النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة التوبة: الآية ٥٧
همزةٌ، والثانية عوضٌ من التنوين، وكذا رأيتُ(١) جزءاً.
والملجأ: الحصن؛ عن قتادة وغيره. ابن عباس: الحِرْز(٢). وهما سواء. يقال:
لجأت إليه لَجَأَ - بالتحريك - ومَلْجاً، والْتجأت إليه بمعنّى. والموضع أيضاً: لَجَأْ
ومَلْجأٌ. والتَّلجِئة: الإكراه. وألجأته إلى الشيء: اضْطَرَرْته إليه. وأَلجأتُ أمري إلى
الله: أَسْنَدته. وعمر (٣) بن لَجَأ التيميُّ(٤) الشاعر. عن الجوهري.
﴿أَوْ مَغَرَتٍ﴾ جمع مَغارة، من غار يَغير. قال الأخفش(٥): ويجوز أن يكون
[مُغارات] من أغار يُغير، كما قال الشاعر:
الحمد لله مُمسانا ومُصْبَحَنَا (٦)
قال ابن عباس: المَغارات: الغِيران والسراديب(٧)، وهي المواضع التي يُستتر
فيها، ومنه: غار الماء وغارت العين.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ مُفْتَعَل من الدخول؛ أي: مَسْلَكاً نختفي بالدخول فيه، وأعاده
لاختلاف اللفظ. قال النحاس(٨): الأصل فيه مُدْتَخل، قُلبت التاء دالاً؛ لأن الدال
(١) قوله: رأيت، من (م) وإعراب القرآن للنحاس ٢٢١/٢، والكلام منه.
(٢) أخرج الطبري ٥٠٤/١١ - ٥٠٥ خبر ابن عباس وقتادة.
(٣) في النسخ: عمرو، والمثبت من الصحاح (لجأ) (والكلام منه) وهو الصواب.
(٤) في (٥) و(ز) و(ظ) و(م)، وكذلك الصحاح: التميمي، والمثبت من (خ) وهو الصواب، وهم تيم بن
عبد مناة، ومات عمر بن لَجَأ بالأهواز، وكان يهاجي جریراً، وفي هجائه قال جرير قصيدته التي أولها:
لا يُلْقِيَنَّكم في سوءة عمر
يا تيمُ تيمَ عديٍّ لا أبالكم
ينظر الشعر والشعراء ٢/ ٦٨٠، والخزانة ٢٩٨/٢ .
(٥) في معاني القرآن له ٢/ ٥٥٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢١/٢ وما قبله
وما سیرد بین حاصرتین منه.
(٦) صدر بيت لأمية بن أبي الصلت، وعجزه: بالخير صبَّحنا ربي ومسَّانا، وهو في ديوانه ص١٣٤،
والخزانة ٢٤٨/١ .
(٧) الوسيط للواحدي ٥٠٤/٢، وأخرجه الطبري ٥٠٤/١١ .
(٨) في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٢ .

٢٤٢
سورة التوبة: الآية ٥٧
مجهورة والتاء مهموسة، وهما من مخرج واحد. وقيل: الأصل فيه: مُتَدَخَّل على
مُتَفَعَّل، كما في قراءة أبيٍّ: ((أو مُتَدَخَّلاً)) (١) ومعناه: دخول بعد دخول، أي: قوماً
يدخلون معهم.
المهدَويُّ: ((متدخّلاً)) من تَدَخَّلَ، مثل تَفَعَّلَ، إذا تكلّف الدخول. وعن أُبَيِّ أيضاً:
(مُنْدَخلاً)) من انْدَخَلَ، وهو شاءٌ(٢)؛ لأنَّ ثُلاثِيَّه غيرُ متعدٍّ عند سيبويه وأصحابه.
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن مُحَيْصِن: ((أو مَدْخلاً)) بفتح الميم وإسكان
الدال(٣). قال الزجَّاج: ويُقرأ: ((أو مُدخلاً)) بضم الميم وإسكان الدال. الأول من
دَخَل يَدْخُل. والثاني من أَدْخَلَ يُدْخِل(٤). كذا المصدرُ والمكان والزمان كما أنشد
سيبويه :
مُغَارَ ابنِ هِمَّامٍ على حَيٍّ خَثْعَمَا(٥)
ورُوي عن قتادة وعيسى والأعمش: ((أو مدَّخَّلاً)) بتشديد الدال والخاء (٦).
والجمهور بتشديد الدال وحدها، أي: مكاناً يُدخِلون فيه أنفسهم. فهذه ستُّ قراءات.
﴿لَوَّلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أي: لرجعوا إليه. ﴿وَهُمْ يَجْبَحُونَ﴾ أي: يسرعون لا يردُّ وجوهَهم
شيءٌ، من جمح الفرس: إذا لم يردّه اللجام. قال الشاعر:
(١) القراءات الشاذة ص ٥٣ .
(٢) المحتسب ٢٩٥/١ - ٢٩٦، وذكر قراءة أبي أيضاً الأخفش في معاني القرآن ٢/ ٥٥٥.
(٣) هي قراءة يعقوب من العشرة، والكلام في عراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٢٠، وينظر النشر ٢٧٩/٢.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤٥٥/٢، وقراءة: ((مُدْخلاً)) نسبها ابن جني في المحتسب ٢٩٥/١ لمَسْلّمة بن
محارب.
(٥) وصدره: وما هي إلا في إزار وعلقةٍ، والبيت في الكتاب ٢٣٥/١ ، ونسبه سیبویہ لحمید بن ثور،
وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٢/٢ والكلام منه، والكامل ٢٦١/١ . وَصَف امرأة صغيرة السن كانت
تلبس العلقة، وهو ثوب قصير بلا كُمَّين، وكانت تلبسه في وقت إغارة ابن همام على خثعم، وهي قبيلة
من اليمن. تحصيل عين الذهب ص١٧٨ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٢١/٢ - ٢٢٢، والمحرر الوجيز ٤٦/٣.

٢٤٣
سورة التوبة: الآيتان ٥٧ - ٥٨
سَبُوحاً جَمُوحاً وإحضارُها كَمَعْمعة السَّعَفِ المُوقَدِ(١)
: والمعنى: لو وجدوا شيئاً من هذه الأشياء المذكورة لولَّوا إليه مسرعين هرباً من
المسلمين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْعُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوّأْ
(٥٨)
مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ﴾ أي: يَطعن عليك؛ عن قتادة.
الحسن: يَعِيبُك. وقال مجاهد: أي: يَرُوزُك ويسألك. النحاس: والقول عند أهل
اللغة قول قتادة والحسن. يقال: لَمَزه يلمِزه إذا عابه. واللَّمْز في اللغة: العيب في
السرّ(٢).
قال الجوهريّ(٣): اللَّمز: العيب، وأصله: الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه
يلمِزه ويلمُزه، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ﴾ (٤). ورجل لمَّاز
ولُمَزَة، أي: عَيَّاب. ويقال أيضاً: لَمزه يلمزه: إذا دفعه وضربه. والهَمْز مثل اللَّمز.
والهامِزُ والهمَّاز: العيَّاب، والهُمَزة مثله. يقال: رجل هُمَّزة؛ وامرأة هُمَزة أيضاً.
وهَمَزه، أي: دفعه وضربه (٥). ثم قيل: اللمز في الوجه، والهمز بَظْهر الغَيْب(٦).
وصف الله قوماً من المنافقين بأنهم عابوا النبيَّ # في تفريق الصدقات، وزعموا
(١) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٨٧، قال شارح الديوان: السَّبوح: التي تَسْبح في سيرها.
والجَموح: التي تذهب على وجهها من السرعة. والمعمعة هنا: صوت النار في السَّعف. اهـ والسَّعف:
أغصان النخل. النهاية (سعف). وأحضر الفرس: ارتفع في عَدْوه واشتدّ. معجم متن اللغة (حضر).
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٢٠/٣، وليس فيه ذكر الحسن، وقد ذكره الجصاص في أحكام القرآن ١٢١/٣.
وخبرا قتادة ومجاهد أخرجهما الطبري ٥٠٦/١١ .
(٣) في الصحاح (لمز).
(٤) قرأ يعقوب من العشرة: ((يلمُزك)) بضم الميم، والباقون بكسرها. النشر ٢٧٩/٢ - ٢٨٠ . وينظر السبعة
ص٣١٥ .
(٥) الصحاح: (همز).
(٦) تهذيب اللغة ١٣/ ٢٢١ .

٢٤٤
سورة التوبة: الآيات ٥٨ - ٦٠
أنهم فقراءُ ليعطيَهم. قال أبو سعيد الخُذْريّ: بينا رسولُ الله # يقسم مالاً، إذ جاءه
حُرْقُوص بن زهير أصلُ الخوارج - ويقال له: ذو الخُوَيصِرة التميميُّ - فقال: إِعدل يا
رسول الله. فقال: ((وَیْلَك! ومَن يَعْدِلُ إذا لم أَعْدل)) فنزلت الآية. حديث صحيح،
أخرجه مسلم بمعناه. وعندها قال عمر بن الخطاب ﴾: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا
المنافق. فقال: ((مَعَاذَ الله أن يتحدَّثَ الناسُ أنّي أَقتل أصحابي، إنَّ هذا وأصحابَه
يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوز حناجرَهم، يَمْرقون منه كما يَمْرُق السهمُ من الرَّمِيَّة))(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ
(٥٩
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُ: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ﴾ جواب ((لو)) محذوف، التقدير:
لكان خيراً لهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾
فيه ثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ خصَّ الله سبحانه بعضَ الناس
بالأموال دونَ بعضٍ نعمةً منه عليهم، وجعل شكرَ ذلك منهم إخراجَ سهم يؤدُّونه إلى
مَّن لا مالَ له، نيابةً عنه سبحانه فيما ضمِنه بقوله: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦](٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ تبيِينٌ لمصارف الصدقات والمحلِّ؛ حتى لا
(١) صحيح مسلم (١٠٦٤): (١٤٨)، وهو عند أحمد (١١٥٣٧)، والبخاري (٣٦١٠). وليس عندهم: وهو
حرقوص بن زهير أصل الخوارج، ووردت في رواية للحديث عند الواحدي في أسباب النزول ص٢٤٧ ،
وذكر الحافظ في الفتح ٢٩٢/١٢ هذه الرواية وقال: وما أدري من الذي قال: وهو حرقوص ... إلخ.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٩٤٥/٢ .

٢٤٥
سورة التوبة: الآية ٦٠
تَخْرجَ عنهم. ثم الاختيارُ إلى مَن يقسم(١). هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما.
كما يقال: السرج للدابة والباب للدار.
وقال الشافعيُّ: اللام لام التمليك، كقولك: المال لزيد وعمرو وبکر، فلابدَّ
من التسوية بين المذكورين. قال الشافعيُّ وأصحابه: وهذا كما لو أوْصَى لأصناف
معيَّنين أو لقوم معيَّنين(٢). واحتجوا بلفظة ((إِنَّما))، وأنها تقتضي الحصرَ في وقوف
الصدقات على الثمانية الأصنافِ، وعَضدُوا هذا بحديث زياد بن الحارث الصُّدائيّ
قال: أتيتُ رسولَ الله ﴾ وهو يبعثُ إلى قومي جيشاً، فقلت: يا رسول الله، احبس
جيشَك، فأنَا لك بإسلامهم وطاعتهم. وكتبتُ إلى قومي فجاء إسلامُهم وطاعتُهم،
فقال رسولُ الله ﴾: ((يا أخا صُداءِ المطاعَ في قومه)). قال: قلت: بل مَنَّ الله عليهم
وهداهم. قال: ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات، فقال له رسولُ الله﴾: ((إنَّ اللهَ
لم يَرْضَ في الصدقات بحُكم نبيٍّ ولا غیروٍ حتى جزًّاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من
أهل تلك الأجزاء أعطيتك)). رواه أبو داود والدَّارَ قُظْني. واللفظ للدار قطني(٣).
وحُكي عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالى عَلِم قَدْر ما يرتفع (٤) من الزكاة، وما
تقع به الكفاية لهذه الأصناف [فأوجبه لهم] وجعله حقًّا لجميعهم، فَمَن مَنَعهم ذلك،
فهو الظالم لهم رِزْقَهم.
وتمسك علماؤنا بقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا مِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اَلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. والصدقةُ متى أُطلقتْ في القرآن، فهي صدقةٌ
الفرض. وقال ﴾: ((أُمِرتُ أن آخذَ الصدقةَ من أغنيائكم وأردَّها على فقرائكم)). وهذا
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠٦/٣ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٧ .
(٣) سنن أبي داود (١٦٣٠)، وسنن الدارقطني (٢٠٦٣). وينظر الاستذكار ٢٠٦/٩ .
(٤) في (م): يدفع، وفي (د): يرفع، والمثبت من باقي النسخ الخطية، وهو موافق لما في أحكام القرآن
للكيا الطبري ٢٠٦/٣ ، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه.

٢٤٦
سورة التوبة: الآية ٦٠
نصٌّ في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآناً وسنَّةً(١)؛ وهو قول عمرَ بنِ الخطاب وعليٍّ
وابنٍ عباس وحُذيفةً. وقال به من التابعين جماعة (٢)؛ قالوا: جائز أن يدفعَها إلى
الأصناف الثمانية، وإلى أيِّ صنفٍ منها دُفعت جاز.
روى المِنْهال بن عمرو، عن زِرّ بن حُبيش، عن حُذيفةً في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ وَالْمُسَكِينِ﴾ قال: إنَّما ذكر الله هذه الصدقات لتُعرف، وأيَّ صنفٍ منها
أعطيتَ أجزأك. وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَّرَآءِ
وَالْمَسْكِينِ﴾ قال: في أيِّها وضعتَ أجزا عنك(٣). وهو قول الحسن وإبراهيمَ
وغيرهما (٤).
قال الكِيَا الطبريّ(٥): حتى ادَّعى مالك الإجماع على ذلك.
قلت: يريد إجماعَ الصحابة؛ فإنه لا يُعلم لهم مخالفٌ منهم على ما قال أبو
عمر(٦)، والله أعلم.
ابن العربيّ(٧): والذي جعلناه فَيْصلاً بيننا وبينهم: أنَّ الأمةَ اتفقت على أنه لو
أُعطي كلُّ صنف حظّه؛ لم يجب تعميمُه، فكذلك تعميمُ الأصناف مثلُه. والله أعلم.
الثالثة: واختلف علماءُ اللغة وأهلُ الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على
تسعة أقوال: فذهبَ يعقوبُ بن السِّكِّيت والقُتَبِيُّ ويونسُ بن حبيب إلى أنَّ الفقيرَ
أحسنُ حالاً من المسكين. قالوا: الفقيرُ هو الذي له بعضُ ما يكفيه ويُقِيمُه،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٧، والحديث سلف ٣٦٨/٤.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ٤٥١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠٦/٣ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٢٧/٣، وأخرج الخبرين الطبري ٥٣١/١١ ٥٣٢.
(٤) أخرجه عن الحسن أبو عبيد في الأموال ص٦٨٩، وعن إبراهيم وغيره أخرجه الطبري ١١/ ٥٣٣ .
(٥) في أحكام القرآن ٢٠٦/٣ .
(٦) في الاستذكار ٩/ ٢٠٤، وقال أيضاً: وأجمع العلماء على أن العامل عليها لا يستحق ثُمنها، وإنما له
بقَدْر عمالته، فدل ذلك على أنها ليست مقسومة على الأصناف بالسوية.
(٧) في أحكام القرآن ٢/ ٩٤٨ .

٢٤٧
سورة التوبة: الآية ٦٠
والمسكين الذي لا شيءَ له، واحتجُوا بقول الراعي:
أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُهُ وَفْقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ(١)
وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة والحديث؛ منهم أبو حنيفةَ والقاضي عبد
الوهّاب(٢). والوَفْق: من الموافقة بين الشيئين؛ كالالتحام، يقال: حَلوبته وَفْقُ عياله؛
أي: لها لبنٌّ قَدْرَ كفايتهم لا فَضْلَ فيه. عن الجوهري(٣).
وقال آخرون بالعكس؛ فجعلوا المسكين أحسنَ حالاً من الفقير. واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. فأخبر أنَّ لهم
سفينةً من سفن البحر. وربما ساوت جملةً من المال(٤).
وَضَدوه بما رُوي عن النبيِّ# أنه تعوَّذ من الفقر(٥). ورُوي عنه أنه قال: ((اللَّهُم
أَخيِني مسكيناً وأَمِثْني مسكيناً))(٦). فلو كان المسكينُ أسوأ حالاً من الفقير، لتَناقَضَ
الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوَّذَ من الفقر؛ ثم يَسألَ ما هو أسوأ حالاً منه، وقد
استجاب الله دعاءَه وقبَضَه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكنْ لم يكن معه تمامُ
الکفایة؛ ولذلك رَمَن دِرعه(٧).
قالوا: وأما بيت الرَّاعي فلا حجةَ فيه؛ لأنه إنما ذَكر أنَّ الفقيرَ كانت له حَلُوبٌ في
حالٍ [ما]. قالوا: والفقير معناه في كلام العرب: المفقور الذي نُزعت فِقَرُه من ظهره
(١) ديوان الراعي النميري ص٦٤، والتمهيد ٥٠/١٨ والكلام منه. السَّبّد؛ بالتحريك: القليل من الشّعر،
يقال: ماله سَبّد ولا لَبَد، أي: لا قليل ولا كثير. القاموس (سيد).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٩٤٩/٢ .
(٣) الصحاح (وفق).
(٤) التمهيد ٥٠/١٨ .
(٥) أخرجه البخاري (٦٣٧٥) ومسلم (٥٨٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه أحمد (٨٠٥٣)،
وأبو داود (١٥٤٤)، والنسائي ٢٦١/٨ من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) أخرجه الترمذي (٤٣٥٢) من حديث أنس ﴾ وقال: هذا حديث غريب. وأخرجه ابن ماجه (٤١٢٦)،
والحاكم ٣٢٢/٤ من حديث أبي سعيد الخدري ﴾.
(٧) سلف ٤/ ٤٥٩ .

٢٤٨
سورة التوبة: الآية ٦٠
من شدَّة الفقر، فلا حالَ أشدُّ من هذه. وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرًْا
الأَ
فِى
[البقرة: ٢٧٣]. واستشهدوا بقول الشاعر:
رَفَعَ القوادمَ كالفقيرِ الأَعْزلِ (١)
لمَّا رأى لُبَدُ النُّسورَ تطايرت
أي: لم يُطِق الطيران، فصار بمنزلة مَن انقطع صُلْبُه ولصِق بالأرض. ذهب إلى
هذا الأصمعيُّ وغيرُه، وحكاه الطحاوِيُّ عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعيِّ وأكثرٍ
أصحابه. وللشافعيِّ قول آخر: أنَّ الفقيرَ والمسكين سواءٌ، لا فرقَ بينهما في المعنى
وإن افترقا في الاسم، وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابنُ القاسم وسائرُ أصحاب
مالك(٢)، وبه قال أبو يوسف.
قلت: ظاهر اللفظ يدلُّ على أنَّ المسكينَ غيرُ الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنَّ أحد
الصّنفين أشدُّ حاجةً من الآخر، فمِن هذا الوجهِ يَقْرُب قولُ مَن جعلهما صنفاً
واحداً(٣)، والله أعلم.
ولا حجةَ في قولِ مَن احتجَّ بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ﴾
[الكهف: ٧٩]؛ لأنه يَحتمل أن تكون مستأجَرةً لهم، كما يقال: هذه دارُ فلانٍ، إذا كان
ساكِنَها وإن كانت لغيره. وقد قال تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَمْ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾
[الحج: ٢١]، فأضافها إليهم. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاَءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥]. وقال ﴾.
(مَن باع عبداً وله مال))(٤) وهو كثير جداً؛ يضاف الشيءُ إليه وليس له. ومنه قولهم:
(١) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص ١٢٨، والتمهيد ٥١/١٨، والاستذكار ٢٠٩/٩ ، والكلام وما بين
حاصرتين منهما. ولبد هو آخر نسور لقمان بن عاد، وتزعم العرب أن لقمان هذا عاش بقدر عمر سبعة
نسور، كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فكان آخر نسوره يسمى لبداً. وهو غير لقمان المذكور في
القرآن. ينظر الخزانة ٨/٤. وينظر القاموس (لبد).
(٢) التمهيد ٥١/١٨ - ٥٢.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠٥/٣ .
(٤) أخرجه أحمد (٤٥٥٢)، والبخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣): (٨٠) من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما.

٢٤٩
سورة التوبة: الآية ٦٠
باب الدار. وجُلُّ الدابة، وسرجُ الفرس، وشبهه. ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة
الرحمة والاستعطاف، كما يقال لمن امتُحن بِنكبة أو دُفع إلى بلية: مسكين. وفي
الحديث: ((مساكينُ أهل النار))(١) وقال الشاعر:
مساكينُ أهلُ الحبِّ حتى قبورُهم عليها ترابُ الذلِّ بين المقابر(٢)
وأمَّا ما تأوَّلوه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم أحيني مسكيناً)) الحديث.
رواه أنس(٣)، فليس كذلك، وإنما المعنى هاهنا: التواضعُ لله الذي لا جَبَروتَ فيه
ولا نخوة، ولا كِبْر ولا بَطَر، ولا تكبُّر ولا أَشَر. ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال:
فانظر إلى مَلِكِ في زِيِّ مسكينٍ
إذا أردتَ شريفَ القوم كلِّهِم
وذاك يصلُحُ للدنيا وللدِّينِ (٤)
ذاك الذي عظُمتْ في الله رغبتُه
وليس بالسائل؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ قد كره السؤالَ ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء
أبت أن تزول له عن الطريق: ((دَعُوها فإنها جَبَّارة))(٥). وأما قوله تعالى: ﴿لِلْغُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيئُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]
فلا يَمتنع أن يكون لهم شيء. والله أعلم.
وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعيِّ في أنهما سواءٌ حسن. ويقرب منه ما قاله
مالك في كتاب ابنٍ سُخنون؛ قال: الفقير: المحتاج المتعفِّف، والمسكين: [الفقير]
(١) أخرجه الطبري ٣٨٢/١٩ عن أبي السوداء قوله.
(٢) ذكره أبو محمد السَّرَّاج في مصارع العشاق ١٣٠/١.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٣٥٢)، وقد سلف قريباً.
(٤) التمهيد ١٧١/٨ - ١٧٢ والكلام منه، وهما في ديوان أبي العتاهية ص٣٩٢ برواية: حرمته، بدل:
رغبته.
(٥) التمهيد ١٧٢/٨، والحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٣١٥) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾،
وفيه سليمان الهاشمي، قال النسائي: لا أعرفه.
وأخرجه البزار (كشف الأستار) (٣٥٧٩)، وأبو يعلى (٣٢٧٦) من حديث أنس. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٩٩/١ : رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى وفيه يحيى الحماني ضعَّفه أحمد ورماه بالكذب،
ورواه البزار وضعَّفه براوٍ آخر. قوله: جبارة، أي: مستكبرة عاتية. النهاية (جبر).

٢٥٠
سورة التوبة: الآية ٦٠
السائل. وروي عن ابن عباس، وقاله الزُّهْرِيُّ، واختاره ابن شعبان، وهو القول
الرابع(١).
وقول خامس: قال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكنُ والخادم إلى مَن هو
أسفلُ من ذلك، والمسكين الذي لا مال له(٢).
قلت: وهذا القول عکسُ ما ثبت في ((صحيح)) مسلم(٣) عن عبد الله بن عمرو،
وسأله رجل فقال: ألسْنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأةٌ تأوي
إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مَسْكَنٌ تَسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال:
فإنَّ لي خادماً. قال: فأنت من الملوك.
وقول سادس: رُوي عن ابن عباس قال: الفقراءُ من المهاجرين، والمساكينُ من
الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحاك(٤).
وقول سابع: وهو أنَّ المسكين الذي يخشع ويَستكِنُ وإن لم يَسأل. والفقير الذي
یتحمَّل ويقبل الشيء سرًّا ولا يخشع. قاله عبيد الله بن الحسن(٥).
وقول ثامن؛ قاله مجاهد وعِكْرمة والزُّهرِيُّ: المساكين الطوَّافون، والفقراء فقراء
المسلمين(٦).
وقول تاسع قاله عكرمة أيضاً: أنَّ الفقراء فقراءُ المسلمين، والمساكين فقراء أهل
الکتاب. وسيأتي(٧).
الرابعة: وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين؛ هل هما صنف واحد
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٤٩/٢ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٤٣/٢ .
(٣) برقم (٢٩٧٩)، وسلف ٣٩٣/٧.
(٤) أخرجه عنهما أبو عبيد في الأموال ص٧١٧ .
(٥) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٤٢/٢ بنحوه، ويعني بالخشوع هنا: الذلة والخضوع.
(٦) أخرج هذا القول عن الأئمة المذكورين وغيرهم أبو عبيد في الأموال ص٧١٨، والطبري ٥٠٩/١١ -٥١٠،
وهذا لفظ خبر الزهري عند الطبري.
(٧) ص ٢٥٥ من هذا الجزء، وأخرجه الطبري ٥١٣/١١ - ٥١٤ .

٢٥١
سورة التوبة: الآية ٦٠
أو أكثر؟ تَظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلانٍ وللفقراء والمساكين، فَمَن قال: هما
صنف واحد، قال: يكون لفلان نصفُ الثلث، وللفقراء والمساكين نصفُ الثلث
الثاني. ومَن قال: هما صنفان، يقسم الثلثَ بينهم أثلاثاً(١).
الخامسة: وقد اختلف العلماء في حدِّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ، بعد إجماع
أكثرٍ مَن يُحفظ عنه من أهل العلم: أنَّ مَن له دار وخادم (٢) لا يَستغني عنهما، أنَّ له
أن يأخذ من الزكاة، وللمعطِي أن يعطيَه. وكان مالك يقول: إن لم يكن في ثمن الدار
والخادم فَضْلَةٌ عما يحتاج إليه منهما، جاز له الأخذُ، وإلا لم يجز. ذكره ابن المنذر.
وبقول مالك قال النَّخَعِي والثوري. وقال أبو حنيفة: مَن معه عشرون ديناراً أو مئتا
درهم، فلا يأخذ من الزكاة (٣). فاعتَبَر النصابَ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرتُ أن
آخذَ الصدقةَ من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم» (٤). وهذا واضح، ورواه المغيرةُ عن
مالك(٥).
وقال الثوريُّ وأحمد وإسحاق وغيرهم: لا يأخذ مَن له خمسون درهماً أو قَدْرُها من
الذهب، ولا يعطى منها أكثر من خمسين درهماً إلا أن يكون غارماً. قاله أحمد
وإسحاق(٦). وحجة هذا القول ما رواه الدَّارَقُظْنِيُّ (٧) عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ ﴾
قال: ((لا تحلُّ الصدقة لرجل له خمسون درهماً)). في إسناده عبدُ الرحمن بن إسحاق
ضعيف، وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضاً.
ورواه حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن
(١) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٨/٥ - ٢٩.
(٢) في النسخ: داراً وخادماً، والمثبت هو الوجه.
(٣) ينظر الاستذكار ٢١٤/٩ و٢١٦ - ٢١٧، والتمهيد ٩٩/٤ و١٠١، وقول مالك في المدونة ٢٩٥/١.
(٤) سلف ٣٦٨/٤ . وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٠١/٤ بعد أن ذكر هذا الحديث: والغني من له مئتا
درهم.
(٥) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٣/١، والمغيرة هو ابن عبد الرحمن المخزومي.
(٦) التمهيد ١٠١/٤ و ١٠٣.
(٧) في سننه (٢٠٠١).

٢٥٢
سورة التوبة: الآية ٦٠
عبد الله، عن النبيِّ# نحوه، وقال: خمسون درهماً. وحكيم بن جبير ضعيف تركه
شعبة وغيره. قاله الدَّارَقُظنِيُّ رحمه الله(١). وقال أبو عمر(٢): هذا الحديث يدور على
حكيم بن جبير، وهو متروك.
وعن عليٍّ وعبد الله قالا: لا تحلُّ الصدقةُ لمن له خمسون درهماً، أو قيمتُها من
الذهب. ذكره الدَّارَ قُطْني(٣).
وقال الحسن البصريُّ: لا يأخذ مَن له أربعون درهماً(٤). ورواه الواقديُّ عن
مالك(٥). وحجة هذا القول ما رواه الدَّارَقُظْنيُّ عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت
النبيَّ # يقول: مَن سألَ الناسَ وهو غنيٌّ، جاء يومَ القيامة وفي وجهه ◌ُدوحٌ
وخُدوش)). فقيل: يا رسول الله، وما عَناؤه؟ قال: ((أربعون درهماً))(٦).
وفي حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن رجل من بني
أسد، فقال النبيُّ ﴾: ((مَن سألَ منكم وله أوقيَّةٌ أو عَذْلُها، فقد سأل إلحافاً)).
والأوقيَّة أربعون درهماً(٧).
والمشهور عن مالك ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يُعطَى من الزكاة مَن له
أربعون درهماً؟ قال: نعم.
(١) سنن الدار قطني (٢٠٠٣)، ومن طريق حكيم بن جبير أخرجه أيضاً أحمد (٣٦٧٥)، وأبو داود (١٦٢٦)،
والترمذي (٦٥٠) و(٦٥١)، والنسائي ٩٧/٥، وابن ماجه (١٨٤٠)، وللحديث شواهد یتقوى بها، وقد
حسَّنه الترمذي، وينظر التعليق عليه في مسند أحمد بالرقم المذكور.
(٢) في التمهيد ٤/ ١٠٢ .
(٣) في سننه (٢٠٠٥).
(٤) التمهيد ١٠٠/٤ .
(٥) التمهيد ٩٨/٤ .
(٦) سنن الدارقطني (٢٠٠٢) من طريق أبي إسحاق (وهو السبيعي)، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد،
عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود به. قال الدار قطني: وهمّ قوله: عن أبي إسحاق، وإنما هو حكيم بن
جبير. و گدوح، أي: خدوش، وقیل: الكدح أکبر من الخدش. اللسان (کدح).
(٧) الموطأ ٩٩٩/٢، وأخرجه أيضاً أبو داود (١٦٢٧). وصححه ابن عبد البر في التمهيد ٩٣/٤ - ٩٤.

٢٥٣
سورة التوبة: الآية ٦٠
قال أبو عمر (١): يحتمل أن يكون الأوّل قوِيًّا على الاكتساب حسن التصرف،
والثاني ضعيفاً عن الاكتساب، أو مَن له عيال. والله أعلم.
وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: مَن كان قوِيًّا على الكسب والتحرُّف، مع قوّة البدن
وحُسن التصرف حتى يُغْنيَه ذلك عن الناس، فالصدقةُ عليه حرام. واحتجَّ بحديث
النبيِّ﴾: ((لا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةِ سَوِيّ). رواه عبد الله بن عمرو.
أخرجه أبو داود والترمذيُّ والدارَقُظْنيّ(٢).
وروى جابر قال: جاءت رسولَ اللهِ ﴾ صدقةٌ، فركبه الناس، فقال: ((إنَّها لا
تَضْلُحُ لغنيٌّ، ولا لصَحِيحٍ ولا لعامل)) أخرجه الدار قطنيّ(٣).
وروى أبو داود(٤) عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما
أتيا النبيَّ:﴿ في حجَّة الوداع وهو يَقسم الصدقةَ، فسألاه منها، فرفَع فينا النظرَ
وخَفَضَه، فرآنًا جَلْدَين، فقال: ((إن شئتما أَعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيٌّ ولا لقويِّ
مُکتَسِب)).
ولأنه قد صار غنيًّا بكَسْبِه كغِنَى غيره بماله، فصار كلُّ واحدٍ منهما غنيًّا عن
المسألة. وقاله ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد، وحكاه عن المذهب. وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛
فإن النبيَّ # كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزَّمِن باطل.
قال أبو عيسى الترمذيُّ في ((جامعه)): إذا كان الرجل قويًّا محتاجاً ولم يكن عنده
(١) التمهيد ٩٨/٤، وما قبله منه.
(٢) سنن أبي داود (١٦٣٤)، وسنن الترمذي (٦٥٢)، وسنن الدارقطني (١٩٩٢)، وهو عند أحمد (٦٥٣٠).
قال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه أحمد (٨٩٠٨)، والنسائي ٩٩/٥، وابن ماجه (١٨٣٩) من حديث أبي هريرة﴾. وينظر بقية
شواهده في حاشية المسند عند الحديث (٦٥٣٠). المرة: القوة والشدة. والسوي: الصحيح الأعضاء.
النهاية (مرر).
(٣) برقم (١٩٩٣).
(٤) في سننه (١٦٣٣)، وهو عند أحمد (١٧٩٧٢)، والنسائي ٩٩/٥ .

٢٥٤
سورة التوبة: الآية ٦٠
شيءٌ، فتُصُدِّق عليه، أَجزأ عن المتصدِّق عند أهل العلم. ووجهُ الحديث عند بعض
أهل العلم على المسألة(١). وقال الكِيَا الطبريُّ(٢): والظاهر يقتضي جواز ذلك؛ لأنه
فقير مع قوته وصحةٍ بدنه. وبه قال أبو حنيفةً وأصحابُه.
وقال عبيد الله بن الحسن: مَن لا يكون له ما يكفيه ويُقِيمُه سَنةً فإنه يعطى الزكاة.
وحجَّته ما رواه ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمر بن الخطاب:
أنَّ رسول الله # كان يدَّخر مما أفاء الله عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في
الكُراع والسلاح مع قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيَلَا فَأَغْفَ﴾ [الضحى: ٨](٣).
وقال بعض أهل العلم: لكلِّ واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لابدَّ له منه.
وقال قوم: مَن عنده عشاءُ ليلة فهو غنيّ، وروي عن عليّ. واحتجوا بحديث عليّ
عن النبيِّ # أنه قال: ((مَن سأل مسألةً عن ظَهر غِنَّى؛ استكثر بها من رَضْف جهنّم))
قالوا: يا رسول الله، وما ظهر الغِنى؟ قال: ((عَشاء ليلة)). أخرجه الدَّارَ قُظني وقال:
في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك(٤).
وأخرجه أبو داود عن سهل بن الحَنْظَلية، عن النبيِّ ﴾، وفيه: ((مَن سأل وعنده ما
يُغنيه؛ فإنما يستكثر من النار)). وقال النُّفَيْلي في موضع آخر: ((من جمر جهنم))،
فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ وقال النُّفَيْلي في موضع آخر: وما الغنى الذي لا
تنبغي معه المسألة؟ قال: ((قَدْرَ ما يغدِّيه ويعشِّيه)). وقال النُّفيلي في موضع آخر: ((أن
يكون له شبعُ يوم وليلة، أو ليلةٍ ويوم))(٥).
(١) سنن الترمذي، إثر الحديث (٦٥٢)، وقد سلف قريباً.
(٢) في أحكام القرآن ٢٠٩/٣ .
(٣) التمهيد ١٠٣/٤ - ١٠٤، والحديث أخرجه أحمد (١٧١)، والبخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧).
(٤) سنن الدارقطني (١٩٩٩) وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل ٢/ ٥٠٣ . وهو في مسند أحمد من زوائد
ابنه عبد الله (١٢٥٣)، والضعفاء للعقيلي ٢٢٤/١، والكامل لابن عدي ١٧٧٦/٥ عن طريق الحسن بن
ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي به. قال أحمد: الحسن بن ذكوان لم
يسمع من حبيب، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي. ميزان الاعتدال ١/ ٤٩٠ .
(٥) سنن أبي داود (١٦٢٩)، وهو قطعة من حديث سهل، وأخرجه أحمد (١٧٦٢٥). والنفيلي هو =

٢٥٥
سورة التوبة: الآية ٦٠
قلت: فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ. ومُظْلَق لفظ الفقراء لا
يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن
الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فتُردُّ في فقرائهم(١).
وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب(٢).
وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذِمِّيَّاً مكفوفاً مطروحاً على باب
المدينة، فقال له عمر: ما لَك؟ قال: اسْتَكْرَوني في هذه الجزية، حتى إذا كُفَّ بصري
تركوني، وليس لي أحدٌ يعود عَلَيَّ بشيء. فقال عمر: ما أُنصِفتَ إذاً. فأمر له بقُوته
وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾
الآية. وهم زَمْنَى أهل الكتاب(٣).
ولمَّا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية، وقابل الجملةَ بالجملة، وهي
جملةُ الصدقة بجملة المصرف [لها]، بَيَّن النبيُّ# ذلك، فقال لمعاذ حين أرسله إلى
اليمن: ((أَخْبِرْهم أنَّ الله افترَضَ عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم)).
فاختصَّ أهلَ كلِّ بلدٍ بزکاةٍ بلده(٤).
وروى أبو داود(٥) أن زياداً أو بعضَ الأمراء بعث عمران بن حُصين على
= أبو جعفر عبد الله بن محمد، وهو شيخ أبي داود الذي روى عنه هذا الحديث. وفي الباب عن أبي
هريرة عند أحمد (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤١).
(١) ينظر ما سلف ٣٦٨/٤ .
(٢) سلف ص ٢٥٠ من هذا الجزء.
(٣) أخرجه بتمامه ابن أبي حاتم ١٨١٧/٦ (١٠٣٥٠)، وأخرجه دون قول عمر الأخير في تفسير الآية أبو
يوسف في الخراج ص١٢٦ . وأخرج تفسير عمر للآية ابنُ أبي شيبة ١٧٨/٣ ، وسعيد بن منصور في
سننه (١٠٢٤ - تفسير) من طريق عمر بن نافع، عن أبي بكر العبسي، به. ولفظه في رواية سعيد: الفقراء
زَمْنَى أهل الكتاب. عمر بن نافع: هو الثقفي الكوفي، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التهذيب. وأبو
بكر العبسي ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال: هو في حكم المجهول. وتنظر رواية ابن
زنجويه في الأموال (١٦٥).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث سلف ٣٦٩/٤.
(٥) في سنته (١٦٢٥)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٨١١).

٢٥٦
سورة التوبة: الآية ٦٠
الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني! أخذناها من
حيثُ كنا نأخذها على عهد رسول الله ﴾، ووضعناها حيثُ كنا نضعُها على عهد
رسول الله ﴾.
وروى الدارَقُطْنيُّ والترمذيُّ عن عَوْن بن أبي جُحيفة، [عن أبيه] قال: قدم علينا
مُصَدِّق النبيِّ ﴾، فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، وكنت غلاماً يتيماً،
فأعطاني منها قَلُوصاً(١). قال الترمذيُّ: وفي الباب عن ابن عباس. حديثُ أبي
جحيفة(٢) حديث حسن.
السادسة: وقد اختلفت العثماءُ في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال: لا
تنقل؛ قاله سُخنون وابن القاسم، وهو الصحيح لما ذكرناه. قال ابن القاسم أيضاً:
وإن نُقل بعضها لضرورة رأيتُه صواباً (٣). ورُوي عن سُخنون أنه قال: ولو بلغ الإمامَ
أنَّ ببعض البلاد حاجةً شديدةً، جاز له نقلُ بعض الصدقة المستَحَقَّةِ لغيره إليه (٤)؛ فإنَّ
الحاجةَ إذا نزلت، وجب تقديمها على مَن ليس بمحتاج، والمسلم أخو المسلم لا
يُسْلِمِه ولا يَظْلمه(٥).
والقول الثاني: تُنقل؛ وقاله مالك أيضاً(٦). وحجةُ هذا القول ما رُوي أن معاذاً
قال لأهل اليمن: ايتوني بخَمِيسٍ أو لَبِيسٍ آخذُه منكم مكانَ الذَّرةِ والشعير في
(١) سنن الدارقطني (٢٠٦١)، وسنن الترمذي (٦٤٩) وما سلف بين حاصرتين منهما. القَلُوص: الناقة
الشابة. النهاية (قلص).
(٢) في النسخ: حديث ابن أبي جحيفة، والمثبت من سنن الترمذي.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٣/٢ - ٩٦٤ .
(٤) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٤/٢، ويشير بقوله: المسلم أخو المسلم ... ، إلى حديث ابن عمر
رضي الله عنهما، أخرجه أحمد (٥٦٤٦)، والبخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٤ .

٢٥٧
سورة التوبة: الآية ٦٠
الصدقة، فإنه أَيسرُ عليكم، وأنفعُ للمهاجرين بالمدينة. أخرجه الدَّارَ قُظْنيُّ(١) وغيره.
والخميس لفظٌ مشترك، وهو هنا الثوبُ طولُه خمس أذرع. ويقال: سُمِّيَ بذلك، لأنَّ
أول مَن عَمِله الخِمْسُ؛ مَلِكٌ من ملوك اليمن. ذكره ابن فارس في المُجْمَل والجوهريُّ
أيضاً (٢).
وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما: ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى
المدينة؛ فيتولَّى النبيُّ﴾ قسمتها. ويَعْضُد هذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْغُقَرَآءِ﴾
ولم يفصِّل بين فقيرٍ بلدٍ وفقيرٍ آخَرَ. والله أعلم.
الثاني: أخذُ القيمة في الزكاة. وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القِيَمِ في
الزكاة، فأجاز ذلك مرَّةٌ ومَنَع منه أخرى (٣). فوجهُ الجواز - وهو قول أبي حنيفة (٤) -
هذا الحديث. وثبت في صحيح البخارِيٍّ من حديث أنس عن النبيِّ﴾: ((مَن بلغتْ
عنده [من الإبل] صدقةُ الجَذَعة، وليست عنده [جَذَعةٌ] وعنده حِقَّة، فإنه تؤخذ منه وما
استيسرتا من شاتين، أو عشرين درهماً)). الحديث(٥).
وقال ﴿: ((أغْنُوهم عن سؤال هذا اليوم))(٦) يعني يوم الفِظْر. وإنما أراد أن يُغْنَوْا
بما يَسدُّ حاجتهم، فأيُّ شيء سدَّ حاجتهم (٧) جاز. وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ
(١) في سننه (١٩٣٠) من طريق طاوس عن معاذ، قال الدارقطني: هذا مرسل؛ طاوس لم يدرك معاذاً. اهـ
وعلق البخاري نحوه قبل الحديث (١٤٤٨) وفيه: خميص، بدل: خميس. قال ابن الأثير في النهاية
(خمس): قيل: إن صحت الرواية فيكون مذكَّرَ خميصة، وهي كساء صغير، فاستعارها للثوب.
(٢) المجمل ٣٠٢/١ - ٣٠٣، والصحاح (خمس).
(٣) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٤٣٨/١ .
(٤) مختصر اختلاف العلماء ٤٣٨/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٤٥/٢ .
(٥) صحيح البخاري (١٤٥٣)، وما سلف بين حاصرتين منه، وفيه: (( ... وعنده حقة، فإنها تُقبل منه الحقة،
ويَجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً ... ))، والحديث أخرجه أحمد مطولاً (٧٢).
(٦) سلف ٣٦٨/٤.
(٧) في (ظ): الحاجة.

٢٥٨
سورة التوبة: الآية ٦٠
صَدَقَّةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولم يَخُصَّ شيئاً من شيء.
ولا يُدفع عند أبي حنيفة سُكْنَى دارٍ بَدَلَ الزكاة، مثل أن يجب عليه خمسةُ دراهم،
فَأَسْكّن فيها فقيراً شهراً، فإنه لا يجوز. قال: لأنَّ السكنى ليس بمال.
ووجه قوله: لا تجزي القِيَم - وهو ظاهِرُ المذهب - فلأن النبيَّ# قال: ((في
خَمْسٍ من الإبل شاةٌ ... وفي أربعين شاةً شاةً) (١) فنصَّ على الشاة، فإذا لم يأتِ بها لم
يأتِ بمأمور به، وإذا لم يأت بالمأمور به فالأمرُ باقٍ عليه.
القول الثالث: وهو أنَّ سهم الفقراء والمساكين يُقْسَم في الموضع، وسائر السهام
تنقَلُ باجتهادِ الإمام. والقولُ الأوّل أصح(٢). والله أعلم.
السابعة: وهل المعتبَرُ مكانُ المال وقتَ تمام الحول فتُفرَّق الصدقة فيه، أو مكانُ
المالك إذ هو المخاطب؟ قولان(٣). واختار الثاني أبو عبد الله محمد بن خُوَيْزِمَنْدَاد
في أحكامه قال: لأنَّ الإنسان هو المخاطبُ بإخراجها، فصار المال تبعاً له، فيجب
أن يكونَ الحُكم فيه بحيث المخاطَب، كابن السبيل فإنه يكون غنِيًّا في بلده فقيراً في
بلد آخر؛ فیکون الحکم له حیث هو.
مسألة: واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيراً مسلماً، فانكشف في ثاني
حالٍ أنه أعطى عبداً أو كافراً أو غنيًّا، فقال مرة: تجزيه، ومرَّة: لا تجزيه (٤).
وجه الجواز - وهو الأصح - ما رواه مسلم(٥) عن أبي هريرة، عن النبيِّ # قال:
((قال رجلٌ: لأَتصدَّقنَّ الليلةَ بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبحوا
(١) أخرجه أبو داود (١٥٦٨)، والترمذي (٦٢١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال الترمذي:
حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٤ .
(٣) عقد الجواهر الثمينة ٣٥١/١ .
(٤) الكافي ٣٢٨/١ - ٣٢٩.
(٥) في صحيحه (١٠٢٢)، وسلف ٣٦٩/٤.

٢٥٩
سورة التوبة: الآية ٦٠
يتحدَّثون: تُصُدِّق الليلةَ على زانيةٍ. قال: اللَّهُمَّ لك الحمدُ على زانية. لأَتصدَّقنّ
بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غنيٌّ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على غنيٍّ،
قال: اللّهُم لك الحمد على غنيٌّ. لأَتصدَّقنَّ بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد
سارق، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللّهُم لك الحمد على زانية
وعلى غنيّ وعلى سارق، فأُتِي فقيل له: أمَّا صدقتُك فقد قُبلت؛ أما الزانية فلعلَّها
تستعِفُّ بها عن زِنَاها، ولعلَّ الغنِيَّ يَعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعِفُّ
بها عن سرقته)».
وروي أن رجلاً أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه، فلما أصبح علم بذلك، فسأل
النبيَّ # فقال له: ((قد كُتب لك أجرُ زكاتك وأجرُ صلةِ الرحم؛ فلك أجران))(١).
ومن جهةِ المعنى أنه سوَّعْ له الاجتهادَ في المعطى، فإذا اجتهد وأَعطى مَن يظنُّه
من أهلها، فقد أتى بالواجب علیه.
ووجه قوله: لا يَجْزِي. أنه لم يضعها في مستحِقٌّها؛ فأَشْبهَ العمد، ولأنَّ العمدَ
والخطأ في ضمان الأموال واحدٌ، فوجب أن يَضْمَنَ ما أَتلف على المساكين حتى
يُوصِلہ إلیھم.
الثامنة: فإن أخرج الزكاةَ عند محلّها فهلكت من غير تفريط، لم يضمن؛ لأنَّه
وكيلٌ للفقراء. فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت؛ ضَمِن؛ لتأخيرها عن محِلِّها،
فتعلَّقت بذمته، فلذلك ضَمِن(٢). والله أعلم.
التاسعة: وإذا كان الإمامُ يعدل في الأخذ والصرف، لم يَسغ للمالك أن يتولَّى
الصرفَ بنفسه في الناضِ(٣) ولا في غيره. وقد قيل: إنَّ زكاة الناضٌ إلى(٤) أربابه.
(١) لم نقف عليه.
(٢) الكافي ٣٠٢/١ - ٣٠٣ .
(٣) الناض: الدنانير والدراهم عند أهل الحجاز، ويسمونه ناضاً: إذا تحول عيناً بعد أن كان متاعاً. الصحاح
(نضض).
(٤) في (ظ) و(م): على، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في عقد الجواهر الثمينة ٣٥١/١،
والكلام منه.

٢٦٠
سورة التوبة: الآية ٦٠
وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان الصرفُ للفقراء والمساكينِ خاصةً، فإن احتيج إلى
صرفها لغيرهما من الأصناف، فلا يفرِّق عليهم إلا الإمام. وفروعُ هذا الباب كثيرة،
هذه أمّهاتُها.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ يعني: السُّعاةَ والجُبَاةَ الذين يبعثهم
الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاريّ(١) عن أبي حُميد الساعديِّ
قال: استعمل رسولُ الله # رجلاً من الأَسْد على صدقات بني سُليم يُذْعَى ابن
اللُِّيَّة، فلمَّا جاء حاسَبَه.
واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: قال مجاهد
والشافعيُّ: هو الثُّمن.
ابن عمر ومالك: يُعطَوْن قَدْرَ عملِهم من الأجرة (٢)، وهو قول أبي حنيفة
وأصحابِهِ. قالوا: لأنه عطّل نفسه لمصلحة الفقراء؛ فكانت كفايتُه وكفايةُ أعوانه في
مالهم، كالمرأة لمَّا عطّلت نفسها لحقِّ الزوج، كانت نفقتُها ونفقةُ أتباعها من خادمٍ أو
خادمين على زوجها. ولا تقدّر بالثُّمن، بل تُعتبر الكفايةُ؛ ثُمْناً كان أو أكثر، كرزق
القاضي. ولا تُعتبر كفايةُ الأعوان في زماننا؛ لأنَّه إسراف محض.
القول الثالث: يُعطّون من بيت المال. قال ابن العربيّ(٣): وهذا قول صحيح عن
مالك بن أنس من رواية ابن أبي أُوَيس، وداود بن سعيد بن [أبي] زَنْبر(٤)، وهو
ضعيفٌ دليلاً، فإنَّ الله سبحانه قد أخبر بسهمهم فيها نصًّا، فكيف يُخلَّفون عنه
استقراءً وسَبْراً. والصحيح الاجتهادُ في قَدْر الأجرة؛ لأنَّ البيان في تعديد الأصناف
(١) في صحيحه (١٥٠٠)، وسلف مطولاً ٣٩٧/٥.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٠ .
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ٩٥٠ .
(٤) في (م) والمطبوع من أحكام القرآن: زنبوعة، والمثبت من النسخ الخطية، هو موافق لما في ترتيب
المدارك ٣٧٢/١، والإكمال ١٦٧/٤ وما بين حاصرتين منهما. وهو قرشي صحب مالكاً وروى عنه
حديثاً وفقهاً كثيراً، وكان أحد أوصیاته، وأثنى عليه ابن أبي أويس خيراً.