال واليَلَب الحصِّينا(٥)
ترى الأبدان فيها مسبغَاتٍ
أراد بالأبدان الدُّروع، واليَلَب: الدُّروع اليمانية، كانت تُتَّخذ من الجلود؛ يُخرز
بعضها إلى بعض، وهو اسم جنس، الواحد: يَلَبة. قال عمرو بن كلثوم:
وأسيافٌ يُقَمنُ ويَنْحَنِينا(٦)
علينا البَيضُ واليَلَبُ اليماني
وقيل: ((ببدنك)): بجسد لا روح فيه؛ قاله مجاهد(٧).
قال الأخفش(٨): وأمَّا قولُ مَن قال: بدرعك، فليس بشيء. قال أبو بكر: لأنهم
(١) أورد هذا القول الرازي في تفسيره ١٥٧/١٧ ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) النكت والعيون ٤٤٩/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٤ (١٠٥٧١) وأبو صخر: هو حميد بن زياد
ابن أبي المُخَارق الخرَّاط، مدني، سكن مصر، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، مات
سنة (١٨٩هـ).
(٣) ديوان الأعشى الكبير ص ٧٥ ، والنّهي: الغدير، أو شبهه. والموضونة: الدِّرع المنسوجة حلقتين
حلقتين، أو بالجواهر. والقونس: أعلى بيضة الحديد. القاموس المحيط (نهى) و(وضن) و(قنس).
(٤) ديوان عمرو بن معد يكرب ص١٧٣ . وقوله: مفاضة: المفاضة من الدروع: الواسعة. وجدلاء:
الجدلاء من الدروع: المحكمة.
(٥) ديوان كعب ص٢١٧، ونسبه ابن هشام في السيرة ٢/ ٢٥٤ لضرار بن الخطاب بن مرداس.
(٦) معلقة عمرو بن كلثوم ص١٠٢ . قال شارحها ابن كيسان: البيض: بيض الحديد.
(٧) النكت والعيون ٤٤٩/٢، وأخرجه الطبري ١٢/ ٢٨١ .
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٥٧٤، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٦٨/٢ .

٥٠
سورة يونس: الآية ٩٢
لمَّا ضَرَعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعونَ غريقاً، أبرزه لهم، فرأوا جسداً لا روح
فيه، فلمَّا رأته بنو إسرائيل قالوا: نعم يا موسى، هذا فرعون وقد غرِق، فخرج الشكُّ
من قلوبهم، وابتلع البحر فرعونَ كما كان(١).
فعلى هذا ﴿تُنَِّّكَ بِبَدَنِكَ﴾ احتمل معنيين: أحدهما: نُلْقيك على نَجْوة من
الأرض.
والثاني : نُظهر جسدك الذي لا روح فيه.
والقراءة الشاذة ((بندائك)) يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة، لأن النداء يُفسّر
تفسیرین :
أحدهما: نُلْقيك بصياحك بكلمة التوبة، وقولِك - بعد أن أُغلق بابُها ومضى وقتُ
قبولها -: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على موضع
رفيع.
والآخَر: فاليوم نعزِلك عن غامض البحر بندائك لمَّا قلت: أنا ربكم الأعلى،
فكانت تَنْجيتُه بالبدن معاقبةً من ربِّ العالمين له على ما فرَّط من كُفره الذي منه نداؤه
بالذي (٢) افترى فيه وبَهت، وادَّعى القدرة والأمر الذي يَعلم أنه كاذب فيه، وعاجزٌ
عنه، وغیر مستحِق له.
قال أبو بكر الأنباري: فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد
علیھا.
قوله تعالى: ﴿لِتَّكُنَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ أي: لبني إسرائيلَ، ولمن بقيَ من قوم
فرعون ممن لم يُذْركه الغرق، ولم ينته إليه هذا الخبر. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا
لَغَفِلُونَ﴾ أي: معرضون عن تأمُّل آياتنا والتفكّر فيها.
وقُرِئ: ((لمن خَلَفك)) - بفتح اللام-؛ أي: لمن بقيَ بعدك يخلفُك في أرضك.
(١) ينظر ياقوتة الصراط لمحمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب ص٢٥٨ .
(٢) في (م): الذي.

٥١
سورة يونس: الآيات ٩٢ - ٩٥
وقرأ عليّ بن أبي طالب: ((لمن خلقَك)) بالقاف، أي: تكون آية لخالقك(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَّأْنَا بَنِىَ إِسْرَِّيلَ مُّبَوَّاَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ فَمَا أَخْتَلَفُواْ
خَّ ◌َآءَهُمُ الْعِلْمِّ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُوْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُّبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ أي: مَنزِلَ صدقٍ محمودٍ مختار،
يعني مصر. وقيل: الأُرْدُنّ وفلسطين. وقال الضحَّاك: هي مصر والشام(٢). ﴿وَرَزَقْتَهُم
مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ أي: من الثمار وغيرها. وقال ابن عباس: يعني: قُريظةً والنَّضير وأهلَ
عصر النبيِّ # من بني إسرائيل(٣)، فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد ﴾# وينتظرون خروجه،
ثم لمَّا خرج حسدوه؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: في أمر محمد ﴿ ﴿حَّى جَآءَهُم
المِّ﴾ أي: القرآنُ ومحمد﴾(٤). والعلم بمعنى المعلوم؛ لأنهم كانوا يعلمونه قبل
خروجه؛ قاله ابن جرير الطبري(٥). ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يحكم بينهم ويفصِل.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكَ لَقَدْ بَءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ (١)
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
٩٥
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ
قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبيِّل:﴿ والمراد غيرُه(٦)،
أي: لستَ في شكٍّ ولكنَّ غيرَك شكَّ. قال أبو عمر محمد بنُ عبد الواحد الزاهد (٧):
(١) ذكر هاتين القراءتين أبو حيان في البحر المحيط ١٨٩/٥ بلا نسبة.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٦٧، وقول الضحاك أخرجه الطبري ٢٨٤/١٢ .
(٣) أورده الواحدي في الوسيط ٥٥٩/٢، والرازي في تفسيره ١٥٩/١٧.
(٤) زاد المسير ٦٣/٤ .
(٥) في تفسيره ٢٨٤/١٢ - ٢٨٥ .
(٦) الوسيط ٥٥٩/٢، وتفسير البغوي ٣٦٨/٢ .
(٧) في ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن ص٢٥٨ - ٢٥٩.

٥٢
سورة يونس: الآيتان ٩٤ - ٩٥
سمعت الإمامين ثعلباً والمبرّد يقولان: معنى ﴿فَإِن كُنتَ فِ شٍَّ﴾ أي: قل: يا محمدُ
للكافر: فإن كنت في شكِّ مما أنزلنا إليك(١). ﴿فَسْتَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكَ﴾ أي: يا عابدَ الوثن، إن كنت في شك من القرآن، فاسأل مَن أسلم من اليهود،
يعني: عبدَ الله بن سَلَام وأمثالَه؛ لأن عبدة الأوثان كانوا يُقِرُّون لليهود أنهم أعلم
منهم مِن أجل أنهم أصحاب كتاب، فدعاهم الرسول # إلى أن يسألوا مَن يُقِرُّون
بأنهم أعلم منهم: هل يبعث الله برسول مِن بعد موسى؟.
وقال القُتبي: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذیب محمد ولا بتصديقه ټ#، بل
كان في شك(٢).
وقيل: المراد بالخطاب النبيُّ:﴿ لا غيرُه، والمعنى: لو كنت ممن(٣) يَلْحقك
الشكُّ فيما أخبرناك به، فسألت أهل الكتاب، لأَزالوا عنك الشك (٤).
وقيل: الشُّ ضيق الصدر، أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل
الذين يقرؤون الكتاب مِن قبلك يخبروك صَبْرَ الأنبياءِ مِن قبلك على أذی قومهم،
وكيف عاقبةُ أمرهم.
والشك في اللغة، أصله: الضِّيق؛ يقال: شكَّ الثوبَ، أي: ضَمَّه بخِلال(٥) حتى
يصير كالوعاء. وكذلك الشُّفرة تُمُّ (٦) علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر
(٧)
ويضمُّه(٧) حتی یضیق.
وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تُثْبِته، والدليل
(١) قوله: مما أنزلنا إليك، من (م).
(٢) ينظر تأويل مشكل القرآن له ص٥٨ ٢٠٩ .
(٣) لفظة: ممن، ليست في (م).
(٤) ينظر النكت والعيون ٢/ ٤٥٠ .
(٥) الخلال: العود الذي يُتُخلَّل به، وما يُخلُّ به الثوب أيضاً. الصحاح (خلل).
(٦) كذا في النسخ الخطية، والظاهر أنها: تُشك.
(٧) في (ز) و(ظ): ويغمه.

٥٣
سورة يونس: الآيات ٩٤ - ٩٨
عليه ما رُويَ عن النبيِّ # أنه قال لمَّا نزلت هذه الآية: ((والله لا أشك [ولا أسأل](١))).
ثم استأنف الكلام فقال ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن زَيْكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي:
الشاكِّين المرتابين. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾
والخطاب في هاتين الآيتين للنبيِّ # والمراد غيره(٢).
(١) وَلَوْ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
جَمَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تقدَّم القولُ فيه في
هذه السورة(٣). قال قتادة: أي: الذين حقَّ عليهم غضبُ اللهِ وسخطُه بمعصيتهم لا
يؤمنون(٤). ﴿وَلَوَّ جَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ أنَّث ((كلَّا)) على المعنى، أي: ولو جاءتهم
الآياتُ(٥). ﴿حَ يَرَوَأُ الْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ﴾ فحينئذٍ يؤمنون ولا ينفعهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَتَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُوا
كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِي الْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَمَنَتْ﴾ قال الأخفش والكسائي: أي: فهلًا. وفي
مصحف أبيٍّ وابن مسعود: ((فهلا))، وأصلُ ((لولا)) في الكلام التحضيضُ، أو الدلالة
على منع أمرٍ لوجود غيره.
ومفهومٌ من معنى الآية نفيُ إيمانِ أهل القُرى، ثم استثنى قومَ يونس، فهو بحسب
اللفظ استثناءٌ منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديرَه: ما آمن أهلُ قرية إلا
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٩٨/٢، والطبري ٢٨٨/١٢ عن قتادة، وهو مرسل وما بين حاصرتين منهما.
(٢) تفسير البغوي ٣٦٨/٢.
(٣) ٤٩٨/١٠ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٩٠ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٨/٢ .

٥٤
سورة يونس: الآية ٩٨
قوم يونس. والنصبُ في ((قوم)) هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في: باب ما لا يكون
إلّا منصوباً (١).
قال النحاس(٢): ((إلا قومَ يونس)) نصب؛ لأنه استثناءٌ ليس من الأوّل، أي: لكنَّ
قومَ يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفرّاء(٣). ويجوز: ((إلا قومُ يونس)) بالرفع،
ومن أحسنٍ ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج(٤) قال: يكون المعنى: غيرُ
قومٍ يونس، فلما جاء بـ ((إلا))؛ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب ((غير)) كما قال:
وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أخوه لَعَمْرُ أبِيك إلا الفَرْقدانِ(٥)
ورُوي في قصة قومٍ يونس عن جماعة من المفسرين: أنَّ قوم يونس كانوا بِنِيْنَوى
من أرض المَوْصل، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل اللهُ إليهم يونسَ عليه السلام
يدعُوهم إلى الإسلام وتَرْكِ ما هم عليه فأبَوْا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسعَ سنين،
فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أنَّ العذابَ مُصبِّحهم إلى ثلاثٍ ففعل، وقالوا:
هو رَجلٌ لا يكذب، فارقُبوه، فإنْ أقام معكم وبين أظهرِكم فلا عليكم، وإن ارتحل
عنكم فهو نزولُ العذاب لا شك، فلما كان الليلُ تزوَّد يونس وخرج عنهم، فأصبحوا
فلم يجدوه، فتابوا ودعوا اللهَ، ولَبِسوا المُسوحَ، وفرَّقوا بين الأُمَّهات والأولاد من
الناس والبهائم، وردُّوا المظالمَ في تلك الحالة (٦).
وقال ابن مسعود: وكان الرجلُ يأتي الحجرَ قد وُضِع عليه أساسُ بُنيانه، فيقتلعه
(١) الكتاب ٣٢٥/٢، وعنوان الباب فيه: هذا باب ما لا يكون إلا على معنى ولكنَّ. أهـ. وهذا الكلام وما
قبله من المحرر الوجيز ١٤٣/٣ - ١٤٤.
(٢) في إعراب القرآن ٢٦٨/٢ .
(٣) في معاني القرآن له ٤٧٩/١ .
(٤) في معاني القرآن له ٣٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٩/٢ ، وجواز
الرفع المذكور يعني في اللغة، لا في القراءة.
(٥) نسبه سيبويه في الكتاب ٣٣٤/٢، والمبرد في الكامل ١٤٤٤/٣ لعمرو بن معدي كرب، ونسبه
الآمدي في المؤتلف والمختلف ص١١٦ الحضرميّ بن عامر. وينظر الخزانة ٤٢١/٣ و ٤٢٦ .
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٩٣ عن قتادة بنحوه، وينظر المحرر الوجيز ١٤٤/٣، وزاد المسير ٦٥/٤.

٥٥
سورة يونس: الآية ٩٨
فيردُّهُ (١)، والعذابُ منهم فيما رُوي عن ابن عباس على ثُلثي ميل. ورُوي على مِيل(٢).
وعن ابن عباس أنهم غَشِيَتْهم ظُلَّةٌ وفيها حُمرة، فلم تزلْ تدنو حتى وجدوا حرَّها بين
أكتافهم (٣). وقال ابن جُبير: غَشِيَهم العذابُ كما يُغشي الثوب القبر، فلما صحّت
توبتُهم رفعَ اللهُ عنهم العذاب (٤).
وقال الطبريٌّ(٥): خُصَّ قومُ يونس من بين سائر الأُمَم بأن تِيْبَ عليهم بعد معاينة
العذاب. وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين.
وقال الزجاج (٦): إنهم لم يَقَع بهم العذاب، وإنما رأَوا العلامةَ التي تدلُّ على
العذاب، ولو رأوا عينَ العذاب لمَا نفعهم الإيمانُ.
قلت: قولُ الزجاج حَسَنٌّ، فإنَّ المعاينةَ التي لا تنفع التوبةُ معها هي التلبُّس
بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصةٍ فرعون؛ لأنه آمنَ
حين رأى العذابَ فلم ينفعه ذلك، وقومُ يونس تابوا قبل ذلك(٧). ويَعْضُد هذا قولُه
عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغَرغِرْ))(٨). والغرغرةُ:
الحَشْرَجَة، وذلك هو حالُ التلُّس بالموت، وأما قبلَ ذلك فلا. واللهُ أعلم.
وقد رُويَ معنى ما قلناه عن ابن مسعود، وأنَّ يونسَ لمَّا وَعدهم العذابَ إلى ثلاثة
أيام خرجَ عنهم، فأصبحوا فلم يجدوه، فتابوا وفرَّقوا بين الأُمَّهات والأولاد(٩).
(١) عرائس المجالس ص٤١٢ .
(٢) عرائس المجالس ص٤١١، والمحرر الوجيز ١٤٤/٣، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه
الطبري ٢٩٤/١٢.
(٣) ذكره بنحوه ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٦٥ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٩٥/١٢، وهو في المحرر الوجيز ١٤٤/٣.
(٥) في تفسيره ١٢/ ٢٩١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ١٤٤.
(٦) في معاني القرآن ٣٤/٣ .
(٧) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ١٤٤/٣.
(٨) سلف ٥/ ١٩٧ .
(٩) أخرجه الطبري ٢٩٦/١٢، وسلف نحوه قريباً.

٥٦
سورة يونس: الآيتان ٩٨ - ٩٩
وهذا يدلُّ على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسنداً مبيّناً في سورة
الصافات إن شاء اللهُ تعالى(١). ويكون معنى ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ أي: العذابَ
الذي وعدَهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنَّهم رأوه عِياناً ولا مُخايلةً، وعلى هذا لا
إشكالَ ولا تعارضَ ولا خُصوصَ، واللهُ أعلم.
وبالجملة؛ فكان أهل نِيْتَوى في سابق العلم من السُّعداء.
ورُويَ عن عليٍّ ﴾ أنه قال: إنَّ الحَذَرَ لا يردُّ القَدَرَ، وإنَّ الدعاء لَيرُّ القدرَ.
وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوَةِ
اُلُنَا﴾. قال عليّ﴾: وذلك يومَ عاشوراء(٢).
قوله تعالى: ﴿ وَمَّْتَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ قيل: إِلى أجلهم، قاله السُّدّيُّ وقيل: إلى أن
يَصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِ اٌلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: لاضطرّهم
إليه. ((كلُّهم)) تأكيد لـ ((من)). ((جميعاً)) عند سيبويه نصب على الحال(٤). وقال
الأخفش(٥): جاء بقوله: ((جميعاً)) بعد ((كل)) تأكيداً، كقوله: ﴿لَا تَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ
اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١].
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرُهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: كان النبيُّ ◌َ﴾
(١) في تفسير الآيات ١٣٩ - ١٤٨ .
(٢) النكت والعيون ٤٥٢/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٧ و ١٩٨٨، وأخرج القسم الأول
منه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٢١٢).
(٣) أخرجهما ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٩ - ١٩٩٠ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/٢ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٥٧٤ .

٥٧
سورة يونس: الآيات ٩٩ - ١٠١
حريصاً على إيمان جميع الناس، فأخبره اللهُ تعالى أنه لا يُؤمن إلا من سبقتْ له
السعادةُ في الذِّكر الأوّل، ولا يَضلُّ إلا من سبقتْ له الشَّقاوة في الذِّكر الأوّل(١).
وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب، وهو عن ابن عباس أيضاً(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرّْسَ عَلَى
الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَّفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ ((ما)) نفي، أي: ما ينبغي
أن تؤمنَ نفسٌ إلا بقضائه وقَدَره ومشيئته وإرادته (٣). ﴿وَيَجْعَلُ الرّضْسَ﴾ وقرأ الحسن
وأبو بكر والمُفضَّل: ((ونَجعلُ)) بالنون على التعظيم(٤).
والرِّجس: العذاب، بضم الراء وكسرها، لغتان(٥). ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَمْرَ
اللهِ عزَّ وجلَّ ونَهْيَه(٦).
قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ وَمَا تُغْنِىِ آلْآَيَتُ وَاَلْنُّذُرُ عَن
قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ أمرٌ للكفار بالاعتبار والنظرِ في
المصنوعات الدّالة على الصانع والقادر على الكمال(٧). وقد تقدَّم القول في هذا
(١) أخرجه الطبري ٢٩٨/١٢، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٣٩)، من طريق علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس رضي الله عنهما. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس
ولم يَرَهُ.
(٢) ذكره أبو الليث ٢/ ١١٢ دون نسبة.
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ١١٢ .
(٤) قراءة أبي بكر - يعني عن عاصم - من السبعة، ولم نقف على من نسبها للحسن أو المفضّل. وينظر
السبعة ص ٣٣٠ ، والتيسير ص١٢٣ .
(٥) في معاجم اللغة: الرِّجس، بكسر الراء فقط. والرّجز، بكسر الراء وضمِّها. والرجس والرجز معناهما
واحد. ينظر اللسان (رجس) و(رجز).
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٠ .
(٧) المحرر الوجيز ١٤٥/٣.

٥٨
سورة يونس: الآيات ١٠١ - ١٠٣
المعنى في غير موضع مستوفّى(١). ﴿وَمَا تُغْنٍ﴾ ((ما)) نفي، أي: ولن تغني. وقيل:
استفهامية، التقدير: أيُّ شيءٍ تُغني؟(٢) ﴿آلآَيَتُ﴾ أي: الدَّلالات. ﴿وَالنُّذُرُ﴾ أي:
الرُّسل، جمعُ نذير، وهو الرسول . ﴿عَنْ قَوْرٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: عمَّن سبق له في علم
الله أنه لا يُؤمن(٣).
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَنَظِرُوَا
إِنِ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
﴾
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ الأيامُ هنا بمعنى
الوقائع، يقال: فلان عالمٌ بأيام العرب، أي: بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع اللهِ
في قوم نوحٍ وعاد وثمود وغيرِهم. والعربُ تُسمِّي العذابَ أياماً والنِّعم أياماً، كقوله
تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِّ﴾ [إبراهيم: ٥]. وكلُّ ما مضَى لك من خيرٍ أو شرِّ فهو
أيام(٤). ﴿فَتَظِرُوا﴾ أي: تربَّصوا. وهذا تهديدٌ ووعيد. ﴿إِنَّ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾
أي: المُتربِّصین لموعد ربي.
قوله تعالى: ﴿ثُقَّ نُنَّتِى رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُتِجِ الْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: من سُنَّتنا إذا أنزلنا بقومٍ عذاباً
أخرجنا من بينهم الرُّسلَ والمؤمنين، و(ثُمَّ)) معناه: ثم اعلموا أنَّا نُنجي رُسلَنا (٥).
﴿ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ أي: واجباً علينا؛ لأنه أخبر، ولا خُلف في خبره. وقرأ
يعقوب: ((ثم نُنْجي)) مُخفَّفاً(٦). وقرأ الكسائيُّ وحفص ويعقوب: ((نُنْجي المؤمنين))
(١) ينظر ٣٩٩/٩.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٤٥/٣، والكشاف ٢٥٥/٢ .
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ١١٣/٢ .
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٣٧١، وقول قتادة أخرجه الطبري ٣٠٢/١٢ .
(٥) ينظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٦) النشر ٢٨٧/٢.

٥٩
سورة يونس: الآيات ١٠٤ - ١٠٦
مُخفَّفاً، وشدَّد الباقون(١)، وهما لغتان فصيحتان: أَنجى يُنْجِي إنجاء، ونَجَّى يُنَجِّي
تَنْجيةً، بمعنى واحد(٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِي شَكٍ مِّن دِينِ فَلَّ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ اَلَّذِى يَتَوَفَّكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴾
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يريد كُفَّارَ مكة. ﴿إِن كُمْ فِ شَكٍ مِّن دِينِ﴾
أي: في رَيب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. ﴿فَلَّ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَِّ﴾
من الأوثان التي لا تَعقِل. ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اَللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ﴾ أي: يُميتكم ويَقبض
أرواحكم . ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: المُصَدِّقين بآيات ربِّهم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَلَا
١٠٥
تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ ((أَنْ)) عطفٌ على ((أَنْ أكونَ))(٤) أي: قيل لي: كن
من المؤمنين، وأَقِمْ وجهَك. قال ابن عباس: عَمَلك(٥)، وقيل: نَفْسَك، أي: استقم
بإقبالك على ما أُمرِتَ به من الدِّين. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: قَویماً به مائلاً عن كل دِين(٦). قال
حمزة بن عبد المطلب ﴾:
حَمِدتُ الله حین ھدی فؤادي
من الإشراك للدِّينِ الحَنيفِ(٧)
(١) السبعة ص ٣٣٠، والتيسير ص١٢٣، وقراءة يعقوب - من العشرة - في النشر ٢٨٧/٢.
(٢) ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٥٢٣/١، وتفسير البغوي ٣٧١/٢.
(٣) ينظر تفسير الطبري ٣٠٣/١٢ - ٣٠٤.
(٤) تفسير الطبري ٣٠٤/١٢ .
(٥) تفسير البغوي ٣٧١/٢ .
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٤٦/٣ .
(٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٥٣/٢ .

٦٠
سورة يونس: الآيات ١٠٥ - ١٠٨
وقد مضَى في ((الأنعام)) اشتقاقُه(١)، والحمدُ لله.
﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي: لا تُشرك، والخِطاب له، والمرادُ
غيره، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي: لا تعبد. ﴿مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ﴾ إِنْ عَبدْتَه.
﴿وَلَا يَضٌُّ﴾ إِنْ عَصَيْتَه. ﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾ أي: عبدتَ غيرَ الله. ﴿فَإنَّكَ إِذَا مِنَ الَّلِينَ﴾
أي: الواضعين العبادةَ في غيرِ موضعها(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُهُ إِلَّ هُوَّ وَإِنْ يُرِدْكَ
بِخَيْرٍ فَلَ رَآدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَتْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾ أي: يُصِبْكَ بِهِ ﴿فَلَ كَاشِفَ﴾ أي: لا
دافعَ ﴿لَهُهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي: يُصِبْكَ برخَاءٍ ونِعمة ﴿فَلَ رَادَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ
بِهِ﴾ أي: بكل ما أراد من الخير والشرِّ. ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوب
عباده وخَطَاياهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه في الآخرة(٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا
يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
قوله تعالى: ﴿قُلٌ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَكُمُ الْحَقُّ﴾ أي: القرآنُ. وقيل: الرسولُ ﴾.
﴿ مِن رَّيَّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى﴾ أي: صدَّق محمداً وآمنَ بما جاء به(٤). ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِى
لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاص نفسه. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: تَرَكَ الرَّسولَ والقرآن، واتَّبع الأصنامَ
والأوثان(٥). ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهً﴾ أي: ويالُ ذلك على نفسه. ﴿وَمَآ أَنَأْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾
(١) سلف اشتقاق ((حنيفاً)) في سورة البقرة ٤١٤/٢ - ٤١٥، أما في ((الأنعام)) ٤٤٢/٨ فذكر المصنف
رحمه الله معناه فقط.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٧١ .
(٣) ينظر تفسير الطبري ٣٠٥/١٢ .
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ١١٤.
(٥) ينظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٠٦ .