النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة التوبة: الآيتان ٩٧ - ٩٨ والأعرابيُّ إذا قيل له: يا عربيُّ فرح، والعربيُّ إذا قيل له: يا أعرابيُّ غَضِبَ. والمهاجرون والأنصار عربٌ لا أعراب. وسمِّيت العربُ عَرَباً لأن ولد إسماعيل نشَؤوا من عَرَبةُ (١)، وهي من تِهَامةَ، فنُسبوا إليها. وأقامت قريشٌ بعَرَبة، وهي مكة، وانتشر سائرُ العرب في جزيرتها. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَشَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَرَسُ بِكُمُ الَّوَابِرِ عَلَيْهِمْ دَآبِرَةُ السَّوْءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾﴾ ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَشَّخِذُ﴾ ((مَن)) في موضع رفعٍ بالابتداء. ﴿مَا يُفِقُ مَغْرَمَا﴾ مفعولان؛ والتقدير: ينفقُه، فحذفت الهاءُ لطول الاسم (٢). ((مَغْرَماً)) معناه: غُرماً وخسراناً، وأصله لزومُ الشيء، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] أي: لازماً، أي: يرون ما ينفقونه في جهادٍ وصدقة غُرْماً، ولا يرجون عليه ثواباً. ﴿وَيََّّصُ بِكُ الدَّوَّبِرِّ﴾ التربُّص: الانتظار؛ وقد تقدّم(٣). والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البَليَّة، أي: يَجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوءً الدِّخْلَة وخُبْثَ القلب. ﴿عَلَيْهِمْ دَآبِرَةُ أُلسَّوْءُ﴾ قرأه ابنُ كثير وأبو عمرو بضمِّ السين هنا وفي ((الفتح)) [الآية: ٦]، وفتحَها الباقون. وأجمعوا على فتح السين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨](٤). والفرق بينهما أنَّ السُّوء بالضمِّ: المكروه. قال الأخفش: أي: عليهم دائرةُ الهزيمة والشرّ. وقال الفرّاء: أي: عليهم دائرةُ العذاب والبلاء. قالا: ولا يجوز: امرأْ سُوء بالضم؛ كما لا يقال: هو امْرُؤ عذابٍ ولا شرِّ. وحُكي عن محمد بنِ يزيد قال: السَّوْء بالفتح: الرَّداءة. قال: [وقال] سيبويه: مررت برجلٍ صِدقٍ، ومعناه: (١) في تهذيب اللغة ٣٦٦/٢ (والكلام فيه بنحوه): نشؤوا بعربة. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٣١/٢ - ٢٣٢. (٣) ٢٩/٤. (٤) السبعة ص٣١٦، والتيسير ص١١٩، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٣٢. ٣٤٢ سورة التوبة: الآيتان ٩٨ - ٩٩ برجلٍ صلاحٍ. وليس مِن صدق اللسان، ولو كان من صدق اللسان لما قلت: مررت بثوبٍ صدقٍ. ومررت برجلٍ سَوْءٍ ليس هو من [مصدر] سُؤته، وإنما معناه: مررت برجلٍ فسادٍ. وقال الفراء: السَّوء بالفتح مصدر سُؤْته سَوْءاً ومَساءةً وسَوائِيَةً(١). قال غيره: والفعل منه: ساء يسوء، والسُّوء بالضم اسمٌ لا مصدر، وهو كقولك: علیهم دائرةُ البلاء والمكروه. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِّ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَّةٌ لَهُمَّ سَيُّدْسِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَيِّئَةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي: صدَّق. والمراد بنو مُقَرِّن من مُزَينة(٢)؛ ذكره المهدويّ. ﴿قُرْبَةٍ﴾ جمع قُرْبة، وهي ما يُتُقرَّب به إلى الله تعالى؛ والجمع: قُرَب وقُرُبات وقُرَبات وقُرْبات؛ حكاه النخَّاس(٣). والقُرْبان(٤) بالضمِّ: ما تُقرِّب به إلى الله تعالى؛ تقول منه: قرَّبتُ لله قرباناً. والقِرْبة بكسر القاف: ما يُستقَى فيه الماء، والجمع في أدنى العدد: قِرْبات وقِرِبات وقِرَبات، وللكثير قِرَب. وكذلك جمعُ كلِّ ما كان على فِعْلة؛ مثلُ سِدْرة وفِقرة، لك أن تفتحَ العينَ وتكسرَ وتُسَكِّن؛ حكاه الجوهري(٥). وقرأ نافع في رواية وِرْش: ((قُرُبة)) بضمِّ الراء، وهي الأصل. والباقون بسكونها تخفيفاً (٦)؛ مثل كُتْب ورُسْل، ولا خلافَ في ((قُرُبات)). وحكى ابنُ سعدان أن يزيد بنَ (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٢/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وينظر معاني القرآن للفراء ٤٥٠/١، ومعاني القرآن للأخفش ٥٥٩/٢. وينظر الدر المصون ١٠٦/٦. (٢) أخرجه الطبري ٦٣٦/١١ عن مجاهد وعبد الله بن معقل. (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٣٢ . (٤) في النسخ: والقربات، والمثبت من الصحاح (قرب)، والكلام منه. (٥) في الصحاح (قرب). (٦) السبعة ص٢١٧ ، والتيسير ص١١٩ . ٣٤٣ سورة التوبة: الآيتان ٩٩ - ١٠٠ القَعْقاع قرأ: ((أَلَا إِنَّهَا قُرُبَّةٌ لَهُمْ)) (١). ومعنى ﴿وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ﴾: استغفارُه ودعاؤه (٢). والصلاة تقع على ضُروب؛ فالصلاة من الله جلَّ وعزَّ: الرحمةُ والخير والبركة؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. والصلاةُ من الملائكة: الدعاءُ، وكذلك هي من النبيِّ #؛ كما قال: ﴿وَصَلّ عَلَيَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: دعاؤك تثبيتٌ لهم وطمأنينة. ﴿أَلَ إِنََّا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ أي: تقرِّبهم من رحمة الله، يعني نفقاتهم. قوله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فيه سبع مسائل: الأولى: لمَّا ذكر جلَّ وعزَّ أصنافَ الأعراب ذَكَرَ المهاجرين والأنصار، وبيَّن أنَّ منهم السابقين إلى الهجرة، وأنَّ منهم التابعين، وأثنى عليهم. وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم. ونحن نذكر من ذلك طرفاً نبيِّن الغرضَ فيه إن شاء الله تعالى. ورُوي عن عمر بنِ الخطاب أنه قرأ: ((والأنصارُ)) رفعاً عطفاً على السابقين(٣). قال الأخفش(٤): الخفض في الأنصار الوجهُ؛ لأن السابقين منهما. والأنصار اسمٌ إسلاميٍّ. قيل لأنس بن مالك: أرأيت قولَ الناس لكم: الأنصار، اسمٌ سمَّاكم اللهُ به، أم كنتم تُدْعَوْنَ به في الجاهلية؟ قال: بل اسمُ سمَّانا الله به في (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٢/٢، وابن سعدان هو محمد بن سعدان أبو جعفر الكوفي النحوي الضرير المقرئ، صنف في العربية وفي علوم القرآن، توفي سنة (٢٣٠هـ). معرفة القراء الكبار ٢٣١/١ . (٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٢١ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٢/٢، وهي قراءة يعقوب من العشرة. النشر ٢٨٠/٢ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٥٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٣٢/٢ . ٣٤٤ سورة التوبة: الآية ١٠٠ القرآن؛ ذكره أبو عمر في الاستذكار(١). الثانية: نصَّ القرآنُ على تفضيل السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلَّوا إلى القِبلتين؛ في قول سعيد بنِ المسيّب وطائفة. وفي قول أصحابٍ الشافعيِّ: هم الذين شهدوا بيعةَ الرِّضوان، وهي بيعة الحُدَيْبِيَة؛ وقاله الشَّعْبي(٢). وعن محمد بنِ كعب وعطاء بن يسار: هم أهلُ بدر(٣). واتفقوا على أنَّ مَن هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأوّلين مِن غير خلافٍ بينهم. وأمَّا أفضلُهم وهي : الثالثة: فقال أبو منصور البغداديُّ التميمي(٤): أصحابنا مُجْمِعون على أنَّ أفضلَهم الخلفاءُ الأربعة، ثم السِّتَّة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريُّون، ثم أصحابُ أُحُد، ثم أهلُ بيعة الرضوان بالحُدَيْبِيَة. الرابعة: وأما أوّلُهم إسلاماً، فروى مُجالدٌ عن الشعبيِّ قال: سألت ابنَ عباس: مَن أوّل الناس إسلاماً؟ قال: أبو بكر، أَوَ ما سمعت قولَ حسان: فاذكر أخاك أبا بكر بما فَعَلا إذا تذكَّرتَ شَجْواً من أخي ثقةٍ بعد النبيِّ وأَوْفاها بما حَمَلا خيرَ البريَّة أتقاها وأَعْدَلَها وأوّلَ الناس منهم صَدَّق الرسُلا(٥) الثانيَ التاليَ المحمودَ مَشْهِدُه (١) ٢٠٣/٢٥، وأخرجه في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ١/ ٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٧٠/٣ لا بن مردویه. (٢) أخرج القولين الطبري ١١/ ٦٣٧ - ٦٤٠، وأخرج القول الأول أيضاً عن أبي موسى الأشعري ﴾ وقتادة و ابن سیرین. (٣) ذكره عنهما ابن عبد البر في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٢٨/١. (٤) في أصول الدين ص٣٠٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الصلاح في علوم الحديث ص٢٩٩ . وأبو منصور هو عبد القاهر بن طاهر، أحد أعلام الشافعية، وكان أكبر تلامذة أبي إسحاق الإسفراييني، توفي سنة (٤٢٩هـ). السير ١٧ / ٥٧٢ . (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢/١٣، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢٥٤/٣، والطبراني في الكبير ٨٩/١٢، والحاكم ٦٤/٣، وابن عبد البر في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٣٦٥/٦ - ٣٦٦، والأبيات في دیوان حسان ص١٧٤ . ٣٤٥ سورة التوبة: الآية ١٠٠ وذكر أبو الفرج الجَوْزيُ(١) عن يوسف بن يعقوب بنِ الماجشون أنه قال: أدركت أبي ومشيختَنا (٢): محمد بنَ المنكدر وربيعةً بن أبي عبد الرحمن، وصالح بنَ كَيْسان، وسعد بنَ إبراهيم، وعثمان بنَ محمد الأخْتَسِيَّ، وهم لا يشكُون أنَّ أوّل القوم إسلاماً أبو بكر؛ وهو قول ابنِ عباس وحسَّانَ وأسماء بنت أبي بكر، وبه قال إبراهيمُ النَّخَعيّ. وقيل: أوّل مَن أسلم عليٍّ؛ رُويَ ذلك عن زيد بن أرْقم وأبي ذرِّ والمِقْداد وغيرِهم. قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أنَّ عليًّا أوَّلُهم إسلاماً (٣). وقيل: أوّل مَن أسلم زيد بن حارثة. وذكر مَعْمَر نحوَ ذلك عن الزُّهْريّ(٤). وهو قول سليمان بنِ يَسار، وعروة بن الزبير، وعمران بنِ أبي أنس(٥). وقيل: أول مَن أسلم خديجةُ أمُّ المؤمنين؛ رويَ ذلك من وجوهٍ عن الزُّهري، وهو قول قتادةً ومحمد بنِ إسحاق بن يسار وجماعة، ورويّ أيضاً عن ابن عباس. وادَّعى الثعلبيُّ المفسِّر اتفاقَ العلماء على أنَّ أول مَن أسلم خديجة، وأنَّ اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها(٦). وكان إسحاق بن إبراهيم بنِ راهويه الحنظَليُّ يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أوّل مَن أسلم من الرِّجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصِّبيان عليّ، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال(٧). والله أعلم. (١) في صفة الصفوة ٢٣٧/١ . (٢) في (د) و(م): وشيخنا. (٣) علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٩٩، وكلام الحاكم في معرفة علوم الحديث ص٢٢ - ٢٣ . (٤) علوم الحديث ص ٣٠٠ . (٥) القرشي العامري المصري، ويقال: مولى أبي خِراش السُّلمي. مدني نزل الإسكندرية، مات سنة (١١٧ هـ). تهذيب التهذيب ٣١٤/٣. وأخرج هذا القول عنه وعن سليمان بن يسار ابنُ سعد ٤٤/٣. (٦) علوم الحديث ص ٣٠٠ . (٧) تفسير البغوي ٢/ ٣٢١، وذكره ابن الصلاح في علوم الحديث ص ٣٠٠ دون نسبة. ٣٤٦ سورة التوبة: الآية ١٠٠ وذكر محمد بنُ سعد قال: [أخبرنا محمد بن عمر قال:] أخبرني مصعب بنُ ثابت قال: حدثني أبو الأسود محمد بنُ عبد الرحمن بن نوفل قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعاً أو خامساً (١). قال الليث بن سعد: وحدَّثني أبو الأسود قال: أسلم الزُّبير وهو ابنُ ثمان سنين(٢). ورويَ أن عليًّا أسلم وهو ابنُ سبع سنين. وقيل: (٣) ابنُ عشر(٣). الخامسة: والمعروف من طريقة أهلِ الحديث أنَّ كلَّ مسلم رأى رسولَ الله ◌ِ﴾ فهو من أصحابه. قال البخاريُّ في صحيحه(٤): مَن صَحِب النبيَّ ﴾، أو رآه من المسلمین، فهو من أصحابه. ورُويَ عن سعيد بنِ المسيّب أنه كان لا يَعُدُّ الصحابيَّ إلَّا مَن أقام مع رسول الله ﴾ سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين. وهذا القول إن صحَّ عن سعيد بن المسيّب يوجب ألَّا يُعدَّ من الصحابة جَرِير بنُ عبد الله البَجَليُّ أو مَن شاركه في فقدِ ظاهِرٍ ما اشترطه فيهم ممن لا نَعرفُ خلافاً في عَدِّه من الصحابة. السادسة: لا خلافَ أنَّ أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصدِیق. وقال ابن العربي(٥): السَّبْقُ يكون بثلاثة أشياءً: الصِّفة وهو الإيمان، والزمان، والمكان. وأفضل هذه الوجوهِ سَبْقُ الصفات؛ والدليل عليه قولُه # في الصحيح: ((نحن الآخِرون الأوَّلون، بَيْد أنهم أوتوا الكتابَ مِن قَبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غداً والنصارى بعد غد))(٦). فأخبر النبيُّ ﴾ (١) طبقات ابن سعد ١٠١/٣ - ١٠٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٣١٠/٣. (٣) ينظر طبقات ابن سعد ٢١/٣ . (٤) أول كتاب فضائل الصحابة قبل حديث (٣٦٤٩)، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الصلاح في علوم الحديث ص٢٩٣ - ٢٩٤ ، والمسألة بتمامها منه. (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٩٩٠ و ٩٩٣، وما قبله منه. (٦) أخرجه أحمد (٧٣١٠)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥): (٢٠). وقد سلفت القطعة الأولى منه ٤٣٧/٢. وقوله: ((فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ... )) يعني يوم الجمعة. ٣٤٧ سورة التوبة: الآية ١٠٠ أنَّ مَن سَبَقَنا من الأمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقيادِ إليه، والاستسلام لأمره والرِّضا بتكليفه والاحتمالِ لوظائفه، لا نعترض عليه ولا نختار معه، ولا نبدِّل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب، وذلك بتوفيق الله لِمَا قضاه، وبتيسيره لِمَا يرضاه؛ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. السابعة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: تضمَّنت هذه الآيةُ تفضيلَ السابقين إلى كلِّ مَنْقبةٍ من مناقب الشريعة، في علم أو دينٍ أو شَجاعة أو غير ذلك، من العطاء في المال، والرتبةِ في الإكرام. وفي هذه المسألة خلافٌ بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم؛ فَرُويَ عن أبي بكر الصِّدِّيق ﴾ أنه كان لا يفضِّل بين الناس في العطاء بعضهم على بعض بحسَب السَّابقة. وكان عمر يقول له: أتجعل ذا السَّابِقةِ كَمَن لا سابقةً له؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وأجرُهم عليه. وكان عمر يفضِّل في خلافته، ثم قال عند وفاته: لَئن عشت إلى غدٍ لأُلحِقنَّ أسفلَ الناس بأعلاهم؛ فمات من ليلته(١). والخلاف(٢) إلى يومنا هذا على هذا الخلاف. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِإِحْسَنٍ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قرأ عمر: ((والأنصارُ)) رفعاً، ((الذين)) بإسقاط الواو نعتاً للأنصار(٣)؛ فراجَعَه زيد بنُ ثابت، فسأل عمرُ أُبَيَّ بن كعب فصدَّق زيداً؛ فرجع إليه عمر وقال: ما كنا نرى إلَّا أَنَّا رُفعنا رَفْعةً لا ينالُها معنا أحد. فقال أُبَيّ: إني أَجد مصداقَ ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ [الآية: ٣]، وفي سورة الحشر: ﴿وَلَّذِينَ جَلَّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبََّا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الآية: ١٠]، وفي سورة الأنفال بقوله: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ (١) أخرجه بمعناه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٦ مطولاً. (٢) في (م): والخلافة. (٣) قراءة: والأنصارُ، بالرفع؛ هي قراءة يعقوب من العشرة، وسلف ذكرها في المسألة الأولى من المسائل قبلها. أما قراءة: ((الذين)) بدون واو، فهي من الشواذ، وذكرها ابن خالويه في الشاذة ص٥٤. ٣٤٨ سورة التوبة: الآية ١٠٠ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الآية: ٧٥] (١). فثبتت القراءة بالواو. وبيَّن تعالى بقوله: ((بإحْسَانٍ)) ما يُتَّبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، لا فيما صدر عنهم من الهفَوات والزلَّات؛ إذ لم يكونوا معصومين الثانية: واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم؛ فقال الخطيب الحافظ: التابعيُّ من صَحِبَ الصحابيَّ؛ ويقال للواحد منهم: تابعٌ وتابعيّ. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيرِهِ مُشْعِرٌ بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابيِّ أو يلقاه وإن لم توجد الصُّحبةُ العرفية(٢). وقد قيل: إنَّ اسم التابعين ينطلق على مَن أسلم بعد الحُدَيْبِيَة؛ كخالد بن الوليد وعمرو بنِ العاص، ومَن داناهم من مُسْلِمة الفتح؛ لما ثبت أنَّ عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبيِّ# خالد بنَ الوليد؛ فقال النبيُّ# لخالد: «دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أَنفق أحدُكم كلَّ يومٍ مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه))(٣). ومن العجب عَدُّ الحاكم أبي عبد الله النعمانَ وسويداً ابنّي مُقَرِّن المزنيِّ في التابعين عندما ذَكَر الإِخوةَ من التابعين، وهما صحابيَّان معروفان مذكوران في الصحابة(٤)، وقد شهدا الخندقَ كما تقدَّم(٥). والله أعلم. وأكبر التابعين الفقهاءُ السبعة من أهل المدينة، وهم: سعيد بنُ المسيّب، والقاسم ابن محمد؛ وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بنُ عبد الرحمن، وعبيدالله ابن عبد الله بن عتبة (٦) بنِ مسعود، وسليمان بن يسار(٧). وقد نَظَمهم بعضُ الأَجِلَّة(٨) (١) أخرجه الطبري ٦٤٠/١١ - ٦٤٢ . (٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص٣٠٢، وكلام الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٤٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٩٢، والحديث أخرجه أحمد (١٣٨١٢) من حديث أنس ﴾، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. (٤) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٠٧ ، وكلام الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١٥٤ . (٥) ص٣٣٣-٣٣٤ من هذا الجزء. (٦) في غير (ظ): وعبد الله بن عتبة، بدل: وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو خطأ. (٧) بعدها في (ظ): وسالم بن عبد الله، وينظر الكلام بعد التعليق التالي. (٨) هو محمد بن يوسف بن الخضر الحلبي المتوفى سنة ٦١٤، كما في فتح المغيث للسخاوي ١٦٢/٣. ٣٤٩ سورة التوبة: الآية ١٠٠ في بيتٍ واحد فقال: سعيدٌ أبو بكرٍ(٢) سليمانُ خارجه فخذهمْ عبيدُ الله عروةُ قاسمٌ(١) وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بنُ المسيّب، فقيل له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد بن المسيّب وعلقمة والأسود. وعنه أيضاً أنه قال: أفضل التابعين قَيس وأبو عثمان(٣) وعلقمةُ ومسروق؛ هؤلاء كانوا فاضِلين ومن عِلْية التابعين. وقال أيضاً: كان عطاءً مفتيَ مكة، والحسن مفتيَ البصرة، فهذا أَكثَر الناس عنهم رأيهم(٤). ورُوي عن أبي بكر بن أبي داود(٥) قال: سيِّدتا التابعين من النساء حفصة بنتُ سِيرين، وعَمْرةُ بنتُ عبد الرحمن(٦)، وثالثتُهما - وليست كَهُما - أم الدَّرْداء(٧). ورُوي عن الحاكم أبي عبد الله قال(٨): طبقةٌ تُعدُّ في التابعين ولم يصحَّ سماعُ أحدٍ منهم من الصحابة؛ منهم إبراهيم بن سُويد النَّخَعيّ، وليس بإبراهيم بن يزيد النخعيّ الفقيه. وبُكير بن أبي السَّميط، وبكير بن عبد الله [بن] الأشجّ. وذكر غيرهم، (١) في (خ) و(ز) و(ظ): سالم. سالم بن عبد الله بن عمر، ذكره ابن المبارك بدل أبي سلمة بن عبد الرحمن. علوم الحديث ص ٣٠٥ . (٢) هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي، ذكره أبو الزناد، بدل أبي بكر بن عبد الرحمن وسالم. ينظر معرفة علوم الحديث ص٤٣، وعلوم الحديث ص ٣٠٥ . (٣) هو النهدي. وقيس: هو ابن أبي حازم، أبو عبد الله البجلي الأحمسي الكوفي، توفي سنة (٩٧ أو ٩٨ هـ) السير ١٩٨/٤. (٤) في (م): وأبهم، وفي علوم الحديث ص٣٠٦ (والكلام منه): آراءهم، والمثبت من النسخ الخطية. (٥) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث، أبو بكر السجستاني الحافظ، شيخ بغداد. توفي سنة (٣١٦هـ). السير ٢٢١/١٣ . ونقل المصنف كلامه بواسطة ابن الصلاح في علوم الحديث ص٣٠٦ . (٦) الأنصارية النجارية المدنية قريبة عائشة وتلميذتها، توفيت سنة (٩٨ أو ١٠٦هـ). السير ٤/ ٥٠٧ . (٧) هي أم الدرداء الصغرى، هُجيمة، وقيل: جهيمة الأَوصابية الحِمْيَرية الدمشقية. السير ٤/ ٢٧٧ . (٨) في معرفة علوم الحديث ص٤٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الصلاح في علوم الحديث ص٣٠٦ ، وما سیأتي بین حاصرتین منهما. ٣٥٠ سورة التوبة: الآية ١٠٠ قال: وطبقةٌ عِدادُهم عند الناس في أتباع التابعين وقد لقُوا الصحابة، منهم أبو الزِّناد عبد الله بنُ ذَكْوان، لقي عبد الله بنَ عمر وأنساً، وهشامُ بن عروة وقد أُدخِل على عبد الله بن عمر وجابر بنِ عبد الله، وموسى بنُ عقبة وقد أدرك أنس بن مالك وأُمَّ خالد بنتَ خالد بنٍ سعيد(١). وفي التابعين طبقةٌ تسمَّى بالمخضرَمين، وهم الذين أدركوا الجاهليةَ وحياةً رسول الله ﴾ وأسلموا ولا صحبةً لهم. واحدُهم: مُخضرَم؛ بفتح الراء، كأنه خُضرِم، أي: قُطِع عن نُظرائه الذين أدركوا الصحبةَ وغيرها. وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفْساً، منهم أبو عمرو الشيبانيُّ، وسُويد بن غَفَلة الكنديُّ، وعمرو بن ميمون الأوْدِيُّ، وأبو عثمان النَّهْدِيُّ، وعبد خير بن يزيد الخَيْواني(٢) بفتح الخاء، بطنٌ من هَمْدان، وعبد الرحمن بن مُلٌّ(٣)، وأبو الحَلَال العَتكي ربيعة بنُ زُرَارة (٤). وممن لم يذكره مسلم؛ منهم أبو مسلم الخولانِيُّ عبدُ الله بن ثُوَبَ(٥)، والأحنف بن قيس. فهذه نبذةٌ من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآنُ الكريم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكفانا نحن قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] على ما تقدَّم. وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ (١) ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، القرشية الأموية المكية، الحبشية المولد، اسمها أمة، تزوجها الزبير بن العوام فولدت له عمراً وخالداً. بقيت إلى أيام سهل بن سعد. السير ٣/ ٤٧٠ . (٢) في (ظ): الخفواني، وفي باقي النسخ: (الخيراني)، والمثبت من علوم الحديث ص٣٠٤، والكلام منه. ومعرفة علوم الحديث ص٤٤ ، وهو أبو عُمارة الهمداني الكوفي، روى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما. تهذيب الكمال ٤٦٩/١٦ . (٣) بتشديد اللام، والميم مثلثة، وهو نفسه أبو عثمان النهدي، الذي سلف ذكره. (٤) ويقال زُرارة بن ربيعة، الأزدي البصري، سمع عثمان بن عفان. ومات يوم مات وهو ابن ١٢٠ سنة. وكان يقول: اللهم لا تسلبني القرآن. ينظر التاريخ الكبير للبخاري ٨٩/٨ كتاب الكنى، وصفة الصفوة ٢٢٩/٣. (٥) الداراني، سيد التابعين وزاهد العصر. قدم من اليمن، وقد أسلم في أيام النبي #، فدخل المدينة في خلافة الصديق . مات (سنة ٦٢هـ). السير ٤/ ٧. ٣٥١ سورة التوبة: الآيتان ١٠٠ - ١٠١ [البقرة: ١٤٣] الآية. وقال رسول الله ﴾: ((وَدِدْتُ أنَّا لو رأينا إخواننا ... ))(١) الحديث. فجعلَنا إخوانَه؛ إن اتَّقينا اللهَ واقتفينا آثارَه، حَشَرَنا اللهُ في زُمرته ولا حادَ بنا عن طريقته ومِلَّته بحقٌّ محمدٍ وآلِهِ. قوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ﴾ ابتداءٌ وخبر. أي: قومٌ منافقون؛ يعني: مُزَينة وجُهَينة وأسْلَم وغِفَار وأَشْجَعَ (٢). ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى اُلِّفَاقِ﴾ أي: قومٌ مردوا على النفاق. وقيل: ((مَرَدُوا)) مِن نعت المنافقين؛ فيكون في الكلام تقديمٌ وتأخير، المعنى: وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق، ومن أهل المدينة مثلُ ذلك(٣). ومعنى ((مَرَدُوا)): أقاموا ولم يتوبوا؛ عن ابن زيد(٤). وقال غيره: لَجُوا فيه وأبَوا غيره. والمعنى متقارب. وأصل الكلمة من اللِّين والمَلَاّسة(٥) والتجرُّد؛ فكأنَّهم تجرَّدوا للنفاق. ومنه: رملةٌ مَرْداءُ لا نَبْتَ فيها. وغُصنَّ أَمْرَد لا وَرَقَ عليه. وفَرَسٌ أمْرَدُ لا شعرَ على ثُنَّتِه (٦). وغلامٌ أمردُ بَيِّنُ المَرَد؛ ولا يقال: جاريةٌ مَرْداءُ. وَتَمْرِيدُ البناءِ: تَمليسُه، ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرّد﴾ [النمل: ٤٤]. وتمريد الغصن: تجريده من الورق(٧)؛ يقال: مَرَد يَمْرُد مُروداً ومَرَادة. (١) سلف بنحوه ٦/ ٢٧٠ . (٢) تفسير البغوي ٣٢٢/٢. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٤٨/٣ . (٤) أخرجه الطبري ٦٤٣/١١ ، وأخرج الذي بعده عن أبي إسحاق. (٥) في (د) و(م): والملامسة. وينظر تهذيب اللغة ١١٨/١٤ - ١١٩، وتفسير الرازي ١٧٣/١٦ . (٦) النُّة: شَعَرات تخرج في مؤخّر رُسْغِ الدابة. القاموس (ثئن). (٧) الصحاح (مرد). ٣٥٢ سورة التوبة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢ قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعَلَمُهُمْ﴾ هو مثلُ قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ [الأنفال: ٦٠] على ما تقدَّم. وقيل: المعنى: لا تعلم يا محمدُ عاقبةَ أمورِهم، وإنما نختصُّ نحن بعلمها. وهذا يمنع أن يُحگمَ على أحدٍ بجنةٍ أو نار. قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِم﴾ قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة(١). فمرَضُ المؤمن كفَّارةٌ، ومرضُ الكافر عقوبة. وقيل: العذابُ الأوّل: الفضيحةُ بإطلاع النبيِّ # عليهم، على ما يأتي بيانُه(٢) في المنافقين. والعذاب الثاني: عذابُ القبر. الحسن وقتادة: عذابُ الدنيا وعذابُ القبر. ابنُ زيد: الأوّل: بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني: عذابُ القبر. مجاهد: الجوع والقتل. الفرَّاء: القتل وعذاب القبر. وقيل: السِّبَاء والقتل(٣). وقيل: الأوّل: أخذُ الزكاة من أموالهم، وإجراءُ الحدود عليهم. والثاني: عذاب القبر(٤). وقيل: أحد العذابَين ما قال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمَّوَلُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥](٥). والغرض من الآية إتباعُ العذابِ العذابَ(٦)، أو تضعيفُ العذاب عليهم. قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ ( أي: ومن أهل المدينة وممَّن حولكم قومٌ أقرُّوا بذنوبهم، وآخرون مُرْجَون لأمر (١) ذكره الرازي ١٦/ ١٧٣ . (٢) ص٤٣٧ من هذا الجزء. (٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ١١/ ٦٤٤ - ٦٤٨، وكلام الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٥٠ . (٤) ذكره الطبري ٦٤٨/١١ عن الحسن. (٥) ينظر تفسير الطبري ١١/ ٥٠١ . (٦) قوله: العذاب (الثانية) من (خ). ٣٥٣ سورة التوبة: الآية ١٠٢ الله يحكم فيهم بما يريد. فالصِّنف الأوّل يَحْتمِل أنهم كانوا منافقين وما مَرَدوا على النفاق، ويَحْتمِل أنهم كانوا مؤمنين. وقال ابن عباس: نزلت في عشرةٍ تخلَّفوا عن غزوة تبوكَ، فأوثق سبعةٌ منهم أنفسَهم في سواري المسجد (١). وقال بنحوه قتادةُ وقال: وفيهم نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾(٢) ذكره المهدويّ. وقال زيد بن أسلم: كانوا ثمانية. وقيل: كانوا سِتَّةُ(٣). وقيل: خمسة. وقال مجاهد(٤): نزلت الآية في أبي لُبابة الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُريظة؛ وذلك أنهم كلَّموه(٥) في النزول على حكم اللهِ ورسولِه #، فأشار لهم إلى حَلْقِه يريد أنَّ النبيَّ # يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح(٦) تاب وندم، وربط نفسَه في ساريةٍ من سواري المسجد، وأَقسم ألَّا يَطْعَمَ ولا يشربَ حتى يعفوَ اللهُ عنه أو يموتَ، فمكث كذلك حتى عفا اللهُ عنه، ونزلت هذه الآية، وأَمر رسولُ اللـه﴾ بحَلِّه. ذكره الطبريُّ عن مجاهد (٧)، وذكره ابن إسحاق في ((السيرة)) أَوْعَبَ من هذا(٨). وقال أشهب عن مالكٍ: نزلت ﴿وَءَاخَرُونَ﴾ في شأن أبي لبابة وأصحابِه(٩)، وقال حين أصاب الذنبَ: يا رسول الله، أُجاوِركَ وأنخلع من مالي؟ فقال: ((يَجزيك من (١) أخرجه الطبري ٦٥١/١١ - ٦٥٢ مطولاً. (٢) أخرجه الطبري ١١/ ٦٥٣ - ٦٥٤ و ٦٦٠ - ٦٦١ . (٣) أخرجه الطبري ١١/ ٦٥٢ عن ابن عباس، وأخرج قول زيد بن أسلم ٦٥٣/١١. (٤) كذا في النسخ، وفي المحرر الوجيز ٧٧/٣ (والكلام منه): وقال قتادة. (٥) في المحرر الوجيز: أنه كلمهم. (٦) قولُه: فلما افتضح، فيه نظر، ففي رواية ابن إسحاق - كما في السيرة - قوله: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفتُ أني خنتُ اللهَ ورسوله. (٧) تفسير الطبري ١١/ ٦٥٦، وهو في تفسير مجاهد ٢٨٦/١ . (٨) سيرة ابن هشام ٢٣٦/٢ - ٢٣٨ . (٩) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٨/٢ . ٣٥٤ سورة التوبة: الآية ١٠٢ ذلك الثلثُ)). وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ورواه ابنُ القاسم وابنُ وهبٍ عن مالك(١). والجمهور أنَّ الآية نزلت في شأن المتخلِّفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسَهم كما فعل أبو لُبابة، وعاهدوا الله ألَّا يُطلِقوا أنفسهم حتى يكونَ رسولُ الله ﴾ هو الذي يُظْلِقُهم ويرضى عنهم، فقال النبيُّ ﴾: ((وأنا أُقسم بالله لا أُطلقُهم ولا أَعذِرُهم حتى أُؤْمَرَ بإطلاقهم؛ رَغِبوا عنِّي وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين)» فأنزل الله هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبيُّ #، فأطلقهم وعذَرهم. فلمَّا أُطلقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالُنا التي خلَّفَتْنا عنك، فتصدَّقْ بها عنَّا وطهِّرنا واستغفرْ لنا. فقال: ((ما أُمرتُ أن آخُذَ من أموالكم شيئاً)). فأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً﴾ الآية؛ قال ابن عباس: كانوا عشرةَ أنفسٍ، منهم أبو لُبابةَ، فأخذ ثلثَ أموالهم وكانت كفارةَ الذنوب التي أصابوها(٢). فكان عملُهم السيىءُ التخلفَ بإجماعِ من أهل هذه المقالة. واختلفوا في الصالح؛ فقال الطبريُ(٣) وغيره: الاعترافُ والتوبة والندم. وقيل: عملُهم الصالح الذي عَمِلوه أنَّهم لَحِقوا برسول الله ﴾، وربطوا أنفسَهم بسواري المسجد، وقالوا: لا نَقْرَبُ أهلاً ولا ولداً حتى يُنزِلَ الله عُذْرَنا (٤). وقالت فرقة: بل العمل الصالح غزْوُهم فيما سلف من غزو النبيِّ ﴾(٥). وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعرابٍ، فهي عامَّةٌ إلى يوم القيامة فيمَن له أعمالٌ صالحةٌ وسيئة، فهي تُرجي. (١) أخرجه بمعناه الطبري ٦٥١/١١ - ٦٥٣ و٦٥٩ - ٦٦٠، وينظر الموطأ ٤٨١/٢، ومسند أحمد (١٥٧٥٠). (٢) المحرر الوجيز ٧٧/٣ . (٣) في تفسيره ٦٥٠/١١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٧٩/٣، وما قبله منه. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٤٨/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٧٧/٣ . ٣٥٥ سورة التوبة: الآية ١٠٢ ذكر الطبريُّ عن حجَّاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آيةٌ أَرْجَى عندي لهذه الأُمة من قوله تعالى: ﴿ وَءَاخَرُونَ أَعْتَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئَا﴾(١). وفي البخاريِّ(٢) عن سمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: قال رسول اللـه ﴾ لنا: ((أتاني الليلةَ آتِيان، فابتعثاني، فانتهينا إلى مدينةٍ مَبنَيَّةٍ بلَبِنِ ذهبٍ ولبِنِ فضَّة، فتلقَّانا رجالٌ: شَطْرٌ من خَلْقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ، وشَظْرٌ كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقعُوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السُّوءُ عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنةُ عَدْنٍ وهذاك منزلُك، قالا: أمَّا القوم الذين(٣) كانوا شَظْرٌ منهم حَسَن وشطرٌ منهم قبيح، فإنهم خَلَطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً، تَجاوَزَ الله عنهم)). وذكر البيهقيُّ من حديث الرَّبيع بنِ أنس [عن أبي العالية] عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ حديثَ الإسراء، وفيه قال: ((ثم صعدَ بي إلى السماء ... )) ثم ذكر الحديثَ، إلى أن ذكر صعودَه إلى السماء السابعة: ((فقالوا: حَيَّه اللهُ من أخٍ وخليفة، فَنِعْمَ الأخُ ونعم الخليفة، ونعم المجيءُ جاء، [فدخل] فإذا برجلٍ أشْمطّ (٤) جالسٍ على كرسيٍّ عند باب الجنة، وعنده قومٌ بيضُ الوجوه وقومٌ سُودُ الوجوه، وفي ألوانهم شيء، فأتَوا نهراً فاغتسلوا فيه، فخرجوا منه وقد خلَصَ من ألوانهم شيء، ثم إنهم أتوا نهراً آخَرَ فاغتسلوا فيه، فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا النهرَ الثالثَ، فخرجوا منه وقد خلصَتْ ألوانُهم مثلَ ألوان أصحابهم، فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريلُ مَن هؤلاء بيضُ الوجوه، وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر [فخرجوا] وقد خلصت ألوانُهم، فقال: هذا أبوك إبراهيمُ، هو أوّلُ رجلٍ شَمَط على (١) تفسير الطبري ٦٥٨/١١، وأبو عثمان هو النهدي كما في الدر المنثور ٢٧٣/٣. (٢) برقم (٤٦٧٤)، وأخرجه أحمد (٢٠٠٩٤) بنحوه مطولاً. (٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: الذي. (٤) الشمط: بياض الرأس يخالط سواده، وهو أشمط. القاموس (شمط). ٣٥٦ سورة التوبة: الآيتان ١٠٢ - ١٠٣ وجه الأرض، وهؤلاء بيضُ الوجوه قومٌ لم يَلْبِسوا إيمانَهم بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؛ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، فتابوا فتاب الله عليهم. فأمَّا النهرُ الأوّل فرحمةُ الله، وأمَّا النهرُ الثاني فنعمةُ الله. وأمَّ النهر الثالثُ فسقاهم ربُّهم شراباً طهوراً)) وذكر الحديث(١). والواو في قوله: ﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ قيل: هي بمعنى الباء، وقيل: بمعنى مع؛ كقولك: استوى الماءُ والخشبةَ. وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا: لأنَّ الخشبة لا يجوز تقديمُها على الماء، و((آخَرَ)) في الآية يجوز تقديمه على الأوّل؛ فهو بمنزلة: خلطتُ الماءَ باللبن(٢). قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِّهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَّهِمَّ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنٌ لَمُمْ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيهُ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ اختلف في هذه الصدقة المأمور بها، فقيل: هي صدقةُ الفرض؛ قاله جُويبر عن ابن عباس، وهو قول عكرمةً فيما ذكر القُشيري(٣). وقيل: هو مخصوصٌ بمن نزلت فيه؛ فإنَّ النبيَّ # أخذ منهم ثلثَ أموالهم، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء؛ ولهذا قال مالك: إذا تَصَدَّق الرجلُ بجميع ماله أجزأه إخراجُ الثلث؛ متمسِّكاً بحديث أبي لُبابة(٤). (١) دلائل النبوة ٢/ ٣٩٧ - ٤٠٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٤٢٤/١٤ - ٤٣٥. وهو حديث طويل، ذكره ابن كثير عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء ثم قال: هذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعاً من أحاديث شتى، أو منام، أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم. (٢) ينظر تفسير الطبري ١١/ ٦٥٠ . (٣) وذكره أيضاً عن عكرمة الواحدي ٢/ ٥٢٢، والبغوي ٢/ ٣٢٥، ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٨/٢ - ٩٩٩ ، وسلف حديث أبي لُبابة في تفسير الآية السابقة. ٣٥٧ سورة التوبة: الآية ١٠٣ وعلى القول الأوّل فهو خطابٌ للنبيِّ # يقتضي بظاهره اقتصارَه عليه، فلا يأخذُ الصدقةَ سواه، ويَلزم على هذا سقوطُها بسقوطه وزوالُها بموته. وبهذا تعلَّق مانعو الزكاة على أبي بكر الصِّدِّيقِ ﴿ وقالوا: إنه كان يُعطينا عِوَضاً منها التطهيرَ والتزكية، والصلاةَ علينا، وقد عدمناها من غيره. ونَظَم في ذلك شاعرُهم فقال: فيا عجباً ما بالُ مُلْكِ أبي بكرٍ أطعنا رسولَ الله ما كان بینَنَا لَكالثَّمر أو أحلى لديهم من التمرِ وإنَّ الذي سَالُوكمُ فمنعتُمُ كرامٌ على الضَّراء في العُسْرِ والْيُسْرِ(١) سنَمنعُهُم ما دام فينا بقيَّةٌ وهذا صِنْفٌ من القائمين على أبي بكر أَمْثُلُهم طريقةً، وفي حقِّهم قال أبو بكر: والله لَأُقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة. ابنُ العربيّ(٢): أما قولهم: إنَّ هذا خطابٌ للنبيِّ :﴿ فلا يَلتحق به غيرُه. فهو كلامُ جاهلٍ بالقرآن، غافلٍ عن مَأْخَذ الشريعة، مُتَلاعِبٍ بالدين؛ فإنَّ الخطاب في القرآن لم يَرِد باباً واحداً، ولكن اختلفت مواردُه على وجوه، فمنها خطابٌ توجَّه إلى جميع الأُمة كقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]، وقولِه: وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونحوِهِ. ومنها خطابٌ خُصَّ به ولم يَشْرَكه فيه غيرُه لفظاً ولا معنى، كقوله: ﴿وَمِنَ الَلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقولِه: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومنها خطابٌ خُصَّ به لفظاً وشَرَكه جميعُ الأُمة معنًى وفعلاً؛ كقوله: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية، وقولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ آلْقُرْءَنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ فكلُّ مَن دَلَكَتْ عليه الشمسُ مخاطَبٌ بالصلاة. وكذلك كلُّ مَن قرأ القرآن مخاطَبٌ بالاستعاذة، وكذلك كلُّ مَن خاف يقيمُ الصلاةَ (١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٤/٢، والقائل الحطيئة، والبيت الأول والثاني في ديوانه ص٣٢٩-٣٣٠ باختلاف یسیر. (٢) في أحكام القرآن ٩٩٥/٢ - ٩٩٦، وما قبله منه، وقول أبي بكر سلف ص١١٢ من هذا الجزء. ٣٥٨ سورة التوبة: الآية ١٠٣ بتلك الصفة. ومِن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾. وعلى هذا المعنى جاء قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّقُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، و: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ ذهب بعض العرب وهم دَوْسٌ: إلى أنَّ المالَ الثيابُ والمتاعُ والعُروض، ولا تسمِّي العينَ مالاً (١). وقد جاء هذا المعنى في السُّنَّة الثابتة من رواية مالك، عن ثَوْر بنِ زيد الدِّيلي، عن أبي الغيث سالمٍ مولى ابنٍ مُطيع، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﴿ عامَ خيبر فلم نغَمْ ذهباً ولا وَرِقاً إلا الأموالَ: الثيابَ والمتاعَ. الحديث(٢). وذهب غيرهم إلى أنَّ المالَ الصامتُ من الذهب والوَرِقِ(٣). وقيل: الإبلُ خاصَّة، ومنه قولُهم: المالُ الإبل. وقيل: جميع الماشية (٤). وذكر ابن الأنباريِّ عن أحمد بنٍ يحيى ثعلب النَّخْويِّ قال: ما قَصَر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاةُ من الذهب والوَرِق [والماشية] فليس بمال، وأنشد: حدَّ الزكاة ولا إيْلِ ولا مالٌ(٥) واللهِ ما بلغتْ لي قطُ ماشيةٌ قال أبو عمر(٦): والمعروف من كلام العرب أنَّ كلَّ ما تُمُوِّل وتُمُلِّك هو مال؛ لقوله ﴿: ((يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وإنما له من ماله ما أَكَلَ فَأَفْنَى، أو لَبِسَ فأَبْلى، أو تَصَدَّق فأمضى)»(٧). وقال أبو قتادةَ: فأعطاني الدِّرعَ، فابتَعْتُ به مَخرَفاً في بني (١) التمهيد ٤/٢ . (٢) أخرجه البخاري (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥). وهو في الموطأ ٤٥٩/٢ . : (٣) التمهيد ٤/٢ . (٤) ينظر أمالي القالي ٣٠١/٢ . (٥) أمالي القالي ٢/ ٣٠٢، والتمهيد ٤/٢ - ٥، وما قبله وما سلف بين حاصرتين منه. (٦) في التمهيد ٥/٢ . (٧) أخرجه أحمد (١٦٣٠٥)، ومسلم (٢٩٥٨) من حديث عبد الله بن الشخير ﴾، وأخرجه مسلم أيضاً (٢٩٥٩) من حديث أبي هريرة ﴾. ٣٥٩ سورة التوبة: الآية ١٠٣ سَلِمة، فإنه لَأوَّلُ مالٍ تَأثَّلتُه في الإسلامِ(١). فمَن حَلَفَ بصدقةِ مالِه كلِّه فذلك على كلِّ نوعٍ من ماله، سواءٌ كان مما تجب فيه الزكاةُ أو لم يكن؛ إلَّا أنْ يَنويَ شيئاً بعينه فيكون على ما نواه. وقد قيل: إنَّ ذلك على أموال الزكاة. والعلم محيطٌ واللسانُ شاهد بأنَّ ما تُملِّك يُسمَّى مالاً (٢). والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿نُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ مطلقٌ غيرُ مقيَّدٍ بشرطِ في المأخوذ والمأخوذِ منه، ولا تبيينٍ مقدارِ المأخوذ ولا المأخوذِ منه. وإنما بيانُ ذلك في السُّنَّة والإجماع؛ حَسْبَ ما نذكره، فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال. وقد أوجب النبيُّ ﴾ الزكاةً في المواشي والحبوب والعَيْن، وهذا ما لا خلاف فيه. واختلفوا فيما سوى ذلك؛ كالخيل وسائر العُروض. وسيأتي ذكر الخيل والعسل في ((النحل)) إن شاء الله(٣). روى الأئمةُ عن أبي سعيد، عن النبيِّ # أنه قال: ((ليس فيما دون خمسةٍ أَوْسُقٍ من التمر صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمسٍ أواقٍ من الوَرِق صدقةٌ، ولیس فیما دونَ خمسٍ ذَوْدٍ من الإبل صدقة)» (٤). وقد مضى الكلام في ((الأنعام)»(٥) في زكاة الحبوب وما تُنْبِتُه الأرض مستوفّى. وفي المعادن في ((البقرة)»(٦) وفي الحُليّ في هذه السورة(٧). وأجمع العلماء على أنَّ الأُوقِيَّة أربعون درهماً؛ فإذا مَلَكَ الحرُّ المسلم مئتي درهمٍ من فضةٍ مَضْروبٍ - وهي الخمسُ أواقٍ المنصوصةُ في الحديث - حولاً كاملاً فقد وجبت عليه صدقتُها، وذلك ربعُ عُشْرِها خمسةُ دراهم(٨). وإنما اشتُرط الحَوْل (١) أخرجه البخاري (٢١٠٠)، ومسلم (١٧٥١). والمَخرف: البستان الذي تُختَرف ثماره، أي: تجتنى. المفهم ٣/ ٥٤٤ . (٢) التمهيد ٥/٢ - ٦ . (٣) عند تفسير الآية (٨) والآية (٦٩) منها. (٤) سلف ٢/ ٢٤ . (٥) ٩ / ٥٣ - ٦١ . (٦) ٣٤٥/٤ - ٣٤٩. (٧) ص١٨٦ -١٨٧ من هذا الجزء. (٨) ينظر التمهيد ١٤٣/٢٠ - ١٤٤، والإجماع لابن المنذر ص٣٣. ٣٦٠ سورة التوبة: الآية ١٠٣ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ)). أخرجه الترمذي(١). وما زاد على المئتي درهم من الورِقٍ فبحسابٍ ذلك، في كلِّ شيءٍ منه رُبعُ عُشرِهِ قلَّ أو كَثُر؛ هذا قولُ مالكِ والليثِ والشافعيِّ وأكثرِ أصحاب أبي حنيفة وابن أبي لَّيْلَى والثَّوْرِيِّ والأوزاعيِّ وأحمدَ بن حنبل وأبي ثَوْر وإسحاقَ وأبي عبيد. ورُويَ ذلك عن عليٍّ وابنٍ عمر. وقالت طائفة: لا شيءَ فيما زاد على مئتي درهم حتى تبلغ الزيادةُ أربعين درهماً؛ فإذا بلغَتْها كان فيها درهمٌ، وذلك ربعُ عُشْرِها. هذا قولُ سعيد بن المسيب والحسنِ وعطاءٍ وطاوسٍ والشعبيٍّ والزُّهريِّ ومكحولٍ وعمرو بن دينار وأبي حنيفة(٢). الرابعة: وأما زكاةُ الذهب، فالجمهورُ من العلماء على أنَّ الذهب إذا كان عشرين ديناراً قيمتُها مئتا درهم فما زاد، أنَّ الزكاة فيها واجبة(٣)؛ على حديث عليٍّ؛ أخرجه الترمذيُّ عن [عاصم بن] ضَمْرة والحارثِ عن عليّ(٤). قال الترمذيُّ: سألت محمد بنَ إسماعيل(٥) عن هذا الحديثِ فقال: كلاهما عندي صحيحٌ عن أبي إسحاق، يَحتَمِلُ أن يكون عنهما جميعاً (٦). وقال الباجيُّ في ((المنتقَى))(٧): وهذا الحديث ليس إسنادُه هناك(٨)، غيرَ أنَّ اتفاقَ (١) في سننه (٦٣١)، وسلف ٣٤٨/٤ . (٢) التمهيد ١٤٥/٢٠ . (٣) التمهيد ١٤٥/٢٠، وفيه: أجمع العلماء، بدل: الجمهور من العلماء. وينظر الإجماع لابن المنذر. ص٣٣ . (٤) أخرجه الترمذي (٦٢٠) عن عاصم وحده، ثم أشار الترمذي إلى رواية الحارث، وأخرجه عنهما معاً أبو داود (١٥٧٣). وأخرجه من رواية عاصم أيضاً أحمد (٧١١)، وأبو داود (١٥٧٤). وما سلف بين حاصرتين من المصادر، وما سيأتي من كلام الترمذي قاله إثر هذا الحديث. (٥) هو البخاري. (٦) يعني أن أبا إسحاق - وهو السَّبيعي - روى الحديث عن عاصم والحارث جميعاً. (٧) ٢ / ٩٥ . (٨) كذا في النسخ والمنتقى، ولعل صواب العبارة: ليس إسناده بذاك.