النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الأنفال: الآية ٦٠
الخامسة: قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اُللَّهِ وَعَلُوَّكُمْ﴾ یعني تُخیفون به عدوًّ
الله وعدوًّکم من اليهود وقریشٍ وكفار العرب.
﴿وَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ يعني فارسَ والروم(١). قاله السُّدِّيّ(٢).
وقيل: الجنّ. وهو اختيار الطبري(٣). وقيل: المراد بذلك كلُّ مَن لا تُعرف
عداوته(٤).
قال السُّهَيْلِيّ(٥): قيل: هم قُريظة. وقيل: هم من الجنِّ. وقيل غيرُ ذلك. ولا ينبغي
أن يقال فيهم شيء؛ لأنَّ اللهَ سبحانه قال: ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمَّ اَللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾
فكيف يدَّعي أحد علماً بهم، إلَّا أن يَصِحَّ حديثٌ جاء في ذلك عن رسول الله ﴾،
وهو قوله في هذه الآية: ((هم الجنُّ)، ثم قال رسولُ الله﴾: ((إنَّ الشيطان لا يخبِّلُ
أحداً في دارٍ فيها فرسٌ عتيق)) وإنما سُمِّيَ عتيقاً لأنه قد تخلَّص من الهِجانة. وهذا
الحديث أسنده الحارثُ بن أبي أسامة، عن ابن المُلَيْكي، عن أبيه، عن جدِّه، عن
رسول الله#(٦). وروي أنَّ الجنَّ لا تَقْرَبُ داراً فيها فرسٌ، وأنها تنفر من صَھیل
الخيل(٧).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ﴾ أي: تتصدَّقوا. وقيل: تنفقوه على
أنفسكم أو خيلكم ﴿فِي سَبِيلِ اٌلَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ في الآخرة، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٦٤ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤٨/١١ عنه قال: هؤلاء أهل فارس.
(٣) في تفسيره ٢٤٩/١١ .
(٤) النكت والعيون ٣٣٠/٢.
(٥) في التعريف والإعلام ص٦٨ .
(٦) مسند الحارث (٦٥٢ - زوائد)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٧ / (٥٠٦). وذكره ابن كثير
مختصراً بذكر الجن عند تفسير هذه الآية وقال: هذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا متنه. اهـ. وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧/٧ : فيه مجاهيل.
(٧) ذكره الطبري ١١/ ٢٥٠، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٧/٢، والزمخشري في الكشاف ١٨٨/٢،
وقال الحافظ في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص٧٠ : لم أجده.

٦٢
سورة الأنفال: الآيتان ٦٠ - ٦١
سبع مئة ضِعْفٍ(١)، إلى أضعاف كثيرة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَمَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
فيه مسألتان:
٦١
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَعُواْ لِسّلِّمِ فَأَجْنَحْ لَمَا﴾ إنما قال: ((لها)) لأنَّ السَّلْم
مؤنثة. ويجوز أن يكون التأنيثُ للفَعْلة(٢). والجُنوح: الميل. يقول: إن مالوا - يعني
الذين نَيذَ إليهم عهدَهم - إلى المسالمة، أي: الصلحِ، فمِلْ إليها (٣). وجنح الرجلُ إلى
الآخر: مال إليه، ومنه قيل للأضلاع: جوانح؛ لأنها مالت على الحُشوة(٤). وجنحت
الإبلُ: إذا مالت أعناقُها في السير؛ وقال ذو الرُّمّة:
إذا مات فوق الرَّحْلِ أحييتُ روحَه بذكراكِ والعِيسُ المراسيلُ جُنَّحُ(٥)
وقال النابغة :
إذا ما التقى الجمعانِ أوّلُ غالبٍ(٦)
جوانحُ قد أَيقنَّ أنَّ قَبِيلَهُ
يعني: الطير. وجُنْحُ الليل: إذا أقبل وأمال أطنابَه على الأرض. والسَّلْم والسلام
هو الصُّلح.
(١) أخرج أحمد (٧١٩٦)، والبخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (%):
(إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف ... )).
(٢) معاني القرآن للفراء ٤١٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٤/٢، وقوله: ويجوز أن يكون التأنيث
للفَعْلة، يعني كما تقول للرجل يعقُّ أباه: لن تفلح بعدها أبداً، تريد بعد هذه الفعلة. المذكر والمؤنث
للفراء ص١٩، والمذكر والمؤنث لأبي القاسم الأنباري ١/ ٤٤٤ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٢٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٤٧/٢، والحشوة بالضم والكسر: الأمعاء. النهاية (حشا).
(٥) ديوان ذي الرمة ١٢١٥/٢، والمحرر الوجيز ٥٤٧/٢ والكلام منه. ويتكلم عن رجل يقول: إذا مات
فوق الرحل، وذلك من شدة النعاس، فَأَذْكُرك - يعني في شعره - فأوقظه. والعيس: الإبل البيض. جُنَّح:
قد أكبّت في السير. المراسيل: السِّراع في سهولة. قاله أبو نصر الباهلي شارح الديوان.
(٦) ديوان النابغة الذبياني ص١٠، والخزانة ٢٨٩/٤ . يتكلم عن الطير التي تتبع العساكر للقتلى. ينظر
الشعر والشعراء ١٦٩/١ .

٦٣
سورة الأنفال: الآية ٦١
وقرأ الأعمش وأبو بكر وابنُ مُحَيْصِن والمفضَّلُ: (لِلسِّلِم)) بكسر السين(١).
الباقون بالفتح. وقد تقدَّم معنى ذلك في ((البقرة))(٢) مستوفّی. وقد يكون السلام من
التسليم (٣). وقرأ الجمهور: ((فاجتَح)) بفتح النون، وهي لغة تميم. وقرأ الأشهب
العقيلي: ((فاجئُح)) بضم النون، وهي لغة قيس. قال ابن جِنِّيّ (٤): وهذه اللغةُ هي
القياس.
الثانية: وقد اختلف في هذه الآية؛ هل هي منسوخةٌ أم لا؟ فقال قتادةُ وعِكرمة:
نسخها ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَنَّةً﴾
[التوبة: ٣٦] وقالا: نسختْ براءةُ كلَّ موادعة، حتى يقولوا: لا إله إلا الله(٥).
ابن عباس: الناسخ لها: ﴿فَلَ نَّهِتُواْ وَنَّدْعُواْ إِلَى الَّمِ﴾(٦) [محمد: ٣٥].
وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبولَ الجِزية من أهل الجزية(٧). وقد صالح
أصحابُ رسول الله# في زمن عمرَ بن الخطاب ومَن بعده من الأئمة كثيراً من
بلاد العجم على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه وهم قادرون على
استئصالهم(٨). وکذلك صالح رسول الله # کثیراً من أهل البلاد على مالٍ يؤدُّونه، من
(١) رواية أبي بكر - وهي عن عاصم - من السبعة، ولم نقف على من نسبها لابن محيصن والمفضل، أما
الأعمش فالذي ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٢٤/١ عنه أنه قرأ بفتح السين في البقرة خاصة،
وينظر السبعة ص٣٠٨ ، والتيسير ص١١٧.
(٢) ٣٩٢/٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٦٤/٢ .
(٤) في المحتسب ١/ ٢٨٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٨/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٥٢/١١ عن مجاهد مختصراً، وعن قتادة مطولاً، وأخرجه النحاس في الناسخ
والمنسوخ ٣٨٥/٢ عن قتادة.
(٦) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٨٥/٢ - ٣٨٦. وقال: والبيِّن في باب النظر أن لا تكون
منسوخة، وأن تكون الثانية مبينة للأولى. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٨/٢ : هذا قول بعيد
من أن یقوله ابن عباس.
(٧) ينظر تفسير الطبري ٢٥٤/١١ .
(٨) ينظر الأموال لأبي عبيد ص ١٩٠ وما بعدها.

٦٤
سورة الأنفال: الآية ٦١
ذلك خَيْبر، ردَّ أهلَها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدُّوا النصفَ(١).
قال ابن إسحاق: قال مجاهد: عنَى بهذه الآية قريظةً؛ لأنَّ الجزيةَ تُقبل منهم،
فأما المشركون فلا يُقبل منهم شيء. وقال السُّدِّيُّ وابنُ زيد: معنى الآيةِ: إن دَعَوْك
إلى الصلح فَأَجِبْهم، ولا نَسْخَ فيها.
قال ابن العربيّ(٢): وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد(٣) قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ
تَهِنُواْ وَنَّدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. فإذا كان المسلمون على
عِزَّةٍ وقُوّةٍ ومنَعَة، وجماعة عديدة، وشدّة شديدة، فلا صُلْحَ، كما قال:
فلا صلحَ حتى تُطْعَنَ الخيلُ بالقَنا وتُضربَ بالبِيض الرقاقِ الجماجمُ(٤)
وإن كان للمسلمين مصلحةٌ في الصلح، لنفعٍ يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا
بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسولُ اللـه﴾ أهلَ خيبر على
شروط نقضوها، فنقض صُلْحَهم. وقد صالح الضَّمْرِيَّ(٥) وأكَيْدِرَ دُومَة(٦) وأهلَ
نجران، وقد هادَنَ قريشاً لعشرة أعوام حتى نقضوا عهدَه. وما زالت الخلفاءُ والصحابةُ
على هذه السبيل التي شرعناها سالكةً، وبالوجوه التي شرحناها عاملة.
قال القُشَيريُّ: إذا كانت القوةُ للمسلمين؛ فينبغي ألَّا تبلغ الهُدْنة سنة. وإذا كانت
(١) أخرجه أحمد (٤٦٦٣)، والبخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) في أحكام القرآن ٨٦٤/٢ - ٨٦٥ .
(٣) العبارة في أحكام القرآن: وأما من قال: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم فإن ذلك يختلف الجواب فيه،
وقد ...
(٤) قائله عمرو بن برَّاقة - وقيل: ابن برَّاق - وهو في الأغاني ١٧٤/٢١، وفيه: حتى تعثر بدل: حتى
تُطعن، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٨٨، والحماسة البصرية ١١٢/١ . وفيهما: حتى تُقْرَع.
البيض جمع الأبيض: وهو السيف. الصحاح (بيض).
(٥) هو مخشيُّ بن عمر الضمري، كان سيد قومه في زمانه، وضمرة من بني كنانة. طبقات ابن سعد ٨/٢ .
(٦) هو أكيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل. قيل: إنه أسلم ثم ارتد. وقتله خالد ﴾ في أيام أبي
بكر، ودومة بين الحجاز والشام. الإصابة ٢٠٥/١ .

٦٥
سورة الأنفال: الآية ٦١
القوةُ للكفار، جاز مهادنتُهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادةُ. وقد هادَنَ رسولُ الله ﴾
أهل مكة عشر سنين.
قال ابن المنذر(١): اختلف العلماءُ في المدة التي كانت بين رسولِ الله ﴾ وبينَ
أهل مكةً عام الحُدَيْبِية، فقال عروةُ: كانت أربع سنين. وقال ابنُ جريج: كانت ثلاثَ
سنين. وقال ابنُ إسحاق: كانت عشر سنين(٢).
وقال الشافعيّ رحمه الله: لا تجوز مهادنةُ المشركين أكثرَ من عشر سنين، على
ما فعل النبيُّ ﴿ عام الحديبية، فإن هُودِنَ المشركون أكثرَ من ذلك فهي مُنْتِقِضَة؛ لأنَّ
الأصلَ فرضُ قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث،
وإلى غير مدة. قال المهلَّب: إنَّما قاضاهم النبيُّ # هذه القضية التي ظاهِرُها الوهنُ
على المسلمين؛ لسبب حَبْسِ الله ناقةَ رسولِ الله ﴾ عن مكة، حين توجّه إليها
فبركت. وقال: ((حَبَسها حابِسُ الفيل)). على ما خرَّجه البخاريُّ من حديث المِسْوَر بن
مَخْرمة(٣). ودلَّ على جواز صُلْح المشركين ومهادنتِهم دون مالٍ يؤخذ منهم؛ إذا رأى
ذلك الإمام وجهاً.
ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقدُ الصلح بمالٍ يبذلونه للعدوِّ؛ لموادعة النبيِّ #*
عُيينةَ بن حِصْنَ(٤) الفَزَاريَّ، والحارثَ بن عوف(٥) المُرِّيَّ يومَ الأحزاب، على أن
(١) في الأوسط ٣٣٢/١١ - ٣٣٣.
(٢) قول ابن جريج ذكره ابن المنذر ولم ينسبه، وهو في المفهم ٦٤٣/٣، وقول ابن إسحاق في سيرة ابن
هشام ٣١٧/٢، وأخرجه أحمد (١٨٩١٠) مطولاً، وأبو داود (٢٧٦٦) عن المسور بن مخرمة ومروان بن
الحكم. وأصله في البخاري (٢٧٣١) دون ذكر المدة. وينظر الدراية شرح الهداية لابن حجر ١١٧/٢ .
(٣) برقم (٢٧٣١)، وهو عند أحمد (١٨٩١٠) وهو من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم،
وينظر التعليق السابق.
(٤) من المؤلفة، كان أحمق مطاعاً؛ شهد حنيناً والطائف، ثم ارتد، ثم أسر، ثم لم يزل مظهراً للإسلام.
تجريد أسماء الصحابة ص ١/ ٤٣٢ .
(٥) في النسخ الخطية: نوفل، والصواب ما أثبتناه. وهو الحارث بن عوف، أبو حارثة بن مرة، كان أحد
رؤوس الأحزاب ثم أسلم. تجريد أسماء الصحابة ص١٠٦ .

٦٦
سورة الأنفال: الآيات ٦١ - ٦٣
يعطيَهما ثلثَ ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غَطّفان ويخذلا قريشاً، ويرجعا
بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مُراوضةً ولم تكن عقداً. فلما رأى رسول الله ﴾
منهما أنهما قد أنابا ورضيا، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول
الله، هذا أمر تحبُّه فنصنَعَه لك، أو شيءٌ أمرك الله به فنسمعَ له ونطيع، أو أمر تصنعه
لنا؟ فقال: ((بل أمر أصنعه لكم؛ فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة)). فقال له
سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة
الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمِعوا قطُ أن ينالوا منا ثمرة، إلا شراءً أو
قِرَى؛ فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا! والله لا
نعطيهم إلا السيف، حتى يحكمَ اللهُ بيننا وبينهم. فسُرَّ بذلك رسولُ الله # وقال:
((أنتم وذاك)). وقال لُعيينة والحارث: ((انصرفا، فليس لكما عندنا إلا السيف)). وتناول
سعد الصحيفة وليس فيها شهادةٌ، فمحاها(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوَأْ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنََّ حَسْبَكَ اللَّهَ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ،
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ
وَبِالْمُؤْمِينَ
(٢)
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِزُ حَكِيمُ(
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوّا أَن يَخْدَهُوكَ﴾ أي: بأن يُظهروا لك السَّلْم، ويُبطنوا الغدر
والخيانة، فاجنح، وما عليك من نياتهم الفاسدة(٢) ﴿فَإِنَ حَسْبَكَ اَللَّهُ﴾: كافيك
الله؛ أي: يتولَّى كفايتك وحِيَاطتك(٣). قال الشاعر:
فحسبُكَ والضَّحاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ (٤)
إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّتِ العصا
أي: كافيك وكافي الضحاك سيفٌ.
(١) في (م): وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في
الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص ١٩٥ - ١٩٦ والكلام منه، والخبر في سيرة ابن
هشام ٢٢٣/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٥٤٨/٢ .
(٣) حاطه خَوْطاً وحيطة وحياطة: صانه وذبَّ عنه وتوقَّر على مصالحه. معجم متن اللغة (حوط).
(٤) سلف ١٣٨/٢ .

٦٧
سورة الأنفال: الآيات ٦٢ - ٦٤
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي: قوَّاك بنصره. يريد يومَ بدر. ﴿وَلْمُؤْمِنِينَ﴾
قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار(١). ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين
قلوب الأَوْس والخَزْرِج(٢). وكان تألَّفُ القلوب مع العَصبية الشديدة في العرب من
آيات النبيِّ # ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يُلطّم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدَها(٣).
وكانوا أشدَّ خَلْقِ اللـه حَمِيَّة، فألَّف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجلُ أباه وأخاه
بسبب الدِّين. وقيل: أراد التأليفَ بين المهاجرين والأنصار. والمَعنى متقارب(٤).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَّنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ليس هذا تكريراً؛ فإنه قال فيما سبق: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوَكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اَللَّهُ﴾
وهذه كفايةٌ خاصة. وفي قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ حَسْبُكَ اَللَّهُ﴾ أراد بالتعميم؛ أي: حسبك
الله في كلِّ حال.
قال ابن عباس: نزلت في إسلام عمر؛ فإنَّ النبيَّ # كان أسلم معه ثلاثةٌ
وثلاثون رجلاً وستُ نسوة، فأسلم عمرُ وصاروا أربعین(٥). والآية مکیة، كُتبت بأمر
رسولِ الله# في سورةٍ مدنيّة؛ ذكره القُشيريّ.
قلت: ما ذكره من إسلام عمرَ ﴾ عن ابن عباس، فقد وقع في السيرة خلافُه؛ عن
(١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٩٩/٣، وأخرجه النحاس في معاني القرآن ١٦٨/٣،
والطبري ٢٥٧/١١ عن بشير بن ثابت من آل النعمان بن بشير.
(٢) تفسير الطبري ٢٥٧/١١، والمحرر الوجيز ٥٤٨/٢ .
(٣) في (ظ): يستعيدها.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٥٤٨/٢ . وقال ابن عطية: وكل تألّفٍ في الله فتابعٌ لذلك التألّف الكائن في صدر
الإسلام.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٤٧٠)، والواحدي في الوسيط ٤٦٩/٢ - ٤٧٠ بلفظ: أسلم
مع النبي # تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، وأسلم عمر تمام الأربعين، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ حَسْبُكَ اللَّهُ
وَمَّنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨/٧: فيه إسحاق بن بشر الكاهلي وهو
كذاب. اهـ واللفظ المذكور أعلاه أخرجه ابن أبي حاتم ١٧٢٨/٥ (٩١٣٥) عن سعيد بن جبير.

٦٨
سورة الأنفال: الآية ٦٤
عبد الله بن مسعود قال: ما كنا نقدِرُ على أن نُصلِّيَ عند الكعبة حتى أسلم عمرُ، فلما
أسلم قاتَلَ قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه(١). وكان إسلام عمرَ بعد خروج
مَن خرج من أصحاب رسول الله# إلى الحبشة (٢). قال ابن إسحاق: وكان جميع مَن
لَحِق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائِهم الذين خرجوا بهم
صغاراً أو وُلدوا بها، ثلاثةً وثمانين رجلاً، إن كان عمَّار بن ياسر منهم. وهو يُشُّ
قيه(٣).
وقال الكَلْبِيُّ: نزلت الآية بالبَيْداء في غزوة بدر قبل القتال(٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: المعنى: حسبك الله، وحسبك
المهاجرون والأنصار. وقيل: المعنى: كافيك الله، وكافي مَن اتَّبعك؛ قاله الشَّعْبيُّ
وابنُ زيد(٥). والأوّل عن الحسن، واختاره النحاس(٦) وغيره.
فـ (من)) على القول الأوّل في موضعٍ رفع، عطفاً على اسم الله تعالى. على معنى:
فإنَّ حسبَك اللهُ وأتباعُك من المؤمنين(٧). وعلى الثاني على إضمار(٨). ومثلُه قوله {﴾.
(يَكفِينِيه اللهُ وأبناءُ قَيْلة))(٩). وقيل: يجوز أن يكون المعنى: ومَن اتَّبَعَكَ من المؤمنين
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن سعد ٢٧٠/٣، والحاكم مختصراً ٨٣/٣.
(٢) السيرة النبوية ٣٤٢/١.
(٣) السيرة النبوية ٣٣٠/١.
(٤) النكت والعيون ٣٣١/٢، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٩/٢ عن النقاش.
(٥) أخرج قولهما الطبري ٢٦٠/١١ .
(٦) في إعراب القرآن ١٩٥/٢ .
(٧) وقد ردَّ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ٣٨/١ هذا التقدير، وقال: هذا وإن قاله بعض الناس، فهو خطأ
محض، لا يجوز حملُ الآية عليه، فإنَّ الحَسْبَ والكفاية للهِ وحدَه، كالتوكل والتقوى والعبادة.
(٨) والتقدير: وحسبك مَن اتبعك. وهو قول ثانٍ من ثلاثة أقوال على الرفع، وهو اختيار النحاس، كما في
إعراب القرآن ١٩٥/٢، والكلام منه.
(٩) لم نقف عليه بهذا اللفظ عند غير النحاس، وقد أورده مثالاً للقول الذي قبلَه، ثم ردَّه لِما صحَّ عن
النبيِّ ﴾ أنه نهى أن يقال: ما شاء الله وشئت. اهـ. وقَيْلَة: اسم أمُّ للأوس والخزرج، وهي قَيْلَة بنت
كاهل. النهاية (قيل). وأخرج البغوي ٩/٣-١٠ بإسناد ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
النبي قال لعامر بن الطَّفيل: ((يمنعك الله تعالى من ذلك وابنا قيلة)).

٦٩
سورة الأنفال: الآيات ٦٤ - ٦٦
حسبُهم الله، فيضمَر الخبر(١).
ويجوز أن يكون ((مَن)) في موضع نصب، على معنى: يكفيك الله ويكفي من
اتَّبعك(٢).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالَّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِنكُم مِّأْئَةٌ يَغْلِيُوَاْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ( الْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن
يَكُنْ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ
اللَّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّيِينَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّقُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أي: حُثَّهم وحُضَّهم.
يقال: حارَضَ على الأمر وواظَبَ وواصَبَ وأَكَبَّ؛ بمعنى واحد. والحارِضُ: الذي
قد قارَبَ الهلاك(٣)، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿حَّ تَكُونَ حَضًا﴾ [يوسف: ٨٥] أي:
تذوب غمًّا، فتقارِبَ الهلاك، فتكونَ من الهالكين(٤).
﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِنَنَّنَّ﴾ لفظُ خبر، ضِمْنُه وَعْدٌ بشرط؛ لأن
معناه: إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين. وعشرون وثلاثون وأربعون كلُّ
واحد منها اسمٌ موضوعٌ على صورة الجمع لهذا العدد. ويجري هذا الاسم مجرَى
فلسطين(٥).
(١) وهو القول الثالث على الرفع. وقد رجَّح ابن قيم الجوزية أن تكون الواو في قوله: ((ومن)) واو: مع -
وهو قول الزمخشري - وتكون ((من)) في محل نصب عطفاً على الموضع، فإن ((حسبك)) في معنى:
كافيك، أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيداً درهمٌ.
(٢) وهذا على قول الشعبي وابن زيد. ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٩٤/٢.
(٣) تهذيب اللغة ٤/ ٢٠٤ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤٢٤/٢ .
(٥) يعني أن كل ما كان على بناء الجمع من الواحد؛ فإعرابه إعراب الجمع، فيقولون: هذه فلسطون يا
فتى، ورأيت فلسطين يا فتى. وهذه قِنَّسْرون ورأيت قِنَّسرين. ينظر الكامل للمبرد ٢/ ٦٣٤، والخزانة
٦٧/٨ .

٧٠
سورة الأنفال: الآيتان ٦٥ - ٦٦
فإن قال قائل: لِمَ كُسِرَ أوّل عشرين؛ وفُتح أوّل ثلاثين؛ وما بعده إلى الثمانين؛
إلا سِتِین؟ فالجواب عند سيبويه: أنَّ عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكُسِر
أوّل عشرين كما كسر اثنان. والدليل على هذا قولهم: سِتُّون وتسعون، كما قيل: ستة
وتسعة(١).
وروى أبو داود(٢) عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ
يَغْلِبُواْ مِتَنَيْنٍ﴾. فشَقَّ ذلك على المسلمين؛ حين فرض الله عليهم ألا يَفِرَّ واحدٌ من
عشرة، ثم إنه جاء التخفيف؛ فقال: ﴿الَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ قرأ أبو تَوبة(٣) إِلى
قوله: ﴿مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِيُواْ مِنَيْنٍ﴾. قال: فلما خفَّف الله تعالى عنهم من العدد، نقص
من الصبر بقَدْر ما خفّف عنهم.
وقال ابن العربيّ(٤): قال قوم: إن هذا كان يومَ بدر ونُسخ. وهذا خطأٌ مِن قائلِه.
ولم يُنقل قطُّ أنَّ المشركين صافوا المسلمين عليها(٥)، ولكن الباري جلَّ وعزَّ فرض
ذلك عليهم أوّلاً، وعلَّق ذلك(٦) بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه، وهو الثواب. وهم لا
يعلمون ما يقاتلون عليه.
قلت: وحديثُ ابن عباس يدلُّ على أن ذلك فُرض، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم حُطّ
الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين، فخفّف عنهم وكتب عليهم ألَّا يفرَّ مئة من مئتين،
فهو على هذا القول تخفيفٌ لا نسخ، وهذا حسن. وقد ذكر القاضي ابن الطيِّب أن
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٩٦/٢.
(٢) في سننه (٢٦٤٦)، وهو عند البخاري (٤٦٥٣).
(٣) هو شيخ أبي داود في هذا الحديث، وهو الإمام الحافظ الربيع بن نافع الحلبي، توفي سنة (٢٤١هـ).
السير ١٠/ ٦٥٣ - ٦٥٤.
(٤) في أحكام القرآن ٨٦٦/٢ .
(٥) العبارة في أحكام القرآن : ... وهذا خطأ من قائله؛ لأن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاث مئة ونيفاً،
والكفار كانوا تسع مئة ونيفاً، فكان للواحد ثلاثة، وأما هذه المقابلة فلم يذكر أن المسلمين صافوا
المشر کین علیھا.
(٦) في أحكام القرآن: وعلله، بدل: وعلق ذلك.
:

٧١
سورة الأنفال: الآيات ٦٥ - ٦٧
الحكم إذا نُسخ بعضُه أو بعضُ أوصافه، أو غُيِّر عدده، فجائزٌ أن يقال: إنه نسخ؛
لأنه حينئذٍ ليس بالأول، بل هو غيره. وذكر في ذلك خلافاً (١).
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُوْ أَسْرَى حَّ يُشْخِنَ فِ اْأَرْضِّ تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (﴾﴾
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَشرئ﴾ جمع أَسِير؛ مثلُ: قتيل وقَتْلَى، وجريح وجَرْخَی.
ويقال في جمع أسيرٍ أيضاً: أُسارَى - بضم الهمزة - وأَسارَى بفتحها، وليست بالعالية.
وكانوا يَشُدُّون الأسيرَ بالقِدِّ، وهو الإسار (٢)؛ فسُمِّيَ كلُّ أَخِيذٍ وإن لم يُؤسر أسيراً؛
قال الأعشى :
وقَيَّدني الشِّعرُ في بيتِهِ
كما قَيَّدَ الآسِراتُ الحِمارا
وقد مضى هذا في سورة البقرة (٣).
وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى: هم غير المُؤْثَقين عندما يؤخذون،
والأسارى هم الموثَقون رَبْطاً. وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب(٤).
الثانية: هذه الآيةُ نزلت يومَ بدر عتاباً من اللهِ عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه ◌ِ﴾.
والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعلَ الذي أوجب أن يكون للنبيِ ﴾
أسرى قبل الإثخان. ولهم هو (٥) الإخبارُ بقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾. والنبيُّ # لم
يأمر باستبقاء الرجالِ وقتَ الحرب، ولا أراد قَطُ عَرَضَ الدنيا، وإنما فعله جمهورُ
مُباشِري الحرب، فالتوبيخُ والعتاب إنما كان متوجّهاً بسببٍ مَن أشار على النبيِّ ﴾
(١) المحرر الوجيز ٥٥٠/٢ .
(٢) في النسخ الخطية: الأسر، والمثبت من (م). والأُسُر جمع الإسار، وهو ما يشدُّ به. القاموس (أسر).
(٣) سلف الكلام والبيت ٢/ ٢٤٠ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٥٣/٢ .
(٥) في (م): هذا.

٧٢
سورة الأنفال: الآية ٦٧
بأخذ الفِدية. هذا قول أكثرِ المفسرين، وهو الذي لا يصح غيرُه. وجاء ذكر النبيِّ #
في الآية حين لم يَنْه عنه حين رآه من العَرِيش. وأنكره(١) سعد بن معاذ، وعمرُ بن
الخطاب، وعبد الله بن رواحة، ولكنه عليه الصلاة والسلام شغَلَه بَغْتُ الأمر ونزولُ
النصر، فتَرَكَ(٢) النهي عن الاستبقاء؛ ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآية.
والله أعلم.
روى مسلمٌ(٣) من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدَّم أوَّلُه في ((آل عمران))(٤) وهذا
تمامه: قال أبو زُمَيل(٥): قال ابن عباس: فلما أَسروا الأُسارى قال رسول الله # لأبي
بكر وعمر: ((ما تَرَوْنَ في هؤلاء الأُسارى؟)) فقال أبو بكر: يا نبيَّ اللهِ، هم بنو العمِّ
والعَشِيرةِ، أَرى أن تأخذَ منهم فِديةً، فتكونَ لنا قوَّة على الكفار، فَعَسى اللهُ أنْ يَهدِيَهُم
للإسلام. فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((ما ترى يا ابن الخطاب؟)). قلت: لا واللهِ يا رسولَ
الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَّا فَنَضرِبَ أعناقَهم، فَتُمَكِّن عَلِيًّا
من عَقِيلٍ فيضرِبَ عنقَه، وتمكِّنِّي من فلان - نَسِيباً لعمر - فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء
أئمةُ الكفر وصناديدُها. فَهَوِيَ رسولُ الله ◌ِ﴾ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، فلمّا
كان من الغد جئتُ؛ فإذا رسولُ اللهِ ﴾ وأبو بكرٍ قاعِدَيْن يبكيان، فقلت: يا رسولَ
الله! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك، فإن وجدتُ بكاءً بكَيْتُ، وإن لم أجد
بكاءً تباكَيْتُ لبُكائِكُما؟ فقال رسول اللـه لَ﴾: ((أَبْكي للذي عَرَض عليَّ أصحابُك من
أَخْذِهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرةِ) - شجرة قريبة كانت من
نبيِّ اللـهِ﴾ - وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَشْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ
اٌلْأَرْضِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلًا طَتِبَأْ﴾ فأحلَّ اللهُ الغنيمةَ لهم.
(١) في النسخ: وإذ كره، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٥١/٢، والكلام منه.
(٢) في (خ): فنزل.
(٣) برقم (١٧٦٣)، وهو عند أحمد (٢٠٨).
(٤) ٢٩٦/٥ .
(٥) هو سماك بن الوليد الحنفي.

٧٣
سورة الأنفال: الآية ٦٧
وروى يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش،
عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ جيء
بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسولُ الله ﴾: ((ما تَرَوْنَ في هؤلاء الأسارى)) فقال
أبو بكر: يا رسولَ الله، قومُك وأهلُك(١)، اِستَبْقِهم لعلَّ الله أنْ يتوبَ عليهم.
وقال عمر: كَذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قَدِّمهم فاضربْ أعناقهم. وقال عبدُ الله بن
رَواحة: انظرْ وادياً كثيرَ الحَطَبِ؛ فأضْرِمْه عليهم. فقال العباسُ وهو يسمع: قطعتَ
رَحِمَك. قال: فدخل رسول الله ﴾ ولم يَرُدَّ عليهم شيئاً. فقال أُناسٌ: يأخذ بقول أبي
بکر ﴾. وقال أُناس: يأخذ بقول عمر. وقال أُناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
فخرج رسول الله ﴿ فقال: ((إنَّ الله لَيُلِينُ قلوبَ رجالٍ فيه حتى تكونَ أَلْينَ من اللَّبَن،
ويُشدِّد قلوبَ رجال فيه حتى تكون أشدَّ من الحجارة. مَثَلُك يا أبا بكر مَثَل إبراهيم
قال: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِىِ فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلُك يا أبا
بكر مثل عيسى إذ قال: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌّ وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْكِيمُ﴾
[المائدة: ١١٨]. ومَثَلُك يا عمرُ كمَثَلٍ نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. ومَثَلُك يا عمرُ كمثَل موسى عليه السلام إذ قال: ﴿رَبَّنَ الْمِسْ
عَلَ أَقْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ﴾ [يونس: ٨٨]. أنتم عالَةٌ،
فلا يَنْفَلِتَنَّ أحدٌ إلا بفداء أو ضَرْبةٍ عنق)). فقال عبد الله [فقلت]: إلا سُهيلَ بن بيضاءَ،
فإني سمعتُه يذكر الإسلامَ، فسكت رسولُ اللـه ◌ِ﴾. قال: فما رأيتُني أخوفَ أنْ تقَعَ عليّ
الحجارةُ من السماء منِّي في ذلك اليوم [حتى قال: ((إلا سهيل بن بيضاء))]. فأنزلَ اللهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ إلى آخر الآيتين(٢).
(١) في (خ) و(ظ): وأصلك.
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٣٢) وما سلف بين حاصرتين منه، والترمذي مختصراً (١٧١٤) و(٣٠٨٤) وقال: هذا
حديث حسن، وأبو عبيدة - وهو ابن عبد الله بن مسعود - لم يسمع من أبيه. قال ابن سعد في الطبقات
٢١٣/٤: والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن
مسعود ولم يستخفٍ بإسلامه، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً مع رسول الله # مسلماً لا شك فيه،
فغلط من روى الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلاً أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل، وأقام
سهل بالمدينة بعد ذلك، وشهد مع النبي # بعض المشاهد. قلنا: وقد ورد الاسم على الصحيح في
رواية أحمد (٣٦٣٤).

٧٤
سورة الأنفال: الآية ٦٧
في رواية: فقال رسول الله﴾: ((إن كاد لَيُصِيبنا في خلاف ابن الخطاب عذابٌ،
ولو نزل عذابٌ ما أَفْلَتَ إلا عُمر))(١).
وروى أبو داود(٢)، عن عمر قال: لمَّا كان يوم بدرٍ، وأخَذ - يعني رسول اللهِ ﴾
- الفداءَ، أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾
إلى قوله: ﴿لَمَنَّكُمْ فِيمَاً أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم أَحلَّ الغنائم.
وذكر القُشيريُّ أنَّ سعد بن معاذٍ قال: يا رسول اللهِ، إنه أَوَّلُ وقعةٍ لنا مع
المشركين، فكان الإثخانُ أَحبَّ إليَّ(٣).
والإثخانُ: كثرةُ القتلِ؛ عن مجاهدٍ وغيره(٤)، أي: يُبالغ في قتل المشركين.
تقول العرب: أَثْخَن فلانٌ في هذا الأمر، أي: بالَغ. وقال بعضهم: حتى يَقْهَرَ
ويَقْتُل(٥). وأنشد المفضَّلُ.
تُصَلِّي الضُّحى ما دَهْرُها بتعبُّدٍ وقد أَثْخَنَتْ فرعونَ في كُفْرَه كفرا (٦)
وقيل: ((حتى يُثْخِنَ)): يتمكَّن. وقيل: الإثخانُ: القوةُ والشدة(٧). فأعلَم اللهُ
سبحانه وتعالى أنَّ قتلَ الأسرى الذين فُودُوا ببدرٍ كان أولى من فدائهم.
وقال ابن عباس : كان هذا يومَ بدرٍ والمسلمون يومئذ قليلٌ، فلما كثُرُوا واشتدَّ
سلطانُهم؛ أنزل الله عزَّ وجلَّ بعدَ هذا في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِلَآَ﴾
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٠٢/٣ - ٢٠٣، وقال: أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه
من طريق نافع عن ابن عمر. وأخرجه الحاكم ٣٢٩/٢، وأبو نعيم في الحلية ٤٣/١ من طريق مجاهد
عن ابن عمر بلفظ: ((كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء».
(٢) في سننه (٢٦٩٠).
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٦٢٨/١ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٠، والطبري ٢٧٢/١١ .
(٥) تفسير الطبري ١١/ ٢٧١ .
(٦) ذكره السمين الحلبي في الدرّ المصون ٦٣٨/٥.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٤٢٥/٢ .
:

٧٥
سورة الأنفال: الآية ٦٧
[محمد: ٤](١) على ما يأتي بيانُه في سورة القتال إن شاء اللهُ تعالى.
وقد قيل: إنما عُوتِبُوا لأن قضيةً بدرٍ كانت عظيمةً الموقع، والتصرُّفُ(٢) في
صناديد قريشٍ وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملُّكِ؛ ذلك(٣)
كلُّه عظيمُ الموقع، فكان حقُّهم أن ينتظروا الوَحْيَ ولا يستعجلوا، فلمَّا استعجلوا ولم
ينتظروا؛ توجّه عليهم ما توجَّه. والله أعلم.
الثالثة: أسند الطبريُّ وغيرُه أنَّ رسول اللـه ﴾ قال للناس: ((إنْ شئتُم أخذتُم فداءً
الأسارى ويُقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قُتلوا وسَلِمتم)).
فقالوا: نأخذُ الفداءَ؛ ويستشهد منَّا سبعون(٤).
وذكر عبدُ بن حُميدٍ بسنده أن جبريل عليه السلام نزلَ على النبيِّ : # بتخيير الناس
هكذا(٥). وقد مضى في ((آل عمران)) القولُ في هذا (٦). وقال عَبِيدةُ السَّلْمَانيُّ: طلبوا
الخِيرتَين كلتَيْهِما؛ فقُتل منهم يومَ أُحُدٍ سبعون(٧).
وينشأ هنا إشكالٌ وهي :
الرابعة: وهو أن يقال: إذا كان التخيير، فكيف وقع التوبيخُ بقوله: ((لَمَسَّكم))؟
(١) أخرجه أبو عبيد في الأموال ص١٧٠، والطبري ٢٧١/١١ - ٢٧٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ
٣٩٠/٢.
(٢) في (خ) و(م): والتصريف، والمثبت موافق لما في المفهم ٥٨١/٣، والكلام منه.
(٣) في (م): وذلك.
(٤) تفسير الطبري ٢١٩/٦ و٢٧٩/١١ عن عبيدة السلماني مرسلاً، وينظر التعليق التالي.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥٣ ، وأخرجه الترمذي (١٥٦٧)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٨)، والطبري
٢١٩/٦ - ٢٢٠ من طريق عبيدة السلماني عن علي مرفوعاً. وسلف ٥/ ٤٠٢ . وأخرجه ابن سعد في
الطبقات ٢٢/٢، وعبد الرزاق (٩٤٠٢)، وابن أبي شيبة ٣٦٨/١٤، والطبري ٢١٩/١٦ و٢٧٩/١١
عن عبيدة السلماني مرسلاً. قال الدارقطني في العلل ٣١/٤: المرسل أشبه بالصواب. وينظر علل
الترمذي ٦٧٠/٢ .
(٦) ٥/ ٤٠٢ .
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٨/١٤، وتفسير الطبري ٢١٩/١١ .

٧٦
سورة الأنفال: الآية ٦٧
فالجواب: أنَّ التوبيخَ وقَع أوَّلاً لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير بعد
ذلك. ومما يدلُّ على ذلك أنَّ المِقدادَ قال حين أَمَر رسولُ اللهِ ﴾ بقتل عُقبةَ بنِ أبي
مُعَيط: أسيري يا رسولَ اللهِ (١). وقال مُصعب بنُ عُمير للذي أَسَرَ أخاه: شُدَّ عليه
يدَك، فإنَّ له أمَّا موسرةً(٢). إلى غير ذلك من قصصهم وحِرْصهم على أخذ الفِداء،
فلمَّا تحصّل الأُسارى وسِيقوا إلى المدينة، وأَنْفَذ رسول اللـه# القتلَ في النَّضْر
وعقبةَ وغيرِهما، وجعَل يرتئي في سائرهم، نزلَ التخيير من الله عزَّ وجلَّ؛ فاستشار
رسولُ اللهِ ﴾ أصحابَه حينئذٍ، فَمَرَّ عمر على أوَّل رأيه في القتل، ورأى أبو بكر
المصلحةَ في قوة المسلمين بمالِ الفِداء، ومالَ رسولُ الله # إلى رأي أبي بكر. وكلا
الرأيين اجتهادٌ بعد تخيير، فلم ينزل بعدُ على(٣) هذا شيءٌ من تعنيتٍ(٤). واللهُ أعلم.
الخامسة: قال ابنُ وهب: قال مالك: كان ببدرٍ أسارى مشركون، فأنزل اللهُ:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِِّ﴾، وكانوا يومئذ مشركين،
وفادَوْا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا. وكان عِدَّةُ مَن قُتل منهم
أربعةً وأربعين رجلاً؛ ومثلهم أُسِروا. وكان الشهداء قليلاً.
وقال [أبو] عمرو بن العلاء: إنَّ القتلى كانوا سبعين، والأسرى كذلك. وكذلك
قال ابن عباس، وابنُ المسيِّب(٥)، وغيرهم. وهو الصحيح كما في ((صحيح)) مسلم:
فقَتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين(٦).
وذكر البَيْهَقيُّ(٧): قالوا: فجيء بالأُسارى وعليهم شُفْرانُ مولى رسول الله ﴾،
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣٣٧)، والطبري ١١/ ١٤٣ عن سعيد بن جبير.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥٣، والخبر في سيرة ابن هشام ٦٤٥/١، وتاريخ الطبري ٤٦٠/٢.
(٣) قوله: على، ليس في (ظ).
(٤) المحرر الوجيز ٥٥٣/٢، ووقعت العبارة الأخيرة فيه: فلم ينزل على شيء من هذا عتب.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٨٦٩/٢ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) صحيح مسلم (١٧٦٣)، وسلف بعضه ص٧٣ من هذا الجزء. قال ابن عبد البر في الدرر ص١١٦ : ولا
يختلفون في أن القتلى يومئذ سبعون والأسرى سبعون في الجملة، وقد يختلفون في تفصيل ذلك.
(٧) في دلائل النبوة ١٣٣/٣ .

٧٧
سورة الأنفال: الآيتان ٦٧ - ٦٨
وهم تسعةٌ وأربعون رَجُلاً الذين أُحصوا، وهم سبعون في الأصل، مجْتَمَعٌ عليه لا
شك فيه.
قال ابن العربيّ(١): إنما قال مالك: وكانوا مشركين. لأن المفسرين رَوَوْا أنَّ
العباس قال للنبيٍّ: إني مسلم. وفي رواية: أن الأسارى قالوا للنبيِّ ﴾: آمنا بك.
وهذا كلُّه ضعَّفه مالكٌ، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم، وزيادة عليه أنهم
غَزَوْه في أُحُد.
قال أبو عمر بن عبد البر(٢): اختلفوا في وقت إسلام العباس؛ فقيل: أسلم قبل
يوم بدر؛ ولذلك قال النبي ﴾: ((مَن لَقِيَ العباسَ فلا يقتله، فإنما أُخرج كرهاً)). وعن
ابن عباس أنَّ رسول اللـه ﴾ قال يوم بدر: ((إنَّ أناساً من بني هاشم وغيرهم قد
أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا، فَمَن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا یقتله،
ومَن لقيَّ أبا الْبَخْتَريّ فلا يقتله، ومن لقي العباسَ فلا يقتله؛ فإنه إنما أُخرج مستكْرَهاً))
وذكر الحديث(٣). وذُكر أنه أَسلّم حين أُسر يوم بدر(٤). وذُكر أنه أسلم عامَ خيبر،
وكان يكتب لرسولِ اللهِ # بأخبار المشركين، وكان يحبُّ أن يهاجر، فكتب إليه
رسولُ اللهِ ﴾: ((امكُثْ بمكةَ، فَمُقَامُك بها أنفعُ لنا))(٥).
قوله تعالى: ﴿لَوْلًا كِنَبٌ مِّنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
فيه مسألتان:
٦
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٨٧٠ .
(٢) في الاستيعاب على هامش الإصابة ٦/٦ .
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠/٤، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٥١٣/١، والبيهقي في دلائل
النبوة ٣/ ١٤٠ من طريق ابن إسحاق قال: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن
ابن عباس.
(٤) ذكره النووي في تهذيب الأسماء ٢٥٨/١، وسيأتي ص ٨٠ من هذا الجزء.
(٥) الاستيعاب ٦/٦ ، وأخرجه بنحوه أحمد في فضائل الصحابة (١٨١٢)، وأبو یعلی (٢٦٤٦) من حديث
سهل بن سعد ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٩/٩: فيه أبو مصعب إسماعيل بن قيس وهو
متروك. وينظر طبقات ابن سعد ١٠/٤ و٣١، وسير أعلام النبلاء ٩٩/٢ .

٧٨
سورة الأنفال: الآية ٦٨
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِنَبُ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنه لا يعذِّب قوماً حتى يبيِّن
لهم ما يتَّقون.
واختلف الناسُ في كتاب اللهِ السابقِ على أقوال، أصحُّها ما سبَق من إحلالٍ
الغنائم، فإنها كانت محرَّمة على مَن قبلَنا، فلمَّا كان يومُ بدرٍ أسرَعَ الناسُ إلى
الغنائم، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: بتحليل الغنائم(١).
روى أبو داود الطَّيالِسيُّ في مسنده(٢): حدَّثنا سلام، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ تعجّل الناسُ إلى الغنائم فأصابوها،
فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((إنَّ الغنيمة لا تَحِلُّ لأحد سودِ الرؤوس غيركم)). فكان النبيُّ(٣)
وأصحابُه إذا غنموا الغنيمة جمعوها، ونزلَت نارٌ من السماء فأكلتها، فأنزل اللهُ
تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إلى آخِر الآيتين. وأخرجه التِّرمذيُّ وقال: حديثٌ
حسن صحيح(٤)، وقاله مجاهدٌ والحسن(٥).
وعنهما أيضاً وسعيد بن جبير: الكتابُ السابق: هو مغفرة اللهِ لأهل بدر؛ ما
تقدَّم أو تأخّر من ذنوبهم(٦). وقالت فرقة: الكتاب السابق: هو عفوُ الله عنهم في هذا
الذنب معيَّناً (٧).
والعموم أصح؛ لقول رسول اللهِ ﴾ لعمرَ في أهل بدر: ((وما يُذْريك لعلَّ اللهَ
اطَّلَعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم)). خَرَّجه مسلم(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٧١ .
(٢) برقم (٢٤٢٩)، وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٣١٠).
(٣) يعني مَن كان قبل النبي #، في رواية الطحاوي.
(٤) سنن الترمذي (٣٠٨٥) بنحوه، وهو عند أحمد (٧٤٣٣).
(٥) لم نقف عليه عن مجاهد، وأخرجه الطبري ٢٧٦/١١ - ٢٨٠ عن الحسن وابن عباس وغيرهما.
(٦) المحرر الوجيز ٥٥٣/٢، وأخرج قولهم الطبري ٢٨٠/١١، وقول مجاهد وسعيد بن جبير في تفسير
مجاهد ٢٦٨/١ .
(٧) المحرر الوجيز ٥٥٣/٢.
(٨) برقم (٢٤٩٤)، وهو عند أحمد (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧).

٧٩
سورة الأنفال: الآية ٦٨
وقيل: الكتاب السابق: هو ألَّ يعذِّبَهم ومحمدٌ عليه الصلاة والسلام فيهم.
وقيل: الكتاب السابق: هو ألَّا يعذِّب أحداً بذنب أتاه جاهلاً حتى يتقدَّم إليه(١).
وقالت فرقة: الكتاب السابق هو ما قضى اللهُ من مَحْوِ الصغائر باجتناب الكبائر.
وذهب الطبريُّ(٢) إلى أن هذه المعانيَ كلَّها داخلةٌ تحت اللفظ وأنه يعمُّها، ونگبَ عن
تخصیص معنی دون معنی.
الثانية: ابن العَربيّ(٣): وفي الآية دليلٌ على أنَّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً
مما هو في علم الله حلالٌ له، لا عقوبةً عليه، كالصائم إذا قال: هذا يوم نَوْبي(٤)
فأُفطِر الآن. وتقول المرأة: هذا يومُ حيضتي فأُفطِر، ففعلا ذلك، وكان النوبُ
والحيض الموجبانِ للفطر، ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة، وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفة: لا كفارةً عليه، وهي الرواية الأخرى.
وجهُ الرواية الأولى: أنَّ ◌ُروء الإباحة لا يثبت(٥) مُذراً في عقوبة التحريم عند
الهتك، كما لو وَطِئَّ امرأة ثم نكحها.
وجهُ الرواية الثانية: أنَّ حرمةَ اليوم ساقطةٌ عند الله عزَّ وجلَّ، فصادف الهَتْكُ
محلًّا لا حرمةً له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو (٦) قصد وطء امرأة قد زُقَّت إليه وهو
يعتقدها أنها ليست بزوجته، فإذا هي زوجته. وهذا أصح. والتعليل الأول لا يَلزم؛
لأنَّ علم الله سبحانه وتعالى مع علمنا قد استوى في مسألة التحريم(٧)، وفي مسألتنا
(١) يعني لا يعذب أحداً إلا بعد النهي. وأخرج الطبري ٢٨١/١١ - ٢٨٢ هذا القول عن مجاهد ومحمد بن
علي بن الحسین.
(٢) في تفسيره ٢٨٢/١١ - ٢٨٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٤/٢.
(٣) في أحكام القرآن ٨٧٢/٢ .
(٤) النوب والنوبة: ما كان منك مسيرة يوم وليلة، أو ما كان على ثلاثة أيام، أو على فرسخين أو ثلاثة.
معجم متن اللغة (نوب).
(٥) في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٧٢ (والكلام منه): ينتصب.
(٦) في (ظ): فكان كما لو.
(٧) يعني في مسألة من وطئ امرأة ثم نكحها، وهو ما احتجّ به أصحاب القول الأول، ينظر أحكام القرآن.

٨٠
سورة الأنفال: الآيات ٦٩ - ٧١
اختلف فيها علمنا وعلمُ الله، فكان المعوَّل على علم الله. كما قال: ﴿لَّوْلَا كِنَبُ مِنَ
اللَّهِ سَبَقَ لَمَشَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَكُواْ مِمَّا غَيِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَنَّقُواْ اَللَّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقتضي ظاهره أن تكون الغنيمة كلُّها للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها على
السواء؛ إلَّ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ بَيَّن وجوبَ
إخراج الخُمس منه وصرفِه إلى الوجوه المذكورة. وقد تقدَّم القول في هذا مستوفّى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ قُل لِّمَنْ فِيّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَّ إِن يَعْلَمِ اَللَّهُ فِى
قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِن
يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾﴾
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبُِّّ قُل لِّمَنْ فِيَّ أَبْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قيل: الخطابُ
للنبيِّ # وأصحابِهِ. وقيل: له وحدَه. قال ابن عباس: الأسرى في هذه الآية عباسٌ
وأصحابُه؛ قالوا للنبيِّ ﴾: آمنًا بما جئتَ به، ونشهد أنك رسولُ الله، لَننصحنَّ لك
على قومك؛ فنزلت هذه الآية(١). وقد تقدَّم بُطلان هذا من قول مالك(٢).
وفي ((مصنَّف)) أبي داود(٣)، عن ابن عباس : أنَّ النبيَّ # جعل فداءَ أهل
الجاهلية يومَ بدر أربعَ مئة.
وعن ابن إسحاقَ: بعثت قريش إلى رسول الله# في فداء أسراهم؛ فَفَدى كلُّ
قومٍ أسيرَهم بما رضُوا. وقال العباس: يا رسول الله، إني قد كنت مسلماً. فقال
رسول الله: ((الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فالله يَجزيك بذلك، فأمَّا
(١) المحرر الوجيز ٥٥٤/٢، وأخرجه الطبري ٢٨٦/١١ .
(٢) ص٧٧ من هذا الجزء.
(٣) برقم (٢٦٩١).
: