النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة التوبة: الآية ٢
وَرِثوا المكارمَ كابراً عن كابرٍ
المُكْرِهين السَّمْهِرِيّ(١) بأذْرُعٍ
والناظرين بأعينٍ مُحمَرَّةٍ
والبائعين نفوسَهم النبيِّهم
يتطهَّرون يرونه نُسكاً لهم
دَرِبوا كما دَرِبَتْ ببطٍ خَفِيَّةٍ
وإذا حَللتَ ليمنعوك إليهمُ
ضربوا عليًّا(٥) يوم بدرٍ ضربةً
لو يعلم الأقوامُ عِلْمي كلّه
قومٌ إذا خَوَت النجومُ فإنهم
إنَّ الخِيارَ هُمُ بنُو الأخيارِ
كَسوالفِ(٢) الهِنْدِيِّ غیرِ قِصَارِ
كالجَمْر غيرٍ كَلِيلةِ الأبصارِ
للموت يوم تَعانُقٍ وكِرَارِ
بدماءِ مَن عَلِقُوا من الكفَّارِ
غُلْبُ الرِّقابِ من الأسود ضَوَارٍ (٣)
أصبحتَ عند معاقلِ الأغفارِ (٤)
دانت لوقعتها جميعُ نِزادٍ
فيهم لصَدَّقني الذين أُماري
للطارقين النازلين مَقَاري(٦)
ثم أقام رسول الله # بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ذا الحجة والمُحرَّمَ وصفراً
وربيعاً الأوّلَ وربيعاً الآخِرِ وجُمادى الأُولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب مِن
سنة تسعٍ بالمسلمين إلى غزوة الروم، غزوةٍ تَبُوك. وهي آخِرُ غزوةٍ غزاها(٧).
قال ابن جريج عن مجاهد: لمَّا انصرف رسول الله # من تَبُوك أراد الحجَّ ثم
(١) السمهري: الرمح. الخزانة ١٢٤/١٠ .
(٢) في (م) والخزانة ومنتهى الطلب: كسوافل، وفي الديوان: كصواقل، والمثبت من النسخ الخطية
والسيرة. ويريد بسوالف الهندي: حواشي السيوف، وقد يريد به الرماح أيضاً لأنها تنسب إلى الهند.
الإملاء المختصر في شرح غريب السير ١٣٨/٣ - ١٣٩.
(٣) دربوا: تعوَّدوا. وخَفِيَّة: موضع تنسب إليه الأسود. وغُلْب: غِلاظ. الإملاء المختصر ١٣٩/٣.
(٤) الأغفار جمع غُفْر: وهو ولد الوعل. الإملاء المختصر ١٣٩/٣.
(٥) يريد علي بن مسعود بن مازن الغساني، وإليه تنسب بنو كنانة؛ لأنه كفل ولد أخيه عبد مناة بن كنانة
بعد وفاته، فنُسبوا إليه. الإملاء المختصر. وقال السهيلي في الروض الأنف ١٧٣/٤ : بنو علي: هم
بنو كنانة، وأراد: ضربوا قريشاً لأنهم من بني كنانة.
(٦) مَقاري جمع مِقْرَى: الذي يَقْرِي الضيف، والإِناءُ يقْرى فيه الضيف. المعجم الوسيط (قرا).
(٧) الدرر ص٢٨٦ .

١٠٢
سورة التوبة: الآية ٢
قال: ((إنه يحضر البيتَ عُراةٌ مشركون يطوفون بالبيت، فلا أُحبُّ أن أَحتَّ حتى لا
يكون ذلك))(١). فأرسل أبا بكر أميراً على الحج، وبعث معه بأربعين آيةً من صدر
((براءة)) ليقرأَها على أهل المَؤْسِم. فلما خرج دعا النبيُّ# عليًّا وقال: ((اخْرُجْ بهذه
القصَّةِ من صدر ((براءة)) فأذِّنْ بذلك في الناس إذا اجتمعوا)). فخرج عليٍّ على ناقة
النبيِّ# العَضْباء حتى أدرك أبا بكر الصدِّيقَ رضي الله عنهما بذي الحليفة. فقال
له أبو بكر لمَّا رآه: أَمِيرٌ أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم نهضا، فأقام أبو بكر
للناس الحجَّ على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية (٢).
في كتاب النَّسائيّ عن جابر: وأنَّ عليًّا قرأ على الناس ((براءة)) حتى ختمها قبل
يوم التَّرْوِيَةِ بيوم، وفي يوم عرفة وفي يوم النَّحر، عند انقضاء خُطبة أبي بكر في الثلاثة
الأيام. فلما كان يومُ النَّفْر الأولِ قام أبو بكر فخطب الناس، فحدَّثهم كيف يَنفِرون
وكيف يَرْمُون، يعلِّمهم مناسكهم. فلما فرغ قام عليٍّ، فقرأ على الناس ((براءة)) حتى
ختمها(٣).
وقال سليمان بنُ موسى: لمَّا خطب أبو بكر بعرفة قال: قُمْ يا عليُّ، فأدِّ رسالةً
رسولِ الله *، فقام عليٍّ ففعل. قال: ثم وقع في نفسي أنَّ جميع الناس لم يشاهدوا
خطبةَ أبي بكر، فجعلت أتتَّع الفساطيط يوم النحر (٤).
وروى الترمذيُّ عن زيد بن يُشَيْع قال: سألنا عليًّا: بأيِّ شيءٍ بُعثتَ في الحجة(٥)؟
قال: بُعثتُ بأربع: ألَّا يطوف بالبيت عُريان، ومَن كان بينه وبين النبيِّ # عهدٌ فهو إلى
(١) تفسير مجاهد ١/ ٢٧١، وأخرجه الطبري ٣٠٩/١١ - ٣١٠.
(٢) الدرر ص ٣٠٣، وأخرجه الطبري ٣١٦/١١ عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي وخبر
إرسال علي ﴾ ببراءة عند أحمد (٧٩٧٧)، والبخاري (٤٦٥٥)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) سنن النسائي (المجتبى) ٢٤٧/٥ - ٢٤٨ . وفيه عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال النسائي: ليس بالقوي
في الحديث.
(٤) المحرر الوجيز ٦/٢ - ٧، وأخرجه الطبري ٣٢١/١١ - ٣٢٢.
(٥) في (م): سألت ... الحج.

١٠٣
سورة التوبة: الآية ٢
مدَّته، ومَن لم يكن له عهدٌ فأَجَلُه أربعةُ أشهر، ولا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنة، ولا
يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. قال: هذا حديثٌ حسن صحيح(١).
وأخرجه النَّسائيُّ وقال: فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي(٢).
قال أبو عمر (٣): بُعث عليٍّ لَيَنبِذَ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهدَه، ويَعْهَد إليهم ألَّ يحَّ
بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان. وأقام الحجَّ في ذلك العام سنة تسعٍ أبو
بكر. ثم حجَّ رسولُ الله ﴿ مِن قابلٍ حَجَّتَه التي لم يحجَّ غيرَها من المدينة؛ فوقعت
حَجَّتُه في ذي الحجة. فقال: ((إنَّ الزمان قد استدار)) الحديث(٤)، على ما يأتي في آية
النَّسِيء بيانُه. وثبت الحجّ في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
وذكر مجاهد: أنَّ أبا بكر حجَّ في ذي القَعدة من سنة تسع(٥).
ابن العربيّ(٦): وكانت الحكمة في إعطاء ((براءة)) لعليٍّ: أنَّ((براءة)) تضمَّنت نقضَ
العهد الذي كان عَقَده النبيُّ ﴾، وكانت سيرةُ العرب ألَّ يَحُلَّ العَقدَ إلا الذي عَقَده،
أو رجلٌ من أهل بيته؛ فأراد النبيُّ# أن يقطعَ ألسنةَ العرب بالحجة، ويرسلَ ابنَ عمِّه
الهاشميَّ مِن بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلَّم. قال معناه الزجَّاج(٧).
الثالثة: قال العلماء: وتضمَّنت الآيةُ جوازَ قطع العهدِ بيننا وبين المشركين.
ولذلك حالتان: حالةٌ تنقضي المدَّةُ بيننا وبينهم فنؤذنُهم بالحرب. والإيذانُ اختيار.
والثانية: أن نخافَ منهم غدراً؛ فتَنْبِذَ إليهم عهدهم كما سبق.
ابنُ عباس: والآية منسوخة؛ فإنَّ النبيَّ ﴾ عاهد، ثم نبذ العهدَ لمَّا أُمِر بالقتال.
(١) سنن الترمذي (٣٠٩٢)، وليس في مطبوعه لفظة: صحيح، وهي ثابتة في التحفة ٧/ ٣٧٥ ، وأخرجه
أيضاً أحمد (٥٩٤).
(٢) المجتبى ٢٣٤/٥ ، وهو عند أحمد (٧٩٧٧). قوله: صحل صوتي، أي: بُحّ. النهاية (صحل).
(٣) في الدرر ص ٣٠٤ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (٣١٩٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ﴾.
(٥) أخرجه مطولاً عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، والطبري ٤٥٤/١١ - ٤٥٥ .
(٦) في أحكام القرآن ٢/ ٨٨٧ .
(٧) في معاني القرآن ٤٢٨/٢ .

١٠٤
سورة التوبة: الآية ٣
قوله تعالى: ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌَ
مِنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولُهُمْ فَإِنِ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ
مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾
فيه ثلاثُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَذَنْ﴾ الأذان: الإعلام لغةً مِن غير خلاف(١). وهو
عطف على ((براءة)). ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ الناسُ هنا جميعُ الخلق. ﴿يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾
ظرف، والعامل فيه ((أذان)) وإن كان قد وُصِف بقوله: ((مِنَ اللهِ))، فإن رائحة الفعل فيه
باقيةٌ، وهي عاملة في الظروف. وقيل: العامل فيه: ((مُخْزِي))، ولا يصحُّ عمل
((أذان))؛ لأنه قد وُصِف، فخرج عن حكم الفعل(٢).
الثانية: واختلف العلماء في الحجِّ الأكبر؛ فقيل: يوم عرفة. رُوي عن عمرَ
وعثمانَ وابنِ عباس وطاوس ومجاهد(٣). وهو مذهب أبي حنيفة، وبه قال
الشافعي (٤).
وعن عليٍّ وابن عباس أيضاً وابنٍ مسعود وابنٍ أبي أَوْفَى والمُغِيرةِ بنِ شعبةً أنه يومُ
النَّحر. واختاره الطبري(٥).
ورَوى ابن عمر أنَّ رسول اللـه ﴾ وقف يومَ النَّحر في الحَجّة التي حجَّ فيها فقال:
(أيُّ يوم هذا؟)) فقالوا: يوم النَّحر. فقال: ((هذا يومُ الحجِّ الأكبر)). أخرجه أبو داود (٦).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٨٣/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٥/٣ .
(٣) أخرج قولهم عدا قول عثمان الطبري ٣٢٢/١١ - ٣٢٤.
(٤) كذا ذكر المصنف عن الشافعي وأبي حنيفة، وذكره عن الشافعي أيضاً ابن العربي في أحكام القرآن
٨٨٦/٢، والقاضي عياض في إكمال المعلم ٤٥٨/٤. ورده النووي في المجموع ١٧٠/٨ وقال: بل
مذهب الشافعي وأصحابه أنه يوم النحر. اهـ. وذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٢٦/١ خلافاً بين أصحاب
الشافعي في هذه المسألة. ثم قال: وكذلك اختلف أصحاب أبي حنيفة، وليس عنه شيء منصوص.
(٥) في التفسير ٣٣٦/١١، وفيه تخريج قول الأئمة المذكورين وغيرهم ممن قال بهذا القول.
(٦) في سننه (١٩٤٥)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٠٥٨)، وعلقه البخاري إثر الحديث (١٧٤٢).

١٠٥
سورة التوبة: الآية ٣
وخرَّج البخاريُّ عن أبي هريرة قال: بعثَني أبو بكرِ الصِّدِّيقُ ﴾ فيمن يؤذِّن يوم
النحر بِمِنّى: لا يحجُّ بعد العام مشرٌ، ولا يطوف بالبيت عُريان. ويومُ الحجِّ الأكبر
يومُ النَّحر. وإنما قيل: الأكبر؛ من أجل قول الناس: الحجُّ الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى
الناس في ذلك العام، فلم يحجَّ عامَ حَجَّة الوداع الذي حجَّ فيه النبيُّ ﴾ مشركٌ(١).
وقال ابن أبي أَوْفَى: يومُ النحر يومُ الحجِّ الأكبر، يُهراق فيه الدمُ، ويُوضع فيه
الشّعْرُ، ويُلقى فيه الثَّفَثُ، وتَحِلّ فيه الحُرَم(٢). وهذا مذهب مالك؛ لأن يوم النَّحر فيه
الحجُّ كلُّه؛ لأن الوقوف إنما هو في ليلته، والرَّمْيُ والنحرُ والحَلْقِ والطوافُ في
صبیحته(٣).
احتجَّ الأولون بحديث [محمد بن قيس بن] مَخْرَمَةَ أن النبيَّ # قال: ((يومُ الحجّ
الأكبر يومُ عرفة)»(٤). رواه إسماعيلُ القاضي.
وقال الثَّورِيُّ وابنُ جُريج: الحِجُّ الأكبر أيامُ مِنَّى كلُّها. وهذا كما يقال: يوم
صِفِّين، ويوم الجَمَل، ويوم بُعاث؛ فيراد به الحِينُ والزمان، لا نفسُ اليوم(٥).
ورُويَ عن مجاهد: الحجُّ الأكبر: القِران، والأصغر: الإفراد. وهذا ليس من
الآية في شيءٍ (٦).
(١) صحيح البخاري (٣١٧٧)، وهو عند مسلم (١٣٤٧). وأخرجه بنحوه أحمد (٧٩٧٧). وقوله منه: ويوم
الحج الأكبر يوم النحر، وهو من كلام حميد بن عبد الرحمن راوي الحديث عن أبي هريرة، كما في
حدیث مسلم المذكور، وحديث البخاري (٤٦٥٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٧/٢، والطبري ٣٢٥/١١ و٣٣٢، وذكره ابن العربي في أحكام
القرآن ٨٨٦/٢. والتفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار والشارب، وحلق العانة، وغير
ذلك. القاموس (تفت).
(٣) المحرر الوجيز ٥/٣ .
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (١٥١)، وعبد الرزاق في التفسير ٢٦٧/٢، والطبري ٣٢٣/١١،
والبيهقي ١٢٥/٥، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر. ومحمد بن قيس بن مخرمة هو ابن
المطلب بن عبد مناف المطلبي، روى عن النبي # مرسلاً ويقال: له رؤية. التهذيب ٣/ ٦٨٠.
(٥) تفسير البغوي ٢٦٨/٢، وأخرج قولهما الطبري ٣٣٦/١١.
(٦) المحرر الوجيز ٥/٣ وأثر مجاهد أخرجه الطبري ٣٣٨/١١.

١٠٦
سورة التوبة: الآية ٣
وعنه وعن عَطاء: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغرُ: العُمْرة(١).
وعن مجاهد أيضاً: أيامُ الحجّ كلُّها(٢).
وقال الحسن وعبد الله بنُ الحارث بنِ نَوفل: إنما سُمِّي يومَ الحجِّ الأكبر؛ لأنه
حجَّ ذلك العامَ المسلمون والمشركون، واتفقت فيه يومئذ أعيادُ المِلَل: اليهود
والنصارى والمجوس. قال ابن عطية: وهذا ضعيف أن يصفه الله عزَّ وجلَّ في كتابه
بالأكبر لهذا. وعن الحسن أيضاً: إنما سُمِّي أكبر؛ لأنه حجَّ فيه أبو بكر ونُبذت فيه
العهود. وهذا [هو القول] الذي يُشبه نظر الحسن(٣).
وقال ابن سيرين: يوم الحجِّ الأكبر العامُ الذي حجَّ فيه النبيُّ# حَجَّة الوداع،
وحجّت معه فیه الأمم(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولُهُ﴾ ((أَنَّ)) بالفتح في موضع
نصب، والتقدیر: بأن الله. ومَن قرأ بالکسر قدَّره بمعنى: قال: إن الله. «برِيُ)) خبرُ
أنَّ. ((ورسولُه)) عطف على الموضع، وإن شئت على المضمر المرفوع في ((بريء)».
كلاهما حسن؛ لأنه قد طال الكلام(٥). وإن شئت على الابتداء والخبرُ محذوف؛
التقدير: ورسولُه بريء منهم(٦).
ومَن قرأ: ((ورسولَه)) بالنصب - وهو الحسن وغيرُه - عَطَفه على اسم الله عزَّ وجلَّ
على اللفظ(٧).
(١) أخرج قولهما الطبري ٣٣٨/١١ - ٣٣٩.
(٢) تفسير مجاهد ٢٧٢/١ - ٢٧٣، وهذا القول، والذي سلف عنه وعن الثوري من أن الحج الأكبر أيام
منى كلها، معناهما واحد. ينظر تفسير الطبري ٣٣٥/١١ - ٣٣٦.
(٣) المحرر الوجيز ٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٣٣٧/١١-٣٣٨.
(٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣/ ١٨٣، والبغوي ٢٦٨/٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٢/٢، وقراءة ((إن الله)) بكسر الهمزة من الشواذ، وذكرها ابن عطية في
المحرر الوجيز ٧/٣ ، وأبو حيان في البحر ٦/٥ عن الحسن والأعرج.
(٦) مشكل إعراب القرآن ٣٢٢/١، والمحرر الوجيز ٧/٣.
(٧) مشكل إعراب القرآن ٣٢٥/١، والمحرر الوجيز ٦/٢، إلا أن مكي نسب القراءة لعيسى بن عمر، =

١٠٧
سورة التوبة: الآيتان ٣ - ٤
وفي الشواذِّ: ((ورسولِه) بالخفض على القَسَم! أي: وحقِّ رسولِه(١)، ورُويت عن
الحسن(٢). وقد تقدَّمتْ قصة عمرَ فيها أولَ الكتاب(٣).
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: عن الشرك ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: أنفعُ لكم ﴿وَإِن تَوَّلَّئْتُمْ﴾
أي: عن الإيمان ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الَّهِ﴾ أي: فائِتِيه؛ فإنه محيط بكم ومنزِلٌ
عقابه علیکم.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في موضع نصب بالاستثناء
المتَّصل، المعنى: أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم.
وقيل: الاستثناء منقطع، أي: أنَّ الله بريء منهم، ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على
العهد؛ فأتمُّوا إليهم عهدهم(٤).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ﴾ يدلُّ على أنه كان من أهل العهد مَن خَاسَ بعهده،
ومنهم مَن ثبت عليه(٥)، فَأَذِنَ الله سبحانه لنبيِّهِ ﴾ في نقض عهدٍ مَن خاس، وأمرَ
بالوفاء لمن بقيَ على عهده إلى مدّته(٦).
= وزاد ابن عطية نسبتها لابن أبي إسحاق، وزاد أبو حيان في البحر ٦/٥ نسبتها لزيد بن علي، وهي
قراءة شاذة، ولم يذكروا هذه القراءة عن الحسن.
(١) الإملاء للعكبري (على هامش الفتوحات الإلهية) ١٣٩/٣، والكشاف ٢/ ١٧٣ وتفسير الرازي ٢٢٣/١٥،
وذكر الزمخشري في تأويلها وجهاً آخر، وهو الجر على الجوار. قال العكبري: ولا يكون عطفاً على
((المشركين)) لأنه يؤدي إلى الكفر.
(٢) البحر ٦/٥.
(٣) ٤٣/١ .
(٤) ينظر الإملاء (على هامش الفتوحات الإلهية) ١٣٩/٣، والكشاف ١٧٤/٢، والدر المصون ٩/٦.
(٥) في (م): على الوفاء.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٨٨٨/٢.

١٠٨
سورة التوبة: الآيتان ٤- ٥
ومعنى ((لَمْ يَنْقُصُوكُمْ)) أي: مِن شروط العهد شيئاً. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾: لم يعاونوا.
وقرأ عِكرمة وعطاء بنُ يَسار: ((ثم لم ينقضوكم)) بالضاد معجمةً(١) على حذف
مضاف، التقدير: ثم لم ينقضوا عهدهم. يقال: إن هذا مخصوصٌ يُراد به بنو ضَمْرةَ
خاصّةً. ثم قال: ﴿فَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُ إِلَى مَُّتِهِمَّ﴾ أي: وإن كانت أكثر من أربعة
أشهر (٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَخْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَسَلَخَ اٌلْأَثْهُرُ الْحُرُّمُ﴾ أي: خرج. وسلختُ الشهرَ: إذا
صِرتَ في آخِرِ (٣) أيامه، تَسْلَخُه سَلْخاً وسُلُوخاً، بمعنى: خرجتُ منه. وقال الشاعر:
إذا ما سلختُ الشهرَ أهللتُ قبله كفى قاتلاً سلخي الشهورَ وإهلالي (٤)
وانسلخَ الشهر وانسلخَ النهار من الليل المقبل. وسلختِ المرأة دِرعَها: نزعَتْه.
وفي التنزيل: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]. ونخلةٌ مِسلاخ، وهي التي
ينتشر بُشْرها أخضر(٥).
والأشهر الحُرُم فيها للعلماء قولان: قيل: هي الأشهر المعروفة، ثلاثةٌ سَرْدٌ،
(١) القراءات الشاذة ص٥١ عن عطاء، والمحتسب ٢٨٢/١ عن عكرمة.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٨٥/٣.
(٣) في (م): أواخر، والكلام في تهذيب اللغة ٧/ ١٧٠، ومجمل اللغة ٢/ ٤٧٠ .
(٤) قائله عمرو بن الأهتم، وهو في ديوانه (طبعة مؤسسة الرسالة) ص٩٨ ، وتهذيب اللغة ٧/ ١٧١ ،
وأساس البلاغة (سلخ)، والحماسة البصرية ٤١٦/٢ . ووقع في الحماسة البصرية: بعده، بدل: قبله،
وفي تهذيب اللغة: مثله، وفي أساس البلاغة: أهلكت مثله، ورواية الديوان: إذا ما سلخت الدهر
أهللت مثله ... ، ولم نقف على رواية: قبله.
(٥) مجمل اللغة ٢/ ٤٧٠ .

١٠٩
سورة التوبة: الآية ٥
وواحد فَرْد (١). قال الأصمّ: أُريد به مَن لا عَقدَ له من المشركين؛ فأوجب أن يُمسك
عن قتالهم حتى ينسلخ المحرَّم، وهو مدة خمسين يوماً على ما ذكره ابن عباس(٢)؛
لأن النداء كان بذلك يوم النحر. وقد تقدم هذا(٣).
وقيل: شهور العهد أربعة؛ قاله مجاهد وابن إسحاق وابنُ زيد وعمرو بنُ
شُعيب(٤)، وقيل لها: حُرُم؛ لأن الله حرَّم على المؤمنين فيها دماءَ المشركين والتعرُّضَ
لهم إلا على سبيل الخير (٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ عامٌّ في كلِّ مشرك، لكن السُّنّة خصَّت
منه ما تقدم بيانه في ((البقرة)) مِن امرأةٍ وراهبٍ وصبيٍ وغيرهم(٦). وقال الله تعالى في
أهل الكتاب: ﴿حَ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٩]. إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين
لا يتناول أهل الكتابَين، ويقتضي ذلك منعَ أخذ الجزية من عَبَدة الأوثان وغيرهم،
على ما يأتي بيانه(٧).
واعلم أنَّ مطلَق قوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يقتضي جوازَ قتلهم بأيِّ وجه كان،
إلا أنَّ الأخبار وردت بالنهي عن المُثلة (٨). ومع هذا فيجوز أن يكون الصدِّيق ﴾ حين
قتلَ أهل الرّدة بالإحراق بالنار، وبالحجارة، وبالرمي من رؤوس الجبال، والتنكِيس
(١) النكت والعيون ٣٤٠/٢ .
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٧٥/٣، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٣٠٦/١١ .
(٣) ص٩٧ من هذا الجزء.
(٤) أخرج قولهم الطبري ٣٤٥/١١ - ٣٤٦، وعلى هذا القول تكون الأشهر الحرم في الآية هي الأربعة
المتوالية من وقت العهد - وهو يوم النحر - إلى العاشر من ربيع الآخر. قال الكيا الطبري في أحكام
القرآن ١٧٥/٣ : وفيه شيء، وهو أن اسم الأشهر الحرم لا يُتعارف منه غیر المعهود، ولا یصیر بسبب
العهد الأشهُرُ مسماةً بالحرم.
(٥) تفسير الطبري ٣٤٥/١١ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٨٨٩/٢، وينظر ما سلف ٢٣٨/٣.
(٧) عند تفسير الآية (٢٩) من هذه السورة.
(٨) سلف تخريج هذه الأخبار ٢/ ٣٨٢ .

١١٠
سورة التوبة: الآية ٥
في الآبار، تعلَّق بعموم الآية. وكذلك إحراقُ عليٍّ ﴾ قوماً من أهل الرِّدة يجوز أن
يكون ميلاً إلى هذا المذهب، واعتماداً على عموم اللفظ (١). والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمِّ﴾ عامٌّ في كل موضع. وخصَّ أبو حنيفةً ﴾
المسجدَ الحرام؛ كما سبق في ((البقرة))(٢). ثم اختلفوا؛ فقال الحسين بنُ الفضل:
نسخت هذه كلَّ آية في القرآن فيها ذكرُ الإعراض والصبر على أذى الأعداء (٣).
وقال الضحَّاك والسُّدِّيُّ وعطاء: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِلَآَ﴾
[محمد: ٤]. وأنه لا يُقتل أسيرٌ صَبْراً؛ إما أن يُمنَّ عليه، وإما أن يُفادى (٤).
وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّ بَعْدُ وَإِمَّا فِلَآءُ﴾ وأنه لا
يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل.
وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. وهو الصحيح؛ لأن المَنَّ والقتلَ والفِداء لم
يَزَلْ من حكم رسول الله ﴿ فيهم من أول حربٍ حاربَهم، وهو يومُ بدر كما سبق(٥).
وقوله: ﴿وَنُذُوهُمْ﴾ يدلُّ عليه، والأَخْذ هو الأسْر. والأسْر إنما يكون للقتل أو الفِداء
أو المَنِّ على ما يراه الإمام.
ومعنى ((احصُرُوهم)) يريد: عن التصرف إلى بلادكم والدخولِ إليكم، إلا أنْ
تأذَنوا لهم، فيدخلوا إليكم بأمان [منكم](٦).
(١) أحكام القرآن للكيا ١٧٦/٣ - ١٧٧، وخبر علي ﴾ أخرجه أحمد (١٨٧١)، والبخاري (٦٩٢٢) عن
عكرمة، وينظر خبر أبي بكر ﴾ في تاريخ الطبري ٢٦٢/٣ - ٢٦٥.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٩٠، وينظر ما سلف ٢٤٣/٣ .
(٣) ذكره البغوي في التفسير ٢٦٩/٢، وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٥٥)، والبيهقي ١١/٩ عن
ابن عباس رضي الله عنهما نحوه.
(٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٣/٢ - ٤٢٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٣٠٩، والمحرر
الوجيز ٨/٣.
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٤/٢ - ٤٢٥، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٣٠٩ - ٣١٠،
وينظر ما سلف ص٧١ من هذا الجزء، وما بعدها، في فعل رسول الله # في أسرى بدر.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩١/٢ ، وما بین حاصرتين منه.

١١١
سورة التوبة: الآية ٥
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المَرْصَد: الموضع الذي
يُرقَب فيه العدوّ، يقال: رصدتُ فلاناً أَرصُده، أي: رَقَبْتُه(١). أي: أُقعدوا لهم في
مواضعِ الغِرَّة حيث يُرصَدون. قال عامر بنُ الظُّفَيل:
ولقد علمتَ وما إخالُك ناسياً أنَّ المنيَّةَ للفتى بالمَرْصَدِ(٢)
وقال النابغة(٣):
أعاذلُ إنَّ الجهل من لذة الفتى
وإن المنايا للنفوس بمرصدٍ
وفي هذا دليلٌ على جواز اغتيالهم قبل الدعوة(٤).
ونصب ((كلَّ)) على الظرف، وهو اختيار الزجاج(٥)؛ يقال: ذهبتُ طريقاً وذهبتُ
كلَّ طريق. أو بإسقاط الخافض؛ التقدير: في كلِّ مَرْصَد، وعلى كلِّ مَرْصَد(٦)؛
فيُجعل المَرْصَد اسماً للطريق.
وخظًّأ أبو عليٍّ (٧) الزجَّاجَ في جَعْله الطريقَ ظرفاً وقال: الطريق مكانٌ مخصوص
كالبيت والمسجد(٨)، فلا يجوز حذف حرف الجرّ منه إلا فيما ورد فيه الحذف
(١) تفسير الطبري ٣٤٣/١١ .
(٢) مجاز القرآن ٢٥٣/١ برواية: وما إخال سواءه، بدل: وما إخالك ناسياً.
(٣) كذا في النسخ، والبيت لعدي بن زيد العبادي كما في جمهرة أشعار العرب ٤٩٨/١، والحماسة
البصرية ٤٨/٢ . وأورد ابن منظور شطره الثاني في اللسان (رصد).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٩٠ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٤٣١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٢.
(٦) وهو قول الأخفش في معاني القرآن له ٥٤٩/٢، وذكره عنه الزجاج في معاني القرآن له ٤٣١/٢ .
(٧) هو الفارسي كما في الدرّ المصون ١١/٦، وذكر قوله أيضاً الطبرسي في مجمع البيان ١٥/١٠.
(٨) قال أبو حيان في البحر ١٠/٥: يصح انتصابه على الظرف؛ لأن قوله: ((واقعدوا لهم)) ليس معناه حقيقة
القعود، بل المعنى: ارصدوهم في كل مكان يُرصَد فيه، ومتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً
من لفظه، أو من معناه، جاز أن يصل إليه بغير واسطةٍ ((في))، فيجوز: جلست مجلس زيد، وقعدت
مجلس زيد، فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه، فكذلك إلى الظرف.

١١٢
سورة التوبة: الآية ٥
سماعاً (١)، كما حكى سيبويه: دخلت الشام ودخلت البيت، وكما قيل:
كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ(٢)
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا﴾ أي: من الشرك. ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوَا
الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ﴾ هذه الآية فيها تأمُّل، وذلك أن الله تعالى علَّق القتل على
الشرك، ثم قال: ((فَإِنْ تَابُوا)). والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك
يقتضي زوالَ القتل بمجرَّد التوبة من غير اعتبارِ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط
القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة، وهذا بيِّن في هذا المعنى. غيرَ أن الله
تعالى ذَكَر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما(٣). نظيرُه قوله ◌ِلت:
(«أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة،
فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقٌّها، وحسابُهم على الله)) (٤). وقال
أبو بكرِ الصدِّيقُ ﴾: واللهِ لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ
المال(٥). قال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه(٦). وقال ابن العربي (٧):
فانتظم القرآن والسنة واّرَدا.
ولا خلافَ بين المسلمين أنَّ مَن ترك الصلاة وسائرَ الفرائض مستحِلًّا كَفَر، ومَن
ترك السُّنَن متهاوِناً فسَق، ومَن ترك النوافل لم يَخْرَج، إلا أن يجحد فضلها فيكفر؛
لأنه يصير رادًّا على الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاء به وأخبر عنه.
(١) وذكر السمين في الدر المصون ١٢/٦ هذا الكلام في الرد على قول الأخفش بأن ((كل)) منصوب على
إسقاط حرف الجر ((على)).
(٢) الكتاب ٣٥/١ - ٣٦ وقائله ساعدة بن جوية الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ص ١٩٠، وسلف ١٧٥/٧.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٧٧ .
(٤) هو بهذا اللفظ حديث ابن عمر عند البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٥) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (١١٧)، والبخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠).
(٦) أخرجه الطبري ٣٦٢/١١ من قول ابن زید.
(٧) في أحكام القرآن ٢/ ٨٩٠ .

١١٣
سورة التوبة: الآية ٥
واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جَحْد لها ولا استحلال؛ فروى يونس بنُ عبد
الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول: قال مالك: مَن آمن بالله وصدَّق المرسلين
وأبى أن يصلِّي قُتل، وبه قال أبو ثَور وجميعُ أصحاب الشافعي. وهو قول حماد بنٍ
زید ومکحول وو کیع(١).
وقال أبو حنيفة: يُسجن ويضرب ولا يقتل. وهو قول ابن شهاب، وبه يقول داود
ابنُ علي. ومن حجتهم قولُه ◌َ ﴾: ((أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،
فإذا قالوها عَصَموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها))(٢). وقالوا: حقُّها الثلاث التي
قال النبيُّ:﴿: ((لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفْر بعد إيمان، أو زِنّى بعد
إحصان، أو قتل نفس بغير نفس))(٣).
وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أنَّ مَن ترك صلاةً واحدةً متعمِّداً حتى
يخرج وقتُها لغير عذر، وأبى من أدائها وقضائها، وقال: لا أصلي، فإنه كافر، ودَمُه
ومالُه حلالان، ولا يرثه وَرَثته من المسلمين، ويستتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتل، وحُكُمُ
مالِە کحکم مال المرتدّ؛ وهو قول إسحاق. قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم
من ◌َّدُن النبيِّ # إلى زماننا هذا(٤).
قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: واختلف أصحابنا متى يُقتل تارك الصلاة؛ فقال بعضهم:
في آخر الوقت المختار، وقال بعضهم: آخر وقتِ الضرورة، وهو الصحيح من ذلك.
وذلك أن يبقى من وقت العصر أربعُ ركعات إلى مَغيب الشمس، ومن اللیل أربعُ
ركعات لوقت العشاء، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس.
وقال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظّهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى
(١) التمهيد ٢٣١/٤، والاستذكار ٣٤٦/٥ .
(٢) سلف ٢٩٤/١.
(٣) التمهيد ٢٤٠/٤ - ٢٤١، والحديث أخرجه أحمد (٤٣٧)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٨)،
والنسائي ١٠٣/٧، وابن ماجه (٢٥٣٣) عن عثمان ، وسلف نحوه ١٠٩/٩ .
(٤) التمهيد ٢٢٥/٤، والاستذكار ٣٤٣/٥.

١١٤
سورة التوبة: الآيتان ٥ - ٦
طلوع الفجر(١).
السادسة: هذه الآية دالَّة على أنَّ مَن قال: قد تُبت، أنه لا يُجتزا بقوله حتی
يَنضاف إلى ذلك أفعالُه المحقّقةُ للتوبة؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ شَرَطَ هنا مع التوبة إِقامَ
الصلاة وإيتاءً الزكاة ليتحقَّق(٢) بهما التوبة. وقال في آية الربا: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ
رُؤُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وقال: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيِّئُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]
وقد تقدّم معنى هذا في سورة البقرة(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ ثُمَّ
أَثِنْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: من الذين أَمرتُك بقتالهم.
﴿أَسْتَجَارَكَ﴾ أي: سأل جِوارك، أي: أمانَك وذِمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن،
أي: يفهم أحكامه وأوامرَه ونَواهِيَه. فإن قَبِل أمراً فحسن، وأن أبَى فرُدَّه إلى مَأْمنه (٤).
وهذا ما لا خلافَ فيه، والله أعلم.
قال مالك: إذا وُجد الحربيُّ في طريق بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان.
قال مالك: هذه أمور مُشْتبِهة(٥)، وأرى أن يُردَّ إلى مأمنه.
قال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجراً بساحلنا فيقول: ظننت ألّا
تَعرِضوا لمن جاء تاجراً حتى يبيع(٦).
(١) التمهيد ٢٢٦/٤، والاستذكار ٣٤٣/٥.
(٢) في (خ) و(م): ليحقق.
(٣) ٢/ ٤٨٤ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٩١ .
(٥) في أحكام القرآن لابن العربي ٨٩١/٢ (والكلام منه): مشكلة.
(٦) عقد الجواهر الثمينة ٤٨١/١ .

١١٥
سورة التوبة: الآية ٦
وظاهر الآية إنما هي فيمن يريد سماعَ القرآن والنظرَ في الإسلام؛ فأما الإجارة
لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين، والنّظرِ فيما تعودُ عليهم به منفعتُه(١).
الثانية: ولا خلافَ بين كافة العلماء أنَّ أمان السلطان جائز؛ لأنه مقدَّمٌ للنظر
والمصلحة، نائبٌ عن الجميع في جلب المنافع ودفع المَضَارّ. واختلفوا في أمان غير
الخليفة؛ فالحرُّ يُمضَى أمانُه عند كافة العلماء. إلا أنَّ ابن حبيب قال: ينظر الإمام فيه.
وأمَّا العبدُ فله الأمان في مشهور المذهب، وبه قال الشافعيُّ(٢) وأصحابه وأحمد
وإسحاق والأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو ثور وداودُ ومحمد بنُ الحسن(٣). وقال أبو حنيفة:
لا أمانَ له، وهو القول الثاني لعلمائنا(٤).
والأوّل أصح؛ لقوله : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)).
قالوا: فلما قال: ((أدناهم))؛ جاز أمان العبد، وكانت المرأة الحُرةُ أخْرَى بذلك(٥)،
ولا اعتبارَ بعلَّة: لا يُسهم له(٦).
وقال عبد الملك بنُ الماجِشُون: لا يجوز أمان المرأة إلا أن يُجيزه الإمام، فشدً
(٧)
بقوله عن الجمهور
٠
وأما الصبيُّ فإذا أطاق القتال جاز أمانُه؛ لأنه من جملة المقاتلة، ودخل في الفئة
الحامية(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٩١ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩١/٢ - ٨٩٢ .
(٣) التمهيد ١٨٨/٢١ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٢/٢، وذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٨٨/٢١ عن أبي حنيفة وأبي
يوسف أنهما قالا في العبد: أمانه غير جائز إلا أن يقاتل.
(٥) التمهيد ١٨٧/٢١، والحديث سلف ٦٨/٣ .
(٦) في هذا رد على أبي حنيفة حيث رأى أن من لا يُسهم له في الغنيمة من عبد أو امرأة أو صبي لا أمان له.
ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٢/٢ .
(٧) التمهيد ٢١/ ١٩٠ - ١٩١.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٩٢ .

١١٦
سورة التوبة: الآية ٦
وقد ذهب الضّحَّاك والسُّدِّيُّ إلى أنَّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾. وقال الحسن: هي مُحْكّمة سُنَّة(١) إلى يوم القيامة. وقاله مجاهد. وقيل:
هذه الآية إنما كان حكمها باقياً مدةً الأربعة الأشهر التي ضُربت لهم أجلاً(٢)، وليس
بشيء.
قال سعيد بن جُبير: جاء رجل من المشركين إلى عليّ بن أبي طالب فقال: إن
أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء الأربعةِ الأشهرِ فيسمعَ كلام الله أو يأتيه
بحاجة قُتل! فقال عليٍّ: لا، لأنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أَسْتَجَارَكَ فَأَخِرُهُ حَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾(٣). وهذا هو الصحيح. والآية مُحكمة.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ ((أَحَدٌ)) مرفوع بإضمارِ فعلٍ كالذي بعده. وهذا
حَسَن في ((إِنْ)) وقبيحٌ في أخواتها. ومذهب سيبويه في الفرق بين ((إن)) وأخواتها: أنها
لمَّا كانت أمّ حروف الشرط خُصَّت بهذا، ولأنها لا تكون في غيره. وقال محمد بنُ
يزيد: أما قوله: لأنها لا تكون في غيره، فغلط؛ لأنها تكون بمعنى ((ما))، [وزائدة]
ومخففةً من الثقيلة. ولكنها مبهمة، وليس كذا غيرُها(٤). وأنشد سيبويه:
لا تَجْزَعي إن مُنْفِساً أهلكْتُهُ وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجْزَعي(٥)
الرابعة: قال العلماء: في قوله تعالى: ﴿حَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ دليلٌ على أن كلام
الله عزَّ وجلَّ مسموعٌ عند قراءة القارئ؛ قاله الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو
العباس القلانسي وابنُ مجاهد وأبو إسحاق الإسفرايني وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿حَّ
(١) في (خ): مثبتة.
(٢) المحرر الوجيز ٩/٣ .
(٣) ذكره أبو الليث في التفسير ٣٤/٢، والزمخشري في الكشاف ١٧٥/٢، والرازي ٢٢٦/١٥ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. ومحمد بن يزيد هو المبرِّد.
(٥) الكتاب ١٣٤/١، وقائله النمر بن تولب، وهو أيضاً في الخزانة ٣١٤/١ . ومعناه كما ذكر البغدادي:
أن الشاعر يقول مخاطباً زوجته: لا تجزعي من إنفاقي النفائس ما دمت حيًّ، فإني أحصل على أمثالها
وأخلفها عليك، ولكن اجزعي إذا مت فإنك لا تجدين خَلَفاً مني.

١١٧
سورة التوبة: الآيتان ٦ - ٧
يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾. فنصَّ على أن كلامه مسموع عند قراءة القارئ لكلامه(١). ويدلُّ عليه
إجماع المسلمين على أن القارئ إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورةً قالوا: سمعنا كلام
الله. وفرَّقوا بين أن يُقرأ كلام الله تعالى وبين أن يُقرأ شعر امرئ القيس. وقد مضى في
((البقرة))(٢) معنى كلام الله تعالى، وأنه ليس بحرف ولا صوت، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿كَيّفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا
الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَمَّ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّ الَّذِينَ
عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كيف هنا للتعجب، كما تقول: كيف يَسبقُني فلان!
أي: لا ينبغي أن يسبقني. و((عهد)) اسم ((يكون)). وفي الآية إضمار، أي: كيف يكون
للمشركين عهد مع إضمار الغدر(٣)، كما قال:
وخبَّرتُماني إنما الموت بالقُرَى فكيف وهَاتَا هَضْبةٌ وكَثِيبُ (٤)
التقدير: فكيف مات؛ عن الزجاج(٥).
وقيل: المعنی: کیف یکون للمشرکین عهد عند الله يأمنون به عذابه غداً، وكيف
(١) ينظر في هذه المسألة الإنصاف لأبي بكر الباقلاني ص٩٤ ، والإرشاد للجويني ص٢٩، وأحكام
القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢، وشرح العقيدة الطحاوية ١٩٤/١.
(٢) ٢ / ٢١٢، وتقدم التعليق على مسألة الكلام في ٢ / ٩١ .
(٣) تفسير الرازي ٢٢٩/١٥ .
(٤) قائله كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي بها أخاه، وهو في الكتاب ٤٨٧/٣، والأصمعيات ص ٩٧ ،
وتفسير الطبري ٣٥٤/١١ وأمالي القالي ١٥١/٢، والحماسة البصرية ٢٣٢/١، ومنتهى الطلب ٣٩٣/٦،
وديوان المعاني ١٧٩/٢، ووقع في الكتاب والأصمعيات: وقَليب، بدل: وكثيب. قال الشنتمري في
تحصيل عين الذهب ص٥١١ : هاتا: هذه، وأراد بالقَليب: القبر. وقال الطبري: معنى الكلام: فكيف
یکون الموت في القرى، وهذي هضبة و کثیب لا ينجو فيهما منه أحد.
(٥) في معاني القرآن ٤٣٣/٢ .

١١٨
سورة التوبة: الآيتان ٧ - ٨
يكون لهم عند رسوله عهدٌ يأمنون به عذابَ الدنيا. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدُثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال محمد بن إسحاق: هم بنو بكر(١)، أي: ليس
العهد إلا لهؤلاء الذين لم يَنقضوا ولم يَنْكُثوا(٢).
قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَمَّ﴾ أي: فما أقاموا على الوفاء
بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك. ابن زيد: فلم يستقيموا فضرب لهم أجلاً أربعة
أشهر(٣). فأمَّا من لا عهدَ له فقاتِلوه حيث وجدتموه إلَّا أن يتوب.
قوله تعالى: ﴿كَيّفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا زِمَّةُ
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَأَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ (@)﴾
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيَّكُمْ﴾ أعاد التعجب مِن أن يكون لهم
عهد مع خُبث أعمالهم، أي: كيف يكون لهم عهد، وإن يظهروا عليكم لا يَرقُبوا
فيكم إلَّ ولا ذِمّة (٤). يقال: ظهرتُ على فلان، أي: غلبته، وظهرتُ البيتَ:
عَلَوتُهُ(٥)، ومنه: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: يعلوا عليه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾ ((يرقُبوا)): يحافظوا. والرقيب: الحافظ.
وقد تقدم(٦).
((إلَّا)) عهداً؛ عن مجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضاً: هو اسم من أسماء الله
عزَّ وجلَّ. ابن عباس والضحَّاك: قرابة. الحسن: جِواراً. قتادة: حِلْفاً. و((ذِمَّةً)):
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٥٤٤ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٣٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٩/٣، وأخرجه الطبري ٣٥٢/١١.
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٨٦/٣.
(٥) الصحاح (ظهر).
(٦) ٦ / ١٧ .

١١٩
سورة التوبة: الآية ٨
عهداً(١). أبو عبيدة: يميناً. وعنه أيضاً: الإلُّ: العهد، والذِّمَّة: التذمُّم(٢). الأزهري:
اسم الله بالعبرانية.
وأصله من الأَلِيْل، وهو البريق؛ يقال: أَلَّ لونُه يَؤُلُّ أَلَّ، أي: صَفَا وَلَمَع. وقيل:
أصله من الحِدّة؛ ومنه: الأَلَّة؛ للحَرْبة. ومنه: أُذُن مُؤَلَّلة، أي: مُحدَّدة(٣)؛ ومنه قول
طَرَفَةَ بنِ العبد يصف أُذُني ناقته بالحِدَّة والانتصاب:
مُؤَلَّلتانِ تَعرف العِثْقَ فيهما كسامِعَتَي شاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْرَدٍ(٤)
فإذا قيل للعهد والجوار والقرابة: ((إِلّ))، فمعناه أن الأُذُن تُصرَف إلى تلك
الجهة، أي: تُحدَّد لها.
والعهد يسمَّى ((إلَّا)) لصَفائه وظهوره. ويجمع في القِلَّة: آلال. وفي الكثرة: إِلَال(٥).
وقال الجوهري(٦) وغيره: الإِلُّ بالكسر هو الله عزَّ وجلَّ، والإلُّ أيضاً: العهد
والقرابة. قال حسان:
كلِّ السَّقْبِ من رَأل النَّعامِ(٧)
لعمرُكَ إنّ إِلَّكَ من قريشٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَا ذِمَّةٌ﴾ أي: عهداً. وهي كلُّ حُرمة يلزمُك إذا ضيَّعتَها ذنب. قال
ابن عباس والضحَّاك وابن زيد: الذِّمَّة العهد (٨). ومَن جعل الإلَّ العهدَ فالتكريرُ
لاختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: الذمة التذمُّم(٩). وقال أبو عبيد: الذِّمَّة
(١) أخرج هذه الآثار عدا قول الحسن الطبري ٣٥٥/١١ - ٣٥٧، وذكر قول الحسن الماوردي في النكت
والعيون ٢/ ٣٤٣ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٠٢/٣ .
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٥٣ .
(٣) ينظر تهذيب اللغة ٤٣٤/١٥ - ٤٣٦، وغريب الحديث لأبي عبيد ٩٩/١ .
(٤) ديوان طرفة ص٢٨، والخزانة ٤٣٦/٧؛ وقال البغدادي: العتق: الكرم والنجابة، وحومل: اسم
رملة، والشاة هنا: الثور الوحشي. شبَّه أذني ناقته بأذني ثور وحشي لتحديدهما وصدق سمعهما.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٤/٢ .
(٦) في الصحاح (ألل).
(٧) ديوان حسان ص٢١٦ . السَّقْب: ولد الناقة. والرأل: ولد النعامة. القاموس (سقب) (رأل).
(٨) أخرج قولهم الطبري ٣٥٦/١١ - ٣٥٧ .
(٩) مجاز القرآن ١/ ٢٥٣، وسلف قريباً.

١٢٠
سورة التوبة: الآيات ٨ - ١٠
الأمان في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ويسعى بذمتهم أدناهم))(١). وجمع ذِمّة: ذِمم.
وبئرٌ ذَمَّةٌ - بفتح الذال ـ قليلةُ الماء، وجمعها ذِمام (٢). قال ذو الرُّمّة:
على حِمْيَرِيَّاتٍ كأنَّ عُيونَها ذِمامُ الرَّكايا أنْكَزَتْها المَوَاتحُ(٣)
أنكزتها: أذهبت ماءها(٤). وأهل الذِّمَّة أهلُ العقد.
قوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾ أي: يقولون بألسنتهم ما يُرضي ظاهره. ﴿وَتَأْبَ
قُلُوبُهُمْ وَأَكْتَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾ أي: ناقضون للعهد. و کلُّ کافر فاسق، ولكنه أراد هاهنا
المجاهرين بالقبائح ونقضٍ العهد.
قوله تعالى: ﴿أَشْتَرَوْا بِئَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُواْ عَن سَبِيلِهَّةِ إِنَّهُمْ سَلَّ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يعني المشركين في نقضهم العهودَ بأَكْلةٍ أطعمهم إياها أبو سفيان؛ قاله مجاهد(٥).
وقيل: استبدلوا بالقرآن متاعَ الدنيا. ﴿فَصَدُّواْ عَن سَيِلِهِ﴾ أي: أعرضوا؛ من الصُّدود.
أو مَنعوا عن سبيل الله؛ مِن الصّدّ (٦).
قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
قال النحاس(٧): ليس هذا تكريراً، ولكن الأوّل لجميع المشركين، والثاني
(١) غريب الحديث ٢/ ١٠٣، وسلف الحديث ٦٨/٣ .
(٢) الصحاح (ذمم).
(٣) ديوان ذي الرمة ٨٨٦/٢ قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: قوله: على حِمْيريَّات: يعني إبلاً نسبها
إلى حمير. كأن عيونها ذمام الركايا، يقول: قد غارت عيونها فكأنها آبار قليلات المياه (والركايا جمع
ركية وهي البئر). والماتحة: الناقة التي تستقي، والمرأة ماتحة.
(٤) مجمل اللغة ٣٥٤/٢ . ووقع في النسخ الخطية: أنكرتها، في الموضعين.
(٥) تفسير مجاهد ٢٧٤/١، وتفسير الطبري ١١/ ٣٦٠ بنحوه.
(٦) ينظر الصحاح (صد)، قال الجوهري: صد عنه يصِدُّ صُدوداً: أعرض. وصدَّه عن الأمر صدًّا: منعه
وصرفه عنه، وأَصَدَّه لغة.
(٧) في إعراب القرآن ٢٠٤/٢ .