النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة التوبة: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الثاني: أَكْلُ الرجلِ مِن عَمَل يده؛ قال :﴿: ((إنَّ أَظْيَبَ ما أَكَلَ الرجلُ من عمل
يده، وإنَّ نبيَّ الله داودَ كان يأكل من عَمَلٍ يده)). خرَّجه البخاري(١). وفي التنزيل:
﴿وَعَّْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ورُوي أنَّ عيسى عليه السلام كان يأكلُ
من غَزْل أُمه(٢).
الثالث: التجارة، وهي كانت عملَ جُلِّ الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصَّةً
المهاجرين، وقد دلَّ عليها التنزيل في غير موضع.
الرابع: الحَرْثُ والغَرْس. وقد بَّناه في ((البقرة))(٣).
الخامس: إقراءُ القرآن وتعليمُه والرُّقْيَة، وقد مضى في ((الفاتحة))(٤).
السادس: يأخذ بنيَّة الأداء إذا احتاج؛ قال ﴾: ((مَن أَخَذ أموالَ الناسِ يُريدُ
أداءَها أَدَّى اللهُ عنه، ومَن أَخَذها يُريد إتلافَها أتلَفه اللهُ)). خرَّجه البخاريّ، رواه أبو
هريرة ﴾(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿إِن شَآءَ﴾ دليلٌ على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو
فضلٌ من الله(٦) تولَّى قِسْمَتَه بين عباده؛ وذلك بيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَوَةِ الدُّنَا﴾ِ الآية [الزخرف: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحْرِمُونَ مَا
حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُْعُوا
٢٩
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ
فيه خمسَ عَشْرةَ مسألة:
(١) برقم (٢٠٧٢)، من حديث المقدام ، و(٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) أخرجه الطبري ١٧/ ٥٩ عن عمرو بن شرحبيل.
(٣) ٣٨٦/٣ - ٣٨٧.
(٤) ١/ ١٧٤، وفي ((البقرة)) ١٢/٢.
(٥) صحيح البخاري (٢٣٨٧) وسلف ٤٧٩/٤ .
(٦) في (خ) و(م): وإنما هو من فضل الله، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠٤.

١٦٢
سورة التوبة: الآية ٢٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ اَلَآَخِ﴾ لمَّا حَرَّم
الله تعالى على الكفار أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، وَجَد المسلمون في أنفسهم بما
قُطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ الآية. على ما تقدَّم. ثم أَحَلَّ في هذه الآية الجِزْيةَ، وكانت لم تؤخذ
قبل ذلك؛ فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم. فقال الله عزَّ
وجلَّ: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الآخِرِ﴾ الآية. فأمر الله سبحانه
وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا(١) الوصف، وخصَّ أهل الكتاب
بالذكر إكراماً لكتابهم؛ ولكونهم عالِمينَ بالتوحيد والرسل والشرائع والملل،
وخصوصاً ذِكر محمدٍ ﴾ وملّتِهِ وأُمَّته. فلما أنكروه؛ تأكدت عليهم الحجةُ، وعظُمت
منهم الجريمة؛ فتَّه على محلّهم [بذلك](٢). ثم جعل للقتال غايةً، وهي إعطاءُ الجزية
بدلاً عن القتل. وهو الصحيح(٣).
قال ابن العربيّ(٤): سمعتُ أبا الوفاء عليَّ بن عقيل(٥) في مجلس النظر (٦) يتلوها
ويحتجُّ بها، فقال: ﴿قَائِلُوا﴾ وذلك أمرٌ بالعقوبة. ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك
بيان للذنب الذي أَوْجَبَ العقوبة. وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرُ﴾ تأكيدٌ للذنب في جانب
الاعتقاد. ثم قال: ﴿وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال.
ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة،
والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ تأكيدٌ للحجة؛ لأنهم كانوا
(١) في (ظ): لا تصافهم بهذا. وأصفقوا على الشيء: أطبقوا. القاموس (صفق).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠٧ .
(٣) وهو قول علماء المالكية: إن الجزية عقوبة وجبت بدلاً عن القتل بسبب الكفر، فإذا أسلم سقطت عنه لسقوط
القتل. وسيأتي ما للعلماء من أقوال في هذه المسألة. وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩١١/٢ - ٩١٢ .
(٤) في القبس ٤٧٣/٢ .
(٥) البغدادي الحنبلي المتكلم، سمع من بعض شيوخ الاعتزال فتأثر بهم، ولم يكن له في زمانه نظير على
بدعته، وله كتاب الواضح في أصول الفقه، وكتاب الفنون، وهو أكثر من أربع مئة مجلد، توفي سنة
(٥١٣هـ). السير ٤٤٣/١٩ .
(٦) لعل المراد به مجلس المناظرة، وسلف مثله ٤٥٣/١.

١٦٣
سورة التوبة: الآية ٢٩
يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾.
فبيَّن الغايةَ التي تمتدُّ إليها العقوبةُ، وعيَّن البَدَل الذي ترتفع به.
الثانية: وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزيةُ؛ قال الشافعيُّ رحمه الله: لا
تُقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصةً، عرباً كانوا أو عجماً؛ لهذه الآية (١)؛ فإنهم
هم الذين خُضُّوا بالذكر، فتوجَّه الحكمُ إليهم دون مَن سواهم؛ لقوله عزَّ وجلَّ :
﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ولم يقل: حتى يُعطوا الجِزْية كما قال
في أهل الكتاب(٢).
وقال: وتُقبل من المَجُوس بالسُّنَّة(٣)؛ وبه قال أحمد وأبو ثَوْر. وهو مذهب
الثَّوريِّ وأبي حنيفة وأصحابِهِ(٤).
وقال الأوزاعيُّ: تؤخذ الجزية من كلِّ عابدٍ وَثَنٍ أو نارٍ، أو جاحدٍ أو مكذِّب.
وكذلك مذهب مالك؛ فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الترك والهند(٥)،
عربيًّا أو عَجميًّا، تَغْلبيًّا أو قُرَشيًّا، كائناً مَن كان، إلا المرتدّ.
وقال ابن القاسم وأشهبُ وسُحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم
كلِّها. وأما عَبّدةُ الأوثان من العرب فلم يستثن(٦) الله فيهم جزيةً، ولا بقي(٧) على
(١) مختصر اختلاف العلماء ٤٨٤/٣، والمعونة ٤٤٩/١، وينظر الأم ٩٤/٤ - ٩٥.
(٢) التمهيد ١١٨/٢، وينظر الأم ٤/ ٩٤ - ٩٥.
(٣) وهو قوله #: ((سُّوا بهم سنة أهل الكتاب)) وسيأتي. وقوله: وتقبل من المجوس بالسنة. ذكره ابن عبد
البر في التمهيد ١١٨/٢، والاستذكار ٢٩٣/٩ عن مالك. وسيرد قول الشافعي في المجوس في
المسألة بعدها، وهو في الأم ٤/ ٩٦ .
(٤) التمهيد ١١٨/٢، والاستذكار ٢٩٤/٩.
(٥) في (م): الشرك والجحد، وفي النسخ الخطية: الشرك والهند، والمثبت من التمهيد ١١٨/٢،
والاستذكار ٢٩٤/٩ ، وفيهما قول الأوزاعي ومالك.
(٦) في (خ) و(م): فلم يستن، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز ٢٢/٣، والكلام منه.
(٧) في (ظ) و(م): يبقى، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.

١٦٤
سورة التوبة: الآية ٢٩
الأرض منهم أحد، وإنما لهم القتالُ أو الإسلام. ويوجد لابن القاسم: أن الجزيةَ
تؤخذ منهم، كما يقول مالك. وذلك في التفريع لابن الجَلَّاب، وهو احتمالٌ لا نصّ.
وقال ابن وهب: لا تقبلُ الجزيةُ من مجوس العرب، وتقبل من غيرهم. قال:
لأنه ليس في العرب مجوسيٍّ إلا وجميعُهم أَسْلَم، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام
فهو مرتدٌّ، يُقتل بكلِّ حالٍ إن لم يُسلم، ولا تقبل منهم جزية(١).
وقال ابن الجَهْم: تُقبل الجزية مِن كلِّ مَن دانَ بغير الإسلام؛ إلا ما أُجمِع عليه
من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرامٌ لهم عن الذِّلة والصَّغار؛ لمكانهم من
رسول الله ﴾. وقال غيره: إنما ذلك لأنَّ جميعهم أَسلم يومَ فتح مكة. والله أعلم(٢).
الثالثة: وأما المجوسُ فقال ابنُ المنذر(٣): لا أعلم خلافاً أن الجزية تؤخذُ منهم.
وفي الموطأ: مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب ذَكَر
أمرَ المجوس فقال: ما أدري كيف أصنعُ في أمرهم. فقال عبدُ الرحمن بن عوف:
أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب)»(٤).
قال أبو عمر(٥): يعني في الجزية خاصّةً. وفي قول رسول الله ﴾: ((سُنُّوا بهم سنةً
أهلِ الكتاب)» دليلٌ على أنهم ليسوا أهلَ كتاب. وعلى هذا جمهورُ الفقهاء. وقد رُويَ
عن الشافعيّ أنهم كانوا أهل كتاب فبدَّلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء رُوي عن
عليّ بن أبي طالب ﴾ مِن وجهٍ فيه ضَعْفٌ، يدور على أبي سَعْد البَقَّال؛ ذكره عبدُ
الرزاق وغيره(٦).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٠٩/٢ - ٩١٠.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٤٨٦/١ .
(٣) في الإقناع ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٢٢ .
(٤) الموطأ ٢٧٨/١، قال ابن عبد البر في التمهيد ١١٤/٢ و١١٦: هذا حديث منقطع لأن محمد بن
علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف ... ولكن معناه متصل من وجوه حسان. وينظر التلخيص
الحبير ١٧٢/٣ .
(٥) في التمهيد ١١٩/٢، والاستذكار ٢٩٥/٩ .
(٦) مصنف عبد الرزاق (١٠٠٢٩)، وهو في الأم ٩٦/٤ . وأبو سعد البقال هو سعيد بن المرزبان العبسي =

١٦٥
سورة التوبة: الآية ٢٩
قال ابن عطية (١): وروي أنه قد كان بُعث في المجوس نبيٌّ اسمه زرادشت. والله
أعلم.
الرابعة: لم يذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه مقداراً للجِزْية المأخوذة منهم. وقد
اختلف العلماءُ في مقدار الجِزْية المأخوذة منهم؛ فقال عطاء بنُ أبي رباح: لا توقيتَ
فيها، وإنما هو على ما صُولحوا عليه. وكذلك قال يحيى بن آدم وأبو عبيد والطبريُّ.
إلا أنَّ الطبريَّ قال: أَقَلُّه دينار، وأكثره لا حدَّ له. واحتجوا بما رواه أهل الصحيح عن
عمرو بن عوف: أنَّ رسول الله # صالح أهلَ البَحْرَيْن على الجِزْية(٢).
وقال الشافعيّ: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء.
واحتجَّ بما رواه أبو داود وغيره (٣) عن معاذ: أنَّ رسولَ الله :﴿ بعثه إلى اليمن، وأمره
أن يأخذ من كلِّ حالمٍ ديناراً في الجِزْية. قال الشافعيُّ: وهو المبيِّن عن الله تعالى
مُرادَه(٤). وهو قول أبي ثور. قال الشافعيُّ: وإن صُولحوا على أكثر من دينارٍ جاز،
وإن زادوا وطابت بذلك أنفسُهم قُبل منهم. وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز،
إذا كانت الضيافة معلومةً في الخبز والشعير والتّبْن والإدام. وذَكر ما على الوسط من
ذلك، وما على المُوسر، وذكر موضعَ النزول والكِنِّ من البرد والحَرّ(٥).
وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم وأشهبُ ومحمد بن الحارث بن زَنْجَويه:
= الكوفي الأعور مولى حذيفة. قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة:
لين الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه. تهذيب
التهذيب ٤١/٢ .
(١) في المحرر الوجيز ٢٢/٣.
(٢) التمهيد ١٢٨/٢ - ١٢٩، والاستذكار ٢٩٩/٩ - ٣٠٠. والحديث في صحيح البخاري (٣١٥٨)،
وصحيح مسلم (٢٩٦١)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٢٣٤).
(٣) سنن أبي داود (١٥٧٦)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٦٢٣)، والنسائي ٢٥/٥ - ٢٦. قال الترمذي:
حديث حسن.
(٤) يعني في قوله تعالى: ﴿حَّ يُعْطُواْ اَلْجِزْيَةَ﴾. الاستذكار ٣٠١/٩.
(٥) التمهيد ١٢٨/٢ - ١٢٩، والاستذكار ٣٠٠/٩ - ٣٠٢، وينظر الأم ١٢٤/٤.

١٦٦
سورة التوبة: الآية ٢٩
إنها أربعةُ دنانيرَ على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الوَرِق، الغنيُّ والفقير
سواءٌ ولو كان مجوسيًّا. لا يُزاد ولا يُنقص على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره(١).
وقد قيل: إنَّ الضعيف يُخفَّف عنه بقَدْر ما يراه الإمام. وقال ابن القاسم: لا
يُنقص من فرض عمر لعسرٍ، ولا يزاد عليه لغنّى(٢).
قال أبو عمر (٣): ويؤخذ من فقرائهم بقَدْر ما يحتملون ولو درهماً. وإلى هذا رجع
مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حَيّ (٤)، وأحمد بن حنبل: اثنا عشر،
وأربعةٌ وعشرون، [وثمانية](٥) وأربعون.
قال الثوريُّ: جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائبُ مختلفة، فللوالي أن
يأخذ بأيّها شاء إذا كانوا أهلَ ذِمّة. وأما أهلُ الصلح؛ فما صُولحوا عليه لا غير (٦).
الخامسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دلَّ عليه القرآن أنَّ الچِزْية تؤخذ
من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَّ يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبَها على مَن يقاتل. ويدلُّ على أنه ليس على العبد وإن كان
مقاتلاً؛ لأنه لا مالَ له، ولأنه تعالى قال: ﴿حَّ يُعْطُوا﴾ ولا يقال لمن لا يملك:
حتى تُعطي(٧). وهذا إجماعٌ من العلماء على أن الجِزْية إنما توضع على جماجم
الرجال الأحرارِ البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذَّرِّية والعبيد،
(١) التمهيد ١٣٠/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٠٨/٢، وخبر عمر أخرجه مالك في الموطأ ٢٧٩/١.
(٢) المحرر الوجيز ٢٣/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٠٨/٢ .
(٣) في الكافي ٤٧٩/١ .
(٤) في النسخ: ومحمد بن الحسن، والمثبت من التمهيد ١٣٠/٢، والاستذكار ٣٠٢/٩ - والكلام منهما -
ومختصر اختلاف العلماء ٤٨٦/٣ .
(٥) زيادة من التمهيد ١٣٠/٢ - والكلام منه - ومختصر اختلاف العلماء ٤٨٦/٣، والمغني ٢١١/١٣.
(٦) التمهيد ١٣٠/٢.
(٧) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٤/٣ .

١٦٧
سورة التوبة: الآية ٢٩
والمجانينِ المغلوبين على عقولهم، والشيخ الفاني. واختلف في الرُّهبان؛ فروى ابن
وهب عن مالك: أنها لا تؤخذ منهم. قال مُطَرِّفٌ وابن الماحِشُون: هذا إذا لم يترقَّب
بعد فَرْضِها، فإن فُرضت ثم ترَّب لم يُسْقِظْها ترهُّبه(١).
السادسة: إذا أَعطى أهلُ الجِزْية الجِزْيةَ لم يؤخذ منهم شيءٌ من ثمارهم ولا
تجارتهم ولا زروعهم، إلا أن يتَّجروا في بلاد غير بلادهم التي أُقِرُّوا فيها وصُولحوا
عليها. فإن خرجوا تَُجَّاراً عن بلادهم التي أُقِرُّوا فيها إلى غيرها أُخذ منهم العُشرُ إذا
باعوا، ونَضَّ(٢) ثمنُ ذلك بأيديهم، ولو كان ذلك في السَّنَة مراراً؛ إلا في حَمْلهم
الطعامَ؛ الحنطةَ والزيتَ [خاصةً] إلى المدينة ومكةً خاصة، فإنه يؤخذ منهم نصفُ
العُشْر على ما فعل عمر (٣). ومن أهل المدينة مَن لا يرى أن يؤخذ من أهل الذِّمَّة
العُشرُ في تجاراتهم إلَّا مرةً في الحول، مثل ما يؤخذ من المسلمين. وهو مذهبُ عمر
ابنِ عبد العزيز، وجماعةٍ من أئمة الفقهاء. والأوّلُ قول مالك وأصحابه(٤).
السابعة: إذا أدَّى أهل الجزية جِزْيتَهم التي ضُربت عليهم، أو صُولحوا عليها؛
خُلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلِّها، وبين كرومهم وعصيرِها(٥)؛ ما ستروا خمورَهم ولم
يُعلنوا بيعَها من مسلم، ومُنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين. فإن
أَظهروا شيئاً من ذلك أُريقت الخمر عليهم، وأُدِّ مَن أَظهر الخنزيرَ. وإن أراقها مسلمٌ
من غير إظهارها فقد تعدَّى، ويجب عليه الضمان. وقيل: لا يجب. ولو غَصَبها وجب
عليه ردُّها(٦).
(١) ينظر الإقناع لابن المنذر ٢/ ٤٧٢، والكافي ٤٧٩/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٩١٠/٢ ،
والمحرر الوجيز ٢٢/٣، والمغني ٢١٦/١٣ . وذكر ابن عطية أن في الشيخ الفاني خلافاً. وقال ابن
المنذر: وتؤخذ من الشيخ الفاني.
(٢) نضَّ المال: أي صار عيناً بعدما كان متاعاً. تهذيب اللغة ٤٦٨/١١ .
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٨١: أن عمر ﴾ كان يأخذ من النَّبَط من الحنطة والزيت نصف العشر،
يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القُطْنِيَّة العشر.
(٤) الكافي ١/ ٤٨٠ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) في (خ) و(د) و(م): عصرها، والمثبت موافق لما في الكافي ١/ ٤٨٤، والكلام منه.
(٦) عقد الجواهر الثمينة ٤٩١/١ .

١٦٨
سورة التوبة: الآية ٢٩
ولا يُعترَض لهم في أحكامهم ولا مُتاجرتهم فيما بينهم بالرِّبا. وإن تحاكموا إلينا
فالحاكم مخيَّر؛ إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أَغْرَض. وقيل: يُحكم بينهم
في المظالم على كلِّ حال، ويؤخذ من قويّهم لضعيفهم؛ لأنه من باب الدفع عنهم.
وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوَّهم ويستعين بهم في قتالهم. ولا حظّ لهم في الفَيء.
وما صُولحوا عليه من الكنائس لم يزيدوا عليها، ولم يُمنعوا من إصلاح ما وَهَى
منها، ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها. ويأخذون من اللباس والهيئة بما يَبِينُون به من
المسلمين، ويُمنعون من التشبُّه بأهل الإسلام. ولا بأسَ باشتراء أولاد العدوِّ منهم إذا
لم تكن لهم ذِمَّة. ومَن لَدَّ في أداء جِزْيته أُدِّب على لَدَدِه، وأُخذت منه صاغراً(١).
الثامنة: اختلف العلماء فيما وجبت الجِزْية عنه؛ فقال علماء المالكية: وجبت
بدلاً عن القتل بسبب الكفر. وقال الشافعيُّ: وجبت بدلاً عن [حقن] الدم وسُكنى
الدار.
وفائدة الخلاف أنَّا إذا قلنا: وجبت بدلاً عن القتل، فأسلم، سقطت عنه الچِزْیةُ
لِمَا مضى، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعدَه عند مالك. وعند الشافعيِّ أنها دَينٌ
مستقرٌّ في الذِّمَّة فلا يُسقطه الإسلام(٢) كأجرة الدار. وقال بعض الحنفية بقولنا.
وقال بعضهم: إنما وجبت بدلاً عن النصر والجهاد. واختاره القاضي أبو زيد،
وزعم أنه سرُّ الله في المسألة(٣).
وقول مالك أصحّ؛ لقوله : ((ليس على مسلم جِزْيٌ)). قال سفيان: معناه: إذا
أسلم الذُّمِّيُّ بعد ما وجبت الجزية عليه؛ بَطَلَت عنه. أخرجه الترمذيُّ وأبو داود(٤).
(١) الكافي ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وينظر الأوسط ١٦/١١ - ٢٠، واللَّدّد: الخصومة الشديدة.
(٢) في (ظ): فلا يسقط بالإسلام.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩١١/٢ - ٩١٢ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) سنن الترمذي (٦٣٣)، وسنن أبي داود (٣٠٥٣)، وهو عند أحمد (١٩٤٩)، وابن عدي ١٨٤٥/٥،
وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفي إسناده قابوس بن أبي ظَبْيان، قال الحافظ في التقريب:
فيه لين. وينظر بيان الوهم والإيهام ٨١/٥ . وقول سفيان أخرجه أبو داود (٣٠٥٤).

١٦٩
سورة التوبة: الآية ٢٩
قال علماؤنا: وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَّةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾
لأنَّ بالإسلامِ يزول هذا المعنى. ولا خلافَ أنهم إذا أسلموا فلا يؤدُّون الجِزْيةَ عن يَدِ
وهم صاغرون. والشافعيُّ لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله الله تعالى. وإنما
يقول: إنَّ الجزية دَين وجبت عليه بسببٍ سابقٍ، وهو السُّكْنى أو تَوَقِّي(١) شرِّ القتل،
فصارت کالديون كلِّها.
التاسعة: لو عاهد الإمامُ أهلَ بلدٍ أو حصنٍ، ثم نقضوا عهدَهم، وامتنعوا من
أداء ما يلزمُهم من الجِزْية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا،
وكان الإمام غيرَ جائرٍ عليهم؛ وجب على المسلمين غَزْوُهم وقتالهم مع إمامهم. فإن
قاتلوا وغُلِبوا؛ حُكِم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء. وقد قيل: هم ونساؤهم
[وذريتهم] فَيٌْ ولا خُمْسَ فيهم(٢)؛ وهو مذهب(٣).
العاشرة: فإن خرجوا متلصِّصين قاطعين الطريقَ؛ فهم بمنزلة المحاربين [من]
المسلمين إذا لم يمنعوا الجِزْية. ولو خرجوا متظلِّمين؛ نُظر في أمرهم ورُدُّوا إلى الذِّمَّة
وأُنصِفوا من ظالمهم، ولا يُسترقُّ منهم أحدٌ وهم أحرار. فإن نَقَض بعضُهم دون بعض
فَمَنْ لم يَنْقُضْ [منهم فهو] على عهده، ولا يؤخذ بنقضٍ غيره، وتُعرف إقامتُهم على
العهد بإنكارهم على الناقضين(٤).
الحادية عشرة: الجِزْية وزنها فِعلة؛ من جَزَى يَجْزي: إذا كافأ عمَّا أُسدِي إليه؛
فكأنهم أعطَوْها جزاءً ما مُنِحوا من الأمن، وهي كالقِعدة والجِلسة. ومن هذا المعنى
قول الشاعر:
يَجْزِيكَ أو يُثْني عليكَ وإنَّ مَن
أَثنى عليك بما فعلْتَ کَمّن جَزَی(٥)
(١) في (خ) و(ظ): أو توقع، وفي أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٩٥ (والكلام منه): أو لدفع.
(٢) الكافي ١/ ٤٨٣ ، وما سلف بین حاصرتین منه.
(٣) بعدها في (ظ): مالك، وينظر المدونة ٢١/٢ .
(٤) الكافي ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤ ، وما سلف بین حاصرتین منه.
(٥) نسبه ابن عبد ربه في العقد الفريد ٢٧٥/٥ لزهير بن جناب، وهو في الخزانة ٣٩٣/٣، وحماسة
البحتري لورقة بن نوفل. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣/٣ دون نسبة، والكلام منه.

١٧٠
سورة التوبة: الآية ٢٩
الثانية عشرة: روى مسلمٌ عن هشام بن حَكيم بن حِزام، ومرَّ على ناسٍ من
الأنباطِ بالشام قد أقيموا في الشمس - في رواية: وصُبَّ على رؤوسهم الزيتُ - فقال:
ما شأنهم؟ فقالوا: يُحبَسون في الجِزْية. فقال هشام: أشهدُ لسمعتُ رسولَ الله ﴾
يقول: ((إنَّ الله يعذِّبُ الذين يعذِّبون الناسَ في الدنيا)). في رواية: وأميرُهم يومئذ عميرُ
ابن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدَّته، فأمر بهم فخُلُّوا(١).
قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكُّن فجائز، فأما مع تبيُّنِ
عجزِهم فلا تَحِلُّ عقوبتُهم؛ لأنَّ مَن عجز عن الجزية سقطت عنه(٢). ولا يكلّف
(٣)
الأغنياء أداءها عن الفقراء
وروى أبو داود عن صفوان بنِ سليم، عن عدَّةٍ من أبناء أصحابٍ رسولِ الله ◌ِ﴾،
عن آبائهم أنَّ رسولَ الله ﴿ قال: ((مَن ظلمَ معاهداً، أو انتقصَه، أو كلَّفه فوقَ طاقته،
أو أخذ منه شيئاً بغير طِيبٍ نَفْس، فأنا حجيجُه يومَ القيامة))(٤).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿عَن ید﴾ قال ابنُ عباس: یدفعها بنفسه غیر مُسْتَنیب
فيها أحداً (٥). روى أبو البَخترِيِّ، عن سَلْمان قال: مذمومين. وروى مَعْمَر، عن قتادة
قال: عن قهر. وقيل: ((عن يد)): عن إنعام منكم عليهم؛ لأنهم إذا أُخِذت منهم الچِزْيةٌ
فقد أُنعم عليهم بذلك(٦).
عكرمة: يدفعها وهو قائمٌ والآخِذُ جالس. وقاله سعيد بن جبير(٧). ابن العربي(٨):
(١) صحيح مسلم (٢٦١٣): (١١٧) و(١١٨)، وهو عند أحمد (١٥٣٣٠).
(٢) المفهم ٦/ ٥٩٩ .
(٣) الكافي ٤٧٩/١ .
(٤) سنن أبي داود (٣٠٥٢). قال السخاوي في المقاصد الحسنةص ٣٩٢: وسنده لا بأس به، ولا يضره
جهالة مَن لم يُسمَّ من أبناء الصحابة فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم، ولذا سکت عنه أبو داود.
(٥) ذكره البغوي ٢/ ٢٨٢، وبنحوه الطبري ٤٠٨/١١ وقال: وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه
نظر.
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٩٧/٣ - ١٩٨، وينظر معاني القرآن للزجاج ٤٤٢/٢ .
(٧) قول عكرمة أخرجه الطبري ٤٠٨/١١، وقول سعيد بن جبير ذكره النحاس في معاني القرآن ١٩٨/٣.
(٨) في أحكام القرآن ٢/ ٩١١ .

١٧١
سورة التوبة: الآية ٢٩
وهذا ليس من قوله: ((عَنْ يَدٍ))، وإنما هو من قوله: ((وهم صاغرون)).
الرابعة عشرة: روى الأئمةُ عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله # قال: ((الیدُ
العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، واليدُ العليا المنفقةُ، والسُّفلى السائلة)»(١) وروي: ((واليد
العُلْيا هي المعطيةُ)(٢).
فجعل يدَ المعطِي في الصدقة عُليا، وجعل يدَ المعطِي في الجِزْية سُفلى. ويدَ
الآخِذِ عُليا، ذلك بأنه الرافع الخافض، يرفع مَن يشاء ويَخفِضُ مَن يشاء، لا إله
غيره(٣).
الخامسة عشرة: عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس فقال: إن
أرضَ الخَراجِ يعجِزُ عنها أهلها، أفأَعْمُرُها وأزرعُها وأؤدِّي خَراجَها؟ فقال: لا.
وجاءه آخر فقال له ذلك، فقال: لا، وتلا قولَه تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ وَلَا يَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ أيعمِدُ أحدُكم إلى الصَّغار في عنق
أحدهم فینتزعَه فيجعله في عنقه؟!
وقال كُليب بن وائل(٤): قلت لابن عمر: اشتريت أرضاً، قال: الشراءُ حسن.
قلت: فإني أعطي عن كلِّ جَرِيبٍ أرضٍ درهماً وقفيزَ طعام. قال: لا تجعل في عنقك
صَغَاراً.
وروى مَيمون بن مِهْران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما يَسرُّني أنَّ لي
الأرضَ كلَّها بجزية خمسة دراهم؛ أُقِرُّ فيها بالصَّغار على نفسي(٥).
(١) أخرجه أحمد (٥٣٤٤)، والبخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣).
(٢) يعني بدل قوله: ((واليد العليا المنفقة)) وهذه الرواية في مسند أحمد (٥٧٢٨).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩١٢ .
(٤) ابن بيجان القَّيمي اليَشْكري المدني ثم الكوفي، روى عن ابن عمر وجماعة. التهذيب ٤٧٤/٣ .
(٥) روى الأخبار الثلاثة عبد الرزاق (١٠١٠٧) و(١٠١٠٨) و(١٠١٠٩). والجريب في المساحة يعادل
(١٤٧٤) متراً مربعاً وقيل غير ذلك، والقفيز يعادل ٢٨ كيلو غراماً. ينظر معجم متن اللغة ٨٦/١ و ٤٩٩
و ٤ /٦١٨.

١٧٢
سورة التوبة: الآية ٣٠
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتٍ أَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اَللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ
أَبْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَّوْلَ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُّ
فَكَلَهُمُ اللَّهَ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
فیه سبع مسائل:
الأولى: قرأ عاصم والكسائيُّ: ((عزيرٌ ابنُ الله)) بتنوينِ ((عزير))(١). والمعنى: أن
((ابن)) على هذا خبر ابتداءٍ عن عُزِير. و((عزير)) ينصرف؛ عجميًّا كان أو عربيًّا(٢).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ((عُزَيْرُ ابْنُ)) بترك التنوين(٣) لاجتماع
الساكنين، ومنه قراءةُ مَن قرأ: ﴿قل هو اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَد﴾ [الإخلاص: ١- ٢](٤).
قال أبو عليٍّ: وهو كثير في الشعر. وأنشد الطبريُّ في ذلك:
لَتَجِدَنِّي بالأمير بَرّا وبالقناة مِدْعَساً مِكَرًا
إذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فِرَّا(٥)
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيُهُودُ﴾ هذا لفظٌ خَرَج على العموم، ومعناه
الخصوص؛ لأنَّ ليس كلُّ اليهود قالوا ذلك، وهذا مثلُ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ
النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقل ذلك كلُّ الناس.
وقيل: إن قائل(٦) ما حُكي عن اليهود: سلَّام بن مِشْكُم، ونعمان بن أوْفَى(٧)،
(١) السبعة ص٣١٣، والتيسير ص١١٨.
(٢) المحرر الوجيز ٢٣/٣ .
(٣) السبعة ص٣١٣، والتيسير ص١١٨.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣/٣، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٨٢.
(٥) تفسير الطبري ٤١٢/١١، والحجة للفارسي ١٨٤/٤، والمحرر الوجيز ٢٤/٣ وعنه نقل المصنف.
والرجز في ضرائر الشعر لابن عصفور ص١٠٦، والإنصاف ٢/ ٦٦٥، ومعاني القرآن للفراء ٤٣١/١،
وأمالي ابن الشجري ١٦٢/٢، واللسان (دعس) دون نسبة. والمدعس: الطعَّان. اللسان (دعس).
(٦) بعدها في (ظ): ذلك.
(٧) في النسخ: ونعمان بن أبي أوفى. والمثبت من سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠، وتفسير الطبري ٤٠٩/١١
وفيه تخريج الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما، والمحرر الوجيز ٢٣/٣ والكلام منه.

١٧٣
سورة التوبة: الآية ٣٠
وشاس بن قيس، ومالك بن الصّيف، قالوه للنبيّ ﴾.
قال النّقَّاش: لم يبق يهوديٌّ يقولها، بل انقرضوا(١). فإذا قالها واحدٌ فيتوجّه أن
تلزم الجماعةَ شُنْعَةُ المقالة؛ لأجل نباهة القائل فيهم. وأقوال النُّبَهَاء أبداً مشهورةٌ في
الناس يُحتجّ بها. فمِن هاهنا صحَّ أن تقول الجماعةُ قول نَبِيهها. والله أعلم.
وقد رُوي أنَّ سبب ذلك القولِ أنَّ اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام،
فرفع الله عنهم التوراةَ ومَحاها من قلوبهم، فخرج عُزيرٌ يَسيح في الأرض، فأتاه
جبريل فقال: ((أين تذهب))؟ قال: أَظْلُبُ العلم. فعلَّمه التوراةَ كلَّها، فجاء عزيرٌ
بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلَّمهم(٢).
وقيل: بل حفَّظها اللهُ عُزيراً كرامةً منه له، فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حقَّظني
التوراةَ، فجعلوا يدرسونها مِن عنده. وكانت التوراة مدفونةً، كان دَفَتَها علماؤهم حين
أصابهم من الفتن والجلاء والمرضِ ما أصاب، وقَتْل بُخْتَنَصَّر إياهم. ثم إنَّ التوراة
المدفونة وُجدت، فإذا هي متساوية لمَا كان عُزيّرٌ يدرس، فضلُّوا عند ذلك وقالوا: إنَّ
هذا لم يتهيَّ لِعُزيرٍ إلَّا وهو ابن الله؛ حكاه الطبريّ(٣).
وظاهِرُ قول النصارى أنَّ المسيح ابنُ الله، إنما أرادوا بنوَّةَ النَّسْل، كما قالت
العرب في الملائكة. وكذلك يقتضي قولُ الضحاك والطَّبريِّ وغيرِهما. وهذا أشنعُ
[في] الكفر. قال أبو المعالي(٤): أَظبقت النصارى على أنَّ المسيح إله وأنه ابن إله.
قال ابن عطية (٥). ويقال: إنَّ بعضهم يعتقدها بنوَّةً حنوٍّ ورحمة. وهذا المعنى أيضاً لا
يَحِلُّ أن تُطْلَقَ البنوَّةُ عليه، وهو كفر.
(١) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣/٣ والكلام بعده لابن عطية.
(٢) الكشاف ١٨٥/٢ .
(٣) في التفسير ١١/ ٤١٠ - ٤١١ عن السُّدِّيّ، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز
٢٤/٣ .
(٤) في الإرشاد ص٦٨ .
(٥) في المحرر الوجيز ٢٤/٣، وما قبله وما سلف بين حاصرتين منه.

١٧٤
سورة التوبة: الآية ٣٠
الثالثة: قال ابن العربيّ(١): في هذا دليلٌ من قول ربِّنا تبارك وتعالى على أنَّ مَن
أَخبر عن كفر غيره - الذي لا يجوز لأحدٍ أن يبتدئ به - لا حَرِجَ عليه؛ لأنه إنما ينطِقُ
به على معنى الاستعظام له، والردِّ عليه، ولو شاء ربُّنا ما تكلّم به أحدٌ، فإذا مگَّن من
إطلاق الألْسُنِ به فقد أَذن بالإخبار عنه، على معنى إنكارِه بالقلب واللسان، والردِّ عليه
بالحجة والبرهان.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾ قيل: معناه التأكيد، كما قال
تعالى: ﴿يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] وقوله: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾
[الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿فَإِذَا تُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ومِثْلُه كثيرٌ.
وقيل: المعنى: أنه قولٌ(٢) ساذَج ليس فيه بيانٌ ولا برهان، وإنما هو قولٌ بالفَم،
مجرَّدُ دعوَى(٣) لا معنى تحته صحيحٌ؛ لأنهم معترفون بأنَّ الله سبحانه لم يتخذ
صاحبةً، فكيف يزعمون أن له ولداً؟! فهو كذبٌ وقولٌ لسانِيٍّ فقط، بخلاف الأقوال
الصحيحة التي تَعْضُدها الأدلةُ ويقوم عليها البرهان.
قال أهل المعاني: إنَّ الله سبحانه لم يذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسُنِ إلا
وكان قولاً زوراً، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]
و﴿ كَبْرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] و﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم
مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١](٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلٌ﴾ (يضاهئون)):
يشابهون، ومنه قول العرب: امرأةٌ ضَهْيَاً للَّتي لا تَحيضُ، أو التي لا ثَدْيَ لها، كأنها
أَشْبَهت الرجال.
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٩١٣ .
(٢) في النسخ: أنه لما كان قول، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٤/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٤٤٣/٢ ،
والكلام فيهما بنحوه.
(٣) في (د) و(م): مجرد نفس دعوى.
(٤) ينظر مفردات الراغب ص ٦٥٠ .

١٧٥
سورة التوبة: الآية ٣٠
وللعلماء في ﴿قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثلاثةُ أقوال:
الأوّل: قولُ عَبَدة الأوثان: اللَّاتُ والعُزَّى ومنَاةُ الثالثةُ الأخرى.
الثاني: قول الكَفَرة: الملائكةُ بنات الله.
الثالث: قول أسلافِهم، فقلَّدوهم في الباطل واتَّبعوهم على الكفر، كما أخبر
عنهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا عَلَ أُمَّتِ﴾ [الزخرف: ٢٣](١).
السادسة: اختلف العلماء(٢) في ((ضهيا)) هل يُمدُّ أو لا؟ فقال ابن وَلَّاء(٣): امرأة
ضَهْيَا، وهي التي لا تَحيض؛ مهموزٌ غيرُ ممدود. ومنهم مَن يَمدُّ، وهو سيبويه(٤)
فيجعلها على فَعْلاء؛ بالمدِّ، والهمزة فيها زائدة؛ لأنهم يقولون: نساء ضُهْي،
فيحذفون الهمزة. قال أبو الحسن: قال لي النَّجِيرَمِيّ(٥): ضهياءة بالمد والهاء. جَمَع
بين علامتي تأنيث(٦)، حكاه عن أبي عمرو الشَّيبانيّ في النوادر. وأنشد:
ضهياءةٌ أو عاقرٌ جمادٍ (٧)
ابن عطية(٨): مَن قال: إن ((يُضَاهِئُونَ)) مأخوذٌ من قولهم: امرأة ضهياء، فقولُه
خطأ؛ قاله أبو عليّ(٩)؛ لأنَّ الهمزة في ((ضاها)) أصليةٌ، وفي ((ضهياء)) زائدةٌ؛
كحمراء.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٩١٤/٢ .
(٢) في (خ) و(ظ): النحاة.
(٣) محمد بن ولاد التميمي النحوي، صاحب التصانيف في علم العربية، أخذ النحو عن المبرد وثعلب، وقرأ
على المبرد كتاب سيبويه، وله في النحو كتاب: المنمَّق. توفي سنة (٣٠٠ هـ). الوافي بالوفيات ١٧٦/٥ .
(٤) الكتاب ٣٢٥/٤ .
(٥) كذا في (م)، واضطربت الكلمة في النسخ الخطية، ولعل الصواب: الجرمي، كما في الدر المصون
٣٩/٦، واللباب ٧٣/١٠. أبو الحسن هو الأخفش سعيد بن مسعدة.
(٦) وقال السمين في الدر المصون ٣٩/٦: شذَّ الجمع بين علامتي تأنيث في هذه اللفظة.
(٧) وقبله: وقال وهو صارم الفؤادٍ، وذكره ابن السكيت في تهذيب الألفاظ ٣٦٨/١ عن امرأة من العرب،
وهو في اللسان (ضها) دون نسبة، وفيهما: ضهيأة.
(٨) في المحرر الوجيز ٢٤/٣ .
(٩) في الحجة ٤/ ١٨٧ .

١٧٦
سورة التوبة: الآيتان ٣٠ - ٣١
السابعة: قوله تعالى: ﴿قَكَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: لعنهم الله، يعني
اليهود والنصارى؛ لأنَّ الملعون كالمقتول. قال ابن جُريج: قتَلَهُم اللـهُ(١)، هو بمعنى
التعجب. وقال ابن عباس: كلُّ شيء في القرآن قَتْل؛ فهو لعن(٢)؛ ومنه قول أبان بنِ
تغلب :
قاتلها اللهُ تَلْحاني وقد علمَتْ أنِّي(٣) لنفسيَ إفسادي وإصلاحي(2)
وحكى النقاش: أنَّ أصل ((قاتل الله)): الدعاء، ثم كثُر في استعمالهم حتى قالوه
على التعجب في الخير والشرّ، وهم لا يريدون الدعاءَ. وأنشد الأصمعيُّ:
وأُخبِرُ الناسَ أنّي لا أُباليها(٥)
يا قاتَلَ الله لَيْلَی کیف تُعجبني
قوله تعالى: ﴿اَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ
أَبْنجَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدًّاً لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ
مَزْيَمٌ﴾ الأحبار جمع حَبْر، وهو الذي يُحسنُ القولَ ويَنْظُمه ویُتْقِنه بحسن البيان عنه.
ومنه ثوبٌ محبَّر، أي: جمع الزينةً(٦). وقد قيل في واحد الأحبار: حِبر، بكسر الحاء.
والمفسرون على فتحها، وأهلُ اللغة على كسرها.
(١) في (د) و(ز) و(م): قاتلهم الله، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في تفسير البغوي ٢٨٥/٢
وفيه خبر ابن جريج، وذكر الطبري ٤١٥/١١ هذا القول عن أهل المعرفة بكلام العرب.
(٢) أخرجه الطبري ١١/ ٤١٥ .
(٣) في (خ) و(د): أن، وهي رواية.
(٤) لم نقف عليه عن أبان بن تغلب، وهو في ديوان عبيد بن الأبرص ص٥٢ ، ونسبه ابن ميمون البغدادي
في منتهى الطلب من أشعار العرب ٢١٩/٢ لأوس بن حجر. وتلحاني: تلومني. ينظر اللسان (لحا).
(٥) نسبه صاحبا الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين ص٧٤ لابن الدمينة، وفيه: سلمى، بدل: ليلى.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩١٤ .

١٧٧
سورة التوبة: الآية ٣١
قال يونس(١): لم أسمعه إلَّا بكسر الحاء، والدليل على ذلك أنهم قالوا: مدادُ
حِبر، يريدون: مدادَ عالمٍ، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد: حِبْر.
قال الفرّاء: الكسر والفتح لغتان. وقال ابن السِّكِّيت: الحِبر بالكسر: المِداد،
والحَبر بالفتح: العالِم (٢). والرهبانُ جمع راهب مأخوذٌ من الرَّهْبة، وهو الذي حَمَله
خوفُ اللهِ تعالى على أن يُخْلِصَ له النيةَ دون الناس، ويجعلَ زمانَه(٣) له، وعملَه
معه، وأُنْسَه به.
قوله تعالى: ﴿أَرْبَابًا مِن دُونِ الَّهِ﴾ قال أهل المعاني: جعلوا أحبارَهم ورُهْبانَهم
كالأرباب حيث أطاعوهم في كلِّ شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْفُخُواْ حَقَّةَ إِذَا جَعَهُ
نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي: کالنار. قال عبد الله بن المبارك:
وهل أَفْسَدَ الدِّينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورُهبانُها (٤)
روى الأعمش وسفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: سئل
حذيفةُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَّخَذُوَا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾:
هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكنْ أَحَلُّوا لهم الحرامَ فاستَحَلُّوه، وحرَّموا عليهم الحلالَ
فحرَّموه(٥).
وروى الترمِذيُّ عن عدِيّ بن حاتم قال: أتيتُ النبيَّ # وفي عنقي صليبٌ من
ذهب. فقال: ((ما هذا يا عدِيُّ، اْرَحْ عنك هذا الوثَنَ)). وسمعته يقرأ في سورة
(براءة): ﴿أَنَّخَذُوَا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْبَمٌ﴾
ثم قال: ((أمَا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنَّهم كانوا إذا أَحَلُّوا لهم شيئاً استَحَلُّوه،
(١) هو ابن حبيب، وقوله في تفسير الطبري ٤١٦/١١، والمحرر الوجيز ٢٥/٣ .
(٢) قول الفراء وابن السكيت في المحرر الوجيز ٢٥/٣ .
(٣) في أحكام القرآن لابن العربي ٩١٤/٢ (والكلام منه): زمامه.
(٤) شعب الإيمان (٧٣٠٠)، والاستذكار ٢/ ١٨٤ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٠١/٣، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٧٢، والطبري ٤١٨/١١ - ٤٢٠ .

١٧٨
سورة التوبة: الآيتان ٣١ - ٣٢
وإذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه)). قال: هذا حديثٌ غريبٌ لا يُعرف إلا من حديث
عبدالسلام بن حرب. وغُطيف بنُ أَغْيَن ليس بمعروف في الحديث(١).
قوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَزْيَمٌ﴾ مضى الكلام في اشتقاقه في ((آل
عمران))(٢). والمسيح: العَرَق يسيل من الجبين. ولقد أَحْسَنَ بعضُ المتأخِّرين فقال:
إذا شهدْتَ الحشرَ والميزانا
افرخ فسوف تَأْلَفُ الأحزانا
كأنه جداولٌ يَسِيحُ
وسال من جبينك المسيحُ
ومضى في ((النساء))(٣) معنى إضافته إلى مريمَ أمِّه.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُظْفِئُوا نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ
نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ
١٣٢
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: دلالته وحُججَه على توحيده.
جَعَل البراهين بمنزلة النور لِمَا فيها من البيان. وقيل: المعنى: نور الإسلام. أي: أنْ
یُخمِدوا دِینَ الله بتكذيبهم.
﴿يَأَفْوَهِهِم) جمع: فَوْه على الأصل؛ لأنَّ الأصل في فم: فَوْهٌ، مثل: حَوْض
وأحواض (٤).
﴿وَيَأَبَ اللّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ يقال: كيف دخلَت ((إلا)) وليس في الكلام حرفُ
نفي، ولا يجوز: ضربتُ إلا زيداً. فزعم الفراءُ(٥) أنَّ ((إلا)) إنما دخلَت لأنَّ في الكلام
طَرَفاً من الجَخد؛ قال الزجَّاج(٦): الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف، وأدوات
(١) سنن الترمذي (٣٠٩٥) من طريق عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد،
عن عدي بن حاتم.
(٢) ١٣٥/٥ - ١٣٦.
(٣) ٢٣٠/٧.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ٦/ ٥٧٥، واللسان (فوه).
(٥) في معاني القرآن له ١/ ٤٣٣.
(٦) في معاني القرآن له ٤٤٤/٢ .

١٧٩
سورة التوبة: الآيتان ٣٢ - ٣٣
الجَحد: ما، ولا، [ولم]، ولن (١)، وليس. وهذه لا أطرافَ لها يُنطقَ بها، ولو كان
الأمر كما أراد لجاز: كرهتُ إلا زيداً. ولكنَّ الجواب: أنَّ العرب تحذف مع ((أبَى)).
والتقدير: ويأبى الله كلَّ شيءٍ إلا أنْ يُتُمَّ نورَه.
قال عليّ بن سليمان: إنما جاز هذا في ((أبَى)) لأنها منعٌ أو امتناع، فضارعَت
النفيَ؛ قال النحاس(٢): فهذا حسن، كما قال الشاعر(٣):
أبَى الله إلا أنْ أكونَ لها ابْنَمَا
وهل ليَ أمُّ غِيرُها إنْ تركتُها
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يريد محمداً﴾. ﴿بِالْهُدَى﴾ أي:
بالفُرقان . ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: بالحُجَّة والبراهين. وقد أظهره
على شرائع الدِّين حتى لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها؛ عن ابن عباس(٤) وغيره.
وقيل: «ليُظهرَه) أي: ليُظهرَ الدِّينَ دِينَ الإسلام على كلِّ دِين؛ قال أبو هريرةَ
والضحَّاك: هذا عند نزول عيسى عليه السلام(٥). وقال السُّدِّيّ: ذاك عند خروج
المَهْدِيِّ؛ لا يبقى أحدٌ إلا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية (٦).
وقيل: المهديُّ هو عيسى فقط. وهو غير صحيح؛ لأنَّ الأخبار الصِّحاحَ قد
(١) في (خ) و(د) و(م): وإن، وهو صحيح أيضاً، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في معاني
القرآن للزجاج، وإعراب القرآن للنحاس ٢١١/٢ والكلام وما بين حاصرتين منه.
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ٢١١ .
(٣) هو المتلمِّس، والبيت في معاني القرآن للفراء ٤٣٣/١، والأصمعيات ص٢٤٥، وسر صناعة
الإعراب ص ١١٥، وخزانة الأدب ٥٩/١٠ .
(٤) أخرجه الطبري ٤٢٣/١١ .
(٥) تفسير البغوي ٢٨٦/٢، وأخرج قول أبي هريرة الطبري ٤٢٣/١١
(٦) زاد المسير ٤٢٨/٣ .

١٨٠
سورة التوبة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
تواترت على أن المهديَّ من عِثْرَة رسول اللـه ﴾(١)، فلا يجوز حَمْلُه على عيسى.
والحديث الذي ورد في أنه: ((لا مهديَّ إلا عيسى)) غير صحيح. قال البيهقي في كتاب
((البعث والنشور))(٢): لأنَّ راويه محمد بن خالد الجندي - وهو مجهول-يروي عن
أبان بن أبي عيَّاش - وهو متروك - عن الحسن، عن النبيِّ ﴾، وهو منقطعٌ(٣).
والأحاديث التي قبلَه في التنصيص على خروج المهدي - وفيها بيانُ كون المهدي من
عِتْرَة رسول الله # - أصحُ إسناداً.
قلت: قد ذكرنا هذا وزِذناه بیاناً في كتابنا ((كتاب التذكرة)»(٤) وذكرنا أخبار
المَهديِّ مستوفاةً والحمد لله.
وقيل: أراد: لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه في جزيرة العرب، وقد فَعل.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَعُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ
وَاَلْفِضَةَ وَلَا يُفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيٍِ
(٢٤)
فيه إحدى عشرةَ مسألةً:
(١) منها ما أخرجه أبو داود (٤٢٨٤)، وابن ماجه (٤٠٨٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ومنها ما
أخرجه الترمذي (٢٢٣٠) و(٢٢٣١) من حديث ابن مسعود ﴾ وقال: حديث حسن صحيح، وفي الباب
عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة. وذكر المزي في تهذيب الكمال ١٤٩/٢٥ عن أبي الحسن
محمد بن الحسين الآبُري الحافظ قال: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى،
يعني في المهدي، وأنه من أهل بيته ... وينظر تحفة الأحوذي ٦/ ٤٨٤ .
(٢) لم نقف على قول البيهقي في المطبوع من كتاب البعث والنشور، وذكره عنه أيضاً ابن الجوزي في
العلل المتناهية ٨٦٢/٢ - ٨٦٣، والمزي في تهذيب الكمال ١٥٠/٢٥، وقد ورد الكلام بنحوه في
بيان خطأ من أخطأ على الشافعي للبيهقي ص٢٩٩ - ٣٠٠.
(٣) وقد أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٩)، والحاكم ٤٤١/٤، والبيهقي في بيان خطأ من أخطأ على الشافعي
ص٣٠٠ من طريق محمد بن خالد الجَنَدي عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس، عن النبي # ..
قال البيهقي: فإن كانت الرواية عن محمد بن خالد صحيحة، وقد رواه مرة أخرى بخلافها (يعني
المرسلة المذكورة أعلاه)، كان هذا تخليطاً من جهته بروايته مرة هكذا ومرة هكذا، إلا أن في صحتها
عنه نظر، فإنه عن محدث مجهول.
(٤) ص ٦١٦ - ٦١٧ .