النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة التوبة: الآية ٦٠ وشذَّ بعض أهل العلم فقال: إن مواليَ بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات. وهذا خلافُ الثابت عن النبيِّ ﴿؛ فإنه قال لأبي رافع مولاه: ((وإنَّ مَوْلَى القوم منهم»(١). التاسعة والعشرون: واختلفوا في جواز صدقة التطوُّع لبني هاشم؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم - وهو الصحيح - أنَّ صدقة التطوُّع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم؛ لأنَّ عليًّا والعباسَ وفاطمةَ رضوان الله عليهم تصدَّقوا وأوقفوا أوقافاً على جماعةٍ من بني هاشم، وصدقاتُهم الموقوفة معروفةٌ مشهورة(٢). وقال ابن الماجِشون ومُطَرِّف وأَصْبَغ وابنُ حبيب: لا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضةِ ولا من التطوّع. وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدقة التطوّع(٣). قال ابن القاسم: والحديث الذي جاء عن النبيِّ﴾: ((لا تحلُّ الصدقة لآل محمد)» إنما ذلك في الزكاة لا في التطوّع(٤). واختار هذا القولَ ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد، وبه قال أبو يوسف ومحمد. قال ابن القاسم: ويُعْطَى مواليهم من الصدقتين(٥). وقال مالك في ((الواضحة)): لا يُعطى لآل محمد من التطوع(٦). قال ابن القاسم: قيل له - يعني مالكاً -: فمواليهم؟ قال: لا أدري ما الموالي. فاحتججتُ عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَوْلى القوم منهم)). فقال: قد قال: ((ابنُ أختِ القومِ منهم)). قال أصْبَغ: وذلك في البِرِّ والحُرْمة(٧). (١) التمهيد ٩١/٣، والحديث أخرجه أحمد (٢٣٨٧٢)، وأبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٧٥) والنسائي في المجتبى ١٠٧/٥ من حديث أبي رافع ﴾. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) التمهيد ٣/ ٩٢. (٣) المنتقى ١٥٣/٢. (٤) البيان والتحصيل ٣٨١/٢ - ٣٨٢، والحديث سلف ١٧٨/٨. (٥) البيان والتحصيل ٣٨٢/٢. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٢/٢ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٢/٢. وحديث: ((ابن أخت القوم منهم)) أخرجه أحمد (١٢١٨٧)، = ٢٨٢ سورة التوبة: الآيتان ٦٠ - ٦١ الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهُ﴾ بالنصب على المصدر عند سيبويه، أي: فَرَض الله الصدقاتِ فريضةً، ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائيِّ، أي: هنَّ فريضة. قال الزجَّاج: ولا أعلمه(١) قرئ به. قلت: قرأ بها إبراهيم بن أبي عَبْلة، جعلها خبراً، كما تقول: إنما زيد خارج. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِنَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنُّ قُلّ أُذُنُ خَتْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بَيَّن تعالى أنَّ في المنافقين مَن كان يبسُط لسانه بالوقيعة في أذِيَّة النبيِّ ﴾، ويقول: إن عاتبني حلفتُ له بأَنِّ ما قلت هذا؛ فيقبلُه؛ فإنه أُذُنُّ سامعة. قال الجوهري(٢): يقال: رجلٌ أُذُنُ، إذا كان يسمع مَقالَ كلِّ أحد [ويقبله]؛ يستوي فيه الواحد والجمع. وروى عليّ بنُ أبي طلحةً عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ أُذُنْ﴾ قال: مُستمِعٌ وقابِل(٣). وهذه الآية نزلت في عَثَّاب بنِ قُشَير؛ قال: إنما محمدٌ أُذُنْ يقبل كلَّ ما قيل له(٤). وقيل: هو نَبْتَل بنُ الحارث؛ قاله ابن إسحاق(٥). وكان نبتل رجلاً جسيماً، ثائرَ شعرٍ الرأس واللحية، أذلمَ (٦) أحمرَ العينين، أسفعَ الخدَّين، مشوَّه الخِلقة، وهو الذي قال = والبخاري (٦٧٦٢)، ومسلم (١٠٥٩) من حديث أنس ﴾. وينظر البيان والتحصيل ٣٨٢/٢. (١) في النسخ: ولا أعلم، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٥٧ . (٢) في الصحاح (أذن)، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/٢، وأخرجه بنحوه الطبري ٥٣٧/١١. (٤) لم نقف عليه. (٥) كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٢١، وذكره أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٢٤٨ . (٦) في النسخ: آدم، والمثبت من أسباب النزول. للواحدي. والأدلم: الطويل الأسود، والشديد السواد من الناس. معجم متن اللغة (دلم). ٢٨٣ سورة التوبة: الآية ٦١ فيه النبيُّ#: (مَن أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نَبْتَل بنِ الحارث)). السُّفْعَة بالضم: سواد مُشْرَب بحمْرة. والرجل أَسْفَعُ؛ عند الجوهري(١). وقَرئ: ((أُذن)) بضم الذال وسكونها(٢). ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أُذُنُ خيرٍ لا أُذُنُ شرِّ، أي: يسمع الخير ولا يسمع الشر. وقَرأ: ((قل أذنٌّ خيرٌ لكم)) - بالرفع والتنوين - الحسنُ وعاصم في رواية أبي بكر، والباقون بالإضافة(٣). وقرأ حمزة: ((ورحمةٍ)) بالخفض، والباقون بالرفع(٤) عطف على ((أُذُن))، والتقدير: قل هو أُذْنُ خيرٍ وهو رحمةٌ، أي: هو مستمعُ خير لا مستمعُ شرّ، أي: هو مستمعُ ما يجب استماعه، وهو رحمة. ومَن خَفَض فعلى العطف على ((خيرٍ)). قال النحاس(٥): وهذا عند أهل العربية بعيد؛ لأنه قد تَباعَد ما بين الاسمين، وهذا يَقْبُح في المخفوض. المهدوِيّ: ومَن جرَّ الرحمة فعلى العطف على ((خير))، والمعنى: مستمعُ خير ومستمعُ رحمة؛ لأن الرحمة من الخير. ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين؛ لأن المعنى: يصدِّق بالله ويصدِّق المؤمنين؛ فاللام زائدة في قول الكوفيين. ومثلُه: ﴿لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤](٦)، أي: يرهبون ربَّهم. وقال أبو عليّ (٧): كقوله: ﴿رَدِفَ لَّكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. (١) في الصحاح (سفع). (٢) قرأ بالتسكين نافع، والباقون بالضم. السبعة ص٣١٥ . (٣) المحرر الوجيز ٥٣/٣، والبحر المحيط ٦٢/٥. وذكرها عن الحسن الطبري ٥٣٦/١١، وقراءة عاصم من راوية أبي بكر (وهو شعبة) المشهورة عنه كقراءة الجماعة، ينظر السبعة ص ٣١٥. (٤) السبعة ص ٣١٥، والتيسير ص١١٨ . (٥) في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٣، وما قبله منه. (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/٢، والحجة للفارسي ٢٠٤/٤، والكشف عن وجوه القراءات ٠٥٠٤/٤ (٧) في الحجة ٤/ ٥٠٤ . ٢٨٤ سورة التوبة: الآيتان ٦١ - ٦٢ : وهي عند المبرّد(١) متعلّقةٌ بمصدرٍ دلَّ عليه الفعل، التقدير: إيمانه للمؤمنين؛ أي: تصدیقُه للمؤمنين لا للكفار. أو يكون محمولاً على المعنى؛ فإنَّ معنى يؤمن: يصدِّق، فعُدِّي باللام كما عُدِّي في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧](٢). قوله تعالى: ﴿يَعْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: رُوي أن قوماً من المنافقين اجتمعوا، فيهم الجُلَاس بنُ سُويد ووديعةُ بنُ ثابت، وفيهم غلامٌ من الأنصار يُدْعَى عامر بنُ قيس، فحقَروه، فتكلَّموا وقالوا: إنْ كان ما يقول محمد حقًّا لَنحن شرٌّ من الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إنَّ ما يقوله حقٌّ، وأنتم شرٌّ من الحمير، فأخبر النبيَّ ◌َ﴾ بقولهم، فحلفوا أنَّ عامراً كاذب، فقال عامر: هم الكَذَبة، وحلف على ذلك، وقال: اللهمَّ لا تفرِّق بيننا حتى يتبيَّن صدقُ الصادق وكَذِبُ الكاذب. فأنزل الله هذه الآية وفيها ﴿يَحْلِفُونَ بِلَّهِ لَكُمْ لِيُضُوكُمْ﴾(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوءُ﴾ ابتداء وخبر. ومذهبُ سيبويه أن التقدير: والله أحقُّ أن يُرْضُوه ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه، ثم حذف، كما قال بعضهم : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ (٤) (١) ذكر قوله النحاس في إعراب القرآن ٢٢٣/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣/٣. (٢) الحجة ٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٢٦/٦ (١٠٣٠٠) عن السدي. وذكره عن السدي أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٢٤٩، وابن الجوزي في التفسير ٣/ ٤٦٠، والبغوي ٣٠٦/٢ . وعامر بن قيس هو ابن عم الجلاس، وقال الحافظ: والقصة مشهورة لعمير بن سعد. الإصابة ٢٩٥/٥. وينظر ما سيأتي ص٣٠٢ من هذا الجزء. (٤) الكتاب ١/ ٧٥، وسلف ص١٨٨ من هذا الجزء. ٢٨٥ سورة التوبة: الآية ٦٢ وقال محمد بن يزيد: ليس في الكلام محذوف، والتقدير: والله أحقُّ أن يُرْضُوه ورسولُه، على التقديم والتأخير. وقال الفرّاء (١): المعنى: ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه، ((والله)) افتتاحُ كلام؛ كما تقول: ما شاء الله وشئتَ. قال النحاس(٢): قولُ سيبويه أوْلاها؛ لأنه قد صحَّ عن النبيِّ# النهيُ عن أن يقال: ما شاء الله وشئتَ(٣)، ولا يقدَّر في شيء تقديمٌ ولا تأخيرٌ، ومعناه صحيح. قلت: وقيل: إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿مَّن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠]. وكان الرَّبيع بن خُثيم إذا مرَّ بهذه الآية وقف، ثم يقول: حَرْفٌ وأيُّمَا حرف، فوّضْ إليه، فلا يأمرُنا إلا بخير (٤). الثالثة: قال علماؤنا: تضمَّنت هذه الآيةُ قَبولَ يمين الحالف، وأن يَلزم(٥) المحلوفُ له الرِّضا(٦). واليمينُ حقٌّ للمدَّعي. وتضمَّنت أن يكون اليمين بالله عزَّ وجلَّ حَسْبُ(٧). وقال النبيُّ ﴾: ((مَن حَلَفَ فلْيحلِفْ بالله أو لِيَضْمُت، ومَن حُلفَ له فليصدِّق))(٨). وقد مضى القول في الأيمان والاستثناءِ فيها مستوفّى في ((المائدة))(٩). (١) في معاني القرآن ٤٤٥/١ . (٢) في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٤، والكلام من بداية المسألة منه. (٣) أخرجه أحمد (١٨٣٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرج (٢٣٢٦٥) عن حذيفة ﴾ عن النبي ﴾ قال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان)). وأخرجه أبو داود (٤٩٨٠). (٤) أخرجه المروزي في تعظيم قَدْر الصلاة (٧٣٩). (٥) في (د) و(م): وإن لم يلزم. (٦) في (ظ): بالرضا. (٧) في (م): حسب ما تقدم. (٨) أخرجه ابن ماجه (٢١٠١) عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (( ... ومَن حُلف له بالله فَلْيَرْضَ))، وسلف دون هذه الزيادة ٢٣/٤ . (٩) ١٢٠/٨ وما بعدها. ٢٨٦ سورة التوبة: الآية ٦٣ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدًا فِيَأْ ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوَا﴾ يعني المنافقين. وقرأ ابن هُرْمُز والحسنُ: ((تعلموا)) بالتاء على الخطاب(١). ﴿أَنَّهُ﴾ في موضع نصب بـ ((يعلموا))، والهاء كنايةٌ عن الحديث(٢). ﴿مَن يُجَادِدِ اللَّهَ﴾ في موضع رفع بالابتداء(٣). والمُحادَّة: وقوع هذا في حَدٍّ وذاك في حَدِّ؛ كالمُشاقَّة. يقال: حادَّ فلان فلاناً، أي: صار في حَدِّ غیر حدِّه. ﴿فَأَنَّ لَمْ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يقال: ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ؛ فكان يجب أن يكون ((فإنّ) بكسر الهمزة. وقد أجاز الخليل وسيبويهِ: ((فإِن له نار جهنم) بالكسر (٤). قال سیپویه: وهو جيد، وأنشد: قَلائصُ تخدي في طريقٍ طلائحُ وعِلْمِي بأسْدام المياه فلم تَزَلْ فإِنِي على حَظّي من الأمر جامحُ(٥) وأني إذا مَلَّتْ رِكابي مُناخَها إلا أنَّ قراءة العامّة: ((فَأَنَّ)) بفتح الهمزة. فقال الخليل أيضاً وسيبويهِ (٦): إنَّ((أنّ) (١) المحرر الوجيز ٥٤/٣، والبحر المحيط ٦٤/٥ . (٢) يعني الأمر والشأن. تفسير الرازي ١١٩/١٥ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٤/٢ . (٤) الكتاب ١٣٣/٣ - ١٣٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢٤/٢ - ٢٢٥. وقراءة الكسر في المحرر الوجيز ٥٤/٣ عن ابن أبي عبلة. وقال أبو حيان في البحر ٦٥/٥ وهي قراءة محبوب عن الحسن، ورواية أبي عبيدة عن أبي عمرو، ووجهه في العربية قوي. (٥) الكتاب ١٣٤/٣، والبيتان لتميم بن مقبل، وروايتهما في الديوان ص ٤٥ - ٤٦ خالية من موضع الشاهد، فقد وقع عجز البيت الثاني فيه: ركبتُ ولم تعجز عليَّ المنادح، بدل: فإني على حظي ... والشاهد فيه كسر ((إن)) التي بعد الفاء على الاستئناف. أسدام جمع سُدُم: وهو الماء المندفن. وتخدي: تسرع. والطلائح: المُغْيِيّة. يريد أنه يعرف الفلوات والمياه المندفنة لكثرة أسفاره. والركاب: الإبل. ومناخها: الموضع الذي أنيخت فيه. والجامح: الماضي على وجهه. أي: لا يكسرني طول السفر، ولكني أمضي قدماً لما أرجوه من الحظ في أمري. ينظر شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١١٧/٢ ، وتحصيل عبن الذهب ص٤٣٥ . (٦) في الكتاب ١٣٣/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٤/٢، وعنه نقل المصنف. ٢٨٧ سورة التوبة: الآيتان ٦٣ - ٦٤ الثانيةَ مُبْدَلةٌ من الأولى. وزعم المبرِّد أن هذا القولَ مردود، وأنَّ الصحيح ما قاله الجَرْمِيّ(١)، قال: إنَّ الثانية مكرَّرةٌ للتوكيد لمَّا طال الكلام، ونظيره: ﴿وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥]. وكذا ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِىِ النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]. وقال الأخفش: المعنى: فوجوبُ النار له. وأنكره المبرِّد(٢) وقال: هذا خطأ مِن أجل أنَّ ((أنَّ) المفتوحةَ المشدّدةَ لا يُبتدأ بها ويُضمَرَ الخبر. وقال عليُّ بنُ سليمان: المعنى: فالواجبُ أنَّ له نارَ جهنم(٣)، فـ((أنَّ) الثانية خبرُ ابتداءٍ محذوف. وقيل: التقدير: فله أنَّ له نارَ جهنم، فـ ((أنَّ) مرفوعةٌ بالاستقرار على إضمار المجرور بين الفاء و((أنَّ))(٤). قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثُنَبِّئُهُم بِمَا فِ قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ فيه ثلاثُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُتَفِقُونَ﴾ خبر وليس بأمر، ويدلُّ على أنه خبرٌ أنَّ ما بعده: ﴿إِنَ اَللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾؛ لأنهم كفروا عِناداً(٥). وقال السُّدِّيّ: قال بعض المنافقين: والله ودِدت لو أني قُدِّمتُ فجُلِدتُ مئةً، ولا يُنزل فينا شيءٌ يفضحنا، فنزلت الآية (٦). (١) هو أبو عمر صالح بن إسحاق البصري النحوي، وينظر قوله وقول المبرد في المقتضب ٣٥٦/٢، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٤ . (٢) قول الأخفش والمبرد في المقتضب ٣٥٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٤/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/٢ . (٤) البيان لابن الأنباري ٤٠٢/١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/٢ . (٦) أسباب النزول للواحدي ص٢٤٩ . ٢٨٨ سورة التوبة: الآية ٦٤ ((يَحْذَرُ)) أي: يتحرَّز. وقال الزجاج: معناه: ليَخْذَرْ، فهو أمر، كما يقال: يفعلُ ذلك(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَّهِمْ﴾ ((أنْ)) في موضع نصب، أي: مِن أَنْ تَنزَّل. ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفضٍ على حذفٍ: مِن. ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ مفعولةً ليحذر؛ لأن سيبويه أجاز: حَذِرتُ زيداً؛ وأنشد: حَذِرٌ أموراً لا تَضِير وآمِنٌ ما ليس مُنْجِيَهُ من الأقدار(٢) ولم يُجِزه المبرّد(٣)؛ لأن الحذر شيءٌ في الهيئة(٤) [فلا يتعدى]. ومعنى ((عَلَيْهِمْ)) أي: على المؤمنين ﴿سُورَةٌ﴾ في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساويهم ومَثالبِهم؛ ولهذا سُمِّيت: الفاضحة والمثيرة والمبعثِرة، كما تقدَّم أوَّل السورة(٥). وقال الحسن: كان المسلمون يسمُّون هذه السورة الحفَّارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته(٦). الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ﴾ هذا أمرُ وعيدٍ وتهديد. ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ (١) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤٥٩/٢ . (٢) الكتاب ١١٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/٢ (والكلام منه)، والمقتضب ١١٦/٢، والحلل في شرح أبيات الجمل للبَطَلْيَوْسي ص١٣١، والخزانة ١٦٩/٨. قال المبرد: وهذا بيت موضوع محدّث. وقال السمين في الدر المصون ٦/ ٨٠ . قيل: إنه مصنوع، وهو فاسد أتقنت حكايته في شرح التسهيل. قال ابن السِّيد: وهذا البيت مصنوع ليس بعربي، ولأجل هذا رُدَّ على سيبويه. قلنا قال البغدادي: إن طعن على سيبويه بهذا البيت؛ فقد استشهد ببيت آخر لا مطعن عليه فيه، وهو قول لبيد ... الخ فذكره، وكذا ذكر البطليوسي بيتاً لا مطعن فيه، لزيد الخيل. (٣) في المقتضب ١١٥/٢ - ١١٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢٦/٢، وما سیرد بین حاصرتین منه. (٤) يعني أنه من هيئات النفس كفزع وبَطير وكرُم. قال السمين في الدر المصون ٦/ ٨٠ : وهذا غير لازم؛ فإن لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ، كخاف وخشي. (٥) ص٩٣ من هذا الجزء. (٦) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٦/١٠ . ٢٨٩ سورة التوبة: الآيتان ٦٤ - ٦٥ أي: مظهر ﴿مَّا تَحْذَرُونَ﴾ ظهورَه. قال ابن عباس: أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً، ثم نَسخ تلك الأسماء من القرآن رأفةً منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناسُ يعيِّر بعضُهم بعضاً(١). فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك؛ إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾. وقيل: إخراج الله أنه عرَّف نبيَّه عليه الصلاة والسلام أحوالَهم وأسماءهم، لا أنها نزلت في القرآن، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِيِ لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وهو نوعُ إلهام. وكان من المنافقين مَن يتردّد ولا يَقْطَعُ بتكذيب محمدٍ عليه الصلاة والسلام ولا بصِدْقه. وکان فیھم مَن يَعرِفُ صدقَه ويُعانِد. قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا غَخُوضُ وَتَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَئِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ٦٥ فيه ثلاث مسائل: الأولى: هذه الآية نزلت في غزوة تَبُوك. قال الطبريُّ وغيره (٢) عن قتادة: بَيْنا النبيُّ # يسير في غزوة تبوك وَرَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: انظروا، هذا يفتح قصور الشام، ويأخذ حصونَ بني الأصفر! فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدَّثون به، فقال: ((احبِسوا عليَّ الركب)). ثم أتاهم فقال: ((قلتم كذا وكذا)) فحلفوا: ما كنا إلَّا نخوض ونلعب؛ يريدون: كنَّا غيرَ مُجِدِّين. وذكر الطبريُّ عن عبد الله بن عمر قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعةً بنَ ثابت متعلِّقاً بحَقَبٍ ناقةِ رسول الله ﴾ يُماشِيها والحجارةُ تَنگُبه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. والنبيُّ # يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ (٣). (١) تفسير البغوي ٣٠٧/٢ . (٢) تفسير الطبري ٥٤٤/١١ - ٥٤٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٠ (١٠٠٤٩). (٣) المحرر الوجيز ٥٥/٣، والأثر في تفسير الطبري ٥٤٣/١١ دون ذكر اسم المنافق. والحقب: حبلٌ يُشَدُّ بِهِ الرَّحْلُ في بطن البعير. القاموس (حقب). ٢٩٠ سورة التوبة: الآية ٦٥ وذكر النقَّاش أنَّ هذا المتعلِّق كان عبد الله بنَ أُبيِّ بن سَلُول(١). وكذا ذكر القُشَيْرِيُّ عن ابن عمر. قال ابن عطية (٢): وذلك خطأ؛ لأنه لم يشهد تَّبُوك. قال القشيري: وقيل: إنما قال عليه الصلاة والسلام هذا لوديعةً بن ثابت، وكان من المنافقين، وكان في غزوة تبوك. والخوض: الدخول في الماء، ثم استُعمل في كلِّ دخولٍ فيه تلويثٌ وأذّى(٣). الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي(٤): لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جِدًّا أو هَزْلاً، وهو كيفما كان كُفْرٌ؛ فإن الهَزْل بالكفر كفرٌ، لا خلافَ فيه بين الأمة. فإنَّ التحقيق أخو العلم والحقِّ، والهَزْلَ أخو الباطل والجهل. قال علماؤنا: انظر إلى قوله: ﴿أَكَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. الثالثة: واختلف العلماء في الهَزْل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال: لا يلزم مطلقاً. يلزم مطلقاً. التفرقة بين البيع وغيره(٥)؛ فيلزم في النكاح والطلاق - وهو قول الشافعيّ في الطلاق قولاً واحداً - ولا يلزم في البيع. قال مالك في كتاب محمد: يلزم نكاح الهازل. وقال أبو زيد عن ابن القاسم في ((العُثْبِيَّة)): لا يلزم. وقال علي بن زياد: يُفسخ قبلُ وبعدُ. وللشافعي في بيع الهازل قولان. وكذلك يُخرَّج من قول علمائنا القولان(٦). وحكى ابن المنذر(٧) الإجماع في (١) المحرر الوجيز ٥٥/٣، وأخرج هذه الرواية العقيلي في الضعفاء ٩٤/١، والواحدي في الوسيط ٢/ ٥٠٧ من طريق إسماعيل بن داود بن مخراق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. قال العقيلي: ليس له أصل من حديث مالك. وقال الذهبي في الميزان ٢٢٦/١: إسماعيل بن داود عن مالك، ضعَّفه أبو حاتم وغيره، وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث. (٢) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٥ . (٣) تفسير الرازي ١٦/ ١٢٢ . (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٩٦٤ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٥ . (٦) المصدر السابق. وذكر النووي في المجموع ١٨٤/٩ عن الشافعية القولين وقال: أصحهما أنه ينعقد كالطلاق وغيره. (٧) في الإجماع ص٨٧ . ٢٩١ سورة التوبة: الآيتان ٦٥ - ٦٦ أنَّ جِدَّ الطلاق وهزله سواء. وقال بعض المتأخّرين من أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم، وإن اختلفا غَلَب الجِدُّ الهزلَ(١). وروى أبو داود والترمذِيُّ والدارَقُظْنيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: (ثلاثٌ؛ جِدُّهنَّ جِدٍّ، وهَزْلُهنَّ جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة))(٢). قال الترمذيُّ: حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ # وغيرهم. قلت: كذا في الحديث: ((والرَّجعة)). وفي ((موظَأ)) مالك(٣)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: ثلاثٌ ليس فيهن لَعِب: النكاحُ والطلاق والعتق. وكذا رُوي عن عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدَّرْداء، كلُّهم قال: ثلاثٌ لا لعِبَ فيهنَّ، ولا رجوعَ فيهنَّ، واللاعبُ فيهن جادٌّ: النكاح والطلاق والعتق(٤). وعن سعيد بن المسيِّب عن عمر قال: أربعٌ جائزاتٌ على كلِّ أحد: العتق والطلاق والنكاح والنذور(٥). وعن الضخَّاك قال: ثلاثٌ لا لعبَ فيهنَّ: النكاح والطلاق والنذور (٦). قوله تعالى: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُ بَعْدَ إِبِمَنْكُمْ إِن تَعْفُ عَنْ طَلِفَةٍ مِّنْكُمْ ٦ تُعَذِّبْ طَآئِفَةٌ بِأَتَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ قوله تعالى: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾ على جهة التوبيخ، كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حَكّم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب. واعتذر بمعنى: أَعْذَر، أي: صار ذا (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٥ . (٢) سنن أبي داود (٢١٩٤)، وسنن الترمذي (١١٨٤) وسنن الدارقطني (٣٦٣٥). وسلف ١٠٣/٤. (٣) ٥٤٨/٢ . (٤) سلفت هذه الآثار ٤/ ١٠٣ . (٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٦١٠)، وابن أبي شيبة ١٠٥/٥ . (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٥/٥ . ٢٩٢ سورة التوبة: الآية ٦٦ عذر. قال لَبید: ومَنْ يَبْكِ حَولاً كاملاً فقد اعتذر (١) والاعتذار: مَحْوُ أثر المَوْجِدة؛ يقال: اعتذرتِ المنازلُ: دَرَست(٢). والاعتذار: الدُّروس. قال الشاعر: أم كنتَ تعرِف آياتٍ فقد جعلتْ أطلالُ إِلْفِك بالوذكاءِ تَعتذِرُ(٣) وقال ابن الأعرابيّ: أصله: القطع. واعتذرتُ إليه: قطعتُ ما في قلبه من المَوْجِدة. ومنه عُذرة الغلام، وهو ما يُقطع منه عند الخِتان. ومنه عُذرة الجارية؛ لأنه يقطع خاتم عُذرتها. قوله تعالى: ﴿إِن ثَّفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ تُعَذِّبْ طَابِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ قيل: كانوا ثلاثة نفر؛ هَزِئ اثنان وضحك واحد، فالمعفوُّ عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. والطائفة: الجماعة، ويقال للواحد على معنى نفس: طائفة (٤). وقال ابن الأنبارِيّ: يُطلَق لفظ الجمع على الواحد، كقولك: خرج فلان على البغال. قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أُريد بها الواحد: طائفاً، والهاء للمبالغة(٥). واختلف في اسم هذا الرجل الذي عُفي عنه على أقوال؛ فقيل: مَخْشِيُّ بنُ حُمَيِّر؛ قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام: ويقال فيه: ابنُ مَخْشي. وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مُخاشن بنُ حُمَيِّر. وذكر ابن عبد البر: مُخاشن الحِمْيَريّ. (١) هو عجز بيت له، وصدره: إلى الحَوْلِ ثم اسم السلام عليكما. وسلف ١/ ١٥٣. (٢) تهذيب اللغة ٣١١/٢ . (٣) الصحاح (عذر)، ونسبه ابن رشيق في العمدة ٢/ ١٨٠ وياقوت في معجم البلدان ٣٦٩/٥، وابن منظور في اللسان (عذر) لابن أحمر الباهلي. قال ياقوت: الوَذْكاء من الوَدَك، وهو الدهن والدسم: رملة أو موضع بعينه. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٥٩/٢، والخبر أخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٢/٢ عن الكلبي، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٦٤/٣ مطولاً من طريق أبي صالح عن ابن عباس. (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٦٦/٣، والرازي ١٦/ ١٢٥ . ٢٩٣ سورة التوبة: الآيتان ٦٦ - ٦٧ وذكر السهيلي: مُخَشّن بن حُميِّر (١). وذكر جميعهم أنه استُشهِد باليمامة، وكان تاب وتَسَمَّى عبد الرحمن، فدعا الله أن يُقتل شهيداً ولا يُعلمَ بقبره. واختلف هل كان منافقاً أو مسلماً؛ فقيل: كان منافقاً ثم تاب توبة نَصُوحاً. وقيل: كان مسلماً، إلا أنه سمع المنافقين، فضحك لهم ولم يُنكِر عليهم(٢). قوله تعالى: ﴿الْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمَّ إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اُلْفَاسِقُونَ ٦٧ قوله تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ﴾ ابتداء. ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ابتداء ثان. ويجوز أن يكون بدلاً، ويكون الخبر: ((من بعض))(٣). ومعنى ﴿بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍَّ﴾ أي: هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدِّين. وقال الزجاج (٤): هذا متصلٌ بقوله: ﴿وَ يَحْلِفُونَ بِلَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وقَبْضٍ أيديهم عن الجهاد(٥)، وفيما يجب عليهم من حقّ. والنسيان: الترك هنا، أي: تركوا ما أمرهم الله به، فتركهم في الشكّ. وقيل: تركوا أمره حتى صار كالمَنْسِيِّ، فصيَّرهم بمنزلة المَنْسِيِّ من ثوابه. وقال قتادة: (١) ينظر السيرة النبوية لابن هشام ٥٢٤/٢ - ٥٢٥، وتاريخ خليفة بن خياط ص١١٤، والاستيعاب على هامش الإصابة ٢٣١/١٠، والتعريف والإعلام للسهيلي ص٧٠، والوسيط ٥٠٨/٢ ، وتفسير البغوي ٣٠٨/٢، والمحرر الوجيز ٥٥/٣، والإصابة ١٤٩/٩، تجريد أسماء الصحابة للذهبي ٦٤/٢، وتوضيح المشتبه ٣٣٣/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٥٥/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/٢ . (٤) في معاني القرآن له ٢/ ٤٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٧ . (٥) في النسخ: وقبض أيديهم عبارة عن الجهاد، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. ٢٩٤ سورة التوبة: الآيات ٦٧ - ٦٩ (نَسِيَهُمْ)) أي: من الخير، فأمَّا من الشرِّ فلم يَنْسَهم (١). والفسق: الخروج عن الطاعة والدِّين. وقد تقدّم(٢). قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ﴾ يقال: وَعَد الله بالخير وَعْداً. ووعد بالشر وعِيداً. ﴿خَلِينَ﴾ نصب على الحال والعاملُ محذوف، أي: يصلَوْنها خالدين. ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: هي كفايةٌ ووَفاءٌ لجزاء أعمالهم. واللّعن: البُعد، أي: من رحمة الله، وقد تقدّم (٣). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: واصب دائم. قوله تعالى: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلِمْ فَأَسْتَمْتَعْتُم بِخَفِّكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ◌َِقِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُوَاْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَلَخِرَةِ وَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال الزجاج(٤): الكاف في موضع نصب، أي: وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وَعَدَ الذين من قبلهم. وقيل: المعنى: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف(٥)، فحذف المضاف. وقيل: أي: أنتم كالذين من قبلكم، فالكاف في محل رفع؛ لأنه خبرُ ابتداءٍ (١) معاني القرآن للنحاس ٢٣١/٣. (٢) ٣٦٨/١ - ٣٦٩. (٣) ٢٤٧/٢ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٧. (٥) في (ظ): في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢٩٥ سورة التوبة: الآية ٦٩ محذوف(١). ولم ينصرف ((أشَدَّ) لأنه ((أفعل)) صفةٌ. والأصل فيه: أَشْدَد، أي: كانوا أشدَّ منكم قوّة، فلم يتهيأ لهم، ولا أمكنهم دفعُ عذاب الله عزَّ وجلَّ(٢). الثانية: روى سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # قال: ((تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً من أولئك دخل جُخْر ضَبٍّ، لدخلتموه)). قال أبو هريرة: وإن شئتم فاقرؤوا القرآن: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ﴾ - قال أبو هريرة: والخَلَاق: الدِّين - ﴿فَأُسْتَمْتَعْتُم بِعَلَقُِّ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِحَقِهِمْ﴾ حتى فرغ من الآية. قالوا: يا نبيَّ الله، فما صنعت اليهود والنصارى؟ قال: ((وما الناس إلَّا هم))(٣). وفي الصحيح عنه، عن النبيِّ ﴾: ((لَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُخْر ضَبِّ، لدخلتموه)). قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن))(٤)؟. وقال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهنا بهم. ونحوُه (١) ذكر هذا الوجه الزمخشري في الكشاف ٢/ ٢٠١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/٢ . (٣) أخرجه أبو يعلى (٦٢٩٢)، والطبري ٥٥١/١١ . وقول أبي هريرة ﴾ في تفسير الخلاق. أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٣٤/٦ (١٠٥٠٦). ووقع فيها: كما صنعت فارس والروم، بدل: فما صنعت اليهود والنصارى. وفي إسناد هذا الحديث أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، قال الحافظ في التقريب: ضعيف. وسيذكر المصنف الرواية الصحيحة بعده. وليس فيها ذكر الآية. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٦/٣ معقّباً على إيراد الطبري لهذا الحديث في تفسير هذه الآية: وهو معنى لا يليق بالآية جدًّا؛ إذ هي مخاطبة المنافقين كفار أعمالهم حابطة، والحديث مخاطبة لموحِّدين يتبعون سَنّنّ مَن مضى في أفعالٍ دنيوية لا تُخْرِج عن الدين. (٤) صحيح البخاري بنحوه (٧٣١٩)، وهذا لفظ أحمد (٩٨١٩)، وأخرجه أحمد أيضاً (٨٣٠٨) و(٨٣٤٠). ووقع في رواية البخاري وأحمد (٨٣٠٨): فارس والروم، بدل: اليهود والنصارى. وأخرجه أحمد (١١٨٠٠)، والبخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٢١٩/١٦ : والمراد: الموافقةُ في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر. ٢٩٦ سورة التوبة: الآية ٦٩ عن ابن مسعود(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ﴾ أي: انتفعوا بنصيبهم من الدِّين كما فعل الذين من قبلهم (٢). ﴿وَخُضْتُمْ﴾ خروج من الغيبة إلى الخطاب . ﴿كَِّی خَاشُواْ﴾ أي: كخوضهم. فالكاف في موضع نصبٍ نعتٍ لمصدرٍ محذوف، أي: وخضتم خوضاً كالذين خاضوا. و((الذي)) اسمٌ ناقصٌ مثلُ ((مَن)) يعبّر به عن الواحد والجمع. وقد مضى في ((البقرة))(٣). ويقال: خُضْت الماء أخوضه خَوْضاً وخِياضاً، والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناسُ فيها مُشاةً وَرُكباناً، وجمعها المَخَاض، والمَخاوِض أيضاً؛ عن أبي زيد. وأَخَضْتُ دابَّتي في الماء. وأخاض القوم، أي: خاضت خيلهم. وخُضت الغَمَرات: اقتحمتُها. ويقال: خاضه بالسيف، أي: حرَّك سيفه في المضروب. وخَوَّض في نَجِيعه؛ شُدِّد للمبالغة. والمِخْوَض للشّراب كالمِجْدَح للسَّويق؛ يقال منه: خُضْتُ الشراب. وخاض القوم في الحديث وتَخاوضوا، أي: تفاوضوا فيه(٤). فالمعنى: خضتُم في أسباب الدنيا باللَّهو واللَّعب. وقيل: في أمر محمد ﴾ بالتكذيب .﴿أُوْلَئِكَ خَطَتْ﴾: بطلت. وقد تقدم(٥). ﴿أَعْمَلَهُمْ﴾: حسناتهم. ﴿وَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ تقدم أيضاً(٦). (١) أخرجه الطبري ١١/ ٥٥٢ عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٠٢ عن ابن مسعود. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/٢، وفيه: الدنيا، بدل: الدين، وكلا اللفظين مذكوران في التفاسير. ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٦٠/٢، وللنحاس ٢٣٢/٣، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٣٤/٦-١٨٣٥، والنكت : والعيون ٣٨٠/٢. (٣) ٣٢٠/١. (٤) الصحاح (خوض). والنجيع: دم الجوف. والمجْدَح: ما يُجدح به، وهو خشبة طرفُها ذو جوانب، وجَدَحْتُ السَِّيقَ: لَنَّه. الصحاح (نجع) و(جدح). ولَّت السويقَ: خلطه بسمن أو غيره. (٥) ٤٢٨/٣ . (٦) ٣٧٢/١. : ٢٩٧ سورة التوبة: الآية ٧٠ قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَّوْمِ إِتَزَهِيمَ وَأَصْحَبِ مَذْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ ٧٠ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ بَأْتِهِمْ نَبَأُ﴾ أي: خبر ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾. والألف لمعنى التقرير والتحذير، أي: ألم يسمعوا إهلاكَنا الكفارَ من قَبْلُ. ﴿قَوّمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ بدل من الذين. ﴿وَقَوْمِ إِبْرَهِيمَ﴾ أي: نُمرود بن كنعان وقومه. ﴿وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ﴾ مدين اسم للبلد الذي كان فيه شعيب، أُهلكوا بعذاب يوم القُلَّة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ﴾ قيل: يراد به قوم لوط؛ لأن أرضهم انتفَكت بهم، أي: انقلبت؛ قاله قتادة. وقيل: المؤتفكات كلُّ مَن أُهلك، كما يقال: انقلبت عليه الدنيا(١). ﴿أَنَّهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ يعني جميع الأنبياء. وقيل: أتت أصحابَ المؤتفكات رسلُهم، فعلى هذا رسولُهم لوطٌ وحدَه؛ ولكنه بَعَثَ في كلِّ قرية رسولاً، وكانت ثلاثَ قَرْيات، وقيل: أربع(٢). وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ﴾ [النجم: ٥٣] على طريق الجنس. وقيل: أراد بالرسل الواحدَ، كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن في عصره غيره. قلت: وهذا فيه نظر؛ للحديث الصحيح عن النبيِّ#: ((إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين)) الحديث. وقد تقدّم في ((البقرة))(٣). والمراد جميع الرسل، والله أعلم. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/٢، وخبر قتادة أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٣/٢، والطبري ٥٥٥/١١ . (٢) تفسير الطبري ٥٥٥/١١ - ٥٥٦، والمحرر الوجيز ٥٧/٢ - ٥٨. قال ابن عطية: والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين. (٣) ٢١/٣. ٢٩٨ سورة التوبة: الآيتان ٧٠ - ٧١ قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: ليهلكهم حتى يبعث إليهم الأنبياء. ﴿وَلَكِنْ كَانُّوْاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ولكنْ ظلموا أنفسَهم بعد قيام الحُجَّة عليهم. قوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ ◌َأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ سَيِّرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّّ﴾ أي: قلوبُهم متَّحدة في التوادِّ والتحابِّ والتعاطف. وقال في المنافقين: ﴿بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] لأنَّ قلوبهم مختلفة، ولكنْ يُضم بعضهم إلى بعض في الحكم. الثانية: قوله تعالى: ﴿ يأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بعبادة الله تعالى وتوحيده، وكلٌّ ما أَتبع ذلك. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾: عن عبادة الأوثان وكلّ ما أتبع ذلك. وذكر الطبري(١) عن أبي العالية أنه قال: كلُّ ما ذَكَر الله في القرآن من الأمر بالمعروف [فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام] و[كلُّ ما ذَكَر من ] النهي عن المنكر، فهو النهيُّ عن عبادة الأوثان والشياطين. وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة وآل عمران(٢)، والحمد لله. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ تقدَّم في أول ((البقرة))(٣) القولُ فيه. وقال ابن عباس: هي الصلوات الخمس، ويحسَب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة. ابن عطيّة(٤): والمدح عندي بالنوافل أبلغ؛ إذ مَن يقيم النوافل أحْرَى بإقامة الفرائض. (١) في تفسيره ٥٥٧/١١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٨/٢، وما سيرد بين حاصرتين منهما. (٢) ١٠٥/٨ - ١٠٦، و٧٣/٥. (٣) ٢٥٣/١ . (٤) في المحرر الوجيز ٥٨/٣، وما قبله منه، وأثر ابن عباس أخرجه الطبري ١١/ ٥٥٧ . ٢٩٩ سورة التوبة: الآيتان ٧١ - ٧٢ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيُطِيعُونَ اَللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فيما سنَّ(١) لهم. والسين في قوله: ﴿سَيَرْحُهُمُ اللَّهُ﴾ مُدْخِلةٌ في الوعد مُهْلَةً لتكون النفوس تتنعّم برجائه؛ وفضلُه تعالى زعيمٌ بالإِنجاز(٢). قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِّهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَّتِ عَلَدٍّ وَرِضْوَنٌ مِنَ الَّهِ أَكْبَرْ ذَلِكَ هُوَ VY الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ﴾ أي: بساتينَ ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اَلْأَنْهَئِّ﴾ أي: من تحت أشجارها وغُرَفها الأنهار. وقد تقدَّم في ((البقرة)) أنها تجري منضبطةً بالقدرة في غير أُخدود(٣). ﴿خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ﴾: قصور من الزَّبَرْجَد والدُّرِّ والياقوت؛ يفوح طِيبُها من مسيرة خمسٍ مئة عام(٤). ﴿فِي ◌َّتِ عَلَّنٍ﴾ أي: في دار إقامة. يقال: عَدَن بالمكان: إذا أقام به؛ ومنه المَعْدِن(٥). وقال عطاءُ الخُرَاسانيُّ: ((جنَّات عدن)»: هي قصبةٌ [في] الجنة، وسَقْفُها عرشُ الرحمن جلَّ وعزَّ (٦). (١) في (ظ): بيّن. (٢) المحرر الوجيز ٥٨/٣. (٣) ٣٦٠/١. (٤) يشير إلى حديث أبي بكرة ﴾ مرفوعاً: (( ... وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مئة عام)) وهو في مسند أحمد (٢٠٥٠٦) من زوائد ابنه عبد الله، وجاء في رواية أخرى للحديث عند أحمد (٢٠٤٦٩): من مسيرة مئة عام. وفي البخاري (٣١٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: من مسيرة أربعين عاماً. (٥) تفسير الطبري ٥٥٩/١١، وقيل له: المعدن؛ لثبوت الجواهر واستقرارها فيه. ينظر مفردات الراغب (عدن)، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي ١٦٧٥/٣ . (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٢/ ٥١٠ من طريق عطاء عن ابن عباس، وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٠٠ سورة التوبة: الآيتان ٧٢ - ٧٣ وقال ابن مسعود: هي بُطْنانُ الجنة، أي: وسطها(١). وقال الحسن: هي قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبيٍّ أو صِدِّيق أو شهيد أو حَكَمٌ عَذل. ونحوه عن الضخَّاك(٢). وقال مُقاتل والكلبيُّ: عَدْن أعلى درجةٍ في الجنة، وفيها عينُ التسنيم، والجِنانُ حولها محفوفةٌ بها، وهي مغظًّاة من يوم خَلَقها الله حتى يَنزلها الأنبياءُ والصِدِّيقون والشهداء والصالحون ومَن يشاء الله(٣). ﴿وَرِضْوَنٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ أي: أكبر من ذلك . ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَّفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّةٌ وَيِنْسَ الْمَصِيرُ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ﴾ الخطابُ للنبيِّ ﴾، وتَدْخُل فيه أمَّتُه من بعده. قيل: المرادُ: جاهد بالمؤمنين الكفارَ. وقال ابن عباس: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدَّةِ الزَّجْر والتغليظ (٤). ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: جاهِد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكْفَهِرَّ في وجوههم(٥). وقال الحسن: جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان. واختاره قتادة. وكانوا أكثر مَن يُصيب الحدود(٦). (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢٦/١٣، والطبري ١١/ ٥٦١. (٢) أخرجهما الطبري ١١/ ٥٦٢ - ٥٦٤ . (٣) تفسير البغوي ٣١٠/٢. (٤) أخرجه الطبري ١١/ ٥٦٦ . (٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٧٧)، والطبري ١١/ ٥٦٦ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٥ ، وليس فيه ذكر الجهاد باللسان، وأخرج خبر الحسن وقتادة الطبري ١١/ ٥٦٧ دون ذكر الجهاد باللسان أيضاً.