النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة التوبة: الآية ١١٤
والمعنى: لا حجةَ لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام
لأبيه؛ فإنَّ ذلك لم يكن إلا عن موعدة(١).
وقال ابن عباس: كان أبو إبراهيمَ وَعَد إبراهيمَ الخليلَ أن يؤمن بالله ويخلعَ
الأندادَ، فلما مات على الكفر علم أنه عدوٍّ لله، فترك الدعاءَ له، فالكناية في قوله:
((إياه) ترجع إلى إبراهيم، والواعِدُ أبوه.
وقيل: الواعد إبراهيم، أي: وعد إبراهيمُ أباه أن يستغفر له، فلما مات مشركاً
تبرَّأ منه. ودلَّ على هذا الوعد قولُه: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبٍِ﴾(٢).
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ(٣): تعلّق النبيُّ﴾ في الاستغفار لأبي طالب بقوله
تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾ فأخبره الله تعالى أنَّ استغفار إبراهيمَ لأبيه كان وعداً
قبل أن يتبيَّن الكفرُ منه، فلمَّا تبيَّن له الكفرُ منه تبرَّأ منه، فكيف تستغفرُ أنت لعمِّك یا
محمد وقد شاهدتَ موتَه کافراً؟!
الثانية: ظاهِرُ حالة المرء عند الموت يُحكم عليه بها، فإن مات على الإيمان حُكم
له به، وإن مات على الكفر حُكم له به؛ وربُّك أعلمُ بباطن حاله؛ بَيْدَ أنَّ النبيَّ ﴾ قال
له العباس: يا رسول الله، هل نفعتَ عمَّك بشيءٍ؟ قال: ((نعم))(٤). وهذه شفاعةٌ في
تخفيف العذاب، لا في الخروج من النار، على ما بيَّّاه في كتاب ((التذكرة))(٥).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ اختلف العلماء في الأوَّاه على
خمسة عشر قولاً :
الأول: أنه الدَّعَاءُ الذي يُكثِرِ الدُّعاءَ؛ قاله ابن مسعود وعُبيد بن عمير (٦).
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(م): عدة، والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز ٩١/٣، والكلام منه.
(٢) الوسيط ٥٢٨/٢ .
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ١٠١١ .
(٤) أخرجه أحمد (١٧٦٨)، والبخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩).
(٦) أخرجه عنهما الطبري ٣٤/١٢ - ٣٥. وأخرجه عن ابن مسعود أيضاً الطبراني في الكبير (٩٠٠٤).
(٥) ص٢٤٩ .

٤٠٢
سورة التوبة: الآية ١١٤
الثاني: أنه الرحيمُ بعباد اللهِ؛ قاله الحسن وقتادة، وروي عن ابن مسعود(١).
والأول أصُّ إسناداً عن ابن مسعود، قاله النحاس(٢).
الثالث: أنه الموقن؛ قاله عطاء وعكرمة، ورواه أبو ظَبيان عن ابن عباس(٣).
الرابع: أنه المؤمن بلغة الحبشة؛ قاله ابن عباس أيضاً (٤).
الخامس: أنه المسبِّح الذي يذكر اللهَ في الأرض القَفْرِ المُوحشة؛ قاله الكلبيُّ
وسعيد بن المسيِّب(٥).
السادس: أنه الكثيرُ الذكرِ للهِ تعالى؛ قاله عقبةُ بن عامر(٦). وذُكر عند النبيِّ ﴾
رجل(٧) يُكثِرُ ذكرَ الله ويُسبِّح، فقال: (إنه لَأَوَّاه)).
السابع: أنه الذي يُكْثِر تلاوةَ القرآن. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس (٨).
قلت: وهذه الأقوال مُتداخِلٌ، وتلاوةُ القرآن تجمعها.
الثامن: أنه المتأوِّه؛ قاله أبو ذرٍّ. وكان إبراهيم عليه السلام يقول: ((آهٍ من النار
قبلَ أَلَّا تنفعَ آه))(٩). وقال أبو ذرٍّ: كان رجُلٌ يكثر الطّوَافَ بالبيت ويقول في دعائه:
أَوْهِ أوْه؛ فشكاه أبو ذرِّ إلى النبيِّ # فقال: ((دَعْهُ فإنه أوَّاه)). فخرجتُ ذات ليلة فإذا
(١) أخرجه عنهم الطبري ٣٥/١٢ - ٣٨، وأخرجه عن ابن مسعود أيضاً سعيد بن منصور في سننه
(١٠٤٤ - تفسير).
(٢) في معاني القرآن ٣/ ٢٦١ .
(٣) أخرجه عنهم الطبري ١٢/ ٣٨ - ٣٩، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً عبد الرزاق ١/ ٢٩٠ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢ / ٤٠ .
(٥) أخرجه الطبري عن سعيد بن المسيب ٤١/١٢ .
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٤١ .
(٧) في النسخ: رجلاً، والمثبت هو الوجه. والخبر أخرجه الطبري ٤١/١٢ من طريق الحسن بن مسلم أن
رجلاً كان يكثر ذكر الله فذكر ذلك للنبي ﴾ ... ، وهو مرسل.
(٨) أخرجه الطبري ١٢/ ٤١ - ٤٢ .
(٩) ذكره البغوي ٣٣٢/٢.

٤٠٣
سورة التوبة: الآية ١١٤
النبيُّ ﴾ يدفنُ ذلك الرجلَ ليلاً ومعه المصباحُ(١).
التاسع: أنه الفقيه؛ قاله مجاهد والنَّخَعِيُّ(٢).
العاشر: أنه المُتَضَرِّعُ الخاشع؛ رواه عبد اللهِ بنُ شدَّاد بن الهادِ عن النبيِ ﴾(٣).
وقال أنس: تكلمت امرأةٌ عند النبيِّ# بشيءٍ كرهَه، فنهاها عمر، فقال النبيُّ ﴾:
((دَعُوها فإنها أَوَّاهةٌ)) قيل: يا رسول الله، وما الأوَّاهة؟ قال: ((الخاشعة))(٤).
الحادي عشر: أنه الذي إذا ذَكر خطاياه استغفَر منها؛ قاله أبو أيوب(٥).
الثاني عشر: أنه الكثير التأوُّهِ من الذنوب؛ قاله الفرَّاء(٦).
الثالث عشر: أنه المعلمُ للخير؛ قاله سعيد بن جبير(٧).
الرابع عشر: أنه الشفيق؛ قاله عبد العزيز بن يحيى(٨). وكان أبو بكر الصديق
يُسمَّى الأوّاهَ؛ لشفقته ورأفتِهِ (٩).
(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٢ والحاكم ٣٦٨/١ وقال: إسناده معضل. وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية
وقال: هذا حديث غريب، رواه ابن جرير ومشَّاه.
(٢) أخرجه عن مجاهد الطبريُّ ٤٣/١٢، وذكره عن النخعي البغويُّ ٣٣٢/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٤٤/١٢، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥٣/٢ - ٥٤، ولكن من حديث ميمونة، وفي إسناده شهر بن حوشب،
وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ (١٠٨) من طريق راشد بن سعد قال: دخل النبي ﴾ ...
فذكر الحديث دون ذكر تفسير الأواهة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤٨/٩ : إسناده منقطع، وفيه
يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف. ووقع في الروايتين اسم المرأة زينب بنت جحش.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٦ (١٠٠٦٩).
(٦) في معاني القرآن ٢٣/٢ .
(٧) ذكره البغوي ٣٣٢/٢ .
(٨) الكناني المكي، كان من أهل العلم والفضل، وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه للشافعي واشتهر
بصحبته. تهذيب الكمال ٢٢٠/١٨ .
(٩) ينظر نوادر الأصول ص٥٨، وفيه أن عليًّا ﴾ قال على المنبر: إن أبا بكر أوَّاه منيب القلب وإن عمر
ناصح لله، فنصحه الله تعالى.

٤٠٤
سورة التوبة: الآية ١١٤
الخامس عشر: أنه الراجحُ عن كلِّ ما يَكْره اللهُ تعالى؛ قاله عطاء.
وأصله من التأوُّهِ، وهو أن يُسمَعَ للصدر صوتٌ مِن تنفُّسِ الصُّعَداء(١). قال
كعب: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوَّه(٢).
قال الجوهريُّ(٣): قولُهم عند الشِّكاية: أوْهِ من كذا؛ ساكنةَ الواو؛ إنما هو
تَوَجُعٌ؛ قال الشاعر:
فأوهِ لذكراها إذا ما ذكّرْتُها ومِن بُعْدِ أرضٍ بيننا وسماءٍ(٤)
وربما قَلَبوا الواوَ ألفاً فقالوا: آهٍ من كذا. وربما شدَّدوا الواوَ وكَسَروها وسَكَّنوا
الهاء فقالوا: أوّهْ من كذا. وربما حذفوا مع التشديد الهاءَ فقالوا: أوٍّ من كذا؛ بلا مدٍّ.
وبعضهم يقول: آوَّهْ، بالمدِّ والتشديد وفتح الواو ساكنةَ الهاء؛ لتطويل الصوت
بالشكاية. وربما أدخلوا فيها التاءَ فقالوا: أوَّتَاهُ، يُمَدُّ ولا يُمَدُّ. وقد أوَّهَ الرجلُ
تأوِيهاً، وتأوَّه تأوُّهاً، إذا قال: أوَّهْ، والاسم منه: الآهَةُ، بالمد، قال المُثَقِّب
العبديُّ:
تَأَوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ(٥)
إذا ما قمتُ أرحَلُهَا بليلٍ
والحليم: الكثير الحِلم، وهو الذي يصفح عن الذنوب، ويصبر على الأذى.
وقيل: الذي لم يعاقِب أحداً قطُّ إلا في الله، ولم ينتصر من أحدٍ إلا للهِ(٦). وكان
إبراهيمُ عليه السلام كذلك، وكان إذا قام يصلي سُمِعَ وجِيبُ قلبه(٧) على مِيلين.
(١) تفسير البغوي ٣٣٢/٢.
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٣ .
(٣) في الصحاح (أوه).
(٤) معاني القرآن للفراء ٤٣/٢، والخصائص لابن جني ٣٨/٣، وشرح المفصل لابن يعيش ٣٨/٤.
(٥) ديوان المثقب ص١٩٤. رَحَلْتُ البعير أَرْحَلُهُ رَحْلاً: إذا شدَدْتَ على ظهره الرَّحْل. الصحاح (رحل).
(٦) في (م): ولم ينتصر لأحد، والمثبت من النسخ الخطية وتفسير الواحدي ٥٢٩/٢ والكلام منه، وقد
نسب هذا القول لابن عباس.
(٧) أي: خفقانه. اللسان (وجب).

٤٠٥
سورة التوبة: الآيتان ١١٥ - ١١٦
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ (١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِى.
وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنِ دُونِ اَللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ﴾ أي: ما كان الله ليُوقِعَ
الضَّلالةَ في قلوبهم بعد الهُدَى حتى يُبيِّن لهم ما يتَّقون، فلا يتقوه، فعند ذلك
يستحقُّون الإضلال(١).
قلت: ففي هذا أدلُّ دليل على أنَّ المعاصيّ إذا ارتُكبت وانتُهك حجابُها، كانت
سبباً إلى الضلالة والرَّدى، وسُلَّماً إلى ترك الرَّشاد والهدى. فنسأل الله السَّداد،
والتوفيق والرشاد بمنِّه.
وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله في قوله: ﴿حَّ يِّيِّنَ لَهُم﴾: أي: حتى
يحتجَّ عليهم بأمره، كما قال: ﴿وَإِذَآَ أَدْنَا أَنْ تُمْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فَِهَا﴾
[الإسراء: ١٦](٢).
وقال مجاهد: ﴿حَّى يُبَيِّنَ لَهُم﴾ أي: أَمْرَ إبراهيم؛ ألَّا يستغفروا للمشركين
خاصَّة، ويبيِّن لهم الطاعةً والمعصية عامة(٣).
ورُويَ أنه لما نزل تحريم الخمر وشدِّد فيها، سألوا النبيَّ # عمن مات وهو
يشربُها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ حَّى يُبَيِّنَ لَهُم
مَّا يَتَّقُونَ﴾ (٤).
وهذه الآية ردٌّ على المعتزلة وغيرهم الذين يقولون بخَلْق هُدَاهم وإيمانِهم، كما تقدَّم(٥).
(١) الوسيط ٥٢٩/٢.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٢٦٢ .
(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٧ .
(٤) كذا في معاني القرآن للفراء ٤٥٣/١، وللنحاس ٣٦٣/٣، وتفسير البغوي ٣٣٣/٢، وسلف ١٦٧/٨-١٦٨
أن ذلك في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا لَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
(٥) ٢٣٠/١ .

٤٠٦
سورة التوبة: الآيات ١١٥ - ١١٧
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ. إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُهِ، وَيُّمِيثٌ
وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اَللَّهِ مِن وَإِمٍ وَلَا نَصِيرٍ﴾ تقدَّم معناه غيرَ مرة(١).
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ تَّابَ اَللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَّبَعُوهُ فِى
سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٧)﴾
روى الترمذي(٢): حدَّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لم أتخلَّفْ عن النبيّ ا﴾
في غزوةٍ غزاها حتى كانت غزوةُ تبوك إلا بدراً، ولم يعاتِبِ النبيُّ # أحداً تخلَّف عن
بدر، إنما خرج يريد العِير، فخرجَتْ قريشٌ مُغْوِثين لِعِيرهم، فالتقَوْا عن(٣) غير مَوعدٍ
كما قال الله تعالى(٤)، ولَعَمْري إنَّ أَشْرفَ مشاهِدِ رسول اللـه﴾ في الناس لَبَدْرٌ، وما
أُحبُّ أني كنت شهدتُها مكانَ بيعتي ليلةَ العقبة حين تَوَاثَقْنا على الإسلام، ثم لم
أتخلَّف بعدُ عن النبيِّ # حتى كانت غزوةُ تبوك، وهي آخِرُ غزوةٍ غَزَاها، وآذَنَ
النبيُّ﴾ [الناس] بالرحيل. فذكر الحديث بطوله، قال: فانطلقتُ إلى النبيِّ#، فإذا
هو جالس في المسجد وحولَه المسلمون، وهو يستنير كاستنارة(٥) القمر، وكان إذا
سُرَّ بالأمر استنار، فجئت فجلست بين يديه فقال: ((أَبْشِرْ يا كعبُ بنَ مالك بخيرٍ يومٍ
أتى عليك منذ ولدتكَ أمُّك)) فقلت: يا نبيَّ الله، أَمِنْ عند الله أَمْ مِن عندك؟ قال: ((بل
من عند الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَََّّبُ الرَّحِيمُ﴾ قال: وفينا أُنزلت
(١) ينظر ٣٧٣/١ وما بعدها، و٣٩٠/١ و٣١١/٢٠.
(٢) في سننه (٣١٠٢)، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في (ظ): على.
(٤) يعني قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَعَدُنُّمْ لَأَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ﴾ [الأنفال: ٤٢].
(٥) في النسخ الخطية: كاستنار.

٤٠٧
سورة التوبة: الآية ١١٧
أيضاً: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وذكر الحديث. وسيأتي بكماله من
((صحيح)) مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى(١).
واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبيِّ والمهاجرين والأنصار
على أقوال؛ فقال ابن عباس: كانت التوبة على النبيِّ لأَجْل إذنه للمنافقين في القعود؛
دليلُه قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وعلى المؤمنين من ميل
قلوب بعضِهم إلى التخلُّف عنه(٢).
وقيل: توبةُ الله عليهم استنقاذُهم من شدّة العسرة. وقيل: خلاصُهم من نِكاية
العدوِّ، وعُبِّر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عُرْفها؛ لوجود معنى التوبة فيه، وهو
الرجوعُ إلى الحالة الأولى(٣).
وقال أهل المعاني: إنما ذُكر النبيُّ # في التوبة؛ لأنه لمَّا كان سببَ توبتهم ذُكر
معهم؛ كقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٤) [الأنفال: ٤١].
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي: في وقت العسرة، والمراد
جميعُ أوقات تلك الغَزاة، ولم يُرِد ساعةً بعينها(٥). وقيل: ساعة العسرة: أشدُّ
الساعات التي مرَّت بهم في تلك الغَزاة. والعُسرةُ صعوبة الأمر.
قال جابر: اجتمع عليهم عُسرةُ الظّهْر، وعُسرة الزاد، وعُسرة الماء(٦).
قال الحسن: كان العشرة(٧) من المسلمين يخرجون على بعير يَعْتَقِبونه بينهم،
(١) يعني في تفسير الآية التالية.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) النكت والعيون ٢/ ٤١٢ .
(٤) تفسير البغوي ٣٣٣/٢، وزاد المسير ٥١١/٣ .
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٣٣٣ .
(٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٥١ .
(٧) في (م): كانت العسرة.

٤٠٨
سورة التوبة: الآية ١١٧
وكان زادُهم التمر المتسوِّسَ، والشعيرَ المتغيِّر، والإهالة(١) المنتِنة، وكان النَّفَر
يَخرجون ما معهم إلا التمراتُ بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرةَ فلاكها
حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه [فيمصُّها] حتى يشرب عليها جُرْعةً من ماء،
كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة؛ فمضَوْا مع النبيِّ # على
صدقهم ویقینهم ﴾(٢).
وقال عمر ﴾ وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قَيْظٍ شديد، فنزلنا منزلاً
أصابنا فيه عطشٌ شديد، حتى ظنًّا أنَّ رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إنَّ الرجل
لَینحَر بعیره فیعصِرُ فَرْثَه فیشربُه، ويجعل ما بقي علی کبده. فقال أبو بكر: يا رسول
الله، إن الله قد عوَّدك في الدعاء خيراً، فادعُ لنا. قال: ((أتحبُّ ذلك))؟ قال: نعم؛
فرفع يديه فلم يُرجِعْهما حتى أظلَّت السماء ثم سكبت، فملَؤوا ما معهم، ثم ذهبنا
تنظر، فلم نجدها جازت العسكر(٣).
وروى أبو هريرة أو أبو (٤) سعيد قال(٥): كنَّا مع النبيِّ﴾ في غزوة تبوك، فأصاب
الناسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، لو أَذِنتَ لنا فنحرنا نَواضِحَنا(٦)، فأكلنا
وادَّهنَّا(٧). فقال رسول الله ﴾: ((افعلوا)). فجاء عمر وقال: يا رسول الله، إن فعلوا
قَلَّ الَّهر، ولكن ادْعُهم بفضل أزوادهم، فادعُ الله عليها بالبركة لعلَّ الله أن يجعل
(١) الإمالة: الشحم. القاموس (أهل).
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٣٣، وما سلف بین حاصرتین منه.
(٣) أخرجه البزار (٢١٤)، والطبري ٥٢/١٢، وابن خزيمة (١٠١)، وابن حبان (١٣٨٣)، والحاكم
١٥٩/١ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ووقع في (م) ومسند البزار وتفسير الطبري وصحيح ابن
حبان: جاوزت، بدل: جازت.
(٤) في النسخ: وأبو، والمثبت من مصادر التخريج على ما يأتي. وقالوا: إن الشك من الأعمش.
(٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): قالا، والمثبت من (ظ) والمصادر.
(٦) النواضح جمع ناضح: وهو البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه الماء. اللسان (نضح).
(٧) أي: اتخذنا دهناً من شحومها. شرح النووي لصحيح مسلم ٢٢٥/١ .

٤٠٩
سورة التوبة: الآية ١١٧
في ذلك(١). قال: ((نعم)). ثم دعا بنَطَعَ (٢) فبسط، ثم دعا بفضل الأزواد، فجعل
الرجلُ يجيء بكفّ ذُرَةٍ، ويجيء الآخَر بكفِّ تمر، ويجيء الآخَر بكِسْرة، حتى
اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسير. قال أبو هريرة: فحزَرته، فإذا هو قَدْرَ رِبْضةٍ
العنز(٣)، فدعا رسول الله ﴾ بالبركة. ثم قال: ((خُذُوا في أَوْعِيتكم)). فأخذوا في
أوعيتهم حتى - والذي لا إله إلا هو - ما بقي في العسكر وعاءٌ إلا ملؤوه، وأكل القوم
حتى شبعوا، وفَضَلت فَضْلةٌ، فقال النبيُّ ﴾: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسولُ
الله، لا يَلْقَى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاٌّ فيهما فيُحجبَ عن الجنة)). خرَّجه مسلم في
«صحيحه))(٤) بلفظه ومعناه، والحمد لله.
وقال ابن عرفة: سُمِّ جيشُ تبوك جيشَ العُسرة؛ لأن رسول الله :﴿ نَدَب الناسَ
إلى الغزو في حَمَارَّة القَيْظ(٥)، فغلُظ عليهم وعَسُر، وكان إيَّان(٦) إيناع(٧) الثمرة.
قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة؛ لأن رسول الله ے لم يغزُ قبله في عددٍ مثله؛
لأنَّ أصحابه يومَ بدرٍ كانوا ثلاث مئة وبضعةً عَشَر، ويومَ أُحُد سبع مئة، ويومَ خيبر
ألفاً وخمسَ مئة (٨)، ويومَ الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفاً، وكان جيشه
(١) بعدها في (م): البركة، والمثبت من النسخ الخطية وهو موافق لما في المصادر، قال النووي ٢٢٥/١:
فيه محذوف تقديره: يجعل في ذلك بركةً أو خيراً، أو نحو ذلك، فحذف المفعول به لأنه فَضْلة.
(٢) هو بساط من الأديم. القاموس (نطع).
(٣) رِبضة العنز: جثَّتها إذا بركت. اللسان (ربض). وقول أبي هريرة: فحزرته فإذا هو قدر رِبضة العنز؛
ليس في المصادر، ولم نقف عليه.
(٤) برقم (٢٧): (٤٥)، وهو عند أحمد (١١٠٨٠).
(٥) بتخفيف الميم وتشديد الراء، أي: شدة حرِّه. اللسان (حمر).
(٦) في (ظ): وكان أول أوان.
(٧) في (م): ابتياع.
(٨) أخرج أبو داود (٣٠١٥) عن مجمع بن جارية الأنصاري يوم خيبر: وكان الجيش ألفاً وخمس مئة فيهم
ثلاث مئة فارس ... ، وفي طبقات ابن سعد ١٠٧/٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٣٨/٤ أنهم كانوا ألفاً
وأربع مئة، وكانت الخيل متي فرس.

٤١٠
سورة التوبة: الآية ١١٧
في غزوة تبوك ثلاثين ألفاً وزيادة، وهي آخِرُ مغازيه#. وخرج رسول الله # في
رجب، وأقام بتبوك شعبانَ وأياماً من رمضان(١)، ويَثَّ سراياه، وصالحَ أقواماً على
الجزية.
وفي هذه الغَزاة خلَّف عليًّا على المدينة، فقال المنافقون: خلَّفه بُغضاً له، فخرج
◌َخَلْفَ النبيِّ # وأخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة
هارون من موسى))(٢) وبيَّنَ أن قعوده بأمره عليه الصلاة والسلام يوازي في الأجر
خروجَه معه؛ لأنَّ المدار على أمر الشارع.
وإنما قيل لها: غزوة تبوك؛ لأن النبيَّ # رأى قوماً من أصحابه يَبُوكُون حِسْيَ
تبوك، أي: يُدخلون فيه القدح، ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ((ما زلتم تَّبُوكُونها
بَوْكاً)). فسمِّيت تلك الغزوةُ غزوةً تبوك(٣). الحِسْيُ - بالكسر -: ما تُنشِّفه الأرض من
الرمل، فإذا صار إلى صلابةٍ أمسكتْه، فتحفر عنه الرمل فتستخرجه، وهو الاحتساء؛
قاله الجوهري(٤).
قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما كاد تَزيغ قلوبُ فريق منهم﴾ («قلوبُ)) رفع بـ ((تزیغ)) عند
سيبويه(٥). ويُضمِر في ((كاد)) الحديث(٦) تشبيهاً بكان؛ لأنَّ الخبر يلزمها كما يلزم كان.
وإن شئت رفعتَها بكاد، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوبُ فريقٍ منهم تزيغ(٧).
وقرأ الأعمش وحمزة وحفص: ((يزيغ)) بالياء(٨)، وزعم أبو حاتم أنَّ مّن قرأ:
(١) ينظر طبقات ابن سعد ١٦٥/٢ - ١٦٧ .
(٢) سلف ٣٩٨/١ .
(٣) مشارق الأنوار للقاضي عياض ١٢٦/١، والفائق ١٣٢/١.
(٤) الصحاح (حسا).
(٥) في الكتاب ١/ ٧١ .
(٦) أي: أن اسمها ضمير الشأن. ينظر الدر المصون ٦/ ١٣٣.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/٢.
(٨) السبعة ص٣١٩، والتيسير ص ١٢٠ عن حمزة وحفص. وذكرها عن الأعمش ابن عطية في المحرر
الوجيز ٩٣/٣.

٤١١
سورة التوبة: الآية ١١٧
(يزيغ)) بالياء، فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال النحاس(١): والذي لم يُجِزْه
جائزٌ عند غيره على تذكير الجميع.
حكى الفرَّاء: رَحِبت(٢) البلادُ وأَرْحَبت، ورَحُبت لغةُ أهل الحجاز.
واختلف في معنى ((تزيغ))؛ فقيل: تَتْلَفُ بالجهد والمشقة والشدة. وقال ابن
عباس: تعدل - أي: تميل - عن الحقِّ في الممانعة والنصرة(٣). وقيل: من بعد ما هَمَّ
فريقٌ منهم بالتخلُّف والعصيان ثم لَحِقُوا به (٤). وقيل: همُّوا بالقُفُول، فتاب الله عليهم
وأمرهم به(٥).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: توبتُه عليهم أنْ تَدَاركَ قلوبَهم حتى لم
تَزِغْ، وكذلك سُنَّة الحقِّ مع أوليائه إذا أشرفوا على العَطَب، ووظّنوا أنفسهم على
الهلاك، أمطر عليهم سحائب الجود، فأحيا قلوبهم(٦). ويُنشَد:
يُرْتَجى منه بعضُ ما منك أرجُو
منك أرجو ولستُ أعرفُ رَبًّا
ضٍ على الخلقِ فاستغاثوا وعجّوا
وإذا اشتدَّت الشدائدُ في الأر
ع وصَرُوا على الذنوب ولَجُّوا
وابتليتَ العباد بالخوف والجو
فتيقَّنتُ أنني بك أَنْجُو
لم يكن لي سواك ربِّي ملاذٌ
وقال في حقِّ الثلاثة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ فقيل: معنى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾
أي: وفَّقهم للتوبة ليتوبوا. وقيل: المعنى ((تاب عليهم)) أي: فَسَح لهم، ولم يعجِّل
عقابَهم ليتوبوا. وقيل: تاب عليهم ليثْبُتوا على التوبة. وقيل: المعنى: تاب عليهم
(١) في إعراب القرآن ٢٣٩/٢.
(٢) في النسخ: رحب، والمثبت من إعراب القرآن، وتهذيب اللغة ٢٧/٥ وفيه قول الفراء أيضاً.
(٣) ذكر قول ابن عباس الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤١٢ .
(٤) تفسير أبي الليث ٧٨/٢ ، ونسب ابن الجوزي ٥١٢/٣ هذا القول لابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٦٤/٣ .
(٦) لطائف الإشارات ٢/ ٧٠ .

٤١٢
سورة التوبة: الآيتان ١١٧ - ١١٨
ليرجعوا إلى حال الرِّضا عنهم. وبالجملة؛ فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم
بالتوبة ما تابوا، دليلُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له))(١).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَتِهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ
وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَعَلَ الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ قيل: عن التوبة؛ عن مجاهد وأبي
مالك(٢). وقال قتادة: عن غزوة تبوك(٣). وحُكي عن محمد بن يزيد(٤) معنى ((خُلِّفُوا)):
تُركوا؛ لأن معنى خلَّفت فلاناً: فارقته(٥) قاعداً عما نهضتُ فیه.
وقرأ عكرمة بن خالد: ((خَلَفوا)) أي: أقاموا بعَقِب رسول الله ﴾(٦). ورُويَ عن
جعفر بن محمد أنه قرأ: ((خالَفوا))(٧).
وقيل: ((خُلِّفُوا)) أي: أُرجئوا وأُخّروا عن المنافقين، فلم يُقْضَ فيهم بشيء. وذلك
أن المنافقين لم تُقبل توبتُهم، واعتذر أقوامٌ فقبلَ عذرهم، وأخَّر النبيُّ # هؤلاء
الثلاثةَ حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لِمَا رواه مسلم والبخاريُّ وغيرهما
- واللفظ لمسلم - قال كعب: كنا خُلِّفنا، - أيُّها الثلاثةُ(٨) - عن أمر أولئك الذين قَبلَ
(١) أخرجه أحمد (٦٢١)، والبخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧) عن علي ﴾. وأحمد (١٩٨٦٩)،
والبخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩) عن عمران بن حصين ﴾. وأحمد (١٤١١٦)، ومسلم (٢٦٤٨)
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(٢) الوسيط ٥٢٩/٢، وزاد المسير ٥١٣/٣ عن مجاهد، والنكت والعيون ٤١٣/٢ عن أبي مالك.
(٣) المحرر الوجيز ٩٤/٣ .
(٤) في (ظ): جرير، وفي باقي النسخ: زيد، والمثبت من معاني القرآن للنحاس ٢٦٤/٣، والكلام منه.
(٥) في (م): تر كته وفارقته.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٦٥/٣، والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٥، وابن جني
في المحتسب ١/ ٣٠٥ وزادا نسبتها لزرّ بن حُبيش، ونسبها ابن جني أيضاً لعمرو بن عبيد وأبي عمرو.
(٧) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٦/١.
(٨) قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٢٧٩/٨: هو بالرفع، وموضعه النصب على الاختصاص؛ قال
سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله.

٤١٣
سورة التوبة: الآية ١١٨
منهم رسول الله ﴿ حين حلفُوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأً رسول الله ﴿ أُمْرَنا
حتى قضى اللهُ فيه؛ فبذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا﴾، ولیس
الذي ذَكَر اللهُ مما خُلِّفنا تَخَلُّفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفُه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن
حَلَفَ له واعتذر إليه فقَبِل منه. وهذا الحديث فيه طول، هذا آخره(١).
والثلاثة الذين خُلُّفوا هم: كعب بن مالك، ومُرارةُ بن ربيعة العامِريُّ، وهلال بن
أمّيَّة الواقفيُّ، وكلَّهم من الأنصار. وقد خرَّج البخاريُّ ومسلم حديثَهم، فقال مسلم:
عن كعب بن مالك قال: لم أَتخلَّفْ عن رسول اللـه # في غزوةٍ غزاها قٌّ، إلا في
غزوة تبوك، غير أني قد تخلَّفتُ في غزوة بدر، ولم يعاتِبْ أحداً تَخلَّفَ عنه، إنما
خرج رسول الله ے والمسلمون یریدون عِيرَ قریش؛ حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم
على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول اللـه ﴿ ليلةَ العقبةَ، حين تواثَقْنا على
الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهدَ بدر، وإن كانت بدرٌ أذْكَرَ في الناس منها. وكان
من خبري حين تخلَّفت عن رسول اللـه # في غزوة تبوك: أني لم أكن قٌّ أقوى ولا
أَيْسَرَ مني حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة، واللهِ ما جمعتُ قبلها راحلتين قطّ، حتى
جمعتُهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول اللـه # في حرِّ شديد، واستقبلَ سفراً بعيداً
ومفازاً (٢)، واستقبل عدوًّا كثيراً؛ فجَلا للمسلمين أمرهم؛ ليتأهّبُوا أُهْبةَ غَزْوهم(٣)،
فأخبرهم بوجهه(٤) الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله # كثير، ولا يجمعهم
كتابٌ حافظٌ - يريد بذلك الدّيوان - قال كعب: فقَلَّ رجل يريد أن يتغيَّب، يظن أن
ذلك سيَخْفَى له(٥)، ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى، وغزا رسول الله # تلك
(١) صحيح البخاري (٤٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٧٦٩)، وهو عند أحمد (١٥٧٨٩) وسيذكره المصنف
بتمامه فيما يلي.
(٢) أي: برية طويلة قليلة الماء يُخاف فيها الهلاك. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٨/١٧ .
(٣) في النسخ الخطية ومسند أحمد: عدوهم، والمثبت من (م) والصحيحين.
(٤) في (د) و(ز) و(ظ) وصحيح مسلم: بوجههم، والمثبت من باقي النسخ وأحمد والبخاري.
(٥) قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٧/ ٩٥ : كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم وفي نُسَخه،
وسقط من الكلام ((إلا)) قبل ((يظن)) وبه يستقيم الكلام. اهـ. قلنا: والرواية في صحيح البخاري ومسند
أحمد بإثبات ((إلا)) قبل ((يظن)).

٤١٤
سورة التوبة: الآية ١١٨
الغزوة حين طابت الثمار والظّلال؛ فأنا إليها أَصْعرُ(١)، فتجهز(٢) رسول الله لق﴾
والمسلمون معه، وطفِقتُ أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجعُ ولم أقضٍ شيئاً، وأقول في
نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس
الجِدُّ، فأصبح رسول الله ﴿ غادياً(٣) والمسلمون معه، ولم أَقْضٍ من جهازي شيئاً،
ثم غدوتُ فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك(٤) يتمادى بي حتى أسرعوا وتَفَارَطَ
الغزو(٥)؛ فهَمَمْتُ أن أَرتَحِلَ فأدركَهم، فيا ليتني فعلتُ! ثم لم يُقدَّر ذلك لي، فطفِقتُ
إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله #، يَحزُنُني أنّي(٦) لا أرى لي أسوةً،
إلا رجلاً مغْمُوصاً عليه في النفاق(٧)، أو رجلاً ممن عَذَر اللهُ من الضعفاء، ولم
يذكرني رسول الله﴾ حتى بلغ تبوك (٨)، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ((ما فَعَلَ
كعب بنُ مالك؟)) فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول الله! حَبَسه بُرْداه والنظرُ في
عِظْفیه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا
خيراً. فسكت رسول اللـه ﴾. فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبَيِّضاً يزول به
السَّراب(٩)، فقال رسول الله ﴾: ((كُنْ أبا خَيْئمة))؛ فإذا هو أبو خَيْئمةَ الأنصاريُّ،
(١) أي: أميل. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٩/١٧ .
(٢) بعدها في (خ) و(د) و(ز) و(م) ومسند أحمد: إليها.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): غازياً، والمثبت من (ظ) وصحيح مسلم.
(٤) في (د) و(م): كذلك، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٥) أي: تقدم الغُزاة، وسبقوا وفاتوا. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٩/١٧ .
(٦) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ) ومسند أحمد: أن، والمثبت من (م) والصحيحين.
(٧) أي: متهماً به. شرح صحيح مسلم للنووي ٨٩/١٧ .
(٨) في صحيح مسلم: تبوكاً. قال النووي ٨٩/١٧: هكذا هو في أكثر النسخ: تبوكاً بالنصب. اهـ وفي
مسند أحمد وصحيح البخاري كما في النسخ: تبوك. قال الحافظ في الفتح ١١٨/٨: بغير صرف
للأكثر، وفي رواية: تبوكاً، على إرادة المكان.
(٩) أي: أظهر بياض نفسه في السراب، ويزول: يتحرك ويضطرب. المفهم ٧/ ٩٦ .

٤١٥
سورة التوبة: الآية ١١٨
وهو الذي تصدَّق بصاع التمر حين لَمَزه(١) المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلمَّا بلغني أنَّ رسول اللـه# قد توجَّه قافلاً من تبوك
حضرني بَثِّي، فطَفِقْتُ أتذكَّر الكذب وأقول: بم أخرج من سَخَطِه غداً؟ وأستعين
على ذلك كلَّ ذي رأي من أهلي؛ فلمَّا قيل لي: إنَّ رسول الله # قد أَظَلَّ قادماً؛ زاح
عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبداً، فأَجْمعتُ صِدْقَه، وصبَّح
رسول الله ﴾ قادماً، وكان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم
جلس للناس، فلما فعل ذلك؛ جاءه المتخلِّفون، فطفِقُوا يعتذرون إليه ويحلفون له،
وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقَبِلَ منهم رسول اللـه # علانيتهم، وبايَعهم واستغفر
لهم، ووَكَل سَرَائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلَّمت تبسَّمَ تبسُّم المُغْضَب، ثم
قال: ((تعال)). فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ((ما خلَّفك؟ ألم تكن قد
ابتعتَ ظهرك؟)) قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل
الدنيا، لَرأيتُ أني سأخرجُ من سَخَطه بعذر؛ ولقد أُعطِيتُ جَدَلاً، ولكني واللهِ لقد
علمتُ لئن حدَّثْتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عني، ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يُسْخِطك
عليَّ، ولئن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عُقْبَى الله، واللهِ
ما كان لي عذرٌ، واللهِ ما كنتُ قظٌّ أقْوَى ولا أيسرَ منِّي حين تخلَّفت عنك. قال
رسول الله ﴾: ((أمّا هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضيَ اللهُ فيك)). فقمتُ، وثار رجال
من بني سَلِمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناكَ أذنبتَ ذنباً قبل هذا! لقد عَجَزْتَ
في ألَّا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله # بما اعتذر به إليه المتخلِّفون، فقد كان كافيَك
ذنبَك استغفارُ رسول الله﴿ لك !. قال: فوالله ما زالوا يؤنِّوني حتى أردتُ أن أرجع
إلى رسول الله﴿ فأكذِّبَ نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لَقي هذا معي من أحدٍ؟
قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلتَ، فقيل لهما مثلَ ما قيل لك. قال:
(١) في (خ) و(ظ) و(م): حتى لمزه، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم.

٤١٦
سورة التوبة: الآية ١١٨
قلت: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيعة العامريُّ(١) وهلالُ بن أمية الواقفيُّ(٢). قال:
فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً؛ فيهما أسوةٌ، قال: فمضَيْتُ حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول اللـه﴿ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ من بين مَن تخلَّف
عنه. قال: فاجتنَنا الناسُ، وقال: وتغيَّروا لنا حتى تنكّرتْ لي في نفسي الأرضُ، فما
هي بالأرض التي أعرفُ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا
في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجْلَدَهم، فكنتُ أخرجُ فأشهدُ
الصلاة وأطوفُ في الأسواق ولا يكلِّمُني أحد، وأَتي رسولَ الله ﴾ فأسلِّمُ عليه وهو
في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِ السلام أم لا؟ ثم
أصلِّي قريباً منه وأسَارِقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه
أَغْرضَ عني، حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مَشَيْتُ حتى تسوَّرت جدارَ
حائطٍ أبي قتادةَ، وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسأَّمت عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ
السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنْشُدُك بالله، هل تَعلَمَنَّ أني أُحِبُّ الله ورسوله؟
قال: فسكت، فعُدت فناشدتُه، فسكت، فعدتُ فناشدتُه، فقال: الله ورسوله أعلم.
ففاضت عينايَ، وتولَّيتُ حتى تسوَّرتُ الجدار.
فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إِذا نَبَطِيٌّ من نَبَط أهل الشام(٣) ممن قَدِم بالطعام
يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفِقِ الناس يُشيرون له إليَّ،
حتى جاءني فدفع إليَّ كتاباً من مَلِك غَسَّانَ، وكنتُ كاتباً، فقرأته فإذا فيه: أمَّا بعد،
فإنه قد بلغَنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلْك الله بدار هَوَانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ
(١) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: العامري، وأنكره العلماء وقالوا: هو غلط، إنما صوابه:
العَمْري - بفتح العين وإسكان الميم - من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد
ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة. وأما قوله: مرارة بن ربيعة. فكذا وقع في نسخ مسلم
ووقع في البخاري: ابن الربيع، قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين.
(٢) نسبة إلى واقف، وهو بطن من الأنصار. شرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ٩٢ .
(٣) قال الحافظ في الفتح ٨/ ١٢٠: وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفِلاحة، وهذا النبطي الشامي كان
نصرانيًّا كما وقع في رواية معمر: إذا نصراني جاء بطعام له يبيعه.

٤١٧
سورة التوبة: الآية ١١٨
بنا نُواسِكَ. قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتياممت بها التنُّورَ
فسَجَرْته بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلْبَثَ(١) الوَحْيُّ، إذا رسولُ
رسولِ الله# يأتيني فقال: إنَّ رسول الله ﴾ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت:
أُطلِقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها. قال: فأرسل إلى صاحبيَّ
بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: اِلْحَقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في
هذا الأمر.
قال: فجاءت امرأة هلال بن أميةَ رسولَ الله﴾ فقالت له: يا رسول الله، إنَّ
هلال بنَ أميَّةَ شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخْدُمَه؟ قال: ((لا، ولكن لا
يَقْرِبَنَّكِ)) فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره
ما کان إلی یومه هذا.
قال: فقال بعض أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله﴾ في امرأتك، فقد أَذِنَ لامرأة
هلال بن أميةً أن تخدُمَه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﴾، وما يُدريني ماذا
يقول رسول الله ﴿ إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ. قال: فلبِئت بذلك عَشْرَ ليالٍ،
فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً من حينَ نُهِيَ عن كلامنا.
قال: ثم صلَّتُ صلاةَ الفجر صباحَ خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا
أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض
بما رَحُبت، سمعتُ صوتَ صارخٍ أوْفَى على سَلْع(٢) يقول بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ
مالك أبْشِر. قال: فَخَرَرْتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قد جاء فرج.
قال: فآذن رسولُ الله# الناسَ بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاةَ الفجر؛ فذهب
الناس يبشِّروننا، فذهب قِبَل صاحبيَّ مُبَشِّرون، وركَضَ رجلٌ إليَّ فرساً، وسعَى ساعٍ
(١) أي: أبطأ. شرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ٩٤ .
(٢) أي: صعده وارتفع عليه، وسَلْع - بفتح السين المهملة، وإسكان اللام - جبل بالمدينة معروف. شرح
صحيح مسلم للنووي ١٧ / ٩٥ .

٤١٨
سورة التوبة: الآية ١١٨
مِن أسْلَم قِبَلي، وأوْنَى الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ من الفرس، فلما جاءني الذي
سمعتُ صوته يبَشِّرني، نزعت له ثوبيَّ، فكسوتُه إياهما ببشارته، والله ما أملك
غيرهما يومئذ، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقتُ أتأمَّم رسول اللـه ﴾، فتلقَّاني
الناس فوجاً فوجاً، يُهنِّونني بالتوبة ويقولون: لِتَهْنِتْك توبةُ الله عليك، حتى دخلتُ
المسجد، فإذا رسولُ اللـه # جالسٌ في المسجد وحولَه الناس، فقام طلحة بنُ
عبيد الله يُهرولُ حتى صافحني وهنّأْني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرُه. قال:
فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلَّمت على رسول اللـه ﴿، قال وهو يَبْرُق وجهُه من السرور،
ويقول: ((أبشر بخيرٍ يوم مرَّ عليك منذ ولَدتْكَ أمُّك)). قال: فقلت: أَمِن عندك يا رسولَ
الله، أم من عند الله(١)؟ قال: ((لا، بل من عند الله)). وكان رسولُ الله ◌ِ﴾ إذا سُرَّ
استنار وجهه حتى كأنَّ وجهَه قطعةُ قَمَر. قال: وكنا نعرف ذلك.
قال: فلمَّا جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إنَّ من توبة الله عليَّ(٢) أن
أَنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله ﴾: («أمسِكْ عليك بعضَ
مالك فهو خير لك)). قال: فقلت: فإني أُمسِكُ سَهْمِيَ الذي بخَیْبَر. قال: وقلت: یا
رسول الله، إنَّ الله إنما أَنجاني بالصدق، وإنَّ من توبتي ألا أحَدِّث إلَّا صدقاً ما
بَقِیت. قال: فوالله ما علمتُ أحداً من المسلمین أبلاه الله في صدق الحديث منذ
ذكرتُ ذلك لرسول الله # إلى يومي هذا أحسنَ مما أبلاني(٣) الله به، والله ما
تعمَّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله # إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن
يَحفظني فيما بَقيَ؛ قال: فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَ النَّبِيّ وَالْمُهَِينَ
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(م): أمن عند الله يا رسول الله، أم من عندك، والمثبت من (ظ) والمصادر.
(٢) في المصادر: إن من توبتي.
(٣) أي: أنعم عليه، والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر، لكن إذا أطلق كان للشر غالباً، فإذا أريد الخير
قُيِّد كما قيَّده هنا، فقال: أحسن مما أبلاني. شرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ٩٧ .

٤١٩
سورة التوبة: الآية ١١٨
وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَُّ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى
الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَافَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى
بلغ ﴿أَتَّقُواْ اللّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
قال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطُ بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظمَ
في نفسي من صدقي رسولَ الله #، ألّا أكون كَذَبْتُهُ (١)، فأهْلِكَ كما هلك الذين
كذَبوا، إن الله قال للذين كذَبوا - حين أنزل الوَحْيَ - شَرَّ ما قال لأحد، وقال الله
تعالى: ﴿سَيَْلِقُونَ بِلّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْمٌُّ
وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ جَزَّآءُ بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَّضَوْ عَنْهُمّ فَإِن تَرْضَوْاْ
عَنْهُمْ فَإِنَ اَللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥-٩٦].
قال كعب: كنا خُلِّفْنا أيها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله ﴾
حين خَلَفُوا له، فبايعهم واستغفرَ لهم، وأرجأ رسولُ الله ﴾ أمرنا حتى قضى الله فيه،
فبذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَ الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما
خُلِّفْنا تَخَلُّفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفُه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر
إليه فقَبِل منه.
قوله تعالى: ﴿مَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: بما انَّسَعت؛ يقال: منزِلٌ
رَحْبٌ وَرَحِيب ورُحَاب(٢). و(ما)) مصدرية؛ أي: ضاقت عليهمُ الأرض برَحْبها؛
لأنهم كانوا مهجورين لا يُعامَلون ولا يكلَّمون. وفي هذا دليلٌ على هِجْران أهل
المعاصي حتی یتوبوا.
قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: ضاقت صدورُهم بالهمِّ والوَحْشَةِ،
(١) قال النووي ٩٨/١٧: هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثيرٍ من روايات البخاري. قال العلماء: لفظة
(لا) في قوله: ألَّا أكون، زائدة، ومعناه: أن أكون كذبته، كقوله تعالى: ما منعك أن لا تسجد إذ
أمرتك.
(٢) إكمال المعلم ٢٨٨/٨ .

٤٢٠
سورة التوبة: الآيتان ١١٨ - ١١٩
وبما لَقُوه من الصحابة من الجَفْوة. ﴿وَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَأَ مِنَ اَللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ أي: تيقّنوا
أنْ لا ملجأً يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقَبولِ التوبة منهم إلَّا إليه(١). قال أبو بكر
الورّاق: التوبةُ النَّصُوح أن تَضِيقَ على التائب الأرضُ بما رَحُبت، وتضيقَ علیه نفسُه؛
كتوبة كعبٍ وصاحبيه(٢).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ﴾ فبدأ بالتوبة منه.
قال أبو زيد: غَلِطتُ في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننتُ أنِّي أحبُّه فإذا
هو أَحَبَّني؛ قال الله تعالى: ﴿لُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وظننتُ أنِّي أرضَى عنه
فإذا هو قد رضيَ عني؛ قال الله تعالى: ﴿رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وظننتُ
أني أَذْكُره فإذا هو يذكرني؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [العنكبوت: ٤٥]،
وظننتُ أني أتوب؛ فإذا هو قد تاب عليَّ؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.
وقيل: المعنى: ثم تاب عليهم ليَثْبتوا على التوبة، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ ءَامِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦]؛ وقيل: أي: فسَح لهم ولم يُعجِّل عقابَهم كما فعل
بغيرهم؛ قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَيُطَلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ﴾(٣)
[النساء: ١٦٠].
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق
حَسُنَ بعد قصة الثلاثة حين نَفَعَهم الصدق، وذُهب بهم عن منازل المنافقين(٤). قال
مُطرِّف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلَّما كان رجلٌ صادقاً لا يَكذِب إلا مُتِّع بعقله،
(١) النكت والعيون ٤١٣/٢ .
(٢) أورده الزمخشري في الكشاف ٢١٩/٢. وأبو بكر الورَّاق هو محمد بن عمر الحكيم.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٦٥/٣ - ٢٦٦.
(٤) المحرر الوجيز ٩٤/٣ .