النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة يونس: الآيات ٦٨ - ٧١
﴿إِنْ عِندَكُمْ مِن سُلْطَانٍ بَهذَا﴾ أي: ما عندكم من حُجَّة بهذا. ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا
ج
لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن إثباتِ الولد له، والولدُ يَقتضي المُجانسة والمُشابهة، والله تعالى لا
يُجانس شيئاً ولا يُشابِهُ شيئاً(١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٢) مَتَعُ فِى
اُلُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ أي: يَختلقون. ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يفوزون ولا يأمنون، وتمَّ الكلام. ﴿مَتَعُّ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: ذلك
متاعٌ، أو هو متاعٌ في الدنيا، قاله الكسائي(٢). وقال الأخفش: لهم متاعٌ في الدنيا(٣).
قال أبو إسحاق(٤): ويجوز النصبُ في غير القرآن على معنى: يتمثَّعون متاعاً. ﴿ثُمَّ
إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: رُجوعهم. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: الغليظ . ﴿پِمَا
كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بكفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَثّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى
وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجِْعُواْ أَمَّْكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ
VI
عَلَيْكُمْ غُمَّةُ ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ
قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوجِ﴾ أَمَرَه - عليه الصلاة والسلام - أن يذكِّرَهم
أقاصيصَ المتقدِّمين، ويُخوِّفَهم العذاب الأليم على كُفرهم. وحُذفت الواو من ((آتْلُ))؛
لأنه أمرٌ، أي: اقرأ عليهم خبرَ نوح. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ،﴾ ((إذ)) في موضع نصب(٥).
(١) في (ز) و(ظ) و(ف): ولا يشبهه شيء.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦١/٢ .
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣١/٣، ولم ينسبه لأحد.
(٤) هو الزجَّاج، وكلامه في معاني القرآن له ٢٧/٣ ، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب
القرآن ٢/ ٢٦١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٦١/٢.

٢١
سورة يونس: الآية ٧١
﴿يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَيْكُ﴾ أي: عَظُم وثقُل عليكم. ﴿مَّقَامِ﴾ المَقام؛ بفتح الميم:
الموضع الذي يقوم فيه. والمُقام - بالضم -: الإقامة. ولم يُقرأ به فيما عَلِمتُ(١)، أي:
إنْ طال عليكم لُبْني فيكم. ﴿ وَتَذْكِيرِى﴾ إِيَّكم، وتخويفي لكم. ﴿بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ وعَزَمْتُم
على قَتْلي وطَرْدي. ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدتُ. وهذا هو جوابُ الشرط،
ولم يزل عليه الصلاة والسلام متوكّلاً على الله في كل حال، ولكن بيَّن أنه متوكّل في
هذا على الخصوص؛ ليعرفَ قومُه أنَّ الله يَكفيه أمرَهم، أي: إنْ لم تنصروني فإني
أتوكّل على مَن يَنْصُرني (٢).
قوله تعالى: ﴿فَأَخِعُواْ أَفَكُمْ وَشُرَكَكُمْ﴾ قراءة العامَّة(٣): ((فَأَجْمِعُوا)) بقطع الألف،
(شُرَكاءكم)) بالنصب. وقرأ عاصمُ الجَحدريُّ: ((فاجْمَعُوا)) بوصل الألف وفتح الميم؛
مِن جَمع يجْمَع، ((شركاءَكم)) بالنصب. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب:
((فأجمعوا)» بقطع الألف ((شركاؤكم» بالرفع (٤).
فأمَّا القراءة الأولى، مِن: أجمع على الشيء: إذا عزم عليه. وقال الفرَّاء: أجمع
الشيءَ: أعدَّه(٥). وقال المُؤرِّج: أجمعتُ الأمرَ، أَفْصحُ مِن: أجمعتُ عليه. وأنشد:
يا ليتَ شعري والمُنَى لا تنفعُ هلِ أَغْدُوَنْ يوماً وأَمري مُجْمَعُ(٢)
قال النحاس(٧): وفي نصب الشُّرَكاء على هذه القراءة ثلاثةُ أوجه: قال الكسائي
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٣١/٣. وفي الصحاح (قوم): وقد يكون كل واحد منهما (المَقام والمُقام) بمعنى
الإقامة، ويكون بمعنى موضع القيام؛ لأنك إذا جعلته مِن: قام يقوم، فمفتوح، وإن جعلته من: أقام
يُقيم، فمضموم.
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٣٦/١٧ - ١٣٧.
(٣) في (ز) و(ظ) و(ف): الأئمة.
(٤) يعقوب من العشرة. وينظر النشر ٢٨٦/٢، والقراءات الشاذة ص٥٧، والمحتسب ٣١٤/١.
(٥) معاني القرآن للفراء ٤٧٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦١/٢-٢٦٢.
وما قبله منه.
(٦) زاد المسير ٤٧/٤ - ٤٨. والبيت في معاني القرآن للفراء ٤٧٣/١، ونوادر أبي زيد ص١٣٣،
وإصلاح المنطق ص٢٩٣ دون نسبة.
(٧) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٢ .

٢٣
سورة يونس: الآية ٧١
والفراء(١): هو بمعنى: وادعوا شُركاءَكم لِنُصرتكم. وهو منصوبٌ عندهما على
إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوفٌ على المعنى، كما قال:
متقلِّداً سَيفاً ورُمحاً (٢).
يا ليت زوجَكِ في الوَغَى
والرُّمح لا يُتُقلَّد، إلا أنه محمولٌ كالسيف.
وقال أبو إسحاق الزجاج(٣): المعنى: مع شُركائكم على تناصركم؛ كما يقال:
التقى الماءُ والخشبةَ.
والقراءة الثانية من الجمع، اعتباراً بقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ﴾
[طه: ٦٠]. قال أبو معاذ(٤): ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنى واحد (٥)،
((وشُركاءكم)) على هذه القراءة عطف على ((أَمْرَكم))، أو على معنى: فاجمعوا أمرَكم
واجمعوا شركاءَكم، وإن شئت بمعنى: مع. قال أبو جعفر النحاس(٦): وسمعت أبا
إسحاق يُجيز: قام زيد وعمراً.
والقراءة الثالثة: على أنْ يَعِطِفَ الشُّرَكاء على المُضمر المرفوع في ((أجمعوا))،
وحَسُن ذلك؛ لأنَّ الكلامَ قد طال. قال النحاس(٧) وغيره: وهذه القراءة تبعدُ؛ لأنه لو
كان مرفوعاً لوجب أن تُكتب بالواو، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله:
((وشُركاءكم))، وأيضاً فإنَّ شركاءهم الأصنام، والأصنامُ لا تصنع شيئاً، ولا فعل لها
حتی تُجْمِع.
(١) في معاني القرآن ١/ ٤٧٣ .
(٢) قائله عبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه ص٣٢، وفيه: قد غدا، بدل: في الوغى. وسلف البيت
٢٩١/١. وينظر الكامل لمحمد بن يزيد المبرد ٤٣٢/١ و٨٣٦/٢.
(٣) في معاني القرآن ٢٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٢/٢.
(٤) لعله أبو معاذ النحوي المروزي المقرئ اللغوي، له كتاب في القراءات. إنباه الرواة ١٧٩/٤ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٠٦/٣ دون نسبة.
(٦) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٢، وما قبله فيه بنحوه، وأبو إسحاق الآتي ذكره هو الزجَّاج.
(٧) في إعراب القرآن ٢٦٢/٢.

٢٤
سورة يونس: الآية ٧١
قال المهدويُّ: ويجوز أنْ يرتفعَ الشُّركاءُ بالابتداء، والخبرُ محذوف، أي:
وشركاؤكم لِيُجمعوا أمرَهم(١)، ونُسب ذلك إلى الشُّرَكاء - وهي لا تسمعُ ولا تُبصر
ولا تُميِّز - على جهةِ التوبيخ لمن عَبَدَها.
قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْكُمْ عَلَيْكُمْ غُنَّةُ﴾ اسم ((يكن)) وخبرها. وغُمَّةٌ وَغَمِّ
سواء، ومعناه التغطية، مِن قولهم: غُمَّ الهلال: إذا استتر، أي: لِيكن أمرُكم ظاهراً
مُنكشِفاً تتمكَّنون فيه مما شئتم(٢)؛ لا كمن يَخفَى أمرُه فلا يقدِر على ما يُريد. قال
طَرَفَة :
لعمرك ما أمري عليَّ بِغُمَّةٍ نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَدٍ(٣)
الزجَّاج: ﴿غُنَّةُ﴾: ذا غَمِّ، والغَمُّ والغُمَّة، كالكَرْبِ والكُرْبة. وقيل: إن الغُمَّة
ضِيق الأمر الذي يُوجب الغمّ(٤)، فلا يتبيَّن صاحبه لأمره مَصْدراً لينفرجَ عنه ما يغمُّه.
وفي ((الصحاح)): والغُمَّة: الكُرْبة. قال العجَّاج:
بل لو شَهِدتَ الناسَ إذ تُكُمُّوا بِغُمَّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا(٥)
يقال: أمْرٌ غُمَّة، أي: مُبْهَم مُلتبِس، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْكُمْ عَيْكُرْ غُنَّةُ﴾.
قال أبو عبيدة(٦): مجازُها ظُلمة وضِيق. والغُمَّة أيضاً: قَعْر النِّحْي وغيره(٧). قال
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٢/٣ دون نسبة.
(٢) ينظر معاني القرآن للنحاس ٣٠٦/٣. وتهذيب اللغة ١١٥/١٦.
(٣) ديوان طرفة بن العبد ص ٤٠ .
(٤) النكت والعيون ٤٤٣/٢ .
(٥) ديوان العجاج ص٣٧٤، وقوله: تُكُمُّوا، أي: أغميَ عليهم، وغُطُّوا. القاموس المحيط (كمم).
والرجز أورده المصنف كما في الصحاح (غمم)، والذي في الديوان:
بِقَدَرٍ حُمَّ لهم وحُمُّوا
بل لو شهدت الناسَ إذْ تُكُمُّوا
إذ زعمت ربيعة القِشْعَمُ
وغُمَّةٍ لو لم تُفرَّج غُمُّوا
(٦) في مجاز القرآن ٢٧٩/١.
(٧) الصحاح (غمم)، والنّحي: الزُّقُّ، أو ما كان للسَّمن خاصة. القاموس المحيط (نحي).

٢٥
سورة يونس: الآيتان ٧١ - ٧٢
غيره: وأصلُ هذا كلِّه مشتقٍّ من الغَمامة(١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَ وَلَا تُظِرُونٍ﴾ ألف ((إِقضُوا)) ألفُ وصل، مِن: قضَى
يَقضي. قال الأخفش والكسائي: هو مثل: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]
أي: أَنْهيناه إليه، وأبلغناه إيَّاه. ورُوي عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ﴾
قال: إِمضُوا إليَّ ولا تؤخِّرون(٢). قال النحاس(٣): هذا قولٌ صحيح في اللغة، ومنه:
قَضَى الميتُ، أي: مضى. وأَعلمهم بهذا أنهم لا يَصِلون إليه، وهذا من دلائل
النبوّات.
وحكى الفرَّاء عن بعض القُرَّاء: ((ثم أَفْضوا إليَّ)؛ بالفاء وقَطْع الألف (٤)، أي:
توجّهوا، يقال: أفضت الخلافة إلى فلان، وأفضى إليَّ الوجع.
وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن نبيِّه نوح عليه السلام أنه كان بنصرِ الله واثقاً، ومِن
كيدهم غيرَ خائف، علماً منه بأنهم وآلهتَهم لا ينفعون ولا يضرُّون(٥). وهو تعزيةٌ
لنبيه # وتقويةٌ لقلبه.
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ
أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ أي: فإنْ أَعرضتُم عما چِئتكم به؛
فليس ذلك لأني سألتُكم أجراً فيثقُلَ عليكم مكافأتي(٦). ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ في
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٨/٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٠ (١٠٤٨٧).
(٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٢، وما قبله منه.
(٤) معاني القرآن للفراء ٤٧٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٢،
ونسب هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٧ وابن جني في المحتسب ٣١٥/١ إلى السَّري
ابن ینْعُم.
(٥) تفسير البغوي ٣٦٢/٢ .
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٦٣/٢، والنكت والعيون ٤٤٣/٢.

٢٦
سورة يونس: الآيتان ٧٣ - ٧٤
تبليغ رسالته . ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْسُبْلِمِينَ﴾ أي: الموحّدين لله تعالى.
فَتَح أهلُ المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياءَ ((أجريَ)) حيث وقع، وأسكن
الباقون(١).
قوله تعالى: ﴿فَكَذَُّوهُ فَجَيَّتَهُ وَمَن ◌َعَهُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني نوحاً. ﴿فَنَجَيَّتَهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: من المؤمنین .﴿فِى
الْفُلْكِ﴾ أي: السفينة، وسيأتي ذكرها(٢). ﴿وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ﴾ أي: سكانَ الأرض
وخَلَفاً ممن غَرِقِ (٣). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَِبَةُ الُْذَرِينَ﴾ يعني آخر أمرِ الذين أَنذرهم
الرُّسلُ فلم يؤمنوا(٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ، رُسُّلَا إِلَى قَوْمِهِمْ لَجَاءُوهُم بِلْبَيْنَتِ فَمَا كَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
VE
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد نوح ﴿رُسُلَّا إِلَى قَوْهِمْ﴾ كهود
وصالح وإبراهيم ولوط وشُعيب وغيرهم(٥). ﴿َاءُوهُمْ يِلَِّنَتِ﴾ أي: بالمُعجزات.
﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ التقدير: بما كذَّب به قومُ نوح مِن قَبْل(٦).
وقيل: ((بِمَا كَذَّبُوا به مِنْ قَبْلُ)) أي: مِن يوم(٧) الذَّ، فإنه كان فيهم من كذَّب بقلبه،
وإن قال الجميع: بلى.
(١) التيسير ص ٦٥ - ٦٦، والنشر ١٦٧/٢ - ١٦٨.
(٢) في تفسير الآية (٣٨) من سورة هود.
(٣) ينظر النكت والعيون ٤٤٣/٢ .
(٤) تفسير البغوي ٣٦٢/٢ .
(٥) تفسير أبي الليث ١٠٦/٢، والوسيط للواحدي ٥٥٥/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٣٦٣ .
(٧) في (ف) و(م): من قبل يوم.

٢٧
سورة يونس: الآيات ٧٥ - ٧٧
قال النحاس(١): ومِن أحسن ما قيل في هذا: إنه لِقومٍ بأعيانهم، مثل:
﴿ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنْذِرّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾ أي: نَخْتِم ﴿عَى قُلُوبٍ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المُجاوزين الحدَّ في الكُفر
والتكذيب، فلا يؤمنوا. وهذا يردُّ على القَدَريَّة قولَهم كما تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ، بِثَايِنَا
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعدِ الرُّسل والأُمَم. ﴿مُوسَى وَهَرُونَ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ﴾ أي: أشرافِ قومه. ﴿إِثَايَئِنَا﴾ يريد الآيات التسع، وقد تقدَّم
ذكرها(٢). ﴿فَأُسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الحقّ. ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُِّينٌ
قَالَ
مُوسَّ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَّمَكُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾ يريد فرعونَ وقومَه. ﴿قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ
◌ُّبِينٌ﴾ حملوا المعجزاتِ على السحر. قال لهم موسى: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَا جَكُمّ
أَسِحْرُ هَذَا﴾ قيل: في الكلام حذفٌ، المعنى: أتقولون للحقّ: هذا سحرٌ؟ فـ ((أتقولون))
إنكارٌ، وقولُهم محذوف، أي: هذا سحرٌ، ثم استأنف إنكاراً آخر مِن قِبَله فقال:
أسحر هذا؟! فحذف قولهم الأوَّل اكتفاء بالثاني من قوله(٣) مُنكِراً على فرعونَ وملئِهِ.
وقال الأخفش(٤): هو مِن قولهم، ودخلت الألف حكايةً لقولهم؛ لأنهم قالوا:
(١) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٣.
(٢) ٢٥٤/٢، ٣٠٩/٩.
(٣) في (د) و(م): من قولهم. والكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٣٨/١٢ - ٢٣٩، وتفسير الرازي
١٤١/١٧ .
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٥٧٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٣/٢ .

٢٨
سورة يونس: الآيتان ٧٦ - ٧٨
أسحرٌ هذا. فقيل لهم: أتقولون للحقّ لما جاءكم: أَسحرٌ هذا(١). ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ﴾
أي: لا يُفلح من أتى به.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَلْءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبِيَآءُ فِ
اَلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَفَِّنَا﴾ أي: لتصرفَنا وتَلْوِيَنا، يقال: لَفَتَه يَلِفِتُه لَفْتاً: إذا
لواه وصرفه(٢). قال الشاعر:
تَلفَّتُ نحوَ الحِيِّ حتى رأيتُني
وَجِعْتُ من الإصغاء لِيتاً وأخدعًا(٣).
ومن هذا: التفتَ، إنما هو عدلَ عن الجهة التي بين يديه(٤). ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ
ءَبَ نَا﴾ يريد من عبادة الأصنام. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبِيَّةُ﴾ أي: العظمةُ والمُلْك
والسلطان . ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يُريد أرضَ مصر(٥) . ويقال للمُلْك: الكِبرياء، لأنه أعظمُ ما
يُطلَب في الدنيا(٦). ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقرأ ابن مسعود والحسن وغيرُهما: ((ويكون)) بالياءِ(٧) ؛ لأنه تأنيثٌ غيرُ
حقيقي، وقد فُصِلَ بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضيَ اليومَ امرأتان(٨).
(١) وقع في النسخ بعدها عبارة: وروي عن الحسن. وهو وهم من المصنف رحمه الله، لأن هذه العبارة قد
ذكرها النحاس (والكلام منه) من أجل قراءة الحسن: ((ويكون لكما الكبرياء)» بالياء، وستأتي في الآية
التالية.
(٢) المحرر الوجيز ١٣٥/٣.
(٣) قائله الصمة بن عبد الله القشيري، وهو في ديوانه ص٩٤ ، وفيه: وجدتُني، بدل: رأيتُني. وقوله:
الإصغاء: أي: الإمالة. واللِّيت: صفحة العُنق. القاموس المحيط (ليت). والأخدع: عِرْق في جانب
العُنق. اللسان (خدع).
(٤) معاني القرآن للنحاس ٣٠٧/٣ .
(٥) تفسير أبي الليث ١٠٧/٢، وتفسير البغوي ٣٦٣/٢ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣٠٨/٣.
(٧) القراءات الشاذة ص ٥٧-٥٨ .
(٨) الكتاب ٣٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٣/٢، وما قبله منه.

٢٩
:
سورة يونس: الآيات ٧٩ - ٨١
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيٍ
إنما قاله لَمَّا رأى العصا واليدَ البيضاء، واعتقدَ أنهما سحرٌ. وقرأ حمزة والكسائيُّ
وابن وَثَّاب والأعمش: ((سَخَّار))(١). وقد تقدَّم في ((الأعراف)) القولُ فيهما(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم ◌ُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ (
أي: اطرحوا على الأرض ما معكم من حِبالكم وعِصِيِّكم. وقد تقدَّم في
((الأعراف)) القولُ في هذا مستوفّى(٣) .
قوله تعالى : ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّحْرٌّ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرٌ﴾ تكون ((ما)) في موضع رفع
بالابتداء، والخبر ((جئتم به))، والتقدير: أيُّ شيء جنْتُمْ به؟ على التوبيخ والتصغير (٤)
لِمَا جاؤوا به من السحر.
وقراءةُ أبي عمرو: ((السِّخْرُ)) على الاستفهام على إضمار مبتدأ، والتقدير: أهو
السحر؟ ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبرُ محذوف، التقدير: السحرُ جئتم به(٥) . ولا
تكون ((ما)) على قراءة مَن استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبرَ لها(٦).
(١) قراءة حمزة والكسائي في السبعة ص٢٨٩، والتيسير ص١١٢، وقراءة ابن وثَّاب في المحرر الوجيز
١٣٥/٣، ولم نقف على من نسبها للأعمش.
(٢) ٢٩٣/٩ وما بعدها.
(٣) ٢٩٦/٩ وما بعدها .
(٤) في (ز) و (ظ) و (ف) وإعراب القرآن للنحاس ٢٦٣/٢ (والكلام منه): والتقصير. والمثبت من (د)
و(م).
(٥) ذكر مكيّ في مشكل إعراب القرآن ٣٥١/١ الوجه الأول، وذكر العكبري في الإملاء ٢٤٥/٣
الوجهين، وقدَّر الثاني بلفظ: السحر هو؟ قال السمين في الدر المصون ٢٤٩/٦: وفيهما بُعدِ.
(٦) هذا قول مكي في مشكل إعراب القرآن ٣٥١/١، قال السمين الحلبي في الدر المصون ٦/ ٢٥٠:
ليس كما ذكر ، بل خبرها الجملة المقدَّر أحد جُزأيها.

٣٠
سورة يونس: الآية ٨١
وقرأ الباقون: ((السِّخْرُ)) على الخبر (١)، ودليلُ هذه القراءة قراءةُ ابن مسعود: ((مَا
جِئْتُمْ بِهِ سِخْرٌ)). وقراءةُ أُبيِّ: ((ما أتيتُم به سحرٌ))؛ فـ ((ما)) بمعنى الذي، و((جئتم به))
الصلة، وموضعُ ((ما)) رفع بالابتداء، والسحر خبر الابتداء. ولا تكون ((ما)) إذا جعلتها
بمعنى الذي نصباً؛ لأن الصلة لا تعمل في الموصول(٢).
وأجاز الفرَّاء(٣) نَصْبَ ((السحر)) بـ ((جِئْتُم))، وتكون ((ما)) للشرط، و((جئتم)) في
موضع جزم بـ ((ما))، والفاء محذوفة؛ التقدير: فإن الله سُبْطلُه.
ويجوز أن يُنصب ((السحر)) على المصدر، أي: ما جئتُم به سحراً، ثم دخلت
الألف واللام زائدتين، فلا يحتاجُ على هذا التقدير إلى حذفِ الفاء. واختار هذا
القول النحاس(٤)، وقال: حذفُ الفاء في المُجازاة لا يُجيزه كثيرٌ من النَّخْويين إلا
في ضرورة الشعر، كما قال:
مَن يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرها(٥)
بل ربَّما قال بعضُهم: إنه لا يجوز البتّة. وسمعت عليَّ بنَ سليمان يقول: حدثني
محمد بن يزيد قال: حدثني المازنيُّ قال: سمعتُ الأصمعيَّ يقول: غيَّرِ النَّحْويون هذا
البيت، وإنما الرواية:
مَن يفعلِ الخيرَ فالرحمنُ يشكره(٦)
وسمعتُ عليَّ بنَ سليمان يقول: حذفُ الفاء في المجازاة جائز. قال: والدليل
(١) السبعة ص٣٢٨، والتيسير ص١٢٣ .
(٢) ينظر مشكل إعراب القرآن ٣٥١/١، والمحرر الوجيز ١٣٥/٣، وقراءة ابن مسعود في القراءات
الشاذة ص٥٨ .
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٤٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٤/٢ .
(٤) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٤ .
(٥) صدر بيت، اختلف في قائله، وعجزُه: والشرُّ بالشرِّ عند الله مِثْلان، وسلف ٩٢/٣ .
(٦) خزانة الأدب ٣٦٥/٢ .

٣١
سورة يونس: الآيات ٨١ - ٨٣
على ذلك ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. ﴿وما
أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ قراءتان مشهورتان معروفتان(١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ يعني السحر. قال ابن عباس: مَن أخذ مضجعه
من الليل، ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا جِئْتُم ◌ِ السّحْرِّ إِنَّ اللَّهَ سَيُّبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ لم يَضْرَّه كيدُ ساحر، ولا تُكتب على مسحور إلَّا دَفَع اللهُ عنه السّحر(٢).
قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اَللَّهُ أَلْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَيُقُّ اللَّهُ الْحَقّ﴾ أي: يُبيِّنُه ويوضّحُه. ﴿بِكَلِّمَتِهِ﴾ أي: بكلامه
وحُجَجِه وبَراهينه(٣) . وقيل: بعِدَاته بالنصر. ﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ من آل فرعون.
قوله تعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِّمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ
AP
أَنْ يَفْئِنَهُمَّ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ اٌلْمُسْرِفِينَ
قوله تعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ الهاء عائدة على موسى. قال
مجاهد: أي: لم يُؤمن منهم أحدٌ، وإنما آمنَ أولادُ مَن أُرسل موسى إليهم مِن بني
إسرائيل، لِطُول الزمان هَلَك الآباءُ وبَقي الأبناءُ فآمنوا، وهذا اختيارُ الطبري(٤).
والذُّرِّيَّة: أعقابُ الإنسان، وقد تَكْثُر. وقيل: أراد بالذُّرِّيَّة مؤمني بني إسرائيل(٥) .
قال ابن عباس: كانوا ستَّ مئة ألف، وذلك أنَّ يعقوب عليه السلام دخل مصر في
اثنين وسبعين إنساناً، فتوالدوا بمصرَ حتى بلغوا ستَّ مئة ألف (٦) . وقال ابن عباس
(١) القراءة الأولى قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، والقراءة الثانية قرأ بها نافع وابن
عامر. السبعة ص ٥٨١، والتيسير ص ١٩٥. والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢٦٤/٢ - ٢٦٥.
(٢) لم نقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٤ نحوَه من قول ليث بن أبي سليم.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/٢ .
(٤) في تفسيره ١٢/ ٢٤٧، وقول مجاهد في تفسيره ٢٩٥/١.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٣٦٤ .
(٦) تفسير أبي الليث ١٠٧/٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠١ من قول الربيع بن أنس.

٣٢
سورة يونس: الآية ٨٣
أيضاً: ((مِن قَوْمه)) يعني: من قوم فرعون، منهم مؤمنُ آل فرعون، وخازنُ فرعون،
وامرأتُه، وماشِطَةُ ابنته، وامرأةُ خازنه(١) .
وقيل: هم أقوامٌ آباؤهم من القِبْطِ، وأمهاتُهم من بني إسرائيلَ، فسُمُّوا ذُرِّيّةً كما
يُسمَّى أولاد الفُرس الذين توالدوا باليمن وبلادِ العرب الأبناء؛ لأن أُمَّهاتِهم من غير
جنس آبائهم؛ قاله الفراء(٢) . وعلى هذا فالكناية(٣) في ((قَوْمِهِ)) ترجع إلى موسى
للقَرابة من جهة الأُمَّهات، وإلى فرعونَ إذ(٤) كانوا من القِبْط.
قوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِّنِ فِرْعَوْنَ﴾ لأنه كان مُسلَّطاً عليهم عاتياً. ﴿وَمَلَائِهِمْ﴾
ولم يقل: ومَلَئه. وعنه ستةُ أجوبة: أحدُها: أنَّ فرعونَ لمَّا كان جبَّاراً أَخبر عنه بفعل
الجميع. الثاني: أن فرعون لمَّا ذُكِر عُلِم أنَّ معه غيرَه، فعاد الضميرُ عليه وعليهم،
وهذا أحدُ قَوْلي الفرّاء(٥) . الثالث: أنْ تكونَ الجماعةُ سُمِيت بفرعون مثل ثمود.
الرابع: أن يكون التقدير: على خوف مِن آل فرعون، فيكون من باب حذف المضاف
مثل: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وهو القولُ الثاني للفرَّاء(٦). وهذا الجوابُ على
مذهب سيبويه والخليل خطأ، لا يجوز عندهما: قامتْ هند، وأنت تريد غلامها.
الخامس: مذهب الأخفشِ سعيدٍ (٧) أن يكون الضميرُ يعود على الذُّرِّيَّة، أي: ملأ
الذرِّية، وهو اختيارُ الطبري(٨). السادس: أن يكون الضميرُ يعود على ((قومه)). قال
النحاس(٩) : وهذا الجوابُ كأنه أبلغُها.
(١) تفسير البغوي ٣٦٤/٢، وأخرجه الطبري ٢٤٦/١٢ دون ذكر ماشطة ابنة فرعون.
(٢) في معاني القرآن ٤٧٦/١، وينظر تفسير البغوي ٢/ ٣٦٤ .
(٣) في (ظ): فالهاء.
(٤) في (د) و (ز) و (م): إذا، والمثبت من (ظ).
(٥) في معاني القرآن ٤٧٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/٢، وما قبله منه.
(٦) في معاني القرآن ١/ ٤٧٧، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/٢ .
(٧) في معاني القرآن ٥٧٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/٢ .
(٨) في تفسيره ٢٤٩/١٢ .
(٩) في إعراب القرآن ٢/ ٢٦٥، وما قبله منه.

٣٣
سورة يونس: الآيات ٨٣ - ٨٥
﴿أَنْ يَفْئِنَهُمْ﴾ وخَّد ((يَفْتِنَهُمْ)) على الإخبار عن فرعون(١) ، أي: يَصْرِفَهم عن
دينهم بالعُقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدلُ اشتمال. ويجوز أن يكون في
موضع نصب بـ ((خَوْفٍ)). ولم ينصرفْ فرعونُ؛ لأنه اسمٌ أعجميٍّ، وهو معرفة (٢).
﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالِ فِ آلْأَرْضِ﴾ أي: عاتٍ مُتكبِّرٌ.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المُجاوزين الحدَّ في الكفر؛ لأنه كان عبداً، فادَّعى
الرُّبوبية (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوِّمُ إِن كُنُ ءَامَنْتُمْ بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ
فَقَالُواْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةُ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾﴾
٨٤١
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوِّمْ إِن كُمْ ءَامَنُمْ﴾ أي: صدَّقتم ﴿بَلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّوا﴾
أي: اعتمدوا. ﴿إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ﴾ كَرَّر الشرط تأكيداً، وبيَّن أنَّ كمالَ الإيمان بتفويض
الأمر إلى الله. ﴿فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَا﴾ أي: أَسلمنا أمورَنا إليه، ورَضِينا بقضائه وقَدَره،
وانتهينا إلى أمره(٤) .
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ﴾ أي: لا تنصرْهم علينا فيكونَ ذلك فتنةً لنا
عن الدين، أو لا تمتحنًا (٥) بأن تعذِّبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى: لا تُهلِكْنا
بأيدي أعدائنا، ولا تعذِّبنا بعذاب مِن عندك فيقولَ أعداؤنا: لو كانوا على حقِّ لم
نُسَلَّط عليهم، فَيُفتنوا(٦). وقال أبو مِجْلَز وأبو الضُّحى: يعني: لا تُظهرهم علينا،
فيرَوا أنهم خيرٌ منَّا، فيزدادوا طُغياناً(٧).
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٥٠، وتفسير البغوي ٣٦٤/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/٢.
(٣) تفسير البغوي ٣٦٤/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/٢ .
(٥) في (ظ): ولا تمتحنّا .
(٦) في (ز) و (ظ) : فيفتتنوا.
(٧) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٢/ ٢٥١ - ٢٥٢ . وقول مجاهد في تفسيره ٢٩٥/١.

٣٤
سورة يونس: الآيتان ٨٦ - ٨٧
٨٦
قوله تعالى: ﴿وَجِنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَجِّنَا بِرَيْتِكَ﴾ أي: خلِّصنا ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ أي: من فرعونَ
وقومه؛ لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقَّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ
بُونَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِهِ أَنْ تَبَوََّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُونًا﴾ فيه خمسُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَى وَأَخِهِ أَنْ تَبَوَّءَا﴾ أي: اتَّخِذا. ﴿لِقَوْمِكُمَا
بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ يقال: بوَّأت زيداً مكاناً، وبوَّأت لزيد مكاناً. والمبوَّأ: المَنْزِل الملزوم،
ومنه: بوَّأه اللهُ مَنْزِلاً، أي: ألزمه إياه وأسكنه، ومنه الحديث: ((مَن كَذَبَ عليَّ
متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار))(١) قال الراجز:
نحن بنو عدنانَ ليس شُّ تبوَّأ المجدُ بنا والملكُ(٢)
ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية؛ في قول مجاهد(٣). وقال الضحاك: إنه
البلد المسمَّى مصر(٤)، ومصرُ ما بين البحر إلى أُسْوان، والإسكندريةُ من أرض
(٥)
مصر (٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلُواْ يُوتَكُمْ قِبْلَةٌ﴾ قال أكثر المفسرين: كان بنو
إسرائيل لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائِسهم، وكانت ظاهرةً، فلمَّا أُرسل موسى
أَمر فرعونُ بمساجد بني إسرائيل فخرِّبت كلُّها، ومُنعوا من الصلاة، فأوحى اللهُ إلى
موسى وهارون أن اتخِذا وتخيَّرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، أي: مساجد، ولم يُرِد
(١) سلف ١ / ٥٧ .
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٤٦/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٥٩/١٢ .
(٤) النكت والعيون ٤٤٦/٢ .
(٥) المحرر الوجيز ١٣٨/٣.

٣٥
سورة يونس: الآية ٨٧
المنازلَ المسكونة. هذا قول إبراهيم وابنِ زيد والرَّبيع وأبي مالك وابن عباس
(١)
وغيرهم(١).
وروي عن ابن عباس وسعيد بن جُبَير أنَّ المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضُها
بعضاً
والقولُ الأولُ أصحّ أي: اجعلوا مساجدكم إلى القِبلة، قيل(٣): بيت المَقْدِس،
وهي قبلةُ اليهود إلى اليوم؛ قاله ابن بحر(٤). وقيل: الكعبة. عن ابن عباس(٥) قال:
وكانت الكعبة قبلةً موسی ومَن معه.
وهذا يدلُّ على أنَّ القبلة في الصلاة كانت شرعاً لموسى عليه السلام، ولم تَخْلُ
الصلاةُ عن شرطِ الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة؛ فإنَّ ذلك أبلغُ في التكليف
وأَوْقَرُ للعبادة(٦).
وقيل: المراد صلُّوا في بيوتكم سرًّا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعونُ، فأمِروا
بالصبر واتخاذِ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاءِ إلى أنْ ينجِز اللـهُ
وعدَه، وهو المراد بقوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَأْ﴾ [الأعراف: ١٢٨]
الآية. وكان من دينهم أنَّهم لا يصلُّون إلا في البِيَع والكنائس ما داموا على أمنٍ، فإذا
خافوا فقد أُذن لهم أن يصلُّوا في بيوتهم. قال ابن العربيِّ: والأوَّلُ أَظْهَرُ القولين؛ لأنَّ
الثانيَ دعوى(٧).
(١) أخرج قولهم الطبري ١٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧، وينظر تفسير البغوي ٣٦٥/٢.
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٦٠ عن سعيد بن جبير، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٩٧٧/٦ (١٠٥٣٢) من طريق
سعید بن جبير عن ابن عباس.
(٣) في (ظ): قبل.
(٤) ذكره عن ابن بحر بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤٤٧، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن
١٠٤٣/٣ دون نسبة.
(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٦) في النسخ: وأوفر للعبادة، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٣/٣، والكلام منه.
(٧) أحكام القرآن ١٠٤٣/٣، ويعني بالأول: بيت المقدس، فقد ذكره ابن العربي قبل هذا القول.

٣٦
سورة يونس: الآية ٨٧
قلت: قوله: دعوى، صحيح؛ فإن في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام:
((جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً))(١). وهذا ممَّا خُصَّ به دون الأنبياء، فنحن
بحمدِ اللهِ نصلِّي في المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة، إلا أنَّ النافلة في
المنازل أفضلُ منها في المساجد، حتى الركوعَ قبل الجمعة وبعدها، وقبل الصَّلَوات
المفروضات وبعدها؛ إذ النوافلُ يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك،
وكلما خلَص العمل من الرياء كان أَوْزَنَ وأَزْلَفَ عند الله سبحانه وتعالى.
روى مسلم (٢) عن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشةً عن صلاة رسول اللهِ ﴾،
عن تطوُّعه؛ قالت: كان يصلِّي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلِّي بالناس،
ثم يدخل فیصلِّي رکعتين، وکان يُصلِّي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم
يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلِّي ركعتين ... )) الحديث.
وعن ابن عمر قال: صلَّيت مع النبيِّ # قبل الظهر سجدتين، وبعدها سجدتين،
وبعد المغرب سجدتين [وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين]. فأمَّا
المغرب والعشاء والجمعة فصلَّيت مع النبيِّ ﴾ في بيته(٣).
وروى أبو داود عن كعب بن عُجْرة: أنَّ النبيَّ# أتى مسجدَ بني [عبد] الأشهل
فصلَّى فيه المغرب، فلمَّا قَضَوْا صلاتَهم؛ رآهم يسبِّحون بعدها، فقال: ((هذه صلاةٌ
البيوت))(٤)
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٤٢٦٣)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) عن جابر ﴾، وسلف
٢٨٣/٢.
(٢) في صحيحه (٧٣٠)، وهو عند أحمد (٢٤٠١٩).
(٣) صحيح مسلم (٧٢٩)، وهو عند البخاري (١١٧٢) وما سلف بين حاصرتين منهما، وأخرجه بنحوه
أحمد (٤٥٠٦).
(٤) سنن أبي داود (١٣٠٠)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٦٠٤)، والنسائي في المجتبى ١٩٨/٣، وما بين
حاصرتين من المصادر. وأخرج نحوه أحمد (٢٣٦٢٤) من حديث محمود بن لبيد قوله: يسبّحون
بعدها، أي: يصلون النافلة بعد المغرب.

٣٧
سورة يونس: الآية ٨٧
الثالثة: واختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعُه في البيت
أفضلُ، أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، وبه
قال أبو يوسفَ وبعضُ أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعضُ
أصحاب الشافعيِّ إلى أنَّ حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام الناسُ في
بيوتهم ولم يقم أحدٌ في المسجد لَآَنْبَغَى(١) أن يخرجوا إليه.
والحجة لمالك ـ ومَن قال بقوله - قولُه # في حديث زيد بن ثابت: ((فعليكم
بالصلاة في بيوتكم، فإنَّ خيرَ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبةَ)) خرجه البخاريُ(٢).
احتجَّ المخالفُ بأنَّ النبيَّ # قد صلَّاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر
بالمانع الذي منعه من(٣) الدوام على ذلك، وهو خشية أنْ تُفرض عليهم، فلذلك قال
لهم: ((فعليكم بالصلاة في بيوتكم)). ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزَاعاً
متفرقين، إلى أن جمعَهم عمر على قارئ واحدٍ، فاستقرَّ الأمرُ على ذلك وثبت سُنَّةً.
الرابعة: وإذا تنزَّلْنا على أنه كان أُبيح لهم أن يصلُّوا في بيوتهم إذا خافوا على
أنفسهم، فيُستدلُّ به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة.
والعذرُ الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جورٍ
السلطان في مالٍ أو بدنٍ دون القضاءِ عليه بحق. والمطرُ الوابِلُ مع الوَحْلِ عذرٌ إن لم
ينقطع، ومَن له وليٌّ حميم قد حضرته الوفاةُ ولم يكن عنده من يمرِّضه، وقد فعل ذلك
(٤)
ابن عمر (٤).
(١) وقع في النسخ والمفهم ٣٨٨/٢ (والكلام منه): لا ينبغي، والمثبت من إكمال المعلم ١١٢/٣، وهو
الصواب. وذكر قول الليث أيضاً الجصاص في مختصر اختلاف العلماء ٣١٣/١ ، وابن عبد البر في
التمهيد ١١٧/٨ ولفظه عندهما: لو أنَّ الناس في رمضان قاموا لأنفسهم ولأهليهم كلَّهم حتى يُترك
المسجد لا يقوم فيه أحد، لكان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه ...
(٢) في صحيحه (٦١١٣) مطولاً، وسلف ٣٥٩/٤ .
(٣) في النسخ: منع منه بدل: منعه منه، والمثبت من المفهم.
(٤) الكافي لابن عبد البر ١/ ٢٥٢ وقد ذكر هذا الكلام في التخلف عن صلاة الجمعة، وينظر المفهم ٣٣٩/٢.
وخبر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة ١٥٣/٢ وفيه أن ابناً لسعيد بن زيد بن نفيل كان بأرض له بالعقيق على
رأس أميال من المدينة، فأتى ابن عمر غداة يوم الجمعة فذكر له شكواه، فانطلق إليه وترك الجمعة.

٣٨
سورة يونس: الآيتان ٨٧ - ٨٨
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: الخطاب لمحمدٍ ﴾. وقيل:
لموسى عليه السلام، وهو أَظهَرُ، أي: بشِّرْ بني إسرائيل بأن الله سيُظهرهم على
عدوهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَمُ زِينَةٌ وَأَنْوَلَا فِ
اَلْيَزِ الدُّنْيَّ رَّنَا لِضِلُواْ عَن سَبِيلِكُ رَبَّنَا الِْسْ عَىْ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَ قُلُوبِهِمْ
فَلَ يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَمُ﴾ ((آتَيْتَ)) أي: أعطيت.
﴿زِينَةُ وَأَمْوَلَا فِى الْخَوَةِ اُلُّنْيَا﴾ أي: مال الدنيا، وكان لهم من فُسطاط مِصر إلى أرض
الحبشة جبالٌ فيها معادن الذهب والفضة والزَّبَرْجَد والزُّمرُّد والياقوت(١).
قوله تعالى: ﴿ربَّنا لِيَضلُّوا عن سبيلكَ﴾ اختلف في هذه اللام، وأصحُ ما قيل
فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لامُ العاقبة والصَّيرورة(٢)، وفي الخبر: ((إنَّ لِلهِ
تعالى مَلَكاً ينادي كلَّ يومٍ: لِدُوا للموت، وابنوا للخراب)»(٣). أي: لمَّا كان عاقبةٌ
أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليَضِلُّوا.
وقيل: هي لامُ كي، أي: أعطيتَهم لكي يَضِلُّوا ويَبْطَرُوا ويتكَبَّروا (٤).
وقيل: هي لامُ أَجْل(٥)، أي: أعطيتَهم لأجْل إعراضِهم عنك؛ فلم يخافوا أن
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٥٥٧، والزمخشري ٢٤٩/٢ - ٢٥٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/٢ .
(٣) قطعة من حديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥١٩)، والبيهقي في الشعب (١٠٧٣٠) عن أبي هريرة ﴾.
وأخرجه أبو يعلى (٦٨٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٧٣١) من حديث الزبير ﴾. قال ملا علي القاري في
الأسرار المرفوعة ص٢٧٦ : قال الإمام أحمد: هو مما يدور في الأسواق، ولا أصل له. وينظر كشف
الخفاء ١٨٣/٢ - ١٨٤ .
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ٢٦٢، وهذا قول الفراء في معاني القرآن له ٤٧٧/١ وقال البغوي ٣٦٥/٢: هي
كقوله: ﴿لَأَسْقَيَْهُم مََّ غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٌ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧].
(٥) زاد المسير ٥٦/٤ .

٣٩
سورة يونس: الآية ٨٨
تُعرض عنهم.
وزعم قوم أن المعنى: أعطيتَهم ذلك لئلا يَضِلُّوا، فحذفت لا كما قال عزَّ وجلَّ:
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ﴾ [النساء: ١٧٦] والمعنى: لأن لا تضلوا. قال النحاس(١):
ظاهِرُ هذا الجوابِ حسنٌ، إلا أنَّ العرب لا تَحذف ((لا)) إلا مع أنْ؛ فمؤَّه صاحبُ
هذا الجوابِ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَن تَضِلُّوا﴾.
وقيل: اللام للدعاء، أي: ابتَلِهم بالضلال عن سبيلك؛ لأنَّ بعده: ﴿أَلْمِسْ عَلَى
أَمْوَلِهِمْ وَاشْدُدْ﴾(٢).
وقيل: الفعل معنى المصدر، أي: إضلالهم، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنَّهُمْ﴾
[التوبة: ٩٥](٣).
وقرأ الكوفيون: ﴿لِضُلُّوا﴾ بضم الياء من الإِضلال، وفتَحَها الباقون(٤).
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ أي: عاقِبْهم على كفرهم بإهلاك أموالهم.
قال الزجاج(٥): طَمْسُ الشيء إذهابه عن صورته.
قال ابن عباس ومحمدُ بن كعب: صارت أموالُهم ودراهِمُهم حجارةً منقوشة
كهيئتها صحاحاً وأثلاثاً وأنصافاً (٦)، ولم يبق لهم معدنٌ إلا طَمَس اللهُ عليه، فلم
ينتفع به أحدٌ بعدُ.
(١) في إعراب القرآن ٢٦٦/٢، وما قبله منه.
(٢) زاد المسير ٥٦/٤، ومجمع البيان ٨٧/١١، وقال الطبرسي: المعنى: ابتلهم بالبقاء على ما هم عليه
من الضلال. وينظر الكشاف ٢/ ٢٥٠ .
(٣) أي: لإعراضكم عنهم، وهم لم يحلفوا لكي تُعرضوا. ويكون المعنى على هذا القول: آتيتهم ما آتيتهم
لضلالهم. وهذا قول أبي العباس أحمد بن يحيى كما في اللسان (لوم). وذكره الطبري ٢٦٢/١٢-٢٦٣.
(٤) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء، والباقون بفتحها. السبعة ص ٢٦٧ ، والتيسير ص١٠٦،
والنشر ٢٦٢/٢.
(٥) في معاني القرآن ٣١/٢ .
(٦) ذكره البغوي ٣٦٦/٢ عن ابن عباس وحده، وذكر عن محمد بن كعب قولاً آخر، وسيأتي.

٤٠
سورة يونس: الآية ٨٨
وقال قتادة: بلغَنا أنَّ أموالهم وزروعَهم صارت حجارة(١).
وقال مجاهد وعطية: أهْلِكْها حتى لا تُرَى؛ يقال: عين مطموسة، وطمس
الموضع: إذا عفا ودرَس(٢).
وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهِمُهم وفُرُشُهم وكلُّ شيء لهم حجارةً(٣).
محمد بن کعب: وکان الرجل منهم یکون مع أهله في فراشه وقد صارا
حجرين(٤)؛ قال: وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرتُ ذلك له، فدعا بخريطةٍ أصيبت
بمصر، فأخرج منها الفواكه والدراهمَ والدنانير وإنها لحجارة(٥).
وقال السُّدِّئُّ: وكانت إحدى الآياتِ التسع(٦).
﴿وَأَشْدُدْ عَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أي: امنعهم الإيمانّ(٧). وقيل: قَسِّها
واْبَغْ عليها حتى لا تنشرح للإيمان؛ والمعنى واحد (٨).
﴿فَلَ يُؤْمِنُواْ﴾ قيل: هو عطفٌ على قوله: ((لِيَضِلُّوا)) أي: آتيتهم النعم ليَضِلُّوا ولا
يؤمنوا؛ قاله الزجَّاج والمبرد(٩). وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء.
وقولُه: ((رَبَّنَا اطْمِسْ)) ((وَاشْدُدْ)) كلامٌ معتَرِض.
(١) أخرجه الطبري ٢٦٥/١٢.
(٢) زاد المسير ٥٧/٤، وينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص١٩٨. وخبر مجاهد في تفسيره ٢٩٧/١،
وأخرجه الطبري ٢٦٦/١٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٦٦/١٢ .
(٤) قال الآلوسي في روح المعاني ١٧٣/١١: هذا مما لا يكاد يصح أصلاً وليس في الآية ما يشير إليه
بوجه. وعندي أن أخبار تغيير أموالهم إلى الحجارة لا تخلو عن وهن، فلا يعوّل عليها.
(٥) تفسير البغوي ٣٦٦/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٩٧٩/٦ (١٠٥٤٣). والخريطة: وعاء من أدم وغيره.
معجم متن اللغة (خرط).
(٦) تفسير البغوي ٣٦٦/٢.
(٧) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٥٧ .
(٨) ينظر الوسيط ٥٥٧/٢، وأخرج الطبري ٢٦٧/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٧٩/٦ (١٠٥٤٦) عن ابن
عباس قال: ﴿وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: واطبع على قلوبهم.
(٩) معاني القرآن للزجاج ٣١/٣ وقد نقله الزجاج عن المبرد.