النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة التوبة: الآية ٣٤
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَأَكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بَلْبَاطِلِ﴾ دخلت اللام على ((يَفعل))،
ولا تدخل على ((فَعَل))؛ لمضارعة ((يَفْعل)) الأسماءَ(١). والأحبار: علماء اليهود.
والرُّهبان: مجتهدو النصارى في العبادة .
(بِالْبَاطِلِ)) قيل: إنَّهم كانوا يأخذون من أموال أتباعِهم ضرائبَ وفُروضاً باسم
الكنائس والبِيَع وغيرِ ذلك، مما يُوهِمونهم أنَّ النفقة فيه من الشرع والتزَلَّفِ إلى الله
تعالى، وهم خلالَ ذلك يَحجُبون تلك الأموالَ، کالذي ذكره سلمان الفارسيُّ عن
الراهب الذي استخرج كنزَه؛ ذكره ابن إسحاقَ في ((السير))(٢).
وقيل: كانوا يأخذون من غَلَّاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدِّين والقيامِ
بالشرع. وقيل: كانوا يَرْتَشون في الأحكام(٣)؛ كما يفعله اليومَ كثيرٌ من الولاة
والحُكّام. وقوله: ((بِالْبَاطِلِ)) یجمع ذلك كلَّه.
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾ أي: يَمنعون أهلَ دِينهم عن الدخول في دين الإسلام،
واتِّباع محمدٍ ﴾.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الكنز أصلُه في اللغة:
الضمُّ والجمع، ولا يختصُّ ذلك بالذهب والفضة؛ ألا ترى قوله عليه الصلاة
والسلام: ((ألا أُخبركم بخير ما يَكنِزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ))(٤). أي: يضمُّه لنفسه
ویجمعه. قال :
غير حَنُوطٍ(٥) ورَئِيثٍ بَنِّ(٦)
ولم تزَوَّدْ من جميعِ الكُنْزِ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢١٢/٢ .
(٢) السير والمغازي لابن إسحاق ص٨٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٧/٣.
(٤) المفهم ٢٩/٣ - ٣٠، والحديث أخرجه أبو داود (١٦٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسيأتي
ص١٨٧ من هذا الجزء بتمامه.
(٥) في (م): خيوط.
(٦) لم نقف عليه، والبزُّ: الثياب. اللسان (بزز).

١٨٢
سورة التوبة: الآية ٣٤
وقال آخر :
قِرْفَ الحَتِيِّ وعندي البُرُّ مكنوزُ(١)
لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أَطعمتُ جائعَهم
قِرْف الحَتِيِّ: هو سَوِيقِ المُقْل. يقول: إنه نزَل بقوم، فكان قِرَاه عندهم سَويق
المُقْل، وهو الحَتِيُّ، فلما نزلوا به قال هو: لا دَرَّ دَرِّي .. البيت(٢).
وخصَّ الذهب والفضة بالذِّكر؛ لأنه مما لا يُطَلَع عليه، بخلاف سائر الأموال.
قال الطبريُّ(٣): الكنز كلُّ شيء مجموعٌ بعضهُ إلى بعض، في بطن الأرض كان
أو على ظهرها.
وسُمِّي الذهب ذهباً لأنه يذهب، والفضةُ لأنها تَنفضُّ فِتتفرَّق(٤)، ومنه قوله
تعالى: ﴿أَنْفَضُّواْ إِلَيَّهَا﴾ [الجمعة: ١١]، ﴿لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقد مضى
هذا المعنى في ((آل عمران)».
الثالثة: واختلفت الصحابة مَن(٥) المرادُ بهذه الآية؛ فذهب معاوية إلى أنَّ المرادَ
بها أهلُ الكتاب، وإليه ذهب الأَصَمُّ(٦)؛ لأنَّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ﴾ مذكورٌ بعد
قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِلْبَطِلِ﴾.
وقال أبو ذرِّ وغيره: المراد بها أهلُ الكتاب وغيرُهم من المسلمين. وهو
(١) قائله المتنخل الهذلي، والبيت في شرح أشعار الهذليين ١٢٦٣/٣، والكتاب ٨٩/٢. برواية: إن
أطعمت نازلكم.
(٢) ينظر شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/ ٥٥١ . والمُقْل: ثمر شجر الدَّوْم. القاموس (مقل). والدَّوم: شجرٌ
عِظامٌ من الفصيلة النخيلية، وثمرته في غلظ التفاحة ذات قشر صلب أحمر، وله نواة ضخمة. المعجم
الوسيط. (دوم). وقِرْفُه: قِشْره، يريد اللحمة التي على عَجَمِه. تحصيل عين الذهب ص٢٧٥ .
(٣) في التفسير ٤٣٣/١١.
(٤) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٥٢/١٠ ونسبه لنفطويه.
(٥) في (م): في.
(٦) قوله في أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٦/٣. والأصم هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف
الأموي مولاهم، السِّناني المعْقِلي النيسابوري المحدث، حدَّث بكتاب الأم للشافعي عن الربيع، توفي
سنة (٣٤٦ هـ). السير ٤٥٢/١٥.

١٨٣
سورة التوبة: الآية ٣٤
الصحيح؛ لأنه لو أراد أهلَ الكتاب خاصةً لقال: ويكنِزون، بغير: ((والذِينَ)) فلما
قال: ((والذين)) فقد استأنف معنىّ آخرَ يبيِّنُ أنَّه عطفَ جملةً على جملة (١). فالذين
يكنزون كلامٌ مستأنفٌ، وهو رفعٌ على الابتداء.
قال السُّدِّيّ: عَنَى أهلَ القِبْلة(٢).
فهذه ثلاثةُ أقوال. وعلى قولَي(٣) الصحابة فيه دليلٌ على أنَّ الكفار عندهم
مخاطبون بفروع الشريعة (٤).
روى البخاري(٥) عن زيد بن وَهْب قال: مررتُ بالرََّذَة، فإذا أنا بأبي ذَرِّ، فقلت
له: ما أنزلك مَنزِلَك هذا؟ قال: كنت بالشَّام، فاختلفتُ أنا ومعاويةُ في: ﴿وَلَّذِينَ
يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال معاويةُ: نزلَتْ في أهل
الكتاب. فقلتُ: نزلَتْ فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إلى عثمانَ
يشكوني، فكتب إليَّ عثمانُ: أنِ اقْدَم المدينةَ، فقَدِمتُها، فكَثُر عليَّ الناسُ حتى كأنَّهم
لم يَرَوْني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمانَ فقال لي: إنْ شئتَ تنكَّيتَ فكنتَ قريباً،
فذاك الذي أنزلَني هذا المنزلَ، ولو أَمَّروا عليَّ حَبَشيًّا لسَمعتُ وأَطَعْت.
الرابعة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: تضمَّنت هذه الآية زكاةً العين، وهي تجب بأربعة
شروط: حرية، وإسلام، وحَوْل، ونِصاب سليم من الدَّيْن.
والنصاب مئتا درهم، أو عشرون ديناراً. أو يُكمَّل نصابُ أحدهما من الآخر،
وأُخرج ربعُ العُشْر من هذا وربعُ العُشْر من هذا.
وإنما قلنا: إنَّ الحرية شرط؛ فلِأنَّ العبد ناقصُ الملك.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢٠ ، وسيأتي خبر معاوية وأبي ذر.
(٢) أخرجه الطبري ٤٢٦/١١ .
(٣) في (د) و(م): قول.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩١٨/٢ .
(٥) في صحيحه (١٤٠٦).

١٨٤
سورة التوبة: الآية ٣٤
وإنما قلنا: إنَّ الإسلام شرط؛ فلأنَّ الزكاة طُهرَةٌ، والكافرُ لا تَلْحَقُه ◌ُهرةٌ، ولأنَّ
الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فخُوطِب بالزكاةَ مَن خُوطِب
بالصلاة.
وإنما قلنا: إنَّ الحَوْلَ شرط؛ فلأنَّ النبيَّ لَ﴾ قال: ((ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يَحُولَ
عليه الحَوْلَ))(١).
وإنما قلنا: إنَّ النصاب شرط؛ فلأنَّ النبيَّ:﴿ قال: ((ليس في أَقلَّ من مئتي درهم
زكاةٌ وليس في أقلَّ من عشرينَ ديناراً زكاةٌ»(٢). ولا يُراعَى كمالُ النصاب في أوَّل
الحَوْل، وإنما يُراعى عند آخر الحول؛ لاتِّفاقهم أنَّ الربح في حكم الأصل(٣)، يدل
على هذا أنَّ مَن كانت معه مئتا درهم، فَتَجَر فيها، فصارت آخر الحَول ألفاً، أنه يؤدِّي
زكاةَ الألف، ولا يَستأنفُ للربح حولاً. فإذا كان كذلك، لم يختلف حكمُ الربح، كان
صادراً عن نصابٍ أو دونه.
وكذلك اتفقوا أنَّه لو كان له أربعونَ من الغنم. فتوالَدتْ له رأسَ الحَول، ثم ماتت
الأمَّهات إلا واحدةً منها، وكانت السِّخَالُ تتمةَ النصاب، فإنَّ الزكاة تُخرَج عنها.
الخامسة: واختلف العلماء في المال الذي أُدِّيَتْ زكاتُه؛ هل يسمى كنزاً أَمْ لا؟
فقال قوم: نعم. ورواه أبو الضُّحى، عن جَعْدةَ بن هُبَيْرةَ، عن علي ﴾، قال عليٍّ:
أربعةُ آلافٍ فما دونها نفقةٌ، وما كَثُر فهو كنزٌ (٤). وإن أدَّيتَ زكاته. ولا يصح.
وقال قوم: ما أدّيت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز، قال ابن عمر: ما أُدِّيّ
(١) أخرجه أحمد (١٢٦٥)، وأبو داود (١٥٧٣) من حديث علي ﴾. وينظر المعونة ٣٦٠/١ - ٣٦٤ و٣٧٥ .
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٢) و(١٥٧٣) من حديث علي ﴾، وينظر نصب الراية ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦،
والتلخيص الحبير ١٧٣/٢ .
(٣) ينظر المعونة ٣٦٦/١.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧١٥٠)، والطبري ٤٢٧/١١. قال ابن العربي في أحكام القرآن ٩١٩/٢ : وليس
بشيء يُذکر لبطلانه.

١٨٥
سورة التوبة: الآية ٣٤
زكاتُه فليس بكنز؛ وإنْ كان تحت سبع أَرَضينَ، وكلُّ ما لم تؤدَّ زكاتُه فهو كنزٌ وإنْ كان
فوق الأرض(١). ومثلُه عن جابر(٢) وهو الصحيح.
وروى البخاريُّ(٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن آتاه الله مالاً،
فلَمْ يُؤَدِّ زكاته، مُثِّلَ له [مالُه] يومَ القيامةِ شُجاعاً أقْرَعَ له زَبيبتان، يُطَوَّقُه يومَ القيامة،
ثم يأخذ بلِهْزِمَتَّيْه - يعني شِدْقَيْه - ثم يقول: أنا مالُك، أنا كَنُزك)) ثم تلا: ﴿وَلَا يَحَْبَّ
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية.
وفيه أيضاً عن أبي ذرِّ قال: انتهيتُ إليه - يعني النبيَّ : # - قال: ((والذي نَفْسي بيدِه
- أو: والذي لا إله غيرُه، أو كما حلَفَ ـ ما مِن رجل تكون له إِلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا
يؤدِّي حقَّها، إلَّا أُتِيَ بها يومَ القيامة أعظمَ ما تكونُ وأَسْمَنَه، تَطَؤَه بأخفافِها، وتَنطحه
بِقُرُونها، كلَّما جازَتْ أُخْراها رُدَّت عليه أُوْلاها، حتى يُقْضَى بين الناس))(٤). فدلَّ
دلیلُ خطابٍ هذین الحدیثین علی صحة ما ذگرنا.
وقد بيَّن ابن عمر في صحيح البخاري(٥) هذا المعنى؛ قال له أعرابيّ: أخبِرْني
عن قول الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ قال ابن عمر: مَن كَنَّزها
فلم يُؤدِّ زكاتَها فَويْلٌ له، إنَّما كان هذا قبلَ أن تُنزَلَ الزكاةُ، فلما أُنزلَتْ، جعلها الله
طُهْراً للأموال.
وقيل: الكنز ما فَضَل عن الحاجة. رُويَ عن أبي ذرِّ(٦)، وهو مما نُقِل من مذهبه،
وهو من شدائده، ومما انفرَدَ به
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧١٤١)، والطبري ٤٢٥/١١ - ٤٢٦، وأخرجه بنحوه مالك في الموطأ ٢٥٦/١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧١٤٥).
(٣) في صحيحه (١٤٠٣)، وهو عند أحمد (٨٦٦١). وما سيأتي بين حاصرتين منهما، وقد سلف ٤٣٨/٥.
(٤) صحيح البخاري (١٤٦٠)، وهو عند أحمد (٢١٤٠١)، ومسلم (٩٩٠).
(٥) برقم (١٤٠٤).
(٦) المفهم ٣٤/٣، ورواية أبي ذرّ في مسند أحمد (٢١٣٨٤)، وصحيح البخاري (١٤٠٧) و(١٤٠٨)،
وصحيح مسلم (٩٩٢).

١٨٦
سورة التوبة: الآية ٣٤
قلت: ويَحتمل أن يكون مُجملُ ما رُويَ عن أبي ذرِّ في هذا، ما رُوي أنَّ الآية
نزلت في وقت شدة الحاجة وضَعْف المهاجرين، وقصور (١) يد رسول الله # عن
كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يَسَعُهم(٢)، وكانت السِّنونَ الجوائحُ(٣) هاجمةً
عليهم، فنُهُوا عن إمساك شيء من المال إلا على قَدْر الحاجة، ولا يجوز ادِّخار
الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت، فلما فتَح الله على المسلمين ووسَّع عليهم،
أُوْجبَ عليهم ﴾ في مئتي درهم خمسةَ دراهمَ، وفي عشرين ديناراً نصفَ دينار، ولم
يُوجب الكُلَّ، واعتبرَ مدَّةَ الاستنماء(٤)، فكان ذلك منه بياناً ﴾.
وقيل: الكنز ما لم تُؤْدَّ منه الحقوق العارِضة، كفَكِّ الأسير، وإطعامِ الجائع،
وغير ذلك(٥).
وقيل: الكنز لغةً: المجموعُ من النَّقْدين، وغيرُهما من المال محمولٌ عليهما
بالقياس. وقيل: المجموعُ منهما ما لم يكن حُلِيًّا؛ لأنَّ الحُلِيَّ مأذونٌ في اتِّخاذه ولا
حَقَّ فيه. والصحيح ما بدأنا بذِكْره، وأنَّ ذلك كلَّه يسمَّى كنزاً لغةً وشرعاً. والله أعلم.
السادسة: واختلف العلماء في زكاة الحُلِيِّ؛ فذهب مالك وأصحابُه وأحمد
وإسحاق وأبو ثَور وأبو عبيد إلى أنْ لا زكاةَ فيه. وهو قول الشافعيِّ بالعراق، ووقف
فيه بعد ذلك بمصر وقال: أستَخِيْر الله فيه. وقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابه
والأوزاعيُّ: في ذلك كلِّه الزكاءُ(٦).
احتجَّ الأوَّلون فقالوا: قَصْد النَّماء يوجِب الزكاةَ في العُروض، وهي ليست
(١) في (د) و(ظ) و(م): وقصر، والمثبت موافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٨/٣، والكلام
منه.
(٢) في (خ) و(د): يشبعهم.
(٣) في (خ) و(ظ): الجوامح.
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٨/٣، والحديث أخرجه أبو داود (١٥٧٣).
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩٢١/٢ . وقال ابن العربي: الحقوق العارضة كالحقوق الأصلية.
(٦) التمهيد ١٤٧/٢٠.

١٨٧
سورة التوبة: الآية ٣٤
بمَحَلِّ لإيجاب الزكاة، كذلك [قَصْدُ] قَطْع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حُلِيًّا
للقِنْية يُسقط الزكاة.
احتجَّ أبو حنيفةَ بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النَّقْدين، ولم يفرِّق بين حُلِيٍّ
وغيره(١).
وفرَّق الليث بن سعد؛ فأوجب الزكاةَ فيما صُنع حُلِيًّا لِيُفَرَّ به من الزكاة، وأَسقطها
فيما كان منه يُلبَس ويُعار(٢). وفي المذهب في الحُلِيِّ تفصيلٌ؛ بيانه في كتب الفروع.
السابعة: رَوَى أبو داود عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أُفرِّج
عنكم، فانطلق فقال: يا نبيَّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية. فقال: ((إنَّ الله لم
يَفْرِض الزكاةَ إلا ليُطيِّب ما بقيَ مِن أموالِكم، وإنَّما فَرَض المواريثَ - وذكرَ كلمةً -
لِتكونَ لمن بعدَكم)) قال: فكبّر عمر. ثم قال له رسول الله ﴾: «ألا أخبرك بخيرٍ ما
يَكنِزِ المرءُ؟ المرأةُ الصالحة، إذا نظرَ إليها سَرَّتْه، وإذا أمَرها أطاعَتْه، وإذا غاب عنها
حفِظَتْه))(٣).
ورَوَى الترمذيُّ وغيره عن ثَوْبانَ، أنَّ أصحاب رسول اللـه ﴿ قالوا: قد ذمَّ الله
سبحانه الذهبَ والفضةَ، فلو علِمنا أيُّ المال خيرٌ حتى نكتسبَه. فقال عمرُ: أنا أسأل
لكم رسولَ الله ﴿، فسألَه فقال: ((لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ تُعِينُ المرءَ على
دینه)). قال: حدیث حسن(٤).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٩١٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) التمهيد ٢٠/ ١٤٧ .
(٣) سنن أبي داود (١٦٦٤)، وأخرجه أيضاً الحاكم ٤٠٨/١ - ٤٠٩ ٣٣٣/٢ والبيهقي ٨٣/٤، وسلفت
قطعة منه ص ١٨١ من هذا الجزء. قال البيهقي: قصَّر به بعض الرواة فلم يذكر في إسناده عثمان أبا
اليقظان. قلنا: وأبو اليقظان لم يرد في رواية أبي داود والحاكم الأولى. وقال الحافظ في التقريب:
عثمان أبو اليقظان ضعيف، واختلط وكان يدلس.
(٤) سنن الترمذي (٣٠٩٤)، وهو عند أحمد (٢٢٣٩٢) واللفظ لابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨/٢.

١٨٨
سورة التوبة: الآية ٣٤
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: ينفقونهما، ففيه(١)
أجوبة ستة :
الأول: قال ابن الأنباري(٢) قصَد الأغلب والأعمَّ، وهي الفضة، ومثلُه قوله:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ﴾ [البقرة: ٤٥] ردَّ الكناية إلى الصلاة؛ لأنها أعمُّ.
ومثله ﴿وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَوْا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فأعاد الهاء إلى التجارة؛
لأنها الأهم، وترَك اللهو. قاله كثيرٌ من المفسرين(٣). وأبَاه بعضهم وقال(٤): لا
يُشْبهها؛ لأنَّ ((أو)) قد فَصَلت التجارة من اللهو، فَحسُن عَوْدُ الضمير على أحدهما.
الثاني: العكس، وهو أنْ يكونَ ((ينفقونها)) للذهب، والثاني معطوفاً عليه.
والذهب تؤنّته العرب؛ تقول: هي الذهب الحمراء، وقد تُذكَّر، والتأنيث أشهر(٥).
الثالث: أنْ يكونَ الضميرُ للكنوز.
الرابع: للأموال المكنوزة.
الخامس: للزكاة؛ التقدير: ولا يُنفقون زكاةَ الأموال المكنوزة.
السادس: الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخَر إذا فُهِم المعنى، وهذا کثیرٌ
في كلام العرب، أنشد سيبويه:
نحن بما عندنا وأنتَ بما
عندكَ راضٍ والرأيُ مُختلِفُ(٦)
(١) في (ظ): فعنه.
(٢) ينظر البيان له ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٣) تفسير البغوي ٢٨٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٨/٣ .
(٤) هو ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨/٣، والكلام عن قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَوَا﴾.
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢١٢/٢، ومشكل إعراب القرآن ٣٢٨/١، والمحرر الوجيز ٢٨/٣.
(٦) الكتاب ٧٥/١، ونسبه لقيس بن الخطيم، ونسبه صاحب جمهرة أشعار العرب ١١٣/١ و٦٧٥/٢
لعمرو بن امرئ القيس، وهو ما رجحه البغدادي في الخزانة ٢٨٣/٤ ، ونسبه ابن الأنباري في
الإنصاف ٩٥/١ لدرهم بن زيد الأنصاري، وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٤، وللأخفش
٥٥٣/٢، وللزجاج ٤٤٥/٢، ومجاز القرآن ٢٥٨/١، وتفسير الطبري ٤٣٦/١١، وإعراب القرآن
للنحاس ٢١٢/٢ والمحرر الوجيز ٢٨/٣.

١٨٩
سورة التوبة: الآية ٣٤
ولم يقُل: راضون.
وقال آخر:
بريئاً ومِن أجْلِ الطّويِّ رَمَاني(١)
رَمَاني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي
ولم يقل: بریئیْن. ونحوه قول حسان بن ثابت ﴾:
إنَّ شَرْخَ الشبابِ والشَّعَرَ الأسْ وَدَ ما لَم يُعاصَ كان جُنونا (٢)
ولم يقل : يُعاصيا.
التاسعة: إن قيل: مَن لم يكنِز ولم يُنفِق في سبيل الله وأنفَق في المعاصي، هل
يكون حُكْمُه في الوعيد حُكْمَ مَن كَنَز ولم يُنْفِق في سبيل الله؟
قيل له: إنَّ ذلك أشدُّ؛ فإنَّ مَن بذَّر مالَه في المعاصي عصَى من جهتين: بالإنفاق
والتناول، كشراء الخمر وشُرْبِها. بل من جهاتٍ إذا كانت المعصيةُ مما تَتعدَّى، كمَن
أعان على ظلم مسلم؛ مِن قتله أو أخذٍ ماله إلى غير ذلك. والکانزُ عصی من جهتین،
وهما منعُ الزكاة وحَبْسُ المال لا غير. وقد لا يُراعَى حَبْس المال، والله أعلم.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قد تقدَّم معناه(٣)، وقد فسَّر
النبيُّ # هذا العذاب بقوله: ((بَشِّرِ الكَثَّازِينَ بِكَيٍّ في ظُهورِهم يَخرُجُ من جُنُوبهم،
وبِكّيٍّ من قِبَلَ أقْفَائِهِم يَخرُج من جِباهِهم)) الحديث. أخرجه مسلم؛ رواه أبو ذرِّ(٤).
في رواية: ((بَشِّرِ الكَثَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عليه في نارٍ جهنَّمَ، فَيُؤْضَع على حَلَمَة تَدْيٍ
أحدِهِم حتى يَخرُجَ من نُغْضِ كَتَفَيه، ويُوضَعُ على نُغْض كَتِفَيه حتى يَخرُجَ من حَلَمة
(١) الكتاب ٧٥/١، ونسبه لابن أحمر، وينسب أيضاً للأزرق بن طرفة بن العَمَرَّد الفَراصي كما في اللسان
(جول) وروايته فيه: ومن جُول الطويٍّ ... ، والجول: جدار البئر: والطوي: البئر، والصواب: ومن
أجل، كما في اللسان ابن برّي.
(٢) ديوان حسان ص٢٥٢، وعاصاه مثل عصاه. الصحاح (عصي). وسلف ٦٩/٢.
(٣) ٣٥٨/١.
(٤) برقم (٩٩٢): (٣٥)، وهو عند أحمد (٢١٤٧٠).

١٩٠
سورة التوبة: الآيتان ٣٤ - ٣٥
ثَذْيَيهِ يَتَزِلْزل)) الحديث(١). قال علماؤنا: فخروج الرَّضْف من حَلَمة ثَدْيِه إلی نُغْضِ
كتفه؛ لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا،
فعُوقِب في الآخرة بالهمِّ والعذاب(٢).
الحادية عشرة: قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليقُ الوعيد على مَن كَتَزّ ولا ينفق في
سبيل الله، و[لم] يتعرَّض للواجب وغيره، غيرَ أنَّ صفة الكنز لا ينبغي أن تكونَ
معتَّبَرةً؛ فإنَّ مَن لم يكنِزِ ومَنَع الإنفاقَ في سبيل الله؛ فلا بدَّ وأنْ يكونَ كذلك، إلا أنَّ
الذي يُخبَّأ تحت الأرض هو الذي يُمنَع إنفاقُه في الواجبات عُرْفاً؛ فلذلك خُصَّ
الوعيدُ به(٣). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
وَتُلُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكُِْنَ
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ ((يوم)) ظرف، والتقدير:
يعذّبون يومَ يُحْمَى(٤). ولا يصحُّ أن يكونَ على تقدير: فبشِّرهم يومَ يُحمى عليها؛ لأن
البشارة لا تکون حينئذ.
يقال: أحميتُ الحديدةَ في النار، أي: أوقدتُ عليها. ويقال: أحميتُه، ولا
يقال: أحميتُ عليه. وهاهنا قال: ((عليها))؛ لأنه جعل ((على)) مِن صلة معنى الإحماء،
ومعنى الإحماءِ الإيقادُ، أي: يوقَد عليها. ((فتكوى)) الكيّ: إلصاقُ الحارِّ من الحديد
والنار بالعضو حتی یحترقَ الجلد.
(١) هو عند البخاري (١٤٠٧)، ومسلم (٩٩٢): (٣٤). الرَّضْف: الحجارة المحمَّاة. ونُغْضُ الكتف: هو
العظم الرقيق الذي في طرف الكتف. المفهم ٣٣/٣ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢٢ .
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٩٧، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢١٢/٢.

١٩١
سورة التوبة: الآية ٣٥
والجِباه: جمعُ الجبهة، وهو مُستَوَى ما بين الحاجبِ إلى الناصية. وجبَهتُ فلاناً
بكذا، أي: استقبلتُه به وضربتُ جبهته. والجُنوب: جمع الجَنْب. والكَيُّ في الوجه
أشهرُ وأشنع، وفي الجنب والظهر آلَمُ وأوجع؛ فلذلك خصَّها بالذكر من بين سائرٍ
الأعضاء.
وقال علماء الصوفية: لمَّا طلبوا المالَ والجاه؛ شانَ اللهُ وجوهَهم، ولمَّا طوَوْا
كَشْحاً عن الفقير إذا جالسهم؛ كُوِيت جنوبُهم، ولمَّا أسندوا ظهورَهم إلى أموالهم ثقةً
بها واعتماداً عليها؛ كُوِيت ظهورُهم(١).
وقال علماء الظاهر: إنما خصَّ هذه الأعضاءَ؛ لأن الغنيَّ إذا رأى الفقيرَ زَوَى ما
بین عینیه وقبض وجهه. کما قال:
. زَوَى بين عينيه عليَّ المحاچِمُ
يَزِيدُ يغُضُّ الظَّرْفَ عنّي كأنَّما
ولا تَلْقَني إلَّا وأنفُك راغِمُ(٢)
فلا ینبسط مِن بین عینیك ما انْزَوی
وإذا سأله طَوَى كَشْحَه، وإذا زاده في السؤال وأَكْثَرَ عليه؛ ولَّاه ظهره، فرَّب اللهُ
العقوبةَ على حالِ المعصية.
الثانية: واختلفت الآثار في كيفية الگيِّ بذلك؛ ففي ((صحیح) مسلم من حديث أبي
ذرِّ ما ذكرنا مِن ذِكْر الرَّضْف(٣). وفيه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾:
((ما مِن صاحبٍ ذهبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها، إلَّا إذا كان يومُ القيامة صُفِّحت له
صفائحُ من نارٍ، فَأَحميَ عليها في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهره، كلَّما
بَرَدَت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين العباد، فیری
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٢٤/٢، ولطائف الإشارات للقشيري ٢٣/٢.
(٢) قائلهما الأعشى، وهما في ديوانه ص١٢٩. ويزيد هو ابن مسهر، يقول الشاعر: إنه لينفر مني حين
يلقاني، كأنما وضعت بين عينيه المحاجم. قاله شارح الديوان. والمحاجم جمع مِحْجّم، وهو مشرط
الحجام وقارورته. معجم متن اللغة (حجم).
(٣) ص١٨٩ من هذا الجزء.

١٩٢
سورة التوبة: الآية ٣٥
سبيلُه إمَّا إلى الجنة وإمَّا إلى النار)). الحديث(١).
وفي البخاريِّ: أنه يُمثَّل له كنزُه شجاعاً أقَرِعَ(٢). وقد تقدَّم في غير الصحيح عن
عبد الله بن مسعود أنه قال: مَن كان له مالٌ فلم يؤدِّ زكاته؛ طُوِّقَه يوم القيامة شجاعاً
أقرعَ ينْقُر رأسه(٣).
قلت: ولعلَّ هذا يكون في مواطنَ: موطن يمثَّل المالُ فيه ثعباناً، وموطن يكون
صفائح، وموطن يكون رَضْفاً. فتُغيَّر الصفات والجسميةُ واحدة؛ فالشجاع جسمٌ
والمال جسم. وهذا التمثيل حقيقة؛ بخلاف قوله: ((يؤتَى بالموت كأنه كَبْشٌ أَمْلَحُ)) (٤)
فإن تلك طريقةٌ أخرى، ولله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء. وخُصَّ الشُّجاعُ بالذكر؛
لأنه العدوُّ الثاني للخلق(٥).
والشجاع من الحيَّات: هو الحية الذَّكَر الذي يواثبِ الفارسَ والراجل، ويقوم
على ذنبه، وربما بلغ الفارسَ، ويكون في الصَّحارى. وقيل: هو الثعبان. قال
اللَّحيانيّ: يقال للحية: شجاع، وثلاثة أَشْجِعة، ثم شجعان. والأقرع من الحيات:
الذي تَمعَّط رأسُه وابيضَّ من السمّ (٦).
في ((الموَظّأ)): له زبيبتان(٧)، أي: نقطتان منتفختان في شِدْقَيه كالرَّغوتين(٨).
ويكون ذلك في شِدْقَي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام. قالت أمُّ غَيْلان بنتُ
(١) صحيح مسلم (٩٨٧)، وهو عند أحمد (٧٥٦٣).
(٢) صحيح البخاري (١٤٠٣)، وهو عند أحمد (٨٦٦١). وقد سلف ٤٣٨/٥ و١٢٥/٨.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٢٣/٢، وسلف مرفوعاً بنحوه ٤٣٩/٥.
(٤) أخرجه أحمد (٨٩٠٦) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من
حديث أبي سعيد الخدري ﴾.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٢١/٢ .
(٦) المفهم ٣٠/٣.
(٧) الموطأ ٢٥٧/١ عن أبي هريرة موقوفاً، وقد سلف عنه مرفوعاً ص ١٨٥ من هذا الجزء.
(٨) التمهيد ١٥٣/١٧.

١٩٣
سورة التوبة: الآية ٣٥
جرير: ربّما أنشدتُ أبي حتى يتزَّبَ شِدقاي(١). ضُرب مثلاً للشجاع الذي كثُر سمُّه،
فُيمَثَّل المالُ بهذا الحيوان، فيلقى صاحبه غضبان. وقال ابن دُريد(٢): نقطتان
سوداوان فوق عینیه.
في رواية: مُثِّل له شجاعٌ يتبعه، فيَضْطَرُّه، فيُعطيه يدَه، فيقضمها كما يقضم
الفَحْلِ(٣).
وقال ابن مسعود: والله لا يعذِّب الله أحداً بگنزٍ فیمَسّ درهمٌ درهماً ولا دينارٌ
ديناراً، ولكنْ يوسَّع جلدُه حتى يوضعَ كلُّ درهم ودينار على حِدَته (٤). وهذا إنما يصحُ
في الكافر - كما ورد في الحديث(٥) - لا في المؤمن. والله أعلم.
الثالثة: أسند الطبريُّ(٦) إلى أبي أمامة الباهِليَّ قال: مات رجلٌ من أهل الصُّفَّة،
فوجد في بُزدته دینار. فقال رسول الله ﴾﴾: «گیَّة)). ثم مات آخر، فوجد له دیناران،
فقال رسول الله: ((كَيَّتان)). وهذا إمَّا لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما
الثّبر، وإمَّا لأنَّ هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرَّر الشرعُ ضبطَ المال وأداءَ حقّه. ولو
كان ضبطُ المال ممنوعاً لكان حقُّه أن يُخرَجَ كلُّه، وليس في الأمَّة مَن يُلزم هذا(٧).
وحَسْبُك حالُ الصحابة وأموالُهم رضوانُ الله عليهم.
وأما ما ذُكر عن أبي ذَرِّ؛ فهو مذهبٌ له ﴾. وقد روى موسى بنُ عُبيدة، عن
(١) تهذيب اللغة ١٣/ ١٧٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٢١/٢، وجرير هو الشاعر المعروف.
(٢) في جمهرة اللغة ٣/ ١٨٥ .
(٣) أخرجه أحمد (١٤٤٤٢)، ومسلم (٩٨٨) من حديث جابر ﴾.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٣/٣ .
(٥) أخرجه أحمد (٨٣٤٥)، والبخاري (٦٥٥١)، ومسلم (٢٨٥١) و (٢٨٥٢) من حديث أبي هريرة ﴾،
ولفظه عند البخاري: ((ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع)».
(٦) في تفسيره ٤٢٩/١١، وأخرجه أحمد (٢٢١٧٤).
(٧) المحرر الوجيز ٢٩/٣.

١٩٤
سورة التوبة: الآية ٣٥
عِمْرانَ بنِ أبي أنس، عن مالك بن أوس بنِ الحَدَثان، عن أبي ذرِّ، عن رسول الله ﴿
قال: ((مَن جَمَع ديناراً أو درهماً أو تِبْراً أو فِضَّةً، ولا يُعِدُّه لغريم ولا ينفقه في سبيل
الله، فهو كنزٌ يُكْوَى به يوم القيامة))(١).
قلت: هذا الذي يليق بأبي ذرِّ ﴾ أن يقولَ به، وأنَّ ما فضَلَ عن الحاجة فلیس
بكنز إذا كان معدًّا لسبيل الله.
وقال أبو أمامة: من خلَّف بِيضاً أو صُفْراً؛ كُوِي بها مغفوراً له أو غيرَ مغفورٍ
له(٢)، ألا إنَّ حِلْية السيف من ذلك(٣).
وروى ثَوْبانُ أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((ما مِن رجلٍ يموت وعنده أحمر أو أبيض،
إلَّا جعل اللهُ له بكلِّ قيراطٍ صفيحةً يكوَى بها مِن فَرْقِه إلى قدمه، مغفوراً له بعد ذلك
أو معذَّباً))(٤).
قلت: وهذا محمولٌ على ما لم تؤدَّ زكاتُه، بدليل ما ذكرنا في الآية قبل هذا.
فیکون التقدیر: وعنده أحمر أو أبيض لم يؤدِّ زكاته. وکذلك ما رُوي عن أبي هريرة ﴾:
مَن ترك عشرةَ آلافٍ؛ جُعلت صفائحَ يعذَّبُ بها صاحبُها يوم القيامة(٥). أي: إن لم
يؤدِّ زكاتها؛ لئلا تتناقض الأحاديث. والله أعلم.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: هذا ما
کنزثُم؛ فحذف . ﴿فَذُوقُواْ مَا گُمُ تْنِرُون﴾ أي: عذابَ ما كنتُم تكنزون.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٣/٣. وذكره الذهبي في السير ٦٦/٢ وقال: موسى ضُعِّف، رواه عنه الثقات.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٦٣٦) مرفوعاً دون قوله: مغفوراً له أو غير مغفور له. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٢٥ : وفيه بقية (وهو ابن الوليد) وهو مدلس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٧٨٩/٦ (١٠٠٨٤) عن أبي أمامة * موقوفاً بلفظ: حلية السيف من الكنوز.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٠ (١٠٠٩٣). والفرق: الطريق في شعر الرأس. معجم متن اللغة (فرق).
(٥) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣/ ٢٠٣، وذكره أيضاً ابن العربي في أحكام القرآن ٩٢٣/٢ مع حديث
ثوبان المتقدم وقال: هذه الأحادیث لم یصح سندها.

١٩٥
سورة التوبة: الآية ٣٦
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِ كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ الْشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ كَاَفَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُنَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمْ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ جمع شهر. فإذا قال الرجلُ لأخيه: لا
أكلِّمك الشهورَ. وحَلَف على ذلك، فلا يكلِّمه حولاً؛ قاله بعضُ العلماء. وقيل: لا
يكلمه أبداً. ابنُ العربيّ(١): وأرى إنْ لم تكن له نيَّةٌ أنْ يقتضيّ ذلك ثلاثة أشهر؛ لأنه
أقلُّ الجمع الذي يقتضيه صيغةُ فُعول في جمع فَعْل.
ومعنى ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في حُكُم الله، وفيما كتب في اللوح المحفوظ.
﴿أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ أُعربت ((اثنا عشر)) دون نظائرِها؛ لأنَّ فيها حرفَ الإعراب أو
دليلَه(٢). وقرأ العامَّةُ: ((عَشَر)) بفتح العين والشين. وقرأ أبو جعفر: ((عْشَر)) بجزم
العين(٣).
﴿فِ كِتَبِ اَلَّوْ﴾ يريد اللوح المحفوظ. وأعاده بعد أنْ قال: ((عند الله))؛ لأنَّ كثيراً
من الأشياء يوصف بأنه عندَ الله، ولا يقال: إنه مكتوبٌ في كتاب الله، كقوله: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٩٢٥ ، وما قبله منه.
(٢) في (د) و(م): ودليله، والمثبت من باقي النسخ الخطية، وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس
٢١٣/٢ . والكلام منه. وقوله: دليله، يعني حرف التثنية.
(٣) مع المدّ المشبع على ألف ((اثنا)) لأجل التقاء الساكنين، وأبو جعفر من العشرة، وينظر النشر ٢٧٩/٢
ووقع في النسخ: الشين بدل: العين، وهو خطأ.

١٩٦
سورة التوبة: الآية ٣٦
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ إنما قال: ﴿يَوْمَ خَلَقَ
الشَمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ ليبيِّنَ أنَّ قضاءه وقَدَرَه كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه
الشهورَ وسمّاها بأسمائها على ما رتَّبها عليه يومَ خلقَ السماواتِ والأرض، وأنزل
ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة. وهو معنى قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ
أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. وحكمُها باقٍ على ما كانت عليه، لم يُزِلْها عن ترتيبها تغييرُ
المشركين لأسمائها، وتقديمُ [المؤخّر وتأخير] المقدَّم في الاسم منها. والمقصودُ من
ذلك اتِّباعُ أمر اللهِ فيها، ورفضُ ما كان عليه أهلُ الجاهلية من تأخير أسماء الشهورِ
وتقديمِها، وتعليقِ الأحكام على الأسماء التي رتَّبوها عليها(١)؛ ولذلك قال عليه
الصلاة والسلام في خطبته في حَجَّة الوداع: ((أيها الناس، إنَّ الزمان قد استدار كهيئته
يومَ خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرض» على ما يأتي بيانه(٢). وأنَّ الذي فَعلَ أهلُ الجاهلية
مِن جَعْل المحرَّمِ صَفَراً، وصَفَرِ محرَّماً؛ ليس يتغيَّر به ما وصفه(٣) اللهُ تعالى.
والعامل في «يوم)) المصدرُ الذي هو («في كتاب الله))، ولیس یُعنى به واحدُ
الكُتُب؛ لأنَّ الأعيان لا تعمل في الظروف. والتقدير: فيما كتب اللهُ يومَ خَلَق
السماواتِ والأرض. و((عند)) متعلّقٌ بالمصدر الذي هو العِدَّة، وهو العاملُ فيه. و((في))
من قوله: ((في كتابِ الله)) متعلّقةٌ بمحذوف، هو صفةٌ لقوله: ((اثنا عَشَرَ)). والتقدير:
اثنا عشر شهراً معدودةً أو مكتوبةً في كتاب الله. ولا يجوز أن تتعلَّقَ بعِدَّة؛ لما فيه من
التفرقة بين الصِّلَة والموصولِ بخبر إن [وهو: ((اثنا عشر))](٤).
الثالثة: هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ الواجب تعليقُ الأحكام من العبادات وغيرِها إنما
يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهورِ التي تعتبرها العجمُ والروم
(١) في النسخ: عليه، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠١/٢ والكلام وما سلف بين حاصرتين
منه.
(٢) عند تفسير الآية (٣٧)، وسلف الحديث ص١٠٣ من هذا الجزء.
(٣) في أحكام القرآن للكيا الطبري: ما وضعه.
(٤) ينظر مشكل إعراب القرآن ٣٢٧/١، وما بين حاصرتين منه.

١٩٧
سورة التوبة: الآية ٣٦
والقِبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً؛ لأنها مختلفةُ الأعداد، منها ما يزيد على
ثلاثين ومنها ما ينقُص، وشهورُ العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص،
والذي ينقص ليس يتعيَّن له شهر، وإنما تفاوتُها في النقصان والتمام على حَسَب
اختلافِ سَيْر القمر في البروج(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرَبَعَةُ حُرُمٌ﴾ الأشهر الحُرُمُ المذكورةُ في هذه
الآيةِ: ذو القَعدة وذو الحِجَّة والمحرَّم، ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان،
وهو رجب مُضَرَ، وقيل له: رجب مضر؛ لأن ربيعةَ بنَ نزار كانوا يحرِّمون شهرَ
رمضان ويسمُّونه رجباً. وكانت مضرُ تحرِّم رجباً نفسَه؛ فلذلك قال النبيُّ # فيه:
((الذي بين جُمادى وشعبان))(٢) ورَفَعَ ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان. وكانت
العربُ أيضاً تسمِّيه مُنْصِلَ الأسِنَّة(٣).
روى البخاريُّ عن أبي رجاء العُطارِديِّ - واسمه عِمرانُ بنُ مِلْحان وقيل: عمران
ابنُ تَيْم - قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خيرٌ منه ألقيناه وأخذنا الآخَر،
فإذا لم نجد حجراً جمعنا جُثْوةً من ترابٍ، ثم جئنا بالشّاء، فحلبنا عليه ثم طُفنا به،
فإذا دخل شهرُ رجب قلنا: مُنْصِل الأسنّة، فلم نَدَعْ رُمْحاً فيه حديدةٌ ولا سهماً فيه
حديدة إلَّ نزعناها فألقيناه(٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحسابُ الصحيح والعدد
المستوْفَى. وروى عليّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس: ((ذلك الدِّين)) أي: ذلك
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٩/٣ - ٢٠٠ .
(٢) قطعة من حديث أبي بكرة ﴾ أخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (٣١٩٧)، ومسلم (١٦٧٩)، وقد
سلفت قطعة ص١٠٣ من هذا الجزء، وسلفت أيضاً في المسألة الثانية، وهي قوله #: ((إن الزمان قد
استدار ... )). وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩٢٦/٢، والمحرر الوجيز ٣٠/٣.
(٣) مُنْصِل؛ بسكون النون وكسر الصاد، أو بفتح النون وتشديد الصاد؛ وفسِّر بنزع الحديد من السلاح
لأجل شهر رجب، إشارة إلى تركهم القتال؛ يقال: نصلتُ الرمح: إذا جعلت له نصلاً، وأنصلته: إذا
نزعتّ منه النصل. ينظر فتح الباري ٨/ ٩١ .
(٤) صحيح البخاري (٤٣٧٦). والجُئوة: بضم الجيم: الكّومة.

١٩٨
سورة التوبة: الآية ٣٦
القضاء(١). مُقاتل: الحقّ.
ابن عطية(٢): والأصوب عندي أنْ يكونَ الدِّينُ هاهنا على أَشْهَرٍ وجوهِه، أي:
ذلك الشرعُ والطاعة. ((الْقَيِّمُ)) أي: القائم المستقيم، مِن قام يقوم. بمنزلة: سيِّد؛ من
ساد يسود؛ أصله: قَيْوِم.
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ على قول ابنِ عباس راجعٌ
إلى جميع الشهور. وعلى قول بعضِهم إلى الأشهر الحُرُم خاصَّةً(٣)؛ لأنه إليها أقرب،
ولها مَزِيَّةٌ في تعظيم الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾
[البقرة: ١٩٧] لا أنَّ الظلم في غير هذه الأيام جائزٌ، على ما نبيِّنه.
ثم قيل في الظلم قولان:
أحدهما: لا تظلموا فيهنَّ أنفسَكم بالقتال، ثم نُسخ بإباحة القتال في جميع
الشهور؛ قاله قتَادةُ وعطاء الخُراسانيُّ والزُّهريُّ وسفيان الثَّوريّ. وقال ابن جُريج:
حَلَف بالله عطاء بن أبي رَباح أنه ما يَحِلُّ للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الأشهر
الحرم إلّا أن يقاتلوا فيها، وما نُسخت. والصحيح الأوّل؛ لأن النبيَّ# غزا هوازِن
بحُنينٍ وثَقِيفاً بالطائف، وحاصرهم في شوّال وبعضٍ ذي القَعدة(٤). وقد تقدَّم هذا
المعنى في ((البقرة)»(٥).
الثاني: لا تظلموا فيهنَّ أنفسَكم بارتكاب الذنوب؛ لأن الله سبحانه إذا عّم شيئاً
من جهةٍ واحدة صارت له حُرمةٌ واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهاتٍ صارت
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢١٣/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٢ (١٠٠٠١) من طريق الضحاك عن
ابن عباس.
(٢) في المحرر الوجيز ٣١/٢.
(٣) هو قول قتادة، وقد أخرج الطبري ٤٤٤/١١ - ٤٤٥ قوله وقول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٢٩٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٢٧/٢.
(٥) ٣/ ٤٢٢.

١٩٩
سورة التوبة: الآية ٣٦
حرمتُه متعدِّدة، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيِّىء كما يضاعف الثواب بالعمل
الصالح. فإنَّ مَن أطاع اللهَ في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابُه ثوابَ مَن
أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام. ومَن أطاعه في الشهر الحلال في البلد
الحرام ليس ثوابُه ثوابَ مَن أطاعه في شهرٍ حلال في بلد حلال. وقد أشار تعالى إلى
هذا بقوله تعالى: ﴿يَِسَآُّ النَّبِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠](١).
السابعة: وقد اختلف العلماءُ من هذا المعنى فيمن قَتَلَ في الشهر الحرام خطأً،
هل تُغَلَّظُ عليه الذِّيَةُ أم لا؛ فقال الأوزاعيُّ: القتلُ في الشهر الحرام تُغلَّظ فيه الدِّيَة
- فيما بلغَنا - وفي الحَرَم، فتُجعل دِيةً وثلثاً، ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل.
وقال الشافعيُّ: تغلَّظ الدِّيَة في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام، وفي البلد
الحرام، وذوي الرَّحِم. ورُوي عن القاسم بن محمد وسالم بنِ عبد اللهِ وابن شهاب
وأبَانَ بنِ عثمان: مَن قَتَل في الشهر الحرام أو في الحرم زِيدَ على دِيَته مثلُ ثلثها.
ورويَ ذلك عن عثمان بن عفان أيضاً(٢).
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي لَيْلَى: القتل في الحِلِّ والحَرَم
سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، وهو قول جماعة من التابعين. وهو الصحيح؛
لأن النبيَّ # سنَّ الدِّيَات ولم يذكر فيها الحرمَ ولا الشهرَ الحرام، وأجمعوا أنَّ
الكفارةَ على مَن قَتَل خطأً في الشهر الحرام وغيرِه سواء، فالقياسُ أن تكون الدِّيَة
كذلك(٣). والله أعلم.
الثامنة: خصَّ الله تعالى الأربعةَ الأشهرِ الحُرُم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها
تشريفاً لها، وإن كان منهيًّا عنه في كلِّ الزمان، كما قال: ﴿فَلَ رَفَكَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢٧ .
(٢) الاستذكار ٢٥/ ٢٠٢، وأخرج أثر عثمان عبد الرزاق (١٧٢٨٢).
(٣) الاستذكار ٢٠٢/٢٥ .

٢٠٠
سورة التوبة: الآية ٣٦
جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧] وعلى هذا أكثرُ أهل التأويل، أي: لا تَظلموا في
الأربعة الأشهر أنفسَكم.
وروی حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن یوسف بن مهران، عن ابن عباس
قال: ﴿فَلَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في الاثني عشر (١). وروى قيس بن مسلم، عن
الحسن بن(٢) محمد بن الحنفية، قال: فيهنَّ كلِّهن.
فإن قيل على القول الأوَّل: لِمَ قال: فيهنَّ، ولم يقل: فيها؟ وذلك أن العرب
يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هنَّ وهؤلاء، فإذا جاوزوا العشرة قالوا: هي
وهذه، إرادةَ أن تُعرف تسمية القليل من الكثير - وروي عن الكِسائيِّ أنه قال: إني
لَأتعجبُ من فِعْل العرب هذا - وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي: خَلَوْن.
وفيما فوقها خَلَتْ(٣).
لا يقال: كيف جُعل بعضُ الأزمنة أعظمَ حُرْمةً(٤) من بعض؛ فإنا نقول: البارئ
تعالى أن يفعل ما يشاء، ویخصَّ بالفضیلة ما يشاء، لیس لعمله عِلَّة، ولا علیه حَجْر،
بل يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه الحكمةُ وقد تَخْفَى.
قوله تعالى: ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ فيه مسألة واحدة:
قوله تعالى: ((قَاتِلُوا)) أمرٌ بالقتال. و((كَانَّةٌ)) معناه: جميعاً، وهو مصدرٌ في موضع
الحال، أي: محيطين بهم ومجتمعين. قال الزجاج(٥): مثلُ هذا من المصادر: عافاه
اللهُ عافيةً، وعاقَبه عاقبةً. ولا يثَّى ولا يُجمع، وكذا: عامَّة وخاصَّة.
(١) أخرجه الطبري ١١/ ٤٤٤ .
(٢) في النسخ: عن، والمثبت من معاني القرآن للنحاس ٢٠٧/٣، والكلام من بداية المسألة منه. وينظر
تفسير الطبري ٤٤٦/١١ .
(٣) معاني القرآن للفراء ٤٣٥/١ دون قول الكسائي، وذكر قول الكسائي ابن عطية في المحرر الوجيز
٣١/٣.
(٤) قوله: حرمة، ليس في (ظ).
(٥) في معاني القرآن ٤٤٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢١٣/٢.