النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة التوبة: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
وقرأ عبد الله بن قُسيط المكيّ: ((من أنْفَسِكم)) بفتح الفاء؛ من النَّفَاسة(١)،
ورويت عن النبيِّ # وعن فاطمة رضي الله عنها (٢)؛ أي: جاءكم رسولٌ من أَشْرَفكم
وأَفْضَلِكم، من قولك: شيء نفيس، إذا كان مرغوباً فيه.
وقيل: من أَنْفَسِكم، أي: أكثركم طاعة(٣).
قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ﴾ أي: يَعِزّ عليه مَشَقَّتُكُم. والعَنَتُ: المشقّة،
من قولهم: أَكَمةٌ عَنُوتٌ: إذا كانت شاقَّةٌ مهلكةٌ(٤). وقال ابن الأنباريِّ: أصلُ
التعنُّت: التشديد؛ فإذا قالت العرب: فلانٌ يَتَعَنَّتُ فلاناً ويُعنِته، فمرادُهم: يُشدِّد عليه
ويُلزمه بما يَصْعُبُ عليه أداؤه. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥).
((وما)) في ((ما عَنِثُمْ)) مصدرية، وهي ابتداء، و((عَزِيزٌ)) خبرٌ مقدَّم. ويجوز أن يكون
((ما عنثُم)) فاعلاً بعزيز، و((عزيز)) صفة للرسول، وهو أصوب(٦). وكذا ((حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ)) وكذا ((رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) رُفِعَ على الصفة(٧). قال الفرَّاء: ولو قرئ: عزيزاً عليه ما
عنثُم حريصاً رؤوفاً رحيماً، نَصْباً على الحال؛ جاز(٨).
= وهو متروك، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٢٧٣)، وابن سعد ١/ ٦٠ - ٦١ عن جعفر بن محمد بن علي،
عن أبيه، مرسلاً، ووصله الطبراني في الأوسط (٤٧٢٥) عن علي بن أبي طالب ﴾، وفي إسناده نظر،
كما ذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، وقال: ورواه البيهقي من حديث أنس، وإسناده
ضعيف .
(١) المحتسب ٣٠٦/١.
(٢) القراءات الشاذة ص٥٦، والكشاف ٢٢٣/٢، والمحرر الوجيز ١٠٠/٣ والكلام منه.
(٣) زاد المسير ٥٢١/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٤٠ .
(٥) ٤٥٣/٣، وقول ابن الأنباري بنحوه في الزاهر ٣٣٢/١ - ٣٣٣.
(٦) المحرر الوجيز ٣/ ١٠٠ . وتقدير الكلام: يَعزُّ عليه عنتُكم، ويجوز أن تكون ما بمعنى الذي، فيكون
التقدير: يعز عليه الذي عنتُّموه. الدر المصون ٦/ ١٤١ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٠/٢ - ٢٤١ .
(٨) يعني في اللغة، لا في القراءة. وينظر معاني القرآن للفراء ٤٥٦/١.

٤٤٢
سورة التوبة: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
قال أبو جعفر النحاس(١): وأحسن ما قيل في معناه مما يُوافق كلامَ العرب: ما
حذَّثنا أحمد بن محمد الأزديُّ قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد الخُزاعيُّ قال: سمعت
عمرو بن عليٍّ يقول: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي(٢) يقول في قوله عزَّ وجلَّ:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾ قال: أنْ تدخلوا النار،
((حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ)) قال: أن تدخلوا الجنة. وقيل: حريصٌ عليكم أن تؤمنوا.
وقال الفرَّاء(٣): شحيحٌ بأن تدخلوا النار. والحرصُ على الشيء: الشُّخُ عليه أن
يَضيع ويَتْلَف.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الرؤوف: المُبالِغ في الرأفة والشَّفقة. وقد تقدَّم في
((البقرة)) معنى ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ مستوفّى(٤). وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله
لأحدٍ من الأنبياء اسمين من أسمائه إلَّا للنبيّ محمدٍ ﴿؛ فإنه قال: ﴿ ◌ِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
زَّحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالنَّاسِ لَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣](٥).
وقال عبد العزيز بن يحيى: نَظْمُ الآية: لقد جاءكم رسولٌ مِن أنفسِكم عزيزٌ
حريصٌ، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ، عزيزٌ عليه ما عَنِثُم، لا يهمُّه إلَّا شأنُكم، وهو
القائِمُ بالشفاعة لكم، فلا تهتمُّوا بما عَنِثُم ما أَقمتُم على سُنَّتِه؛ فإنه لا يُرضيه إلا
دخولُكم الجنة.
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْىَ اَللَّهُ﴾ أي: إن أَعْرَض الكفار يا محمدُ بعد
هذه النعم التي مَنَّ الله عليهم بها، فقل: حسبيَ الله، أي: كافيَّ الله تعالى ﴿لََّ إِلَّهَ
(١) في إعراب القرآن ٢٤١/٢، وما قبله منه.
(٢) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء، وهذه النسبة إلى الخُريبة، وهي محلة مشهورة بالبصرة، وأصل
عبد الله الخُريبي من الكوفة، نزل خُريبة البصرة فنُسب إليها، توفي (٢١١هـ). الأنساب ٩٩/٥ .
(٣) في معاني القرآن ٤٥٦/١ .
(٤) ١ / ١٦٢ - ١٦٤ و ٢ / ٤٤٠ - ٤٤١ .
(٥) ذكره القاضي عياض في الشفا ١/ ٥٣، والطبرسي في مجمع البيان ٣/ ١٧٠ دون نسبة.

٤٤٣
سورة التوبة: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ أي: اعتمدت، وإليه فوَّضتُ جميعَ أموري. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ﴾ خصَّ العرش لأنَّه أعظمُ المخلوقات؛ فيَدخل فيه ما دونَه إذا ذكره(١).
وقراءة العامة بخفضٍ: ((العظيم)) نعتاً للعرش. وقُرئ: بالرفع صفةً للربِّ. رُويتْ
عن ابن كثير، وهي قراءةُ ابن مُحَيْصِن(٢).
وفي كتاب أبي داود(٣) عن أبي الدّرداء قال: ((مَن قال إذا أصبح وإذا أمسى:
حسبيَ الله لا إله إلا هو، عليه توكَّلت وهو ربُّ العرش العظيم. سبعَ مرات، كفاه
الله ما أَهمّهُ صادقاً كان بها أو كاذباً». وفي ((نوادر الأصول)»(٤) عن بريدة قال: قال
رسول الله﴾: ((مَن قال عَشْرَ كلماتٍ عند دُبُر كلِّ صلاةٍ، وجد الله عندهنَّ(٥) مَكْفِيًّا
مَجْزِيًّا، خمسٌ للدنيا وخمسٌ للآخرة؛ حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي
الله لما أهمَّني، حسبيَ الله لمن بغى عليَّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن
كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبيَ الله عند المساءلة في القبر، حسبي الله
عند الميزان، حسبي الله عند الصِّراط، حسبي الله لا إله إلا هو؛ عليه توكّلتُ وإليه
◌ُنیب)).
وحكى النّقَّاش عن أُبيّ بن كعب أنه قال: أقربُ القرآن عهداً بالله تعالى هاتان
الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة. وقد بيَّنَاه(٦).
وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس: أنَّ آخِر ما نزل من القرآن: ﴿لَقَدْ
◌َكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ وهذه الآيةُ. ذكره الماوردي(٧). وقد ذكرنا عن ابن
(١) المحرر الوجيز ١٠٠/٣، وزاد المسير ٥٢٢/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ١٠٠، والبحر ١١٩/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٦ لأهل
مكة، وقراءة ابن كثير المكي المتواترة عنه كقراءة الجماعة.
(٣) سنن أبي داود (٥٠٨١).
(٤) ص٢١٧ .
(٥) في (خ): عنده.
(٦) ص٤٤١ من هذا الجزء.
(٧) النكت والعيون٠ ٤١٩/٢، وسلف ٤٢١/٤.

٤٤٤
سورة التوبة: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
عباس خلافَه، على ما ذكرناه في ((البقرة))(١)، وهو أصحُ.
وقال مقاتل: تقدَّم نزولُها بمكة(٢). وهذا فيه بُعد؛ لأنَّ السورة مدنية، والله أعلم.
وقال يحيى بن جَعْدة: كان عمر بن الخطاب ﴾ لا يُثبت آيةً في المصحف حتى
يَشهدَ عليها رجلان، فجاءه رجلٌ من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بيِّنَةً، كذلك كان
النبيَُّ﴾. فأَثبتَهما (٣). قال علماؤنا: الرجل هو خُزَيمة بنُ ثابت، وإنما أَثبتَهما عمر ﴾
بشهادته وحده؛ لقيام الدليل على صحتها في صفة النبيِّ#، فهي قرينةٌ تُغني عن طلب
شاهدٍ آخر، بخلاف آية الأحزاب: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]
فإنَّ تلك ثبتت بشهادة زيدٍ وخزيمةً لسماعهما إيَّها من النبيِّ﴾. وقد تقدَّم هذا المعنى
في مقدّمة الكتاب(٤). والحمد لله.
(١) ٤ / ٤٢١ .
(٢) النكت والعيون ٤١٩/٢ .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٣ - تفسير)، وإسناده منقطع لأن يحيى بن جعدة لم يسمع من
عمر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص١٨٨ . وأخرجه الطبري ١٢/ ١٠٠ - ١٠١ وفي إسناده سفيان بن
وكيع وهو ضعيف جداً. وخبر وجود هاتين الآيتين مع خزيمة هو في صحيح البخاري (٤٦٧٩) من
حديث زيد بن ثابت حين أمره أبو بكر الصديق ﴾ أن يجمع القرآن.
(٤) ١/ ٩٢، وينظر الفتح ٨/ ٣٤٤ - ٣٤٥.

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
تفسير سورة يونس عليه السلام
سورة يونسَ عليه السلام مكيةٌ في قول الحسن وعكرمةَ وعطاءٍ وجابر. وقال ابن
عباس: إلَّا ثلاثَ آياتٍ من قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنْتَ فِى شٍَّّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى
آخِرِهن(١).
وقال مقاتل: إلَّا آيتين، وهي قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكِ﴾ نزلت بالمدينة. وقال
الكلبيُّ: مكيةٌ إلَّا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَن لَّا يُؤْمِثُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]
نزلت بالمدينة في اليهود. وقالت فرقة: نزل من أوَّلها نحوٌ من أربعين آيةً بمكةً وباقيها
بالمدينة(٢).
قوله تعالى: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْحَكِيمِ
قوله تعالى: ﴿الَرَّ﴾ قال النحاس(٣): قرئ على أحمد بن شعيب بن علي(٤)، عن
الحسين بن حُريث(٥) قال: أخبرنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد، أنَّ عكرمة
حذَّثه عن ابن عباس: الر، وحم، ونون؛ حروف الرحمن مفرَّقة، فحدَّثتُ به الأعمشَ
(١) النكت والعيون ٤٢٠/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ١٠٢/٣.
(٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٤٣ .
(٤) في النسخ: قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب .. والمثبت من إعراب القرآن، وهو الصواب،
وأحمد بن شعيب هو النسائي، وهو شيخ النحاس، وأبو جعفر كنية النحاس.
(٥) في النسخ وإعراب القرآن: بن الحسين بن حريث، والصواب ما أثبتناه، والحسين بن حريث يروي عنه
الجماعة سوى ابن ماجه. تهذيب الكمال ٦/ ٣٦٠ .

٤٤٦
سورة يونس: الآية ١
فقال: عندك أشباهُ هذا ولا تُخبرني به(١)؟.
وعن ابن عباس أيضاً قال: معنى ((الر)): أنا الله أرى (٢). قال النحاس(٣): ورأيت
أبا إسحاق(٤) يميل إلى هذا القول؛ لأنَّ سيبويه قد حكى مثلَه عن العرب وأنشد:
بالخير خيراتٍ وإن شَرَّا فَا ولا أريد الشرَّ إلا أنْ تَا(٥)
وقال الحسن وعكرمة: ((الر)) قَسَم. وقال سعيدٌ عن قتادة: ((الر)) اسم السورة،
قال: وكذلك كلُّ هجاءٍ في القرآن. وقال مجاهد: هي فواتح السُّوَر. وقال محمد بن
يزيد: هي تنبيهٌ، وكذا حروفُ التَّهَجِّي(٦).
وقُرئ: ((الر)) من غير إمالة. وقُرئ بالإمالة(٧)؛ لئلا تُشبه ((ما)) و((لا)) من الحروف.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ ابتداء وخبر؛ أي: تلك التي جرى
ذكرها آياتُ الكتاب الحكيم(٨).
قال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل والكتبَ المتقدِّمة (٩)؛ فإنَّ ((تلك)) إشارة
إلى غائبٍ مؤنَّث.
(١) وأخرجه الطبري ١٠٣/١٢ - ١٠٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢١ (١٠١٨٦) من طريق علي بن الحسين
ابن واقد بالإسناد المذكور. وليس عند الطبري: فحدثت به الأعمش ... وعلي بن الحسين بن واقد،
صدوق يهم. كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب.
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ١٠٣، وابن أبي حاتم ١٩٢١/٦ (١٠١٨٤).
(٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٤٣ .
(٤) هو الزّجاج، وكلامه في معاني القرآن ١/ ٦٢.
(٥) الكتاب ٣٢١/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٦٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٣/٢، وسلف
٢٤٠/١، والمعنى كما ذكر سيبويه: يريد إن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٣/٢ .
(٧) قرأ ابن كثير وقالون وحفص ((الر)) بالفتح، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة. التيسير ص١٢٠ ،
وينظر السبعة ص٣٢٢ .
(٨) إعراب القرآن ٢/ ٢٤٤ .
(٩) أخرج قولهما الطبري ١٠٥/١٢ .

٤٤٧
سورة يونس: الآية ١
وقيل: ((تلك)) بمعنى هذه؛ أي: هذه آيات الكتاب الحكيم(١). ومنه قول
الأعشى :
هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ
تلك خَيْلي منه وتلك رِکابي
أي: هذه خيلي(٢).
والمراد القرآن، وهو أولى بالصواب؛ لأنه لم يَجْرِ للكتب المتقدِّمة ذكر(٣)،
ولأن ((الحكيم)) من نعت القرآن، دليلُه قوله تعالى: ﴿الَرِ كِتَبُّ أُشْكِمَتْ مَايَئُهُ﴾ [هود: ١]
وقد تقدَّم هذا المعنى في أوّل سورة البقرة(٤).
والحكيم: المُحْكُم بالحلال والحرام والحدود والأحكام(٥). قاله أبو عبيدة
وغيره.
وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم، أي: إنه حاكمٌ بالحلال والحرام، وحاكمٌ بين
الناس بالحقّ، فَعِيلٌ بمعنى فاعل، دليلُه قوله: ﴿وَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِأَلْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيَّةٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه، أي: حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار
لمن عصاه، فهو فعيل بمعنى المفعول. قاله الحسن وغيره(٦).
وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المُحكّم من الباطل؛ لا كذبَ فيه ولا اختلاف(٧)،
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٤/٢ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٤٢٠، وسلف البيت ١٨٥/٢ .
(٣) تفسير الطبري ١٠٥/١٢ - ١٠٦ .
(٤) ١/ ٢٤٢ - ٢٤٤ .
(٥) تفسير البغوي ٣٤٢/٢ .
(٦) المصدر السابق.
(٧) تفسير أبي الليث ٨٧/٢ .

٤٤٨
سورة يونس: الآيتان ١ - ٢
فعيل بمعنى مُفْعَل، كقول الأعشی یذکر قصيدته التي قالها :
وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةٍ قد قلتُها ليُقالَ مَن ذا قالها(١)
قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ وَكَثِيرِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُِّينُ
قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ استفهامٌ معناه التقرير والتوبيخ(٢). و((عَجَباً))
خبرُ كان، واسمُها: ﴿أَنَّ أَوْحَيْنَا﴾ وهو في موضع رفع؛ أي: أكان(٣) إيحاؤنا عجباً
للناس.
وفي قراءة عبد الله: ((عجبٌ)) على أنه اسم كان. والخبر: ((أَنْ أَوْحَيْنَا))(٤). ﴿إِلَى
رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ وقُرئ: ((رَجْل)) بإسكان الجيم(٥).
وسبب النزول فيما رُويَ عن ابن عباس: أنَّ الكفارَ قالوا لمَّا بُعث محمد: إنَّ الله
أعظمُ من أن يكون رسولُه بشراً. وقالوا: ما وَجَد الله مَن يرسله إلَّا يتيمَ أبي طالب!
فنزلت: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ﴾ يعني أهلَ مكة ﴿عَجَبًا﴾(٦). وقيل: إنما تعجَّبوا من ذكر
البعث.
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ في موضع نصبٍ بإسقاط الخافض؛ أي: بأن أنذر
الناس، وكذا: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾(٧). وقد تقدَّم معنى النِّذارة والبِشَارة وغيرِ ذلك
(١) ديوان الأعشى الكبير ص٧٧ .
(٢) الوسيط للواحدي ٥٣٨/٢ .
(٣) في النسخ: كان، وينظر مشكل إعراب القرآن ٣٣٩/١، والدر المصون ١٤٤/٦.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٤/٢، وذكر القراءة عن عبد الله أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز
١٠٢/٣-٠١٠٣
(٥) المحرر الوجيز ١٠٣/٣، ونسبها أبو حيان في البحر ١٢٢/٥ لرؤبة، ورَجُل، بضم الجيم وسكونها.
القاموس (رجل).
(٦) ذكره دون نسبة الزجاج في معاني القرآن ٥/٣ ، وأخرجه عن ابن عباس دون قوله: ما وجد الله من
يرسله إلا يتيم أبي طالب: الطبريُّ ١٠٧/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٢٢/٦ (١٠١٩٣).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٤/٢ .

٤٤٩
سورة يونس: الآية ٢
من ألفاظ الآية (١).
واختلف في معنى: ((قَدَمَ صِدْقٍ))؛ فقال ابن عباس: ((قَدَمَ صِدْقٍ)): منزلَ صدقٍ،
دليلُه قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبٍّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] (٢). وعنه أيضاً: أجراً
حسناً بما قدَّموا من أعمالهم. وعنه أيضاً: ((قَدَمَ صِدْقٍ)): سَبْقَ السعادة في الذِّكر
الأول(٣). وقاله مجاهد. الزجَّاج: درجة عالية(٤). قال ذو الرُّمة:
لكم قدَمٌ لا يُنْكِر الناسُ أنَّها مع الحَسَبِ العالي طَمَّتْ على البحر(٥)
قتادة: سَلَف صدقٍ. الربيع: ثواب صدقٍ(٦). عطاء: مقام صدقٍ(٧). يَمَان: إيمان
صدقٍ. وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: وَلدٌ صالح قدَّموه.
:
الماورديّ(٨): أن يُوافق صِدْقَ الطاعة صِدْقُ الجزاء.
وقال الحسن وقتادة أيضاً: هو محمدٌ ﴾؛ فإنه شفيعٌ مُطَاعٌ يتقدَّمهم(٩)، كما قال:
((أنا فَرَطُكم على الحوض))(١٠). وقد سُئل # فقال: ((هي شفاعتي توسَّلون(١١) بي إلى
ربکم)).
(١) ٢٨١/١ و٣٥٨.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٧٦/٣، وأخرجه بمعناه أحمد (١٩٤٨)، والترمذي (٣١٣٩). قال الترمذي:
حسن صحيح.
(٣) أخرج هذا القول والذي قبله عن ابن عباس الطبري ١٠٨/١٢ - ١١٠ . وذكر ابن عطية في المحرر
الوجيز ١٠٣/٣ القول الأخير بلفظ: هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٦/٣ بلفظ: المنزلة الرفيعة.
(٥) ديوان ذي الرمة ٢/ ٩٧٢ برواية: العادي، بدل: العالي، والفخر، بدل: البحر، وقال الأصمعي شارح
الديوان: قدم: أي سابقة تقدمت. وطمَّت: عَلّت.
(٦) أخرج قولي قتادة والربيع الطبري ١٠٩/١٢ و١١١.
(٧) ذكره البغوي ٢/ ٣٤٣ .
(٨) في النكت والعيون ٢/ ٤٢٢ .
(٩) ذكره النحاس في معاني القرآن ١٧٦/٣ عن الحسن أو قتادة، وكذلك أخرجه الطبري ١٢/ ١١٠،
وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٤ (١٠٢٠٤) عن الحسن من غير شك.
(١٠) سلف ٢٥٧/٥ .
(١١) في (ظ): توسلوا، ولم نقف على هذا الخبر.

٤٥٠
سورة يونس: الآية ٢
وقال الترمذيُّ الحكيم: قَدَمه # في المقام المحمود.
وعن الحسن أيضاً: مُصيبتهم في النبيِّ ◌ِ﴾(١).
وقال عبد العزيز بن يحيى: ((قَدَمَ صِدْقٍ)) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
الْحُسْوَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وقال مقاتل: أعمالاً قدَّموها. واختاره الطبريّ(٢)؛ قال الوضَّاح(٣):
صلِّ لذي العرش وانَّخِذْ قَدَماً تُنْجيكَ يومَ العِثارِ والزَّلِ
وقيل: هو تقديمُ الله هذه الأمةَ في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة، كما قال:
((نحن الآخِرون السابقون يومَ القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق))(٤).
وحقيقتُه: أنَّه كنايةٌ عن السعي في العمل الصالح، فكنّى عنه بالقَدَم کما يُكنَی عن
الإنعام باليد، وعن الثناء باللسان؛ وأنشد حسان:
لنا القَدمُ العليا إليكَ وخَلْفُنا لأوَّلنا في طاعةِ الله تابعُ
يريد: السابقة بإخلاص الطاعة(٥)، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة والكسائي: كلُّ سابقٍ من خيرٍ أو شرِّ فهو عند العرب قَدَم؛ يقال:
لفلان قَدَمٌ في الإسلام، وله عندي قَدَمُ صدقٍ وقَدَمُ شرِّ وقَدَمُ خير. وهو مُؤنَّث وقد
يُذكَّر، يقال: قَدَمٌ حَسَنٌ وقدمٌ صالحةٌ (٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٩٢٣/٦ (١٠٢٠١).
(٢) في تفسيره ١٢/ ١١١، وقول مقاتل ذكره أبو الليث ٢/ ٨٧ ، وقد سلف مثله عن ابن عباس قريباً.
(٣) هو وضاح اليمن، والبيت في ديوانه ص٧١ .
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما، أخرجه مسلم (٨٥٦). ولفظة: ((نحن الآخِرُون
من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق)). وأخرجه أيضاً أحمد (٧٣١٠)،
والبخاري (٨٩٦) عن أبي هريرة دون قوله: ((المقضي لهم قبل الخلائق)).
(٥) النكت والعيون ٤٢٢/٢، وسلف البيت ٣١١/٧.
(٦) ذكره عن أبي عبيدة البغوي ٢/ ٣٤٣، وينظر مجاز القرآن ٢٧٣/١

٤٥١
سورة يونس: الآيتان ٢ - ٣
وقال ابن الأعرابي: القَدمُ التقدُّم في الشرف(١). قال العَجَّاج:
زلَّ بنو العوَّامِ عن آلِ الحَكَمْ وتركوا المُلْكَ لمُلْكِ ذي قَدَمْ(٢)
وفي الصِّحاح عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((لي خمسةُ أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا
الماحي الذي يمحو الله بي الكفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَر الناسُ على قدمي، وأنا
العاقب))(٣) يريد آخِرَ الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِنِّ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَجِرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ ابنُ مُحَيْصِن وابن كثير
والكوفيون؛ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُ وخلفٌ والأعمشُ: (لَسَاحِرٌ)) نعتاً لرسول الله ﴾.
وقرأ الباقون: ((لَسِحْرٌ))(٤) نعتاً للقرآن، وقد تقدَّم معنى السحرِ في ((البقرة))(٥).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِيْ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرِّ مَا مِن شَفِيع إلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَ
اٌلْعَرْشِ﴾ تقدَّم في ((الأعراف))(٦).
﴿يُدَبِرُ الْأَمْرِّ﴾ قال مجاهد: يقضيه ويقدِّره وحْدَه(٧). ابن عباس: لا يَشْرَكُه في
(١) ذكر الأزهري في تهذيب اللغة ٩/ ٤٦ قول ابن الأعرابي بلفظ: القَدْم: الشرف القديم، على مثال فَعْل.
(٢) ديوان العجاج ص١٤٩ برواية: وشنئوا، بدل: وتركوا. قال الأصمعي شارح الديوان: أبغضوا ذلك
فسلموه إليهم.
(٣) صحيح البخاري (٤٨٩٦)، وصحيح مسلم (٢٣٥٤)، وهو عند أحمد (١٦٧٣٤) وهو من حديث جبير
ابن مطعم﴾. قوله: على قدمي، قيل: على سابقتي، وقيل: على سُنَّتي، وقيل: بعدي، أي: يتبعوني
إلى يوم القيامة. المفهم ٦/ ١٤٦ .
(٤) السبعة ص ٣٢٢، والتيسير ص ١٢٠، وقراءة ابن محيصن والأعمش في المحرر الوجيز ١٠٣/٣.
(٥) ٢٧٢/٢ وما بعدها.
(٦) ٩/ ٢٣٧ .
(٧) المحرر الوجيز ١٠٤/٣، وأخرجه الطبري ١١٤/١٢ - ١١٥.

٤٥٢
سورة يونس: الآيتان ٣ - ٤
تدبيرٍ خَلْقِه أحد (١). وقيل: يَبعث بالأمر. وقيل: ينزل به (٢). وقيل: يأمر به ويُمضيه(٣)،
والمعنى متقارب، فجبريلُ للوحي، وميكائيلُ للقَظْرِ، وإِسرافيلُ للصُّورِ، وعزرائيلُ
للقبضِ. وحقيقتُه: تنزيلُ الأمور في مَرَاتبها على أحكام عَوَاقِبها، واشتقاقُه من
الدُّبر (٤). والأمر: اسمٌ لجنس الأمور.
﴿مَا مِنْ شَفِيع﴾ في موضع رفعٍ، والمعنى: ما شفيعٌ ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وقد تقدَّم
في ((البقرة)) معنى الشفاعة(٥). فلا يَشْفعُ أحدٌ نبيٌّ ولا غيرُه إلَّا بإذنه سبحانه، وهذا ردٌّ
على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله: ﴿هَؤُلَاءَ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّو﴾
[يونس: ١٨]، فأعلمهم الله أنَّ أحداً لا يشفع لأحدٍ إلَّا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا
تعقل؟!
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ أي: ذلكم الذي فَعَل هذه
الأشياء، من خلق السماوات والأرض، هو ربُّكم لا ربَّ لكم غيره. ﴿فَعْبُدُواْ﴾ أي:
وحِّدوه وأَخلِصوا له العبادة. ﴿ أَفَلَا نَذَُّونَ﴾ أي: بمخلوقاته(٦) فَتَستدلُّوا بها عليه.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِمُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ
◌ِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ
وَعَذَابٌ أَلِيٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ﴾ رفعٌ بالابتداء. ﴿جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال.
(١) لم نقف علیه وهو بمعنی ما قبله.
(٢) في (ظ): وقيل ينزل الأمر أي ينزل به.
(٣) النكت والعيون ٤٢٢/٢.
(٤) ينظر معجم مقاييس اللغة ٣٢٤/٢. قال ابن فارس: والتدبير: أن يدبِّر الإنسان أمره، وذلك أنه ينظر
إلى ما تصير عاقبتُه وآخره، وهو دُبُره.
(٥) ٢٧١/٤ وما بعدها.
(٦) في (م): أي أنها مخلوقاته.

٤٥٣
سورة يونس: الآية ٤
ومعنى الرجوعِ إلى الله: الرجوعُ إلى جزائه. ﴿وَعْدَ الَّهِ حَقًّا﴾ مصدران؛ أي: وَعَد
الله ذلك وعداً وحقَّقه ((حقًّا)) صدقاً لا خُلْفَ فيه. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة: ((وَعْدَ الله
حَقٌّ)) على الاستئناف(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُّ الْخَلْقَ﴾ أي: من التراب ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إليه. مجاهد: يُنْشِئُه
ثم يُميته ثم يُحييه للبعث(٢)؛ أو ينشئه من الماء ثم يُعيده من حال إلى حال.
وقرأ يزيد بن القَعْقَاعِ: ((أَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقِ))(٣) تكون ((أنَّ) في موضع نصب؛ أي:
وَعَدَكم أنه يبدأ الخلق. ويجوز أن يكون التقدير: لأنَّه يبدأ الخلق، كما يقال: لَبَيْكَ
أنَّ الحمد والنعمة لك. والكسرُ أَجْوَد. وأجاز الفرّاء(٤) أن تكون ((أنَّ) في موضع رفعٍ
فتكون اسماً. قال أحمد بن يحيى: يكون التقدير: حقًّا إبداؤه الخلق.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بَلْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. ﴿وَالَّذِينَ
كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ أي: ماءٌ حارٌّ قد انتهى حرُّه(٥)، والحمِيمةُ مثله. يقال:
حَمَمْتُ الماءَ أحُمُّه فهو حميم، أي: محموم؛ فَعيل بمعنى مفعول. وكلُّ مُسَخَّن عند
(٦)
العرب فهو حميم
٠
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجِع يَخْلُص وجعُه إلى قلوبهم. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾
(١) المحرر الوجيز ١٠٥/٣، والبحر ١٢٤/٥. قال ابن عطية: وقرأ ابن أبي عبلة: ((حقٌّ) فهو ابتداء،
وخبره: (أنه)) على القراءة بفتح همزة ((أنه)) على ما يأتي. وقال أبو حيان: وكونُ ((حقٌّ) خبر مبتدأ، و ((أنه))
هو المبتدأ هو الوجه في الإعراب. وقال مكي في مشكل إعراب القرآن: ٣٣٩/١: وأجاز الفراء
[معاني القرآن له ٤٥٧/١] رفع ((وعد)) و((حق)) على الابتداء، وهو حسن، ولم يقرأ بها أحد.
(٢) تفسير مجاهد ٢٩١/١، وأخرجه الطبري ١١٦/١٢ ووقع في تفسير مجاهد: يخلقه، بدل: ينشئه،
وفي تفسير الطبري بدلاً منها: يحييه.
(٣) وهي من العشرة. ويزيد: هو أبو جعفر، وينظر النشر ٢٨٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٤/٢،
والكلام منه.
(٤) في معاني القرآن ١/ ٤٥٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٤٤/٢ .
(٥) ينظر تفسير الطبري ٥٨/٢١ .
(٦) ينظر تفسير الطبري ١١٨/١٢، والصحاح (حمم).

٤٥٤
سورة يونس: الآيتان ٤-٥
أي: بكفرهم، وكان معظمُ قريش يعترفون بأنَّ الله خالِقُهم (١)؛ فاحتجَّ عليهم بهذا
فقال: مَن قَدَر على الابتداء، قَدَر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق الأجزاء.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَةٍ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ
اَلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٥
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ﴾ مفعولان، أي: مُضيئةً، ولم يؤنَّث
لأنه مصدر، أو ذاتَ ضياء. ﴿وَاَلْقَمَرَ نُورًا﴾ عطف، أي: منيراً، أو ذا نور، فالضياءُ ما
يضيءُ الأشياء، والنورُ ما يَبِينُ فَيَخْفَى؛ لأنه من النار من أصل واحد. والضياءُ جمع
ضَوْء، كالسِّياط والحِياض؛ جمع سَوْط وخَوض (٢).
وقرأ قُنْبُل عن ابن كثير: ((ضِئَاءً)) بهمز الياء(٣)، ولا وجهَ له؛ لأنَّ ياءَه كانت واواً
مفتوحةً وهي عين الفعل، أصلُها: ضِواء، فقلبت وجُعلت ياءً؛ كما جعلت في الصيام
والقيام(٤).
قال المهدويُّ: ومَن قرأ: ((ضِئَاءً)) بالهمز، فهو مقلوب، قدِّمت الهمزةُ التي بعد
الألف فصارت قبل الألف، فصار: ضِئاياً، ثم قُلبت الياءُ همزةً لوقوعها بعد ألفٍ
زائدة. وكذلك إنْ قدَّرت أنَّ الياء حين تأخّرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها،
فإنها تُقلب همزةً أيضاً، فوزنه فِلَاعِ، مقلوب من فعال(٥).
ويقال: إنَّ الشمس والقمر تضيء وجوهُهما لأهل السماوات السبع، وظهورُهما
لأهل الأرضين السبع(٦).
(١) ينظر تفسير ابن كثير عند الآية (٦١) من سورة العنكبوت، وقال ابن كثير: كانوا يقولون في تلبيتهم:
لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
(٢) الحجة للفارسي ٢٥٨/٤، وقال: أو يكون مصدرَ: ضاء يضوء ضياء، كقولك: عاذ عياذاً، وقام قياماً.
(٣) السبعة ص٣٢٣، والتيسير ص ١٢٠ .
(٤) تفسير الرازي ٣٥/١٧ .
(٥) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥١٢ - ٥١٣ .
(٦) أخرج نحوه عبد الرزاق في التفسير ٣١٩/٢، والطبري ٣٠٠/٢٣ .

٤٥٥
سورة يونس: الآية ٥
قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي: ذا منازل، أو: قدَّر له منازل. ثم قيل:
المعنى: وقدَّرهما، فوحَّد إيجازاً واختصاراً، كما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَا أَنْفَضُّواْ
إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. وكما قال:
نحن بما عندنا وأنتَ بما عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ(١)
وقيل: إنَّ الإخبار عن القمر وحده؛ إذ به تُحصى الشهور التي عليها العملُ في
المعاملات ونحوِها، كما تقدَّم في ((البقرة))(٢). وفي سورة يس: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ
مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] أي: على عدد الشهر، وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً. ويومان للنُّقْصان
والمَحاق(٣)، وهناك يأتي بيانه.
قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلْسِنِينَ وَالْحِسَابِّ﴾ أي: عددَ السنين وحسابَ
الشهور(٤) قال ابن عباس: لو جعل شمسين، شمساً بالنهار وشمساً بالليل ليس فيهما
ظلمةٌ ولا ليل، لم يُعلم عددُ السنين وحسابُ الشهور(٥). وواحدُ ((السِّنين)): سَنة. ومِن
العرب مَن يقول: سنوات في الجمع. ومنهم مَن يقول: سَنَّهات. والتصغير سُنَيَّة
وسُنَّيْهة (٦).
قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ أي: ما أراد الله عزَّ وجلَّ بخَلْق ذلك
إلا الحكمةَ والصواب(٧)، وإظهاراً لصنعته وحكمته، ودلالةً على قدرته وعلمه،
ولتُجزى كلُّ نفس بما كسبت، فهذا هو الحقّ.
(١) ص١٨٨ من هذا الجزء.
(٢) ٢٢٨/٣ وما بعدها. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/٢.
(٣) المحاق وتثلث الميم: آخر الشهر. أو: ثلاث ليال من آخره، أو أن يستسرَّ القمر، فلا يُرى غُدوةً ولا
عشيةً، سمِّي لأنه طلع مع الشمس فمحقته. القاموس (محق).
(٤) قوله: أي عدد السنين وحساب الشهور، من (ظ).
(٥) لم نقف عليه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٤٥ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٦/٢.

٤٥٦
سورة يونس: الآيات ٥ - ٨
قوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ اَلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تفصيلُ الآيات: تبيينُها لُيُستدلَّ بها
على قدرته تعالى؛ لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه، من غير استحقاقٍ لهما
ولا إيجابٍ؛ فيكون هذا لهم دليلاً على أنَّ ذلك بإرادةِ مُرِيد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب: ((يُفَصِّل)) بالياء(١)، واختاره أبو عبيد
وأبو حاتم؛ لقوله مِن قبله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقٍ﴾ وبعده ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
السَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾، فيكون مُتْبَعاً له. وقرأ ابن السَّمَيْفع: ((تُفضَّل))؛ بضمِّ التاء وفتح
الصاد على الفعل المجهول، و((الآياتُ)) رفعاً (٢). الباقون: ((نفصِّل))(٣) بالنون على
التعظیم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى أَخْئِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ )))
تقدَّم في ((البقرة)»(٤) وغيرِها معناه، والحمد لله. وقد قيل: إنَّ سبب نزولها أنَّ
أهلَ مكة سألوا آية، فردَّهم إلى تأمُّل مصنوعاته والنظرِ فيها. قاله ابن عباس(٥).
﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي: الشرك، فأمَّا مَن أَشْرَكَ ولم يستدلَّ، فليست الآيةُ له آية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقََّنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوِْ الدُّنْيَا وَاْمَنُواْ بِهَا وَأَلَّذِينَ
هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَنَهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَلَّذِينَ لَا يَزُونَ لِقَآءُنَا﴾ ((یرجون)): يخافون، ومنه قول
الشاعر :
إذا لسعتْه النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها فِي بَيْتِ نُوبٍ عَواسلُ(٦)
(١) السبعة ص٣٢٣، والتيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٢/٢.
(٢) هي قراءة شاذة ولم نقف عليها.
(٣) السبعة ص٣٢٣ ، والتيسير ص١٢١ .
(٤) ٢/ ٤٩٠ وما بعدها.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١٩٢٨/٦ (١٠٢٣٠).
(٦) البيت لأبي ذؤيب الهُذَلي، ووقع في (خ): عوامل، بدل: عواسل، وهي رواية له كما سلف ٤٣٣/٣.

٤٥٧
سورة يونس: الآيات ٧ - ٩
وقيل: يرجون: يطعمون، ومنه قول الآخر:
أيرجو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيَا(١)
فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، أي: لا يخافون عقاباً ولا يرجون ثواباً.
وجعل لقاء العذاب والثوابٍ لقاءً لله تفخيماً لهما.
وقيل: يجري اللقاء على ظاهره، وهو الرؤية، أي: لا يطمعون في رؤيتنا.
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجَحْد، كقوله تعالى:
﴿َّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. وقال بعضهم: بل يقع بمعناه في كلِّ موضعٍ دلَّ
عليه المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَرَضُواْ بِالْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: رَضُوا بها عوضاً من الآخرة فعملوا لها.
﴿وَأْمَنُواْ بِهَا﴾ أي: فرحوا بها وسكنوا إليها، وأصل اطمأنَّ: طَأُمَن ◌ُمأنينة، تقدَّمت
ميمه، وزيدت نونٌ وألفُ وصل(٢). ذكره الغَزْنِيّ(٣).
﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا﴾ أي: عن أدلَّتنا ﴿غَفِلُونَ﴾: لا يَعتَبِرون ولا يتفكّرون.
﴿أُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ﴾ أي: مثواهم ومُقامهم. ﴿النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: من
الكفر والتكذيب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ يَبْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ
تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ اَلنَّعِيمِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: صدَّقوا. ﴿وَعَيِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم
بِيِمَنِهِمْ﴾ أي: يَزِيدُهم هدايةً، كقوله: ﴿وَلَّذِينَ آَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧].
وقيل : يَهْدیهم ربُّهم بإيمانهم إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار. وقال أبو رَوْق:
(١) النكت والعيون ٤٢٣/٢، والبيت لسوّار بن المُضَرِّب، كما في الخزانة ١٧٦/٣ (دار صادر).
(٢) اللسان (طمن).
(٣) هو محمد بن يزيد بن طيفور، وقد سلفت ترجمته. وينظر اللسان (طمن).

٤٥٨
سورة يونس: الآيتان ٩ - ١٠
يهديهم ربُّهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال عطية: ((يَهْدِيهِمْ)): يُئيبهم ويَجزيهم.
وقال مجاهد: يَهْديهم ربُّهم بالنور على الصراط إلى الجنة؛ يجعلُ لهم نوراً
يمشون به (١). ويُروى عن النبيِّ ﴾ ما يقوِّي هذا أنه قال: ((يتلقَّى المؤمنَ عملُه في
أحسن صورة، فيؤنسُه ويهديه، ويتلقَّى الكافرَ عملُه في أقبح صورة، فيوحِثُه ويُضِلُّ)).
هذا معنى الحديث(٢).
وقال ابن جُريج: يجعل عملهم هادياً لهم(٣). الحسن: ((يهديهم): يرحمهم" .
قوله تعالى: ﴿تَّرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَؤُّ﴾ قيل: في الكلام واوٌ محذوفة؛ أي: وتجري
من تحتهم(٥)، أي: من تحت بساتينهم. وقيل: من تحت أسِرَّتهم؛ وهذا أحسنُ في
النزهة والفرجة.
قوله تعالى: ﴿دَعْوَئُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٠)
قوله تعالى: ﴿رَعْوَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمّ﴾ دعواهم، أي: دعاؤهم، والدعوى
مصدرُ دعا يدعو، كالشكوى مصدرُ شكا يشكو (٦)، أي: دعاؤهم في الجنة أن
يقولوا : سبحانك اللهم.
وقيل: إذا أرادوا أن يَسألوا شيئاً؛ أَخرجوا السؤالَ بلفظٍ التسبيح، ويختمون
(٧)
بالحمد(٧).
(١) تفسير البغوي ٣٤٥/٢. وهو في تفسير مجاهد ٢٩٢/١ مختصر بلفظ: يكون لهم إيمانهم نوراً يمشون
به. وكذا أخرجه الطبري ١٢٤/١٢، وذكره النحاس في معاني القرآن ٢٧٩/٣ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٧٩/٣، والحديث أخرجه الطبري ١٢٣/١٢ من طريق قتادة عن النبي لا
مرسلاً. وينظر مسند أحمد (١٨٥٣٤).
(٣) النكت والعيون ٤٢٣/٢، وأخرجه الطبري مطولاً ١٢٤/١٢.
(٤) تفسير أبي الليث ٨٩/٢ .
(٥) ينظر البحر ١٢٧/٥.
(٦) الكتاب ٤/ ٤٠ - ٤١، وينظر اللسان (دعا).
(٧) ذكره الواحدي في الوسيط ٥٣٩/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
:

٤٥٩
سورة يونس: الآية ١٠
وقيل: نداؤهم الخدمَ ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبَّحوا(١).
وقيل: إنَّ الدعاءَ هنا بمعنى التمنِّي؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾
[فصلت: ٣١] أي: ما تَتمنَّوْن. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ أي: تحيَّة الله لهم، أو تحيَّة المَلَك، أو تحيَّة
بعضِهم لبعض: سلام(٢). وقد مضى في ((النساء)) معنى التحية مستوفّى(٣). والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَيِينَ﴾ فيه أربع مسائل:
الأولى: قيل: إنَّ أهل الجنة إذا مرَّ بهم الطيرُ واشتهَوْه قالوا: سبحانك اللهم،
فيأتيهم الملك بما اشتَهوا، فإذا أكلوا حمدوا الله، فسؤالُهم بلفظِ التسبيح، والختمُ
بلفظ الحمد (٤).
ولم يحكِ أبو عبيد إلا تخفيفَ ((أنْ)) ورفعَ ما بعدها، قال: وإنما نراهم اختاروا
هذا، وفرَّقوا بينها وبين قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ و﴿أَنَّ غَضَبَ اللّهِ﴾ [النور: ٧و٩]
لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال: الحمد لله.
قال النحاس(٥): مذهبُ الخليل وسيبويه(٦) أنَّ ((أنْ)) هذه مخفَّفةٌ من الثقيلة،
والمعنى: أنه الحمد لله. قال محمد بن يزيد: ويجوز ((أنِ الحمدَ لله)) يُعْمِلها خفيفةً
عَمَلَها ثقيلةٌ، والرفعُ أَقْيَسُ.
قال النحاس: وحكى أبو حاتم أنَّ بلال بن أبي بردة قرأ: ((وآخِرُ دَعْواهُم أَنَّ
الحمد لله رب العالمين)».
(١) تفسير أبي الليث ٨٩/٢، وتفسير البغوي ٣٤٥/٢.
(٢) الوسيط للواحدي ٥٣٩/٢.
(٣) ٦/ ٤٨٧ وما بعدها.
(٤) أخرجه الطبري ١٢٦/١٢ عن ابن جريج.
(٥) في إعراب القرآن ٢٤٦/٢، وما قبله منه.
(٦) في الكتاب ١٦٣/٣ .
:

٤٦٠
سورة يونس: الآية ١٠
قلت: وهي قراءةُ ابن مُحَيْصن(١). حكاها الغَزْنَويُّ؛ لأنه یحکی عنه.
الثانية: التسبيحُ والحَمْدُ والتهليلُ قد يُسمَّى دعاءً؛ روى مسلم والبخارِيُّ عن ابن
عباس: أنَّ رسولَ الله ﴾ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللهُ العظيم الحليم، لا
إله إلا اللهُ ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ الأرض وربُّ
العرش الكريم»(٢).
قال الطبريّ(٣): كان السَّلَفُ يدعون بهذا الدعاء، ويسمُّونه دعاءَ الكرب. وقال
ابن عيينة؛ وقد سئل عن هذا فقال: أما علمتَ أنَّ الله تعالى يقول: ((إذا شَغل عبدي
ثناؤُه عن مسألتي، أعطيته أفضلَ ما أُعطي السائلين)) (٤). والذي يقطع النزاع، وأنَّ هذا
يسمَّى دعاءً وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيءٌ، وإنما هو تعظيمٌ لله تعالى وثناءٌ
عليه، ما رواه النَّسائي عن سعد بن أبي وَقَّاص قال: قال رسول اللـه :﴾: ((دعوةُ ذي
النُّون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنتَ سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين؛
فإِنَّه لن يدعُوَ بها مسلم في شيء إلا استُجيب له))(٥).
الثالثة: من السُّنَّة لمن بدأ بالأكل أن يُسَمِّيَ اللهَ عند أكله وشربه، ويحمده
عند فَراغه؛ اقتداءً بأهل الجنة، وفي ((صحيح)) مسلم عن أنس بن مالك قال: قال
رسول اللـه﴾: ((إنَّ اللهَ ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلةَ فيحمَده عليها، أو يشربَ
(١) ذكرها عن بلال وابن محيصن ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص٥٦ ، وابن جني في المحتسب
٣٠٨/١. وبلال بن أبي بردة هو ابن أبي موسى الأشعري، كان أمير البصرة وقاضيها، توفي سنة نيف
وعشرين ومئة. التهذيب ٢٥٢/١ - ٢٥٣ .
(٢) صحيح البخاري (٦٣٤٥)، وصحيح مسلم (٢٧٣٠)، وهو عند أحمد (٢٠١٢).
(٣) قوله في المفهم ٥٦/٧ .
(٤) المفهم ٥٦/٧ ، وأخرجه عن سفيان ابنُ عبد البر في التمهيد ٤٤/١، وذكر أن سفيان رواه عن منصور
(وهو ابن المعتمر) عن مالك بن الحارث، وكذا أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٢٩). وسلف بنحوه
مرفوعاً ٩/١ و٢٠٩ من حديث أبي سعيد الخدري ﴾.
(٥) سنن النسائي الكبرى (١٠٤١٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٦٢) مطولاً، والترمذي (٣٥٠٥).