النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة التوبة: الآية ٢٤
ومنه: المعاشرةُ، وهي الاجتماع على الشيء (١). ﴿وَأَقْوَّلُ لَقَّفْتُمُوهَا﴾ يقول: اكتسبتموها
بمكة، وأصلُ الاقتراف: اقتطاعُ الشيء من مكانه إلى غيره. ﴿وَنَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
قال ابنُ المبارك: هي البناتُ والأخواتُ إذا كَسَدْنَ في البيت؛ لا يجدن لهنَّ خاطباً (٢).
قال الشاعر:
كَسَدْنَ من الفقر في قومهنّ وقد زادهنَّ مقامي كُسُودا(٣)
﴿وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ يقول: ومنازلُ تُعجبكم الإقامةُ فيها. ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم﴾ من
أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة. ((وأحَبَّ)) خبر كان. ويجوز في غير القرآن رفعُ
(أحبّ)) على الابتداء والخبر، واسم كان مضمَرٌ فيها. وأنشد سيبويه:
إذا مِتُّ كان الناسُ صِنفانٍ(٤) شامتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أصنَعُ(٥)
وأنشد:
هي الشفاءُ لدائي لو ظفرتُ بها وليس منها شفاءُ الداءِ مبذولٌ(٦)
وفي الآية دليلٌ على وجوب حبِّ الله ورسوله، ولا خلافَ في ذلك بين الأمَّة،
وأنَّ ذلك مقدَّم على كلِّ محبوب. وقد مضى في ((آل عمران))(٧) معنى محبة الله تعالى
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٦/٢ .
(٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨/٣.
(٣) ذُكر هذا البيت في ديوان نصيب بن رباح ص٨٦ وذكر جامعه أنه يجوز أن يكون لغيره، وهو فيه
برواية: سوادي، بدل: مقامي.
(٤) في (ز) صنفين. وهي رواية في البيت. ينظر الخزانة ٩/ ٧٣.
(٥) الكتاب ٧١/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/٢ والكلام منه، والبيت للعجير بن عبد الله السلولي
كما ذكر سيبويه، وأبو الفرج في الأغاني ٧١/١٣، والبغدادي في الخزانة ٩/ ٧٢ ، وذكره القالي في
أماليه ١١٦/٣ برواية: نصفان، وقال: أراد: كان الشأنُ الناسُ نصفان.
(٦) الكتاب ٧١/١، ونسبه فيه سيبويه لهشام بن عقبة أخي ذي الرمة، وهو في مصارع العشاق ٢/ ١٩٠.
والشاهد فيه أنه جعل في ليس ضمير الأمر والشأن، والجملة التي بعده في موضع خبره. شرح أبيات
سيبويه للسيرافي ١/ ٤٢١ .
(٧) ٩٠/٥ - ٩٣.

١٤٢
سورة التوبة: الآية ٢٤
ومحبة رسوله.
﴿وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا﴾ صيغتُه صيغةُ أمْرٍ، ومعناه التهديد(١). يقول: انتظروا
﴿ِحَ يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَنْرِةٍ﴾ يعني بالقتال وفتح مكة؛ عن مجاهد. الحسن: بعقوبةٍ آجِلةٍ أو
عاجلة(٢).
وفي قوله: ﴿وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ﴾ دليلٌ على فضل الجهاد، وإيثارِه(٣) على راحة
النفس وعَلائِقها بالأهل والمال. وسيأتي فضلُ الجهاد في آخر السورة (٤). وقد مضى
من أحكام الهجرة في ((النساء))(٥) ما فيه كفايةٌ، والحمد لله.
وفي الحديث الصحيح: ((إنَّ الشيطانَ قَعَد لابن آدمَ ثلاثَ مقاعدَ، فَعَد له في
طريق الإسلام فقال: لِمَ تَذَرُ دينَك ودينَ آبائك؟ فخالفَه وأسلم. وقعد له في طريق
الهجرة فقال له: أتَذَرُ أهلك ومالَكَ؟ فخالفه وهاجر. ثم قعد له في طريق الجهاد فقال
له: تجاهدُ فتُقتل فيُنْكَح أهلُك، ويُقسم مالك. فخالَفه وجاهد. فحقٌّ على الله أن
يدخلَه الجنةَ))(٦).
وأخرجه النَّسائيُّ من حديث سَبْرةً بنِ أبي فاکِهٍ قال: سمعت رسول الله {﴾ يقول:
((إنَّ الشيطانَ ... )) فذكره(٧). قال البخاريُّ(٨): ابن الفاكِه، ولم يذكر فيه اختلافاً. وقال
ابنُ أبي عَدِيٌّ(٩): يقال: ابن الفاكِهِ وابنُ أبي الفاكِه(١٠).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٦/٢ .
(٢) النكت والعيون ٣٤٩/٢ .
(٣) في (ظ): وإشارة.
(٤) عند تفسير الآيتين (١٢٠ - ١٢١)
(٥) ٥٠٦/٦
(٦) هو حديث سَبْرة بن فاكه، كما سيرد، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٦/٢ .
(٧) المجتبى ٦/ ٢١، وهو عند أحمد (١٥٩٥٨).
(٨) في التاريخ الكبير ٤/ ١٨٧ .
(٩) في (خ): ابن عدي.
(١٠) ينظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢٩٥/٤، والاستيعاب على هامش الإصابة ١٢١/٤.

١٤٣
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاِنَ كَثِيَرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٌ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
كَثَْتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ
وَلَيْتُم مُّدْيِينَ (٥ ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا
لَزْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ
بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاِنَ كَثِيرَةٍ﴾ لمَّا بلغ هوازِنَ فتحُ
مكة، جمعهم مالكُ بنُ عَوف النَّصْريُّ من بني نَصْر بن معاوية(١)، وكانت الرِّياسة في
جميع العسكر إليه، وساق مع الكفار أموالَهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم
أنَّ ذلك تَحْمَى به نفوسُهُم، وتشتدُّ في القتال عند ذلك شوكتُهم (٢).
وكانوا ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد. وقيل: أربعة آلاف من هَوَازن
وثَقِيف. وعلى هوازنَ مالك بنُ عوف، وعلى ثَقيف كِنانةُ بنُ عبد(٣)، فنزلوا
بأوطاس (٤).
وبعث رسولُ اللـه # عبدَ الله بنَ أبي حَذْرَد الأسلميَّ عَيْناً، فأتاه، وأخبره بما
شاهدَ منهم، فعَزَمَ رسولُ اللهِ ﴾ على قَصْدِهم، واستعار من صَفْوان بنٍ أُميّةً بن خلف
الجُمَحيِّ دروعاً؛ قيل: مئة درع. وقيل: أربع مئةٍ درع(٥).
(١) في النسخ: نصر بن مالك، والمثبت من الدرر ص٢٦٦، والكلام منه، والاستيعاب على هامش
الإصابة ٩/ ٣٢٢، والإصابة ٩/ ٦٤.
(٢) الدرر ص٢٦٦ .
(٣) تفسير البغوي ٢٧٨/٢، وكنانة هو ابن عبد ياليل، كان رئيس ثقيف في زمانه، ومات كافراً في بلاد
الروم. ينظر الإصابة ٣٥١/٨.
(٤) واد في دار هوازن، وهو موضع قريب من حنين. ينظر معجم ما استعجم ٢١٢/١، والمفهم ٤٤٨/٦.
(٥) الدرر ص٢٦٧، وسلف حديث صفوان ٦/ ٤٢٧.

١٤٤
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
واستسلف من [عبد الله بن أبي] ربيعةَ المخزوميّ ثلاثين ألفاً، أو أربعين ألفاً.
فلما قَدِم قضاه إياها. ثم قال له النبيُّ#: ((بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاءُ
السَّلَف الوفاءُ والحمد)» خرَّجه ابن ماجه في ((السنن))(١).
وخرج رسولُ الله# في اثني عشر ألفاً من المسلمين؛ منهم عشرةُ آلاف صحبوه
من المدينة، وألفان من مُسْلِمة الفتح، وهم الطلقاء، إلى مَن انضاف إليه من الأعراب
من سُليم وبني كِلاب وعَبْس وذُبيان. واستعمل على مكةَ عتَّابَ بن أَسِيد. وفي مخرجه
هذا رأى جُهَّالُ الأعراب شجرةً خضراءَ، وكان لهم في الجاهلية شجرةٌ معروفة تُسَمَّى
ذاتَ أنْواط، يخرج إليها الكفار يوماً معلوماً في السنة يعظمونها. فقالوا: يا رسول
الله، اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: ((الله
أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿أَجْعَل لَّا إِلَهَا كُمَا لَّمْ ءَإِهَةٌ قَالَ
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. لَتركبُنَّ سَنَنَ مَن قبلَكم حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة، حتى
إنهم لو دخلوا جُخْر ضَبِّ لدخلتموه))(٢).
فنهض(٣) رسولُ الله ﴾ حتى أتى واديَ حُنين، وهو من أودية تهامةً، وكانت هوازنٌ
قد كَمَنت في جَنَبتي الوادي؛ وذلك في غَبش الصبح، فحملت على المسلمين حَمْلَة
رجل واحد، فانهزم جمهور المسلمين؛ ولم يَلْوِ أحدٌ على أحد، وثبت رسولُ الله ◌ِ﴾،
وثبت معه أبو بكر وعمرُ، ومن أهل بيته عليٍّ والعباسُ، وأبو سفيانَ بنُ الحارث بنِ عبد
المطلب وابنُه جعفر، وأسامةُ بنُ زيد، وأَيْمَن بنُ عبيد - وهو أيمن ابنُ أمِّ أيمن، قُتل
يومئذ بحُنين - وربيعةُ بنُ الحارث، والفضلُ بن عباس. وقيل في موضع جعفر بن أبي
سفيان: قُثَم بن العباس. فهؤلاءِ عشرة رجال(٤)؛ ولهذا قال العباس:
(١) برقم (٢٤٢٤)، وهو عند أحمد (١٦٤١٠)، والنسائي في المجتبى ٣١٤/٧. وما سلف بين حاصرتين
منها.
(٢) سلف ٢٧٣/٧ .
(٣) النهوض: البراح من الموضع والقيامُ عنه. اللسان (نهض).
(٤) الدرر ص٢٦٨ - ٢٦٩، والحديث أخرجه أحمد (١٥٠٢٧) عن جابر ، فذكر فيه تسعة، ولم يذكر
جعفر بن أبي سفيان ولا قثم بن العباس.

١٤٥
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
وقد فرَّ مَن قد فرَّ عنه (١) وأقشعوا
نصرْنا رسولَ الله فى الحرب تسعة
بما مَسَّه في الله لا يتوَجَّعُ(٢)
وعاشِرُنا لاقَى الحِمام بنفسه
وثبتت أمُّ سُليم في جملةٍ مَن ثَبَت، محتزمةً، ممسكةً بعيراً لأبي طلحة وفي يدها
خَنْجر (٣). ولم ينهزم رسولُ اللـه ﴿ ولا أحدٌ من هؤلاء، وكان رسولُ الله ﴾ على بغلته
الشّهباء، واسمها دُلْدُل (٤).
وفي ((صحيح)) مسلم(٥) عن كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس
قال(٦): وأنا آخذٌ بلجام بغلةِ رسول اللـه ﴾، أَكُفُّها إرادةَ ألا تُسْرِعَ، وأبو سفيانَ آخذٌ
بركابِ رسولِ الله﴾، فقال رسولُ اللـه لَ﴾: ((أَيْ عَبَّاسُ؛ نادِ أصحابَ السَّمُرة))(٧).
فقال عباسٌ، وكان رجلاً صَيِّتاً - ويروَى من شدة صوته أنه أُغِير يوماً على مكة فنادى:
واصباحاه! فأَسقطت كلُّ حاملٍ سمعت صوته جَنِينَها (٨) -: فقلت بأعلى صوتي: أين
أصحابُ السَّمُرة؟ قال: فوالله لكأنَّ عَظْفَتَهُم حين سمِعوا صوتي عَظْفَةُ البقر على
أولادها. فقالوا: يا لَبَّيْكَ يا لَبَّيك. قال: فاقْتَتَلوا والكفارَ ... الحديث. وفيه: قال: ثم
أخذ رسولُ اللـه #ِ حَصَّياتٍ، فرمَى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: ((انهَزَموا ورَبِّ
محمد)). قال: فذهبت أنظرُ؛ فإذا القتالُ على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا
أنْ رَمَاهم بحَصَياته، فما زِلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلاً وأمْرَهم مُذْبِراً.
(١) في النسخ: منهم، والمثبت من المصادر.
(٢) الاستيعاب ٨/٦، وأسد الغابة ١٨٩/١، والبيت الأول في العمدة لابن رشيق ص٣٦، ووقع في
المصادر: سبعة، بدل: تسعة. وثامننا بدل: وعاشرنا.
(٣) أخرجه أحمد (١٢٩٧٧)، ومسلم (١٨٠٩) في خبر هوازن مطولاً من حديث أنس ـ
(٤) الدرر ص٢٦٩ .
(٥) برقم (١٧٧٥)، وهو عند أحمد (١٧٧٥).
(٦) في النسخ: وفي صحيح مسلم عن أنس قال عباس، والمثبت من المصادر.
(٧) السَّمُرة: هي شجرة الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه بيعة الرضوان بالحديبية، وكانوا بايعوه على ألا
يفروا. المفهم ٦١٥/٣ .
(٨) قوله: ويُروى من شدة صوته ... إلى هذا الموضع، استطراد من المصنف، وليس من الحديث
المذكور.

١٤٦
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
قال أبو عمر(١): رَوينا من وجوهٍ عن بعض مَن أسلم من المشركين ممن شهد
حُنيناً أنه قال - وقد سئل عن يوم حُنين -: لقينا المسلمين، فما لبثنا أن هزمناهم
واتبعناهم، حتى انتهينا إلى رجل راكب على بغلةٍ بيضاءَ، فلما رآنا زجَرَنا زجرةً
وانتهرَنا، وأخذ بكفِّه حَصَى وتراباً، فرَمى به وقال: ((شَاهَتِ الوجوهُ))(٢) فلم تبقَ عينٌ
إلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا.
وقال سعيد بن جُبير: حدّثنا رجلٌ من المشركين يوم حُنين قال: لمَّا التقينا مع
أصحاب رسول الله ﴾ لم يَقِفُوا لنا حَلَب شاةٍ، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة
الشَّهباء - يعني رسولَ اللـه * - تَلَقَّانا رجالٌ بيضُ الوجوهِ حِسانٌ، فقالوا لنا: شاهت
الوجوه، ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها. يعني الملائكة(٣).
قلت: ولا تعارُضَ(٤)؛ فإنه يَحتمِلُ أن يكونَ: شاهت الوجوهُ، من قوله # ومن
قول الملائكة معاً، ويدلُّ على أن الملائكةَ قاتلت يومَ حنين. فالله أعلم.
وقَتل عليٍّ﴾ يومَ حنين أربعين رجلاً بيده. وسَبَى رسولُ الله ﴾ أربعةَ آلاف
رأس. وقيل: ستةَ آلاف، واثنتي عَشْرَة ألفَ ناقةٍ سوى ما لا يُعلم من الغنائم.
الثانية: قال العلماء: في هذه الغَزاة قال النبيُّ#: ((مَن قتل قتيلاً له عليه بيّنة؛ فله
سَلَبه)). وقد مضى في ((الأنفال)) بيانه(٥). قال ابن العربيّ: ولهذه النكتة وغيرِها أدخل
الأحكاميُّون هذه الآيةَ في الأحكام.
(١) في الدرر ص ٢٧٠ .
(٢) خبر معناه الدعاء، أي: اللهم شوّه وجوههم، أو هو خبر عما يَحِلُّ بهم من التشويه عند القتل والأسر
والانتقام. المفهم ٣/ ٦١٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٩٣/١١ و٣٩٥، والبيهقي في دلائل النبوة ١٤٣/٥ عن عبد الرحمن بن أم بُرْثُنٍ
(وهو عبد الرحمن بن آدم البصري) قال: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين ... ، ولم نقف عليه
عن سعيد بن جبير. وقوله: حَلَب شاة، أي: وقت حلب شاة. النهاية (حلب).
(٤) ذكر هذا القول ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام ٤٨٨/٢، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره
٢/ ٢٧٠ والطبري ٣٩١/١١.
(٥) ص١٢-١٣ و١٥ من هذا الجزء.

١٤٧
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
قلت: وفيه أيضاً جوازُ استعارة السلاح، وجوازُ الاستمتاع بما استُعير إذا كان
على المعهود مما يُستعار له مثله، وجوازُ استلاف الإمام المالَ عند الحاجة إلى ذلك
وردِّه إلى صاحبه. وحديثُ صَفْوانَ أصلٌ في هذا الباب(١).
وفي هذه الغَزاة أمر رسولُ اللـه # ألا تُوطَأ حاملٌ حتى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتى
تحيضَ حيضة. وهو يدلُّ على أنَّ السَّبْيَ يقطع العِصمة. وقد مضى بيانُه في سورة النساء
مستوفّی(٢).
وفي حديث مالكِ أنَّ صفوان خرج مع رسول الله # وهو كافر، فشهد حُنيناً
والطائفَ وامرأتُه مسلمة. الحديث(٣).
قال مالك: ولم يكن ذلك بأمر رسول الله ﴾، ولا أرى أن يُستعانَ بالمشركين
على المشركين إلا أن يكونوا خَدَماً أو نَوَاتَيَّة(٤). وقال أبو حنيفة والشافعيُّ والثّوريُّ
والأوزاعيُّ: لا بأس بذلك إذا كان حكمُ الإسلام هو الغالب، وإنما تُكره الاستعانةُ
بهم إذا كان حكمُ الشرك هو الظاهر(٥). وقد مضى القول في الإسهام لهم في
((الأنفال))(٦).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ((حُنين)): وادٍ بين مكة والطائف، وانصرف
لأنه اسمٌ مذكَّر(٧)، وهي لغةُ القرآن. ومن العرب مَن لا يصرفه؛ يجعلُه اسماً
للبُقْعة(٨)، وأنشد:
(١) سلف ٦/ ٤٢٧.
(٢) ٢٠١/٦.
(٣) الموطأ ٥٤٣/٢ - ٥٤٤ .
(٤) النُوتيُّ: الملاح الذي يدير السفينة في البحر. النهاية (نوت).
(٥) التمهيد ٣٥/١٢ - ٣٦.
(٦) ص٢٩ من هذا الجزء.
(٧) قال الفراء في معاني القرآن ٤٢٩/١: إذا سميتَ ماء أو وادياً أو جبلاً باسم مذكرٍ لا علة فيه أَجْريتَه،
من ذلك: حنین وبدر وأحد وثبير وحراء ودابق وواسط.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٩/٢، وينظر معاني القرآن للفراء ٤٢٩/١.

١٤٨
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
نَصَرُوا نَبيَّهمُ وشدُّوا أزْرَه بحنينَ يوم تواكُلِ الأبطال(١)
((ويوم)) ظرف، وانتصب هنا على معنى: ونَصَركم يومَ حنين.
وقال الفرَّاء(٢): لم تنصرف ((مواطن)) لأنه ليس لها نظير في المفرد، وليس لها
جِماع(٣)؛ إلا أنَّ الشاعرَ ربما اضطُرَّ فجمع، وليس يجوز في الكلام كلُّ(٤) ما يجوز
في الشعر. وأنشد:
فهنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها(٥)
قال النحاس(٦): رأيت أبا إسحاقَ يتعجبُ من هذا قال: أَخذ قولَ الخليل وأخطأ
فيه؛ لأنَّ الخليلَ يقول: لم ينصرف لأنه جَمْعٌ لا نظير له في الواحد، ولا يُجمع جمع
التكسير، وأما بالألف والتاء فلا يمتنع.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُّكُمْ﴾ قيل: كانوا اثني عَشَر ألفاً(٧).
وقيل: أحدَ عَشَر ألفاً وخمسَ مئةٍ. وقيل: ستةَ عشر ألفاً(٨). فقال بعضهم: لن نُغلب
(١) قائله حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص ٣٩٠، ومعاني القرآن للفراء ٤٢٩/١ .
(٢) في معاني القرآن له ٤٢٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٠٨/٢ .
(٣) في (ظ): جمع، وكلاهما بمعنى.
(٤) قوله: كل، ليس في المصادر.
(٥) الرجز في تهذيب اللغة ٣٤٩/٩، واللسان (حدد) عن الأحمر في نعت الخيل، وبعده:
جُنْحَ النواصي نحو ألْوِياتها
وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ٤٢٩/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٠٩/٢ ، والخصائص
٢٣٦/٣، والحلل للبطليوسي ص٤٠٥ . وحدائدات جمع حدائد، وحدائد جمع حديدة، وهي القطعة
من الحدید. اللسان (حدد).
(٦) في إعراب القرآن ٢٠٩/٢، وأبو إسحاق الآتي ذكره، هو الزجَّاج.
(٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٥٤/٢، والحاكم ١٢١/٢، والبيهقي في الدلائل ١٤٢/٥ من حديث
عياض بن الحارث الأنصاري
(٨) الوسيط للواحدي ٢/ ٤٨٧ .
وأخرج البخاري (٤٣٣٣)، ومسلم (١٠٥٩): (١٣٥) عن أنس قال: لما كان يوم حنين التقى هوازنُ
ومع النبي # عشرة آلاف والطلقاء ...

١٤٩
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
اليوم عن قِلَّة(١). فَؤُكِلُوا إلى هذه الكلمة، فكان ما ذكرناه من الهزيمة في الابتداء، إلى
أن تراجعوا، فكان النصرُ والِّفَرُ للمسلمين ببركة سيد المرسلين ﴾. فبيَّن الله عزَّ
وجلَّ في هذه الآية أَنَّ الغلبَةَ إنما تكونُ بنصر الله؛ لا بالكثرة. وقد قال: ﴿وَإِن
يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: من
الخوف، كما قال:
كأنَّ بلادَ الله وهي عريضةٌ على الخائف المطلوبِ كَفَّةُ حابِلٍ(٢)
والرُّحب - بضم الراء - السَّعة. تقول منه: فلان رُخْب الصَّدر. والرَّحْب - بالفتح -:
الواسع. تقول منه: بلدٌ رَحْب، وأرضٌ رَحْبة. وقد رَحُبت ترحُب رُحْباً ورَحابة(٣).
وقيل: الباء بمعنى مع، أي: مع رحبها. وقيل: بمعنى على، أي: على رحبها. وقيل:
المعنى: برحبها، فـ ((ما)) مصدرية.
السادسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ تُدْبِرِينَ﴾ روى مسلم عن أبي إسحاق قال:
جاء رجلٌ إلى البراء فقال: أكنتم وَلَّيتم يوم حُنين يا أبا عُمارة؟ فقال: أشهد على
نبيِّ اللـه ﴿ ما وَلَّى، ولكنَّه انطلقَ أَخِفَّاءُ من الناس وحُسَّرٌ إلى هذا الحيّ من هوازن،
وهم قومٌ رُماة، فرمَوْهم برِشْقٍ من نَبلٍ كأنَّها رِجْلٌ من جرادٍ فانكشفوا، فأقبل القومُ
إلى رسول الله ﴾ وأبو سفيانَ يقودُ به بغلته، فنزلَ ودَعًا واستنْصَرَ وهو يقول: ((أنا
النبيُّ لَا كذِب. أنا ابنُ عبدِ المطّلب. اللَّهُمّ نزّلْ نصرَك)). قال البراءُ: كنَّا والله إذا
احمرَّ البأسُ نَّقِي به، وإنَّ الشجاعَ منَّا لَّلَّذِي يُحاذِي به. يعني النبيَّ ﴾(1).
(١) أخرجه البزار (كشف الأستار) (١٨٢٧) من حديث أنس ﴾، والطبري ٣٨٧/١١ و٣٨٩ عن قتادة
والسدي، والبيهقي في دلائل النبوة ١٢٣/٥ عن الربيع بن أنس. وذكر البغوي ٢٧٨/٢ أن اسم القائل
سلمة بن وقش.
(٢) سلف ٣١٥/٥.
(٣) الصحاح (رحب).
(٤) صحيح مسلم (١٧٧٦)، وهو عند أحمد (١٨٥٤٠)، والبخاري (٢٩٣٠) دون قول البراء الأخير. وأبو =

١٥٠
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
السابعة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَ رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أنزل
عليهم ما يُسكِّنهم ويُذهبُ خوفَهم، حتى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن وَلَّوْا.
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا أَزْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة يقوُّون المؤمنين بما يُلقون في قلوبهم من
الخواطر والتثبيت، ويُضعفون الكافرين بالتَّجبِين(١) لهم من حيث لا يَرَوْنهم، ومن غير
قتال؛ لأنَّ الملائكةَ لم تقاتل إلا يومَ بَدْر.
ورُوي أن رجلاً من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيلُ البُلْق،
والرجالُ الذين كانوا عليها، [عليهم ثياب] بيض، ما كنا [نراكم] فيهم إلا كهيئة
الشَّامَة، وما كان قَتْلُنا إلا بأيديهم. فأخبروا النبيَّ # بذلك فقال: ((تلك الملائكة))(٢).
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: بأسيافكم. ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ أي: على مَن انهزم، فيهديه إلى الإسلام؛ كمالك بن
عوف النَّصْريِّ رئيسٍ حُنين، ومَن أسلم معه من قومه(٣).
الثامنة: ولمَّا قسَّم رسولُ اللـه# غنائمَ حُنين بالجِعْرانة(٤)، أتاه وفدُ هوازن
مسلمين؛ راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، وقالوا: يا رسول الله، إنَّك
خيرُ الناس وأبرُّ الناس، قد أخذتَ أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال لهم: ((إني قد كنتُ
= إسحاق هو السَّبيعي، وأبو سفيان هو ابن الحارث. الحسَّر جمع حاسر: وهو الذي لا درع معه، ولا
شيء يتقي به النبل. والأخِفَّاء: المسرعون المستعجلون. المفهم ٦١٧/٣ - ٦١٨. والرَّجْل: الجراد
الكثير. النهاية (رجل).
(١) في (خ): بالتحبير، وفي (ظ): بالتحقير، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢٠٩/٢ .
(٢) تفسير البغوي ٢٧٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) قصة إسلام مالك بن عوف ذكرها ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٤٩١ ، وابن سعد
في الطبقات ٣١٢/١، والطبراني في المعجم الكبير ١٩/ (٦٧٢) عن محمد بن سلَّام الجُمّحي،
والبيهقي في دلائل النبوة ١٩٣/٥ عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وفيه أن رسول الله # قال:
(لو أتاني مسلماً رددت إليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل)) فجاء، ففعل به ذلك، واستعمله على مَن
أسلم من قومه.
(٤) الجِغْرانة: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان ٢/ ١٤٢ .

١٥١
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧
اسْتَأْنَيْتُ بكم، وقد وقعت المقاسم وعندي مَن تَرَوْن، وإنَّ خيرَ القول أصدقُه،
فاختاروا إِما ذَراريَّكم وإما أموالَكم)). فقالوا: لا نَعْدِلُ بالأنساب شيئاً. فقام خطيباً
وقال: ((هؤلاء جاؤونا مسلمين، وقد خيَّرناهم، فلم يعدلوا بالأنساب، فرضُوا بردٌ
الذُّرِّيَّة، وما كان لي ولبني عبد المطلب وبني هاشم فهو لهم)). وقال المهاجرون
والأنصار: أمَّا ما كان لنا فهو لرسول الله﴾. وامتنع الأقرعُ بنُ حابِس وعيينة بن
حِصْن في قومهما من أن يردُّوا عليهم شيئاً مما وقع لهم في سهامهم. وامتنع العباس
ابن مِرْدَاس السُّلَمي كذلك، وطمِع أن يساعدَه قومُه كما ساعد الأقرعَ وعُيينةَ قومُهما.
فأبت بنو سُليم وقالوا: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﴾. فقال رسول الله﴾: ((مَنْ
ضَنَّ منكم بما في يديه فإنَّا نعوِّضه منه). فردَّ عليهم رسولُ الله ﴿ نساءَهم وأولادهم،
وعوَّض مَن لم تَطِبْ نفسُه بترك نصيبه أعواضاً رضُوا بها(١).
وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ ◌ِئْر النبيِّ التي أرضعته من بني سعد، أتته يومَ حنينٍ،
فسألته سَبَايا حُنين. فقال ﴾: ((إني لا أملك إلا ما يُصيبني منهم، ولكنْ ائتيني غداً،
فاسأليني والناسُ عندي، فإذا أعطيتُكِ حِصتي أعطاكِ الناسُ)). فجاءت الغدَ، فبسط
لها ثوبه، فأقعدها عليه، ثم سألته فأعطاها نصيبه، فلمَّا رأى ذلك الناس أعطَوْها
أَنْصِباءَهم(٢).
وکان عدد سبي هوزان في قول سعيد بن المسيِّب ستة آلاف رأس(٣). وقيل:
أربعة آلاف. قال أبو عمر(٤): فيهن الشَّيماء أختُ النبيِّ # من الرَّضاعة، وهي بنت
الحارث بن عبد العُزَّى من بني سعد بن بكر، وبنتُ حليمة السعدية، فأكرمها
(١) أخرجه مطولاً أحمد (٦٧٢٩) و(٧٠٣٧)، والنسائي في المجتبى ٢٦٢/٦ - ٢٦٤، من حديث عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرج بعضه أحمد (١٨٩١٤)، والبخاري (٤٣١٨، ٤٣١٩) من حديث
مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، وينظر الدرر ص٢٧٦ ، وتفسير الطبري ٣٩١/١١.
(٢) أخرجه الطبري ٣٨٩/١١ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٩١/١١.
(٤) في الدرر ص٢٧٧ .

١٥٢
سورة التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٨
رسول الله﴾ وأعطاها وأحسنَ إليها، ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها وبما أفاء
الله عليها.
قال ابن عباس: رأى رسول اللـه ﴿ يومَ أوْطاسَ امرأةٌ تَعْدُو وتصيح ولا تستقرّ،
فسأل عنها فقيل: فقدت بُنيًّا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبِّله وتُذْنِيه، فدعاها
وقال لأصحابه: أطَارِحةٌ هذه ولدَها في النار؟)) قالوا: لا. قال: ((لِمَ.)) قالوا:
لشَفَقتها. قال: ((اللهُ أَرْحَمُ بكم منها)). وأخرجه مسلم بمعناه، والحمد لله(١).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُّ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن
شَاءَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيةٌ حَكِيمٌ هَا
فیه سبعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ابتداءٌ وخبر.
واختلف العلماءُ في معنى وصفِ المشرك بالنَّجَس؛ فقال قتادةُ ومَعْمر بن راشدٍ
وغيرُهما: لأنه جُنُب؛ إذ غُسْلُه من الجَنَابة ليس بغسل(٢).
وقال ابن عباس وغيرُه: بل معنى الشِّركِ هو الذي نجَّسه(٣). قال الحسنُ
البصرِيُّ: مَن صَافَحَ مشرِكاً فَلْيتوضأً(٤).
والمذهبُ كلُّه على إيجابُ الغُسل على الكافر إذا أسلم؛ إلا ابنَ عبدِ الحكم؛
(١) صحيح مسلم (٢٧٥٤)، وهو عند البخاري (٥٩٩٩)، وهو من حديث عمر بن الخطاب ﴾ ولم نقف
عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠/٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧١/٢، والطبري ٣٩٧/١١ من طريق
معمر عن قتادة.
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٢٠ بلفظ: بل معنى الشرك هو الذي كنجاسة الخمر، وكذا ذكره
الطبري ٣٩٨/١١ وقال: وهذا قول روي عن ابن عباس من وجه غير حميد فكرهنا ذكره.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٣٣، والطبري ٣٩٨/١١ - ٣٩٩. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وأما
نجاسة بدن المشرك؛ فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن الله تعالى أحلَّ طعام أهل
الکتاب.

١٥٣
سورة التوبة: الآية ٢٨
فإنه قال: ليس بواجب(١)؛ لأنَّ الإسلامَ يهدِم ما كان قبلَه. وبوجوب الغُسلِ عليه قال
أبو ثورٍ وأحمدُ.
وأسقطه الشافعيُّ وقال: أَحَبُّ إليَّ أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك قولُ:
إنه لا يعرف الغُسْل. رواه عنه ابن وهب وابنُ أبي أُوَيس(٢)؛ وحديث ثُمامةَ وقيس بنِ
عاصم يَرُدُّ هذه الأقوالَ. رواهما أبو حاتم البُسْتيُّ في صحيح مسنده(٣). وأنَّ النبيَّ ◌َ﴾
مَرَّ بِثُمامةَ يوماً فَأَسْلَمَ، فبعث به إلى حائط أبي طلحةً، فأمرَه أن يغتسل، فاغتسلَ
وصلَّى ركعتين، فقال رسول اللـه ﴾: ((لقد حَسُنَ إسلامُ صاحبِكم)). وأخرجه مسلمٌ
بمعناه(٤). وفيه: أنَّ ثمامةَ لَمَّا مَنَّ عليه النبيُّ:# انطلَقَ إلى نخْلٍ قريبٍ من المسجد
فاغتسَل. وأَمَرَ قيسَ بن عاصمٍ أن يغتسل بماءٍ وسِدْر.
فإن كان إسلامُه قُبيلَ احتلامِه؛ فغُسْلُه مستَحَبُّ. ومتى أسلم بعد بلوغه لَزِمَه أنْ
ينويَ بِغُسله الجنابةَ. هذا قولُ علمائنا، وهو تحصيلُ المذهب. وقد أجاز ابنُ القاسم
للكافر أن يغتسل قبلَ إظهار الشهادة بلسانه، إذا اعتَقَدَ الإسلامَ بقلبه. وهو قولُ ضعِيفٌ
في النظر، مخالِفٌ للأثر، وذلك أنَّ أحداً لا يكون بالنيّةِ مسلماً دونَ القول؛ هذا قولُ
جماعةِ أهلِ السنَّة في الإيمان: إنه قولٌ باللسان وتصديقٌ بالقلب، ويَزْكُو بالعمل. قال
الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُمْ﴾ (٥) [فاطر: ١٠].
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ((فلا يَقْرَبوا)) نهيٌّ؛ فلذلك
حُذِفت منه النونُ(٦). ((المسجِدَ الحرام)) هذا اللفظُ يُطلَقُ على جميع الحرم، وهو
(١) المحرر الوجيز ٢٠/٣.
(٢) إكمال المعلم ٩٩/٦، والمفهم ٥٨٥/٣ - ٥٨٦ .
(٣) برقم (١٢٣٨) من حديث أبي هريرة في قصة إسلام ثمامة بن أثال الحنفي، وسيذكر المصنف قطعة
منه، و(١٢٤٠) من حديث قيس بن عاصم ﴾. وقد سلف الحديثان ٤٢٢/٢ .
(٤) صحيح مسلم (١٧٦٤)، وهو عند أحمد (٩٨٣٣)، والبخاري (٤٦٢).
(٥) الكافي ١/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٩/٢ .

١٥٤
سورة التوبة: الآية ٢٨
مذهب عطاء(١)؛ فإذا يَحْرُم تمكينُ المشرِك من دخول الحَرَم أَجْمَعَ. فإذا جاءنا رسولٌ
منهم؛ خرج الإمامُ إلى الحِلِّ ليسمع ما يقول. ولو دخل مشركٌ الحَرَم مستوراً ومات،
نُبش قبرُه وأخرجت عظامُه، فليس لهم الاستيطانُ ولا الاجتياز.
وأما جزيرة العرب، وهي مكةُ والمدينة واليمامة واليمن ومَخالِفُها، فقال مالكٌ:
يُخْرَج من هذه المواضع كلُّ مَن كان على غير الإسلام، ولا يُمنعون من التردُّد بها
مسافرين. وكذلك قال الشافعيُّ رحمه الله؛ غيرَ أنه استثنى من ذلك اليمنَ. ويُضرَب
لهم أجلُ ثلاثةِ أيامٍ كما ضَرَبه لهم عمرُ ﴾ حين أَجْلَاهم. ولا يُدفنون فیھا، ویُلْجَؤون
إلى الحِلّ(٢).
الثالثة: واختلف العلماءُ في دخول الكفارِ المساجدَ والمسجدَ الحرام على خمسة
أقوال؛ فقال أهلُ المدينة: الآية عامَّةٌ في سائر المشركين وسائرِ المساجد. وبذلك
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عُمَّاله، ونَزَع في كتابه بهذه الآية. ويؤيِّدُ ذلك قولُه
تعالى: ﴿فِي بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦](٣)، ودخولُ الكفار
فيها مناقضً لترفيعها.
وفي ((صحيح)) مسلم وغيرِهِ: ((إنَّ هذه المساجدَ لا تَضْلُحُ لشيءٍ من البول والقَذَر)»
الحديث(٤). والكافرُ لا يخلو عن ذلك. وقال ﴾: ((لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا
جُنُب)) والكافر جُنُب(٥).
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فسمَّاه اللهُ تعالى نَجَساً، فلا يخلو أن يكون
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٨٨٠) و(٩٨٨١)، والطبري ٣٩٨/١١، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٢٨/٢.
(٢) المفهم ٤/ ٥٦٠، وينظر الأوسط لابن المنذر ٢٢/١١ - ٢٧، وإكمال المعلم ٣٨٢/٥، وخبر عمر ﴾
أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢٦/١١ .
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٢٠، وخبر عمر بن عبد العزيز أخرجه ابن أبي شيبة ٥١٢/٦ - ٥١٣، والطبري
٠٣٩٨/١١
(٤) صحيح مسلم (٢٥٨)، ومسند أحمد (١٢٩٨٤)، وهو من حديث أنس
(٥) المفهم ٥٨٤/٣، والحديث سلف ٣٤١/٦ .

١٥٥
سورة التوبة: الآية ٢٨
نجسَ العين، أو مبعَداً من طريق الحكم(١). وأيُّ ذلك كان فمنْعُه من المسجد واجبٌ؛
لأن العلةَ - وهي النجاسةُ - موجودةٌ فيهم، والحُرمةَ موجودةٌ في المسجد(٢).
يقال: رجلٌ نَجَس، وامرأة نَجَس، ورجلان نَجَس، وامرأتان نَجَس، ورجال
نَجَس، ونساء نَجَس، لا يُثَنَّى ولا يُجمع لأنه مصدر. فأما النِّجْس - بكسر النون وجزم
الجيم - فلا يقال إلا إذا قيل معه رِجْس. فإذا أُفرد قيل: نَجِس - بفتح النون وكسر
الجیم ۔ ونَجُس بضم الجيم(٣).
وقال الشافعيُّ رحمه الله: الآية عامةٌ في سائر المشركين، خاصَّةٌ في المسجد
الحرام، ولا يُمنعون من دخول غيره؛ فأباح دخولَ اليهوديِّ والنصرانيِّ في سائر
المساجد (٤). قال ابن العربيّ(٥): وهذا جمودٌ منه على الظاهر؛ لأن قوله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌ﴾ تنبيةٌ على العلة بالشرك والنجاسة.
فإن قيل: فقد ربط النبيُّ # ثُمامةً في المسجد وهو مشرك (٦)؟
قيل له: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحاً - بأجوبة:
أحدها: أنه كان متقدِّماً على نزول الآية.
الثاني: أن النبيَّ# كان قد عَلِم بإسلامه، فلذلك رَبَطْه(٧).
(١) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٨٥، ولابن العربي ٩٠١/٢ ، واختارا أن النجاسة هنا ليست
حسية، وإنما هي حكم شرعي. وقال الكيا الطبري: والنجاسة من حقها صحة إزالتها بالماء وذلك لا
يتأتى في الشرك.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠١ .
(٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٤٣٠/١، وتهذيب اللغة ٥٩٣/١٠، وتفسير البغوي ٢٨١/٢، وتاج
العروس (نجس).
(٤) المحرر الوجيز ٢٠/٣ .
(٥) في أحكام القرآن ٢/ ٩٠١ .
(٦) أخرجه أحمد (٩٨٣٣)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤)، وقد سلفت قطعة منه في المسألة
الأولى.
(٧) المفهم ٣/ ٥٨٤. قال أبو العباس: وهذا فيه بعد؛ فإنه نصَّ في الحديث على أنه أسلم بعد أنْ مَنَّ =

١٥٦
سورة التوبة: الآية ٢٨
الثالث: أنَّ ذلك قضيةٌ في عَيْنٍ، فلا ينبغي أن تُدفع(١) بها الأدلةُ التي ذكرناها؛
لكونها مفيدةً(٢) حُكْمَ القاعدة الكُلِّية. وقد يمكنُ أن يقال: إنما رَبَطّه في المسجد لينظر
حُسْنَ صلاة المسلمين واجتماعِهم عليها، وحُسْنَ آدابهم في جلوسهم في المسجد،
فيستأنس بذلك ويُسلم. وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضعٌ
يربطونه فيه إلا في المسجد، والله أعلم.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام
ولا غيرِهِ، ولا يُمنع دخولَ المسجد الحرام إلا المشركون وأهلُ الأوثان(٣). وهذا
قولٌ یردُّه کلُّ ما ذكرناه من الآية وغيرها.
قال الكِيَا الطبريُّ(٤): ويجوز للذّمِّيِّ دخولُ سائرِ المساجد عند أبي حنيفةً من غير
حاجة. والشافعيُّ يعتبر الحاجةً(٥)، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام.
وقال عطاء بن أبي رَباح: الحَرَم كلُّه قِلةٌ ومسجدٌ(٦). فينبغي أن يُمنعوا من دخول
الحَرَمِ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
وإنما رُفع من بيت أمِّ هانئ(٧).
= عليه وأطلقه. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٩٠١ : عِلْمُ النبي بإسلامه في المآل لا يحكم له به
في الحال.
(١) في النسخ الخطية: ترفع، وكذلك في المفهم ٥٨٤/٣ والكلام منه، والمثبت من (م).
(٢) في (م): مقيدة، والمثبت موافق لما في المفهم.
(٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٨٨/٣، والمحرر الوجيز ٢٠/٣.
(٤) في أحكام القرآن له ١٨٦/٣ .
(٥) في (م): وقال الشافعي تعتبر الحاجة.
(٦) سلف في المسألة الثانية.
(٧) أخرجه ابن سعد ٢١٣/١ - ٢١٤، وابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٣٩)، وأبو يعلى في المعجم
(١٠) من حديث أم هانئ رضي الله عنها. وأخرج البخاري (٣٤٩) عن أنس أن رسول الله # قال:
((فرج سقف بيتي وأنا بمكة))، فنزل جبريل، وذكر الحديث. قال الحافظ في الفتح ٢٠٤/٧: وفي رواية
الواقدي بأسانيده أنه أسري به من شعب أبي طالب ... والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ،
وبيتها عند شعب أبي طالب، فقُرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لأنه كان يسكنه.

١٥٧
سورة التوبة: الآية ٢٨
وقال قتادة: لا يقرب المسجدَ الحرامَ مشركٌ؛ إلا أن يكون صاحبَ جِزْیة، أو
عبداً كافراً لمسلم (١).
وروى إسماعيل بن إسحاق، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا شَريك،
عن أشعث، عن الحسن، عن جابر، عن النبيِّ# قال: ((لا يقرب المسجدَ مشركٌ إلا
أن يكون عبداً أو أَمَة، فيدخلُه لحاجة))(٢). وبهذا قال جابر بن عبد الله؛ فإنه قال:
العمومُ يمنع المشركَ عن قُرْبانِ المسجد الحرام، وهو مخصوصٌ في العبد والأمة(٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فيه قولان؛ أحدهما: أنه سنةً تسع
التي حجَّ فيها أبو بكر. الثاني: سنة عشر؛ قاله قَتادة. ابن العربيّ(٤): وهو الصحيح
الذي يعطيه مُقْتَضَى اللفظ، وإنَّ من العجب أن يقال: إنه سنةُ تسع، وهو العامُ الذي
وقع فيه الأذان(٥). ولو دخل غلامُ رجلٍ دارَه يوماً فقال له مولاه: لا تدخُلْ هذه الدارَ
بعد يومك، لم یکن المراد اليومَ الذي دخل فيه.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ قال عمرو بن فائدٍ: المعنى: وإِذْ
خفتم. وهذه عُجمةٌ، والمعنى بارعٌ بـ ((إن)). وكان المسلمون لمَّا مَنعوا المشركين من
الموسم - وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات - قذف الشيطان في قلوبهم الخوفَ
من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعَدَهم الله أن يُغنيَهم من فضله. قال الضحَّاك:
(١) المحرر الوجيز ٢١/٢، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧١/٢، والطبري ٤٠٣/١١ - ٤٠٤ .
(٢) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٨٩/٣ من طريق شريك به. ويحيى بن عبد الحميد هو الحمَّاني
الكوفي قال الحافظ في التقريب: حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. وشريك هو ابن عبد الله
النخعي، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وأشعث
هو ابن سوَّار، قال الحافظ: ضعيف. قلنا: والحسن لم يسمع من جابر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم
ص٣٩ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠١ . قال ابن العربي: هذا قول باطل وسند ضعيف لا يخص بمثله
العمومات المطلقة، فكيف المعلَّلة بالعلة العامة المتناولة لجميعها وهو الشرك؟
(٤) في أحكام القرآن ٩٠٣/٢ ، وما قبله منه.
(٥) أي: الأذان بسورة براءة. ينظر تفسير الطبري ٣٠٤/١١ وما بعدها.

١٥٨
سورة التوبة: الآية ٢٨
ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذِّمَّة بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. وقال عكرمة: أغناهم الله بإدرار
المطر والنبات وخِصب الأرض (١). فأخصبت تَبَالةُ وجُرَش، وحملوا إلى مكة الطعام
والوَدَك، وكَثُر الخير(٢). وأسلمت العرب: أهلُ نجد وصنعاءً وغيرهم؛ فتمادى
حُجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهورِ على الأمم.
والعَيْلة: الفقر. يقال: عالَ الرجل يَعِيلُ: إذا افتقر (٣). قال الشاعر (٤):
وما يَدري الفقيرُ متى غِنّاهُ وما يدري الغنيُّ متى يَعِيلُ
وقرأ علقمة وغيرُه من أصحاب ابن مسعود: ((عائلةً))(٥) وهو مصدر؛ كالقائلة
من: قال يقيل. وكالعافية والعاقبة(٦). ويَحتمِلُ أن يكون نعتاً لمحذوف تقديره: حالاً
عائلةً، ومعناه: خصلة شاقة. يقال منه: عالني الأمر يَعُولني: أي: شَقَّ عليَّ واشتدّ(٧).
وحكى الطبري(٨) أنه يقال: عال يعول: إذا افتقر.
السادسة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ تعلُّقَ القلبِ بالأسباب في الرزق جائزٌ،
وليس ذلك بمنافٍ للتوُّل، وإن كان الرزق مقدَّراً؛ وأمرُ الله وقَسْمُه مفعولاً، ولكنه
علَّقه بالأسباب حكمةً؛ ليعلم القلوبَ التي تتعلَّق بالأسباب من القلوب التي تتوقّل
على ربِّ الأرباب. وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكلَ. قال#: ((لو توكَّلتُم على الله
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٢١، وأخرج خبر الضحاك وعكرمة الطبري ٤٠٠/١١ - ٤٠٢
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٩٠٤/٢ . تَبَالة: موضع ببلاد اليمن. وجُرش: من مخاليف اليمن من جهة
مکة. معجم البلدان ٩/٢ و ١٢٦ .
(٣) المحرر الوجيز ٢١/٣ .
(٤) هو أحيحة بن الجلاح، والبيت في ديوانه ص٧٤، وسلف ٣٩/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص٥٢، والمحتسب ٢٨٧/١.
(٦) قوله: والعاقبة، من (خ) والمحرر الوجيز ٢١/٣، والكلام منه، وسيذكر المصنف هذين المصدرين
ص٢٠٠ من هذا الجزء.
(٧) معاني القرآن للنحاس ١٩٦/٣ .
(٨) في التفسير ٣٩٩/١١.

١٥٩
سورة التوبة: الآية ٢٨
حقَّ تَوَكُلِه، لَرَزْقَكم كما يرزقُ الطيرَ، تَغْدُو خِمَاصاً، وتَروح بِطاناً)). أخرجه
البخاريُّ(١).
فأخبر أنَّ التوكلَ الحقيقيَّ لا يُضَادُّه الغُدوُّ والرَّوَاحُ في طلب الرزق. ابن
العربي(٢): ولكنَّ شيوخ الصوفية قالوا: إنما يغدو ويروح في الطاعات، فهو [السببُ]
الذي یجلب الرزق. قالوا: والدليل عليه أمران:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيَّا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًاْ نَّعْنُ نَرْزُقُكْ﴾
[طه: ١٣٢].
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِلّهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
فليس يُنزلُ الرزقَ من مَحَلِّه - وهو السماء - إلا ما يصعد [إليها]، وهو الذكر الطيب
والعمل الصالح، وليس بالسعي في الأرض؛ فإنه ليس فيها رزق.
والصحيح ما أَحْكَمْته السنَّة عند فقهاء الظاهر، وهو العمل بالأسباب الدنيوية؛
من الحرث، والتجارة في الأسواق، والعمارةِ للأموال وغرس الثمار. وقد كانت
الصحابة تفعل ذلك والنبيُّ # بين أَظْهُرِهم.
قال أبو الحسن بن بَطَّال: أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا،
إلى غير ذلك من الآي. وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
[البقرة: ١٧٣]. فأَحَلَّ للمضطرِّ ما كان حَرُم عليه عند عُدْمِه للغذاء الذي أمره باكتسابه
والاغتذاءِ به، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء، ولو تَرَكَ السعيّ في تَّرْكِ
ما يتغذّى به لكان لنفسه قاتلاً. وقد كان رسولُ اللـه # يتلوَّى من الجوع ما يجد ما
يأكله، ولم ينزل عليه طعامٌ من السماء، وكان يدَّخر لأهله قوتَ سَنَتِه(٣) حتى فتح اللهُ
(١) كذا قال، والحديث ليس عند البخاري، وأخرجه أحمد (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤) من حديث عمر ﴾،
وسلف ٢٩٧/٧ .
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٩٠٣ ، وما قبله منه غير قوله: أخرجه البخاري. وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) أخرجه أحمد (١٧١)، والبخاري (٥٣٥٧)، ومسلم (١٧٥٧) من حديث عمر ﴾.

١٦٠
سورة التوبة: الآية ٢٨
عليه الفتوح. وقد روى أنس بن مالك أن رجلاً أتى النبيَّ # ببعيرٍ فقال: يا رسول
الله، أَعْقِلُهُ وأَتَوَكَّل، أو أُظْلِقُه وأَتَوَّل؟ قال: ((اعْقِلْه وتَوَكَّلْ)) (١).
قلت: ولا حجةً لهم في أهل الصُّفَّة؛ فإنهم كانوا فقراءَ يقعدون في المسجد، ما
يحرثون ولا يَتَّجرون، ليس لهم كسبٌ ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام عند ضِيق
البلدان (٢)، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويسوقون الماءَ لأبياتٍ رسول الله ◌ِ﴾،
ويقرؤون القرآنَ بالليل ويصلُّون. هكذا وصفهم البخاري وغيرُهُ(٣). فكانوا يتسبّبون.
وكان﴿ إذا جاءته هديةٌ أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصَّهم بها (٤)، فلما كثر الفتحُ
وانتشر الإسلامُ خرجوا وتَأمَّروا - كأبي هريرة(٥) وغيرِه - وما قعدوا.
ثم قيل: الأسباب التي يُطلب بها الرزق ستةُ أنواع:
أعلاها: كَسْبُ نبيِّنا محمدٍ ﴿؛ قال: (جُعِل رِزْقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعِل الذّلَّةُ
والصَّغار على مَن خالف أمري)). خرَّجه الترمذيُّ وصححه(٦). فجعل الله رزقَ نبيّه ◌ِ﴾
في كسبه لفضله، وخصّه بأفضل أنواع الكسب، وهو أخذُ الغلبة والقهر لشرفه.
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) وقال في آخر كتاب العلل في السنن: قال يحيى بن سعيد: هذا عندي حديث
منكر. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو
ابن أمية الضمري عن النبي # نحو هذا. اهـ وحديث عمرو بن أمية الضمري أخرجه ابن حبان (٧٣١).
(٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠٤ .
(٣) المفهم ٣٣٦/٥، وأخرجه البخاري (٦٤٥٢)، وأحمد (١٠٦٧٩) من حديث أبي هريرة وفيه: وأهل
الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال .. اهـ وباقي الوصف المذكور ورد بنحوه في حديث
أنس ﴾ عند أحمد (١٣٨٥٤)، ومسلم (٦٧٧): (١٤٧) في كتاب الإمارة، في وصف القراء السبعين
الذين استشهدوا في بئر معونة.
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة الذي سلف في وصف أهل الصفة.
(٥) أخرجه مسلم (٢٠٨٧).
(٦) ليس هو في سنن الترمذي، ولعل المصنف يعني به الترمذي الحكيم فقد أورد الحديث في نوادر
الأصول ص١١٣ و ١٣٤ ولم یذکر فیه تصحیحاً ولا غیره. وأخرجه أحمد (٥١١٤). ضمن حديث لابن
عمر، وإسناده ضعيف. وعلقه البخاري بصيغة التمريض قبل الحديث (٢٩١٤). وقال الحافظ في تغليق
التعليق ٤٤٦/٣: وله شاهد بإسناد حسن لكنه مرسل، رواه ابن أبي شيبة [٣٢٢/٥] من طريق طاوس
عن النبي # مثل حديث ابن عمر.