النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة يونس: الآية ٢٥ ابنَ آدم، دعاكَ اللهُ إلى دارِ السَّلام، فانظرْ مِن أین تُجيبُه، فإنْ أجبتَه مِن دنياك دخلتَها، وإنْ أجبتَه مِن قبرِك مُنِعتَها(١). وقال ابن عباس: الجِنان سبعٌ: دارُ الجلال، ودارُ السَّلام، وجنَّةُ عَدْن، وجئَّةُ المأوى، وجنَّةُ الخلد، وجئَّةُ الفردوس، وجنَّةُ النعيم(٢). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ عمَّ بالدعوة إظهاراً لحجَّته، وخصَّ بالهدايةِ استغناءً عن خَلْقه(٣). والصراط المستقيم، قيل: كتابُ الله، رواه عليّ بن أبي طالب قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((الصراط المستقيمُ كتابُ الله تعالى)) (٤). وقيل: الإسلامُ، رواه النوّاس بن سمعان عن رسول اللـه ﴾(٥). وقيل: الحقُّ، قاله قتادة ومجاهد(٦). وقيل: رسولُ الله ﴾ وصاحباه مِن بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما(٧). وروى جابر بن عبد الله قال: خرج رسولُ الله # يوماً فقال: ((رأيتُ في المنام كأنَّ جبريلَ عند رأسي، وميكائيلَ عند رجليَّ، فقال أحدُهما لصاحبه: إِضرِبْ له مَثَلاً، فقال(٨): إِسمعْ سَمِعَتْ أُذناك، واعْقِلْ عَقَلَ قلبُك، إنَّمَا مَثَلُك ومَثَلُ أُمَّتك كمثل مَلِكِ اتَّخذَ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعلَ فيها مَأْدُبةً، ثم بعثَ رسولاً يدعو الناسَ إلى طعامه، فمنهم مَن أجاب الرسولَ، ومنهم مَن تركَه، فاللهُ المَلِكُ، والدارُ (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦٠/١٠، ويحيى بن معاذ: هو أبو زكريا الرازي، الواعظ، توفي سنة (٢٥٨ هـ). المنتظم لابن الجوزي ١٤٨/١٢ . (٢) لم نقف عليه. (٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٥٠ . (٤) هو قطعة من حديث طويل ضعيف، سلف ١٠/١. (٥) أخرجه أحمد (١٧٦٣٤). (٦) أخرجه الطبري ٩٤/١٠ عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري ١٧٥/١ عن أبي العالية والحسن، والكلام في النكت والعيون ٤٣١/٢ - ٤٣٢. (٨) بعدها في (خ) و(م): له. ٤٨٢ سورة يونس: الآيتان ٢٥ - ٢٦ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّةُ، وأنتَ يا محمد الرسولُ، فمن أجابَك دخلَ في الإسلام، ومَن دخلَ في الإسلام دخلَ الجنَّة، ومَن دخلَ الجنَّة أكلَ ما فيها)) ثم تلا؛ يعني رسول اللـه ﴾: ((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) ثم تلا قتادة ومجاهد: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ﴾(١). وهذه الآيةُ بيّنةُ الحُجَّة في الردِّ على القدرية؛ لأنَّهم قالوا: هدَى اللهُ الخَلْقَ كلَّهم إلى صراطٍ مستقيم، والله قال: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فردُّوا على اللهِ نصوص القرآن. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِبَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَ ذِلَةٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ قوله تعالى: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الُْْقَ وَزِيَادَةٌ﴾ رُوي مِن حديث أنس قال: سُئل رسولُ الله﴾ عن قوله تعالى: ((وَزِيَادَةٌ)) قال: ((للذين أحسنُوا العملَ في الدنيا الحُسنى، وهي الجنَّةُ، والزيادةُ النَّظرُ إلى وجهِ الله الكريم»(٢)، وهو قولُ أبي بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب - في رواية - وحذيفة، وعُبادة بن الصامت، وكعب بن عُجْرة، وأبي موسى، وصُهيب، وابن عباس - في رواية - وهو قولُ جماعة مِن التابعين(٣)، وهو الصَّحِيحُ في الباب. (١) النكت والعيون ٤٣٢/٢ دون قوله: ثم تلا - يعني - رسول الله ﴾: ﴿وَيُّهْدِى مَن يَشَلُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ وهذا القول لم يرد في (خ) و(ز) و(ظ). وحديث جابر أخرجه الترمذي (٢٨٦٠) بهذا اللفظ إلى قوله: ((ومن دخل الجنة أكل ما فيها)). من طريق سعيد بن أبي هلال أن جابر بن عبد الله ... فذكره، ثم قال الترمذي: هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله. وأخرجه بنحوه البخاري (٧٢٨١) من طريق آخر عن جابر﴾. وقوله: مأدبة، أي: وليمة. فتح الباري ٢٥٥/١٣. (٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ١١٧٣/٣، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧٧٩) وفي إسناده سَلْم بن سالم البلخي ونوح بن أبي مريم، فأما سَلْم فضَّفه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: ليس بذاك. ميزان الاعتدال ١٨٥/٢. وأما نوح، فقال الحافظ ابن حجر في التقريب ص٤٩٨: كذَّبوه في الحدیث، وقال ابن المبارك: کان یضع. (٣) ينظر تفسير الطبري ١٥٦/١٢ - ١٦١. والدر المنثور ٣٠٦/٣. ٤٨٣ سورة يونس: الآية ٢٦ وروى مسلم في ((صحيحه)) عن صُهيب عن النبيِّ# قال: ((إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قال الله تبارك وتعالى: تُريدون شيئاً أَزِيدُكُم؟ فيقولونَ: ألم تُبِيِّصْ وجوهَنا؟ ألم تُدخِلْنا الجنَّةَ وتُنجِّنا مِن النَّارِ؟ قال: فيكشِفُ الحجابَ، فما أُعْطُوا شيئاً أحبَّ إليهم مِن النَّظرِ إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ))، وفي روايةٍ ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الَُّْ وَزِيَادَةٌ﴾(١). وخرَّجه النسائي(٢) أيضاً عن صُهيب قال: قيل لرسول الله﴾: هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ قال: ((إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ، إنَّ لكم موعداً عند اللهِ يُريدُ أنْ يُنْجِزَكُموه، قالوا: ألم يُبيِّض وُجوهَنا، ويُثَقِّلْ مَوازينَنا، ويُجِرْنا مِن النَّار؟ قال: فيكشِفُ الحجابَ فينظرُونَ إليه، فواللهِ، ما أعطاهُمُ اللهُ شيئاً أحبَّ إليهم مِن النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعيُنِهم)). وخرَّجه ابنُ المبارك في رقائقه(٣) عن أبي موسى الأشعري موقوفاً. وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)»(٤)، وذكرنا هناك معنى كشفِ الحجاب؛ والحمد لله. وخرَّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله: حدَّثنا علي بن حُجر، حدَّثنا الوليد ابن مسلم، عن زُهير، عن أبي العالية، عن أُبيِّ بن كعب قال: سألتُ رسولَ الله ﴾ عن الزيادَتين في كتاب الله، في قوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْقَ وَزِيَادَةٌ﴾ قال: ((النَّظرُ إلى وجهِ الرحمن)). وعن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال: ((عشرون ألفاً))(٥). (١) صحيح مسلم (١٨١): (٢٩٧) و(٢٩٨)، وهو في مسند أحمد (١٨٩٣٥) و(١٨٩٣٦). (٢) في السنن الكبرى (١١١٧٠)، وهو في مسند أحمد (١٨٩٤١). (٣) في (م): دقائقه. والأثر في الزهد والرقائق (٤١٩) (من زيادات نعيم بن حمَّاد). (٤) ص٤٩٤ . (٥) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول. وأخرج القسم الأول منه الطبري ١٦٢/١٢ من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عمن سمع أبا العالية، قال: حدثنا أبيّ بن كعب .. وذكره. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧٨٠) من طريق الوليد بن مسلم عن زهير قال: حدثني من سمع أبا العالية يحدث عن أبي بن كعب .. وذكره. وأخرج القسم الثاني منه الطبري ١٩/ ٦٣٧ بإسناد القسم الأول له، والترمذي (٣٢٢٩) بإسناد الحكيم الترمذي غير أن فيه: عن زهير عن رجل عن أبي العالية. قال الترمذي: هذا حديث غريب. ٤٨٤ سورة يونس: الآية ٢٦ وقد قيل: إنَّ الزيادةَ أنْ تُضاعَفَ الحسنةُ عشرَ حسناتٍ إلى أكثرَ مِن ذلك، رُوي عن ابن عباس(١). ورُوي عن عليّ بن أبي طالب﴾: الزيادةُ، غرفةٌ مِن لؤلؤةٍ واحدة لها أربعةُ أبواب(٢). وقال مجاهد: الحسنى: حسنةٌ مثلُ حسنة، والزيادةُ: مغفرةٌ مِن الله ورضوان(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى: الجنَّة، والزيادةُ: ما أعطاهُم الله في الدنيا مِن فَضْلِه، لا يُحاسبُهم به يومَ القيامة (٤). وقال عبد الرحمن بن سابط: الحسنى: البُشرى، والزيادة: النظرُ إلى وجهِ الله الكريم، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٥) [القيامة: ٢٢-٢٣]. وقال يزيد بن شجرة (٦): الزيادةُ أنْ تمرَّ السحابةُ بأهلِ الجنَّة، فَتُمطرهم مِن كلِّ النوادر التي لم يَروها، وتقول: يا أهلَ الجنَّة، ما تُريدون أنْ أُمطِرَكم؟ فلا يُريدون شيئاً إلَّا أَمطرَتهم إِيَّاه. وقيل: الزيادةُ أنَّه ما يمرُّ عليهم مقدارُ يومٍ مِن أيَّام الدنيا إلَّا حتى يُطیفَ بمنزلٍ أحدهم سبعون ألفَ مَلَك، مع كلِّ ملكِ هدايا مِن عند الله ليست مع صاحبِهِ، ما رَأوا مثلَ تلك الهدايا قَطّ، فسبحانَ الواسعِ العليم، الغنيّ الحميد، العليّ الكبير، العزيز القدير، البرّ الرّحيم، المدبِّر الحكيم، اللَّطيف الكريم، الذي لا تتناهى مقدوراتُه. وقيل: ((أَحْسَنُوا)) أي: معاملةَ النَّاس، و((الحُسنَى)): شفاعتُهم، والزيادةُ: إذنُ الله تعالى فيها وقبولُه(٧). (١) أخرجه الطبري ١٢/ ١٦٣ . (٢) في النسخ: أربعة آلاف باب. والمثبت من المصادر. والأثر أخرجه الطبري ١٢/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٦ /١٩٤٥ (١٠٣٤٢). (٣) تفسير مجاهد ٢٩٣/١، وأخرجه الطبري ١٢/ ١٦٤. (٤) أخرجه الطبري ١٢ / ١٦٤ . (٥) أخرجه الطبري ١٦٢/١٢ دون ذكر الآية. وفيه: الحسنى: النضرة. (٦) أبو شجرة الرَّهاوي (نسبة إلى الرَّها بطن من مَذْحِج)، الشامي، يقال: له صحبة، كان أمير الجيش في غزو الروم. توفي سنة (٥٨هـ). السير ١٠٦/٩. وقوله هذا أورده الرازي في تفسيره ٧٨/١٧، ووقع فيه: يزيد بن سمرة، وهذا أيضاً رَهاويّ، مَذْحِجيّ، شامي زاهد. السير ١٠٦/٩ . (٧) لم نقف على هذين القولين. ٤٨٥ سورة يونس: الآيتان ٢٦ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَّهَقُ﴾ قيل: معناه: يَلحق، ومنه قيل: غلامٌ مُراهقٌ إذا لَحِقَ بالرِّجال، وقيل: يعلو (١)، وقيل: يَغْشَى، والمعنى متقارب. ﴿فَتٌَّ﴾: غبار(٢). ﴿وَلَا ذِلَّهُ ﴾ أي: مَذَلَّة، كما يَلحق أهلَ النَّار، أي: لا يَلحقُهم غبارٌ في محشرِهم إلى الله، ولا تغشاهُم ذِلَّة. وأنشدَ أبو عبيدة للفرزدق: مُتَوَّجُ برِداء المُلكِ يتبعُه مَوْجٌ تَرى فوقَه الرّاياتِ والقَتَرا(٣) وقرأ الحسن: ((قَتْرٌ)) بإسكان التاء، والقَتَر والقَتْرِ(٤) والقَتَرة بمعنى واحد قاله النحاس(٥). وواحدُ القَتَر قَتَرة، ومنه قوله تعالى: ((تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ)) (٦) [عبس: ٤١] أي: تعلُوها غَبّرة. وقيل: قَتَرٌ: كآبةٌ وكسوف. ابن عباس: القَتَر سوادُ الوجوه(٧). ابن بحر: دخانُ النَّار، ومنه قُتَار القِدْر(٨). وقال ابن أبي ليلى: هو بعدَ نظرِهم إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ(٩). قلتُ: هذا فيه نظرٌ؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠١ -١٠٣] وقال في غير آية: ﴿وَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُواْ تَتَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ الآية [فصلت: ٣٠]. وهذا عامٌّ، فلا يتغيَّر - بفضلِ الله في موطنٍ مِن المواطنِ، لا قبلَ النَّظرِ (١) النكت والعيون ٤٣٣/٢ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٥. (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٧٧، والبيت في ديوان الفرزدق ص٢٣٤، وفيه: مُعْتَصِبٌ، بدل: متوَّج. (٤) في (م): والفترة. (٥) في إعراب القرآن ٢٥١/٢. وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ٥٧ . (٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٧٧/١ . (٧) أخرجه الطبري ١٦٦/١٢ . (٨) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤٣٣ . (٩) أخرجه الطبري ١٢/ ١٦٦ . ٤٨٦ سورة يونس: الآيتان ٢٦ - ٢٧ ولا بعدَه - وجهُ المُحسن بسوادٍ (١) مِن كآبةٍ ولا حزنٍ، ولا يعلُوه شيءٌ مِن دخانٍ جهنّم ولا غيره، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْيَّضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةٍ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّمْئَاتِ جَآءَ سَفِئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ فِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللِّ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَلِ مُظْلِمَاْ أُوْلَكَ أَمْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيْئَاتِ﴾ أي: عملُوا المعاصي، وقيل: الشِّرك. ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ((جزاءُ)): مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه: ((بمثلها))، قال ابن کیسان: الباءُ زائدةٌ، والمعنى: جزاءُ سيئةٍ مثلُها. وقيل: الباءُ مع ما بعدها الخبرُ، وهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ قامَت مَقامَه، والمعنى: جزاءُ سيئةٍ كائنٌ بمثلِها، كقولك: إنَّما أنا بك، أي: إنَّما أنا كائنٌ بك. ويجوزُ أنْ تتعلَّق بـ ((جزاء)»، التقدير: جزاءُ سيئةٍ بمثلِها كائنٌ، فحذفَ خبرَ المبتدأ(٢). ويجوزُ أنْ يكونَ ((جَزَاءُ)) مرفوعاً على تقديرٍ: فلهمْ جزاءُ سيئة؛ فيكونُ مثلَ قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فعليه عدَّةٌ، وشبهه(٣)، والباءُ على هذا التقدير تتعلَّقُ بمحذوف، كأنَّه قال: لهم جزاءُ سيئةٍ ثابتٌ بمثلها، أو تكونُ مؤكّدةً أو زائدةً. ومعنى هذه المِثْلِيَّة أنَّ ذلك الجزاءَ مما يُعَدُّ مُماثلاً لذنوبِهم، أي: هم غیرُ مظلُومين، وفعلُ الربّ - جلَّت قدرتُه وتعالى شأنُه - غيرُ مُعلَّل بعلَّة. ﴿وَرَّهَنُهُمْ زِلٌَّ﴾ أي: يغشاهُم هوانٌ وخِزْي. ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: مِن عذابِ الله. ﴿مِنْ عَاصِرٍ﴾ أي: مانعٍ يمنعُهم منه. ﴿كَأَنََّّ أُغْشِيَتْ﴾ أي: أُلبست (٤). ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعَا﴾ جمعُ فِظْعة، وعلى هذا يكون ﴿مُظَلِمًا﴾ حال من ((اللَّيْلِ)) أي: أُغشيت وجوهُهم قِطَعاً مِن الليل في حالٍ ظلمته. (١) في (ظ): وجه المحسن أبیض يتلألأ ليس به سواد. (٢) ينظر مجمع البيان للطبرسي ٣٧/١١، وإملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٢٢٧/٣ . (٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٦١ . (٤) الوسيط للواحدي ٥٤٥/٢ . ٤٨٧ سورة يونس: الآيتان ٢٧ - ٢٨ وقرأَ الكسائي وابن كثير: ((قِطْعاً)) بإسكان الطاء، فـ((مُظْلِماً)) على هذا نعتٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ حالاً مِن الليل(١). والقِطْعُ: اسم ما قطع فَسَقط. وقال ابن السِّكِّيت: القِطْع: طائفةٌ مِن الليل(٢)، وسيأتي في ((هود)) إن شاء الله تعالى(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَيَّنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ غَحْثُرُهُمْ﴾ أي: نجمعُهم، والحشرُ: الجمع . ﴿جَمِيعًا﴾ حال(٤). ﴿ُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوا﴾ أي: انّخذوا مع الله شريكاً. ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي: إِلزَموا واثبُتوا مكانكم، وقِفوا مواضعَكم. ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَّؤُكُمْ﴾، وهذا وعيدٌ. ﴿فَرَبِّنَا بَيِهِمْ﴾ أي: فرَّقنا وقطّعنا ما كان بينهم مِن التَّواصُل في الدنيا(٥)، يقال: زيَّلْتُه فتزيَّلَ، أي: فرَّقته فتفرَّق، وهو فعَّلْتُ؛ لأنَّك تقول في مصدره: تزبيلاً، ولو كان فَيُعَلْتُ لقلت: زَيَّلَةً. والمُزايلةُ: المفارقة، يقال: زَايَلَه مُزايَلَةٌ(٦) وزِيالاً: إذا فارقَه. والتَّزايُلُ: الثَّايُن. قال الفراء (٧): وقرأ بعضُهم: ((فَزايَلْنا بينهم))، يقال: لا أُزايل فلاناً، أي: لا أفارِقُه، فإن قلتَ: لا أُزاوِلُه؛ فهو بمعنّى آخر، معناه: لا أُخاتِلُه(٨). ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم﴾ عنى بالشركاء: الملائكة. وقيل: الشياطين، وقيل: الأصنام، فيُنطِقُها الله تعالى، فتكون بينهم هذه المُحاورة. وذلك أنَّهم ادَّعَوْا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنَّهم أمرُوهم بعبادتهم، ويقولون: ما عَبَدْناكم (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢. وينظر السبعة ص٣٢٥، والتيسير ص١٢١ . (٢) تهذيب اللغة ١/ ١٨٧ . (٣) في تفسير الآية (٨١). (٤) معاني القرآن للزجاج ١٦/٣ . (٥) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٢/ ٣٥٢ . (٦) في النسخ: زايله الله مزايلةٌ، والمثبت من الصحاح (زيل) والكلام منه. (٧) في معاني القرآن ٤٦٢/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٥٢/٢ ، وما بعده منه. (٨) التخاتل: التخادع. الصحاح (ختل). ٤٨٨ سورة يونس: الآيات ٢٨ - ٣٠ حتى أمرتمونا. قال مجاهد: يُنطِق الله الأوثانَ فتقول: ما كنا نشعرُ بأنكم إيَّانا تعبدون، وما أَمَرْناكُم بعبادتنا(١). وإنْ حُمل الشركاءُ على الشياطين؛ فالمعنى أنَّهم يقولون ذلك دَهَشاً، أو يقولونَه كذباً؛ احتيالاً(٢) للخلاص، وقد يجري مثلُ هذا غداً، وإنْ صارت المعارفُ ضروريّة. قوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ قوله تعالى: ﴿فَكَفَ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ((شَهِيداً) مفعولٌ(٣)، أي: كفى اللـهُ شهيداً، أو تمييزٌ، أي: أكْتَفِ به شهيداً بيننا وبينكم إنْ كنا أَمَرْناكُم بهذا أو رَضِيناهُ منكم . ﴿إِن كُنَّ﴾ أي: ما كنا ﴿عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ﴾: إلَّا غافلين، لا نسمعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعِقِلُ؛ لأنَّا كنَّا جماداً لا رُوحَ فينا (٤). قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتَّ وَرُدُّواْ إِلَى اَللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ ٣٠ وَضَّلَ عَنْهُم ◌َّا كَانُوا يَفْتَرُونَ قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ في موضعٍ نصبٍ على الظرف. ﴿بَبْلُوا﴾ أي: في ذلك الوقت(٥). ((تبلُو))، أي: تذوقُ. وقال الكلبيّ: تعلم. مجاهد: تُختبر(٦). ﴿كُلُّ نَفْسِ مَّ أَسْلَفَتْ﴾ أي: جزاءَ ما عَمِلَت وقدَّمَت. وقيل: تُسلم، أي: تُسلم ما عليها مِن الحقوقِ إلى أربابِها بغيرِ اختيارها(٧). (١) مجمع البيان للطبرسي ٤٢/١١. وتفسير أبي الليث ٢/ ٩٧. وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٢/ ١٧١. (٢) في (م): أو يقولون كذباً واحتيالاً. (٣) لم نقف على هذا الوجه، والذي في المصادر أن ((شهيداً) فيها وجهان: الأول: تمييز، والثاني: حال. ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٣٤٤/١، والدر المصون ٥٨٧/٣ . (٤) تفسير البغوي ٣٥٢/٢، وزاد المسير ٢٧/٤ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢. (٦) تفسير مجاهد ٢٩٤/١، وأخرجه الطبري ١٧٣/١٢، وينظر تفسير البغوي ٣٥٢/٢. (٧) النكت والعيون ٤٣٤/٢ . ٤٨٩ سورة يونس: الآية ٣٠ وقرأ حمزة والكسائيّ: ((تتلُو)) (١) أي: تقرأ كلُّ نفسٍ كتابَها الذي كُتب عليها. وقيل: ((تتلُو)): تتبعُ، أي: تتبعُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَت في الدنيا، قاله السُّدِّي. ومنه قولُ الشاعر: كما رأيتُ الذِّيبَ يتلُو الذِّيبا(٢) إنَّ المُرِيبَ يتبعُ المُرِيبًا قوله تعالى: ﴿وَرُدُّوَأَ إِلَى اَللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ [مولى] بالخفضِ على البدلِ، أو الصِّفة(٣). ويجوزُ نصبُ الحقِّ مِن ثلاثٍ جهات، يكونُ التقديرُ: ورُدُّوا حقًّا، ثم جِيءَ بالألف واللام. ويجوزُ أنْ يكونَ التقدير: مولاهُم حقًّا، لا ما يعبدون مِن دونه. والوجهُ الثالث: أنْ يكونَ مدحاً، أي: أعني الحقَّ، ويجوزُ أنْ يُرفع ((الحقّ)) ويكونَ المعنى: مولاهُم الحقُّ - على الابتداءِ والخبرِ والقطع مما قبل - لا ما يُشركون مِن دونه(٤). ووصفَ نفسَه سبحانه بالحقّ؛ لأنَّ الحقَّ منه، كما وصفَ نفسَه بالعَدل؛ لأنَّ العَدلَ منه(٥)، أي: كلُّ عَدلٍ وحقٌّ فمن قِبَلِه، وقال ابن عباس: ((مولاهم بالحَقّ))، أي: الذي يُجازِيهم بالحقّ(٦). ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: بطلَ، ﴿مَّا كَانُوا يَفْتَوُنَ ﴾ في موضع رفع(٧)، وهو بمعنى المصدر، أي: افتراؤهم. فإن قيل: كيف قال: ((ورُدُّوا إلى الله مولاهُم الحقِّ)) وقد أخبرَ بأنَّ الكافرين لا مولَى لهم؟ قيل: ليس بمولاهُمْ في النُّصرةِ والمعونة، وهو مولى لهم في الرِّزقِ وإدرارِ النِّعم(٨). (١) السبعة ص٣٢٥، والتيسير ص١٢١ . (٢) النكت والعيون ٤٣٤/٢ . (٣) مشكل إعراب القرآن ٣٤٤/١. وما بين حاصرتين منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢، دون قوله: على الابتداء والخبر والقطع مما قبل. (٥) النكت والعيون ٤٣٤/٢ . (٦) ذكر معناه الواحدي في الوجيز (بهامش مراح لبيد) ١/ ٣٦٧ . (٧) في (د) و(ز) و(م): ((يفترون)) في موضع رفع، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/٢ - ٢٥٣، والكلام منه. (٨) النكت والعيون ٤٣٤/٢ . ٤٩٠ سورة يونس: الآيتان ٣١ - ٣٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَنْ يُغْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَنَّقُونَ المُراد بمسَاق هذا الكلام الردّ على المشركين، وتقريرُ الحُجَّة عليهم، فمن اعترفَ منهم فالحُجَّة ظاهرةٌ عليهم، ومَن لم يعترفْ فيقرَّرُ عليه أنَّ هذه السماواتِ والأرضَ لابدَّ لهما مِن خالق، ولا يتمارَى في هذا عاقل. وهذا قريبٌ مِن مرتبة الضرورة. ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي: بالمطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: بالنبات. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاَلْأَبَْرَ﴾ أي: مَن جعلها وخلقَها(١) لكم. ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ أي: النباتَ مِن الأرض، والإنسانَ مِن النُّطفة، والسُّنْبُلَةَ مِن الحبَّة، والطيرَ مِن البيضة، والمؤمنَ مِن الكافر(٢). ﴿وَمَنْ يُدَبِرُ آلْأَنَّ﴾ أي: يُقدِّره ويَقضيه ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الخالقَ هو الله، أو فسيقولون: هو الله إنْ فَّروا وأنصفُوا فَقُلْ لهم يا محمد: ﴿أَفَلَا نَنَُّونَ﴾ أي: أفلا تخافُون عقابَه ونِقْمتَه في الدنيا والآخرة(٣). قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُ اَلَّْ فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلُّ فَأَنَّى تُّهْرَفُونَ ١٣٢ قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُ اَلْمَنِّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلَّ﴾ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((فَذَلِكُمُ اللهُ رَيُّكُمُ الحقُّ) أي: هذا الذي يفعلُ هذه الأشياءَ هو ربُّكم الحقّ، لا ما أشركتُم معه (٤). ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ﴾ ((ذا)): صلة، أي: ما بعدَ (١) في (د) و(م): جعلهما وخلقهما. وينظر الوجيز للواحدي ١/ ٣٦٧. (٢) الوسيط للواحدي ٥٤٦/٢ . (٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٥٢ . (٤) المصدر السابق. ٤٩١ سورة يونس: الآية ٣٢ عبادةِ الإله الحقّ إذا تركتَ عبادتَه إلَّ الضلال(١). وقال بعضُ المتقدّمين: ظاهرُ هذه الآية يدلُّ على أنَّ ما بعدَ الله هو الضلال؛ لأنَّ أوَّلَها ﴿فَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُ اَلَّْ﴾ وآخرَها ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلِّ﴾ فهذا في الإيمانِ والكفرِ، ليس في الأعمال. وقال بعضُهم: إنَّ الكفرَ تغطيةُ الحقّ، وكلُّ ما كان غيرَ الحقّ جرى هذا المَجرى، فالحرامُ ضلالٌ، والمباحُ هُدّى، فإنَّ اللهَ هو المُبِيحُ والمُحرِّمُ (٢). والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ قبلُ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿فَدَلِكُ اللّهُ رَبِّكُ اَلَّْ﴾ أي: هذا الذي رزقَكُم، وهذا كلُّه فِعلُه هو. ((رَبُّكُمُ الحقُّ) أي: الذي تَحِقُّ له الأُلوهيَّة، ويستوجبُ العبادة، وإذا كان ذلك فتشريكُ غيره ضلالٌ وغیرُ حقّ(٣). الثانية: قال علماؤنا: حكمَتْ هذه الآيةُ بأنَّه ليس بين الحقّ والباطل منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ الله تعالى، وكذلك هو الأمرُ في نظائرها، وهي مسائلُ الأصول التي الحقّ فيها في طرفٍ واحد؛ لأنَّ الكلامَ فيها إنَّما هو في تقريرٍ (٤) وجود ذاتٍ كيف هي، وذلك بخلاف مسائلِ الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقوله عليه الصلاة والسَّلام: ((الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُتشابهاتٌ))(٥). والكلامُ في الفروع إنَّما هو في أحكامٍ طارئةٍ على وجودٍ ذاتٍ متقرِّرةٍ لا يُختلَفُ فيها، وإنَّما يُختلف في الأحكام المتعلّقة بها. (١) الوجيز للواحدي ٣٦٨/١. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٤٠ - ١٠٤١ . (٣) المحرر الوجيز ١١٨/٣. (٤) في (خ) و(ز) و(م): تعديد، وفي (د) و(ظ): تقدير، والمثبت من المحرر الوجيز ١١٨/٣، والكلام منه إلى نهاية المسألة. (٥) هو في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير، وسلف ٢٩٥/٢ . ٤٩٢ سورة يونس: الآية ٣٢ الثالثة: ثبتَ عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ# كان إذا قام إلى الصلاة في جَوْف الليل قال: ((اللهمَّ لك الحمدُ)) الحديثَ. وفيه: «أنتَ الحقُّ، ووَعْدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤُك الحقُّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والسّاعةُ حقٌّ، والنبُّونَ حقٌّ، ومحمدٌ حقٌّ))(١) الحديثَ. فقولُه: ((أنتَ الحقُّ) أي: الواجبُ الوجود، وأصلُه مِن حَقَّ الشيءُ، أي: ثبتَ ووجب، وهذا الوصفُ لله تعالى بالحقيقة [والخصوصية، لا ينبغي لغيره]، إذ وجودُه لنفسه، لم يَسبقه عَدَمٌ، ولا يلحقه عدَمٌ، وما عداه مما يُقال عليه هذا الاسمُ مسبوقٌ بِعَدَم، ويجوزُ عليه لَحاقُ العَدَمِ، ووجودُه مِن مُوجِده لا مِن نفسه. وباعتبار هذا المعنى كان أصدقُ كلمة قالها الشاعر كلمةً لبيد : ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَتْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تَُّعُونَ﴾ (٢) [القصص: ٨٨]. الرابعة: مقابلةُ الحقّ بالضلال عُرف لغةً وشرعاً، كما في هذه الآية. وكذلك أيضاً مقابلةُ الحقّ بالباطل عُرف لغةً وشرعاً، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. والضلالُ: حقيقته الذهابُ عن الحقّ، أُخِذ مِن ضلال الطريق، وهو العُدول عن سَمْته. قال ابن عرفة: الضلالةُ عند العرب: سلوكُ غيرِ سبيل القَصْد، يقال: ضلَّ عن الطريق، وأضلَّ الشيءَ: إذا أضاعَه. وخُصَّ في الشرع بالعبارة في العدول(٣) عن السَّداد(٤) في الاعتقاد دون الأعمال. ومِن غريب أمره أنه يُعبَّر به عن عَدَم (١) لم نقف عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أحمد (٣٣٦٨)، والبخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) المفهم ٣٩٨/٢، وما بين حاصرتين منه، وبيت لبيد سلف ٢١/٢ . (٣) الكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١٠٣٩/٣ (دون قول ابن عرفة)، وفيه: عن العدول. (٤) في (خ) و(د) و(ز): السواء، وفي (ظ): السر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي . ٤٩٣ سورة يونس: الآية ٣٢ المعرفة (١) بالحقّ(٢) إذا قابله غَفْلة، ولم يقترن بعدمه جَهْل أو شكٌّ، وعليه حملَ العلماءُ قوله تعالى: ﴿وَوَجَدََ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، أي: غافلاً، في أحد التأويلات، يُحقِّقُه قوله تعالى: ﴿مَا كُتَ نَّدّرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. الخامسة: روى عبدُ الله بن عبد الحكم وأشهبُ(٣) عن مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الَّلَلُّ﴾ قال: اللَّعِبُ بالشِّطرنج والنّرْد مِن الضلال. وروى يونس عن ابن وهب [عن مالك] أنَّه سُئل عن الرجل يلعبُ في بيته مع امرأتِهِ بأربعَ عشرةَ(٤)، فقال مالك: ما يُعجبني، وليس مِن شأن المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلَّ﴾(٥). وروى يونس عن أشهب قال: سُئل - يعني مالكاً - عن اللَّعب بالشِّطرنج فقال: لا خيرَ فيه، وليس بشيء، وهو مِن الباطل، واللَّعبُ كلُّه مِن الباطل، وإنَّه ينبغي لذي العقل أنْ تنهاه اللِّحيةُ والشيبُ عن الباطل(٦). وقال الزهري لما سُئل عن الشِّطرنج: هي مِن الباطل، ولا أحبُّها(٧). السادسة: اختلفَ العلماءُ في جوازِ اللَّعب بالشِّطرنج وغيرِه إذا لم يكنْ على وجه القِمار، فتحصيلُ مذهبٍ مالك وجمهورِ الفقهاء في الشِّطرنج أنَّ مَن لم يُقامِرْ بها، ولعبَ مع أهله في بيتِهِ مُسْتِراً به؛ مرَّةٌ في الشهرِ أو العام، لا يُطَّلعُ عليه ولا يُعلم به؛ (١) في النسخ الخطية: يعبر به عن العدم عن المعرفة، والمثبت من (م) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي. (٢) في النسخ الخطية: بالحق سبحانه، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي: عن أشهب. (٤) هي قطعة خشب يُحفر فيها ثمان وعشرون حفرة، أربع عشرة من جانب وأربع عشرة من الجانب الآخر، ويجعل فيها حصى صغار يُلعب بها. وتسمى أيضاً المنقلة. الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ٢/ ١٩١. (٥) بعدها في (ظ): واللهو المفرط بدعة وضلال. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٤٠، وما بین حاصرتین منه. (٧) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٧٩/١٣، والحليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٩٢/٣ . ٤٩٤ سورة يونس: الآية ٣٢ أنَّه معفوٍّ عنه(١) غيرُ محرَّم عليه ولا مكروهٌ له، وأنَّه إنْ تَخَلَّع به، واشتَهر(٢) فيه، سقطَتْ مُروءتُه وعدالتُه، ورُدَّتْ شهادتُهُ(٣). وأمَّا الشافعيّ فلا تسقطُ في مذهبٍ أصحابه شهادةُ اللَّعب بالثَّرد والشِّطرنج، إذا كان عَدْلاً في جميعٍ أحواله(٤)، ولم يظهرْ منه سَفَهٌ ولا رِيبةٌ ولا كبيرةٌ إلَّا أنْ يلعبَ به قماراً، فإنْ لَعِبَ به قماراً، وكان بذلك معروفاً سقطَتْ عدالتُه وسفَّه نفسَه لأكلِه المالَ بالباطل. وقال أبو حنيفة: يُكره اللَّعبُ بالشّطرنج والنَّرد والأربعةَ عشرَ وكلِّ اللهو؛ فإنْ لم تَظهرْ مِن اللَّعب بها كبيرةٌ وكانت محاسنُه أكثرَ مِن مساويه قُبِلَت شهادتُه عندهم. قال ابن العربي(٥): قالت الشافعية: إنَّ الشِّطرنج يُخالف النَّرد؛ لأنَّ فيه إكدادَ الفهم، واستعمالَ القريحة. والنَّردُ قِمارُ غَرَرٍ، لا يعلم ما يَخرِجُ له فيه، كالاستقسامِ بالأزلام. السابعة: قال علماؤنا: النَّردُ: قطعٌ ملونة(٦) مِن خشبِ البقس(٧) ومِن عظم الفيل، وكذا هو الشِّطرنج؛ إذ هو أخوه غُذِّي بِلبانه. والنَّرد هو الذي يُعرف بالطبل(٨)، ويُعرف بالكِعاب، ويُعرف في الجاهلية أيضاً بالأرن، ويُعرف أيضاً بالنَّرْدَشِير. وفي (١) بعدها زيادة في (ظ): موافق لقول الإمام الأعظم أبي حنيفة، سُئل عن الشطرنج وغيره من أنواع اللعب، أجاب بقوله: كل لهو مكروه، والمكروه عنده ما كان إلى الحرام أقرب، وقال: لا أحبها، ولولا أعلم أن نهي للعامة (كذا) لا يُؤثر لنهيتهم عن كل ما يحدث الغفلة؛ لأن كل ما ألهى الإنسان غفلة، والغفلة مكروهة، وأجمع الجمهور أيضاً إذا كان يؤدي الصلوات في أوقاتها، ولا يلهو به عن العبادات ولم يقامر. اهـ. وهذه المسألة من التمهيد ١٧٩/١٣ - ١٨٠ و ١٨٣، وليس فيه هذه الزيادة. (٢) في التمهيد: استهتر. وقوله: تخلَّع، جاء في اللسان (خلع): تخلَّع في الشراب: انهمك فيه ولازمه ليلاً ونهاراً. (٣) بعدها في (ظ): أيضاً عندهما، أي: عند أبي حنيفة ومالك. (٤) في النسخ: أصحابه، والمثبت من التمهيد، وينظر إكمال المعلم ٧/ ٢٠٢ . (٥) في أحكام القرآن ١٠٤١/٣ . (٦) في النسخ: مملوءة، والمثبت من التمهيد ١٧٥/١٣، والاستذكار ١٢٩/٢٧، والكلام منهما. (٧) البَقْس: شجر كالآس ورقاً وحبًّا. القاموس (بقس). (٨) في (م): بالباطل. ٤٩٥ سورة يونس: الآية ٣٢ (صحيح مسلم)(١): عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، عن النبيِّ﴾ قال: ((مَن لَعِبَ بالنَّردَشِير؛ فكأنَّما غَمَسَ يدَه في لحم خنزيرٍ ودَمِه)». قال علماؤنا: ومعنى هذا، أي: هو كمن غمسَ يدَه في لحم الخنزير يُهيّئه(٢) لأن يأكلَه، وهذا الفعلُ في الخنزير حرامٌ لا يجوز، يُبيِّنه قولُهُ ﴾: ((مَن لَعِبَ بالنَّردِ فقد عصى الله ورسوله))، رواه مالك وغيرُه مِن حديث أبي موسى الأشعري(٣)، وهو حديثٌ صحيح، وهو يُحرِّمِ اللَّعبَ بالنَّرد جُملةً واحدةً، وكذلك الشِّطرنج، لم يَستثنِ وقتاً مِن وقت، ولا حالاً مِن حال، وأخبرَ أنَّ فاعلَ ذلك عاصٍ لله ورسوله، إلَّا أنَّه يَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ باللَّعب بالنَّرد المَنهيّ عنه أنْ يكونَ على وجهِ القمار؛ لما رُوي مِن إجازة اللَّعب بالشّطرنج عن التابعين على غيرِ قِمار. وحَمْلُ ذلك على العموم قماراً وغيرَ قمارٍ أَوْلى وأحوطُ إن شاء الله(٤). قال أبو عبد الله الحَلِيميّ في ((كتاب منهاج الدين))(٥): ومما جاء في الشِّطرنج حديثٌ يُروى فيه كما يُروى في الثَّرد أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((مَن لعبَ بالشِّطرنج فقد عصى الله ورسوله))(٦). وعن عليّ﴾ أنَّه مَرَّ على مجالسَ من بني تميم(٧) وهم يلعبون بالشِّطرنج، فوقفَ عليهم فقال: أما واللهِ، لغير هذا خُلقتُم، أمَا والله، لولا أنْ تكونَ سُنَّةً(٨) لضربتُ به وجوهكم. (١) الحديث (٢٢٦٠)، وهو في مسند أحمد (٢٢٩٧٩). (٢) في (ظ): في لحم الخنزير ودمه يمسّه .. (٣) الموطأ ٩٥٨/٢ . وأخرجه أحمد (١٩٥٥١). (٤) التمهيد ١٧٥/١٣ و١٨١. دون قوله: وكذلك الشطرنج. (٥) المنهاج في شعب الإيمان ٣/ ٩٢ . (٦) أورده ابن عبد البر في التمهيد ١٧٣/١٣ وقال: رُوي حديث منكر عن مالك عن نافع عن ابن عمر .. فذكره، وقال: وهذا إسناد عن مالك مظلم، وهو حديث موضوع باطل. (٧) في (م): مرَّ على مجلس من مجالس بني تميم. (٨) في المنهاج في شعب الإيمان: سُبَّة. ٤٩٦ سورة يونس: الآية ٣٢ وعنه أنَّه مَرَّ بقوم يلعبون بالشِّطرنج، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَمَا عَّكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] لأنْ يَمَسَّ أحدُكم جمراً حتى يَظْفَأْ خَيرٌ مِن أنْ يَمسَّها. وسُئل ابن عمر عن الشِّطرنج فقال: هي شَرِّ مِن النَّرد. وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعبُ بالشِّطرنج إلَّا خاطئٌ. وسُئل أبو جعفر عن الشِّطرنج فقال: دَعونا مِن هذه المجوسيَّة(١). وفي حديثٍ طويلٍ عن النبيِّ ﴾: ((وأنَّ مَن لعبَ بالنَّرد والشِّطرنج والجوز والكِعاب مَقَّتَه الله، ومَن جلسَ إلى مَن يلعبُ بالنَّرد والشِّطرنج(٢) لينظرَ إليهم مُحِيَتْ عنه حسناتُه كلُّها، وصار ممن مَقَتَه الله))(٣). وهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على تحريم اللَّعب بها بلا قمارٍ، والله أعلم. وقد ذكرنا في ((المائدة))(٤) بيانَ تحريمها، وأنَّها كالخمر في التحريم لاقترانِها به، والله أعلم. قال ابن العربيّ في ((قَبَسه))(٥): وقد جوَّزَه الشافعيّ، وانتهى حالُ بعضهم إلى أنْ يقول: هو مندوبٌ إليه(٦)، حتى اتَّخذوه في المدرسة، فإذا أعيا الطالبُ مِن القراءة لَعِبَ به في المسجد، وأسندوا إلى قومٍ مِن الصحابة والتابعين أنَّهم لَعِبوا بها! وما كان ذلك قطّ، وتالله، ما مسَّتْها يَدُ تقيٍّ. ويقولون: إنَّها تَشْحَذُ الذِّهن، والعِيان يُكذِّبهم، ما تبخَّرَ فيها قظُ رجلٌ له ذِهن (٧). سمعتُ الإمام أبا الفضل عطاء المَقْدسي(٨) يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنَّها تُعلِّم الحرب. فقال له الظُّرْطُوشيُّ: بل تُفسد (١) أخرج هذه الآثار البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢١٢ . (٢) بعدها في (ظ): وغيره من الملاهي. (٣) لم نقف عليه عند غير الحليمي في المنهاج ٣/ ٩٢ - ٩٣ وعنه نقله المصنف. (٤) ٨/ ١٦٤ - ١٦٥ . (٥) ١١٤٠/٣. (٦) في (ظ): هو مباح، ومنهم من قال مندوب إليه. (٧) في (ظ): إنه يقوي الذهن ويزيد في العقل، والعيان يكذبهم، شاهد عليهم: لم أر قط رجل يلعبها له ذهن. (٨) لم نقف له على ترجمة سوى ما قاله ابن العربي في أحكام القرآن ٨٣٨/٣ : شيخنا عطاء المقدسي شيخ الفقهاء والصوفية ببيت المقدس. ٤٩٧ سورة يونس: الآية ٣٢ تدبيرَ الحرب؛ لأنَّ الحربَ المقصودُ منها المَلِكُ واغتيالُه، وفي الشِّطرنج تقول: شاه إيَّه، المَلِك نَحِّه عن طريقي، فاستضحَكَ الحاضرين. وتارةً شدَّدَ فيها مالك وحرَّمها وقال فيها: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلَّ﴾. وتارةً استهانَ بالقليل منها والأهون(١)، والقولُ الأوَّلُ أصحُ، والله أعلم. فإن قال قائل: رُوي عن عمر بن الخطاب ﴾ أنَّه سُئل عن الشِّطرنج فقال: وما الشِّطرنجُ؟ فقيل له: إنَّ امرأةً كان لها ابنٌّ ۔ وکان مَلِكاً ۔ فأُصيبَ في حربٍ دون أصحابه، فقالت: كيف يكون هذا؟ أَرُونيه عِياناً، فعُمل لها الشِّطرنج، فلما رَأتْه تسلَّتْ بذلك. ووصفوا الشِّطرنج لعمر ﴾ فقال: لا بأسَ بما كان مِن آلةِ الحرب(٢). قيل له: هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يقل: لا بأسَ بالشِّطرنج، وإنَّما قال: لا بأسَ بما كان مِن آلةِ الحرب. وإنَّما قال هذا؛ لأنَّه شُبِّه عليه أنَّ اللعبَ بالشِّطرنج مما يُستعان به على معرفةٍ أسبابِ الحرب، فلما قيل له ذلك، ولم يُحظ به علمُه قال: لا بأسَ بما كان مِن آلة الحرب، [أي: ] إنْ كان كما تقولون فلا بأسَ به، وكذلك من رُوي عنه من الصحابة أنَّه لم يَنْهَ عنه، فإنَّ ذلك محمولٌ منه على أنَّه ظنَّ أنَّ ذلك لیس يُتَلهَّى به، وإنَّما يُراد به النسبُ(٣) إلى علم القتال(٤) والمضاربة(٥) فيه، أو على أنَّ الخبرَ المُسنَد لم يبلغْهم. قال الحَلِيمِي(٦): وإذا صحَّ الخبرُ فلا حُجَّة لأحدٍ معه، وإنَّما الحُجَّة فيه على الكافَّة. (١) في القبس: ولا هون. (٢) بعدها في (ظ): إن كان ذلك كما يقولون. وأورد هذين الأثرين الحَليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٩٤/٣، والكلام منه إلى آخر المسألة، وما بين سيرد حاصرتين منه. (٣) في (خ): التشبيه، وفي (ز) و(ظ) و(م): التسبب، والمثبت من (د) وهو الموافق للمنهاج. (٤) عبارة (ظ) : .. أنه ظن أنه ليس يبتلى كثير من الشيوخ الجهال الذين لا يقدرون على الغزو والجهاد، وإنما يراد الشاب الذي يتعلم أو علم الجهاد والقتال .. (٥) في المنهاج في شعب الإيمان: والمهارة. (٦) في المنهاج في شعب الإيمان ٩٥/٣ . ٤٩٨ سورة يونس: الآيتان ٣٢ - ٣٣ الثامنة: ذكر ابن وهب بإسناده أنَّ عبد الله بن عمر مَرَّ بغلمان يلعبون بالكُجَّة - وهي حفرٌ فيها حصّى يلعبون بها - قال: فسدَّها ابن عمر ونَهاهُم عنها(١). وذكر الهرويُّ في باب الكاف مع الجيم في حديث ابن عباس: في كلِّ شيء قِمارٌ حتى في لعب الصِّبيان بالكُجَّة، قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذَ الصبيُّ خِرقةً فيدوِّرَها كأنَّها كرةٌ، ثم يتقامرون بها. وكَجَّ: إذا لعِبَ بالكُجَّة(٢). قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تَصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يَرزقُ ولا يُحيي ولا يُميت(٣)؟! قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيْكَ عَ الَّذِينَ فَسَقُواْ أَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ أي: حكمُه وقضاؤه وعلمُه السابق. ﴿عَلَ الَّذِينَ فَقُوا﴾ أي: خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذَّبوا. ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يُصدِّقون. وفي هذا أوْفَى دليل على القَدَريَّة(٤). وقرأ نافع وابن عامر هنا، وفي آخرها: ((كذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ))، وفي سورة غافر(٥) بالجمع في الثلاثة، الباقون بالإفراد(٦). و ((أنَّ) في موضعٍ نصبٍ، أي: بأنَّهم أو لأنَّهم. قال الزجاج (٧): ويجوزُ أنْ تكونَ (١) التمهيد ١٧٧/١٣. (٢) تهذيب اللغة ٩/ ٤٢٣ . وقول ابن عباس رضي الله عنهما ذكره أيضاً ابن الجوزي في غريب الحديث ٢٨١/٢ . وجاء بعد ذلك في (ظ) ما نصُّه: والذي أراه من هذا اللهو واللعب المفرط إذا أجمعوا عليه العامة (كذا) ولم ينهوا بعضهم بعضاً قتّر عليهم في المعايش، وجلب إليهم الأمور المزعجة، والمراد به ولي الولد الذي یلهو، لا بد وأن يحل بهم المقت. (٣) الوسيط ٢/ ٥٤٧ . (٤) تفسير الرازي ١٧/ ٨٧ - ٨٨. (٥) الآية (٦) منها، والآية الأخرى في هذه السورة هي الآية (٩٦). (٦) السبعة ص٣٢٦، والتيسير ص ١٢٢ . (٧) في معاني القرآن له ١٨/٣ . ٤٩٩ سورة يونس: الآيات ٣٣ - ٣٥ في موضع رفعٍ على البدل مِن (كلمات)). قال الفراء(١): يجوزُ: ((إنَّهم)) بالكسرِ على الاستئناف(٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ قُلِ اللَّهُ يَْدَؤُاْ الْخَلْقَ (٣٤) ثُمَّ يُعِيدُمْ فَى تُؤْفَكُونَ قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ﴾ أي: آلهتكم ومعبوداتِكم. ﴿َمَّن يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُدُُّ﴾ أي: قُلْ لهم يا محمد ذلك على جهةِ التوبيخ والتقرير، فإنْ أجابوك وإلَّا ذَـ ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَوُاْ الْخَلْقَ ثُّ يُعِيدٌُ﴾ وليس غيرُه يفعلُ ذلك. ﴿فَأَنَّ تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تنقليون وتنصرِفون عن الحقِّ إلى الباطل؟! قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَّبِكُم مَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَبَعَ أَمَنْ لَا يَهِدِىّ إِلَّا أَنْ يُهْدَىّ ◌َا لَكُنْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ قوله تعالى: ﴿قُلّ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُمْ مَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ يُقال: هداه للطريق، وإلى الطريق؛ بمعنىّ واحد، وقد تقدَّم(٣). أي: هل مِن شركائِكم مَن يُرشِد إلى دين الإسلام؟ فإذا قالوا: لا، ولا بدَّ منه فـ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ﴾، ثم قل لهم موبِّخاً ومقرّراً: ﴿أَفَنَ يَهْدِىّ﴾ أي: يُرشد. ﴿إِلَى الْحَقّ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى ﴿أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَنْ لَا تَهِدِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَىٌّ﴾ يريدُ الأصنامَ التي لا تهدي أحداً، ولا تمشي إلّا أنْ تُحمل، ولا تنتقلُ عن مكانها إلَّ أنْ تُنقل (٤). قال الشاعر: حيثُ تَهْدِي ساقَه قَدَمُهْ(٥) للفتى عقلٌ يعيشُ به وقيل: المرادُ الرؤساءُ والمُضلّون الذين لا يُرشدون أنفسَهم إلى هُدَى إلَّا أنْ (١) معاني القرآن له ٤٦٣/١ - ٤٦٤ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٣/٢، وعنه نقل المصنف قولي الزجاج والفراء. (٣) ٢٤٧/١ . (٤) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٤٧، وتفسير البغوي ٣٥٣/٢. (٥) قائله طرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٨٦ . ٥٠٠ سورة يونس: الآية ٣٥ يُرْشَدوا(١). وفي ((يَهِدِّي)) قراءاتٌ ستُّ: الأولى: قرأ أهلُ المدينة إلَّا ورشاً ((يَهْدِّي)) بفتح الياء وإسكان الهاء وتشدید الدال(٢)، فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: ((لَا تَعْدُّوا)) [النساء: ١٥٤]، وفي قوله: ((يَخْصِّمُونَ)) [يس: ٤٩]. قال النحاس(٣): والجمعُ بين الساكنين لا يقدِرُ أحدٌ أنْ يَنطِقَ به. قال محمد بن يزيد: لا بدَّ لمن رامَ مثل هذا أنْ يُحرِّكَ حركةً خفيفةً إلى الكسر، وسيبويه يُسمّي هذا اختلاسَ الحركة. الثانية: قرأَ أبو عمرو وقالون في روايةٍ بين الفتح والإسكان، على مذهبه في (٤) الإخفاءِ والاختلاس الثالثة: قرأَ ابنُ عامر، وابن كثير، وورش، وابن مُحَيْصن: ((يَهَدّي)) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال(٥). قال النحاس(٦): هذه القراءةُ بيِّنةٌ في العربية، والأصلُ فيها يَهتدي، أُدغِمت التاء في الدال، وقُلبت حركتُها على الهاء. الرابعة: قرأ حفصٌّ ويعقوبُ والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير، إلا أنهم كسروا الهاء (٧)، قالوا: لأن الجزم إذا اضْطُرَّ إلى حركته حُرِّك إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سُفْلَى مضر(٨). (١) تفسير الرازي ١٧/ ٩١ . (٢) قرأ بها نافع في رواية قالون، وأبو جعفر. السبعة ص٣٢٦، والتيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٣/٢-٢٨٤ . (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٥٤ . . (٤) السبعة ص٣٢٦، والتيسير ص١٢٢ . (٥) السبعة ص٣٢٦، والتيسير ص١٢٢ . وابن محيصن ليس من العشرة. : (٦) إعراب القرآن ٢/ ٢٥٤ . (٧) السبعة ص٣٢٦، والتيسير ص ١٢٢، والنشر ٢/ ٢٨٣، ورواية الأعمش عن أبي بكر ليست المشهورة عنه، وستأتي المشهورة عنه بعده. (٨) ذكره أبو حيان في البحر ١٥٦/٥ .