النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سورة الأنفال: الآيات ٢٠ - ٢٢ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَّوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الخِطابُ للمؤمنين المُصدِّقين. أَفردهم بالخِطاب دون المنافقين إجلالاً لهم. جدَّد الله عليهم الأمرَ بطاعة الله والرسول، ونهاهُم عن الثَّولِّي عنه. هذا قول الجمهور. وقالت فرقةٌ: الخِطاب بهذه الآية إنَّما هو للمنافقين. والمعنى: ياأَيُّها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية (١): وهذا وإنْ كان مُحتمِلاً على بُعد، فهو ضَعيفٌ جداً؛ لأجل أنَّ الله تعالى وَصَف مَنْ خاطَبَ في هذه الآية بالإيمان. والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتَّصفون من التصديق بشيء. وأبعدُ من هذا مَن قال: إنَّ الخِطابَ لبني إسرائيل، فإنَّه أجنبيٌّ من الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ التولِّي: الإعراض. وقال: ((عنه)) ولم يقلْ: عنهما لأنَّ طاعةَ الرسول طاعتُه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾(٢) [التوبة: ٦٢]. ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحال. والمعنى: وأنتم تسمعون ما يُثْلى عليكُم من الحجج والبراهين في القرآن(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿ إِنَّ شَرَّ الذَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ السُّمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ أي: كاليهود أو المنافقين أو المشركين. وهو من سماع الأُذن. ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يتدبَّرون ما سَمِعوا، ولا (١) في المحرر الوجيز ٢/ ٥١٣، وما قبله منه. (٢) الكشاف للزمخشري ٢/ ١٥٠ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٨٣/٢. ٤٨٢ سورة الأنفال: الآيات ٢١ - ٢٣ يُفَكِّرون فيه، فَهُم بمنزلة مَن لم يَسمَعْ وأَعرضَ عن الحقِّ. نهى المؤمنين أن يكونوا مِثْلَهم(١). فدلَّت الآيةُ على أنَّ قول المؤمن: سمعتُ وأَطعتُ؛ لا فائدةَ له(٢) ما لم يَظْهر أَثرُ ذلك عليه بامتثال فِعْله. فإذا قَصَّر في الأوامر فلم يَأْتِها، واعتمدَ النواهيَ فاقتحمَها، فأيُّ سَمْع عنده، وأيُّ طاعة؟! وإنَّما يكون حينئذٍ بمنزلة المنافق الذي يُظهِر الإيمان، ويُسِرُّ الَّكُفرَ؛ وذلك هو المُراد بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. يعني بذلكَ المنافقين(٣)، أو اليهود أو المشركين، على ما تقدّم. ثمَّ أخبر تعالى أنَّ الكفارَ شرُّ ما دبَّ على الأرض. وفي البخاري(٤) عن ابن عباس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الصُُّمُ الْبَكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: هم نَفَرٌ من بني عبد الدَّار. والأصلُ: أَشرُّ، حُذِفت الهمزةُ لِكَثْرة الاستعمال. وكذا: خير، الأصل: أَخيَرُ(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ قيل: الحُجَجِ والبراهين؛ إسماعَ تَفَهُم. ولكنْ سبقَ عِلْمُه بشقاوتهم. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لو أَفْهمَهم لَمَا آمنوا بعد عِلْمِه الأَزَليِّ بكفرهم. وقيل: المعنى: لأَسمعَهم كلامَ الموتى الذين طلبوا إحياءهم؛ لأنَّهم طلبوا إحياءَ قُصَيٍّ بنِ كلاب وغيره ليشهدوا بنبوَّة محمد ﴿. الزجاج(٦): لأسمعَهم جوابَ كلِّ ما سألوا عنه. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ﴾ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٣/٢. (٢) في (م): فيه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٤/٢. (٤) الحديث (٤٦٤٦). (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٨٣/٢. (٦) في معاني القرآن ٤٠٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٠٧/٢، وما قبله منه. ٤٨٣ سورة الأنفال: الآية ٢٤ إذْ سبقَ في علمه أنَّهم لا يؤمنون. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ ٢٤ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ هذا خطاب للمؤمنين المصدِّقين بلا خلاف(١). والاستجابة: الإجابة. و﴿يُخپِيكُمْ﴾ أصله: يُخْبِيُّكُم، حُذفت الضمةُ من الياء لثقلها، ولا يجوز الإدغام(٢). قال أبو عبيدة(٣): معنى (اسْتَجِيبُوا)): أجيبوا، ولكنْ عُرْفُ الكلام أنْ يتعدَّى (استجاب)) بلام، ويتعدَّى ((أجاب)) دون لام. قال الله تعالى: ﴿يَقَوْمَنَآَ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. وقد يتعدَّى ((استجاب)) بغير لام، والشاهد له قول الشاعر: وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيب إلى النَّدَى فلم يَستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (٤) تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر: الإجابة. والاسم: الجابة؛ بمنزلة الطاقة والطاعة. تقول: أساء سَمْعاً فأساء جابة(٥). هكذا يُتَكَلَّم بهذا الحرف. والمجاوبة والتجاوب: التحاور. وتقول: إنه لَحَسن الجِيبة (بالكسر) أي: الجواب(٦). ﴿لِمَا يُهِيكُمْ﴾ متعلق بقوله: ((استجيبوا)). المعنى: استجيبوا لِما يحييكم إذا (١) المحرر الوجيز ٥١٤/٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٨٣/٢ . (٣) في مجاز القرآن ٢٤٥/١ . (٤) المحرر الوجيز ٥١٤/٢. والبيت نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٤٥/١، والجوهري في الصحاح (جوب) لكعب بن سعد الغنوي، وهو في الأصمعيات ص٩٦ . (٥) قال في اللسان (جوب): أصل هذا المثل أنه كان لسهل بن عمرو ابنٌ مضعوف، فقال له إنسان: أين أَمُّكَ؟ - أي: أين قصدُك؟ فظنَّ أنه يقول له: أين أُمُّكَ - فقال: ذهبت تشتري دقيقاً، فقال أبوه: أساء سمعاً فأساء جابة. (٦) الصحاح (جوب). ٤٨٤ سورة الأنفال: الآية ٢٤ دعاكم. وقيل: اللام بمعنى: إلى، أي: إلى ما يحييكم، أي: يُحيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي: إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحِّدوه. وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد والجمهور: المعنى: استجيبوا للطاعةِ وما تضمَّنه القرآنُ من أوامرَ ونواهٍ (١)؛ ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل: المراد بقوله: ((لِما يحييكم)): الجهادُ، فإنه سبب الحياة في الظاهر؛ لأنَّ العدوَّ إذا لم يُغْزَ؛ غَزا، وفي غَزْوِه الموتُ، والموتُ في الجهاد الحياةُ الأبدية؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والصحيحُ العمومُ؛ كما قال الجمهور. الثانية: رَوَى البخارِيُّ عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: كنتُ أُصلِّي في المسجد، فدعاني رسولُ اللـه ﴾ فلم أُجِبْهُ، ثم أتيتُه فقلت: يا رسول الله، إني كنتُ أُصلِّي. فقال: ((أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ))). وذكر الحديث. وقد تقدَّم في الفاتحة (٢). وقال الشافعيُّ رحمه الله: هذا دليلٌ على أنَّ الفعلَ الفرضَ أو القولَ الفرضَ إذا أتِيَ به في الصلاة لا تبطل؛ الأمرِ رسولِ الله # بالإجابة؛ وإن كان في الصلاة(٣). قلت: وفيه حجَّةٌ لقول الأوزاعي: لو أنَّ رجلاً يصلِّي، فأبصر غلاماً يريد أن يسقطّ في بئر، فصاح به، وانصرف إليه، وانتهره؛ لم يكن بذلك بأس(٤). والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قيل: إنه يقتضي النصَّ منه على خَلْقِه تعالى الكفرَ والإِيمانَ، فَيَحُولُ بين المرء الكافر وبين الإيمان (١) المحرر الوجيز ٥١٤/٢ . (٢) صحيح البخاري (٤٤٧٦). وهو في مسند أحمد (١٥٧٣٠)، وسلف ١/ ١٦٧ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٥/٢ . (٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٣٤٩/١. ٤٨٥ سورة الأنفال: الآية ٢٤ الذي أمره به، فلا يكتسبُهُ إذا لم يُقْدِرْه عليه؛ بل أَقْدَرَه على ضِدِّه؛ وهو الكفر. وهكذا المؤمن یحولُ بینه وبین الکفر. فبَانَ بهذا النصِّ أنه تعالى خالقٌ لجميعِ اكتسابِ العباد خيرِها وشرِّها. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ومُقَلِّبِ القلوب))(١). وكان فِعْلُ اللهِ تعالى ذلك عدلاً فيمن أضلَّه وخذَلَه؛ إذ لم يمنعهم حقًّا وجب عليه فتزول صفةُ العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضَّلَ به عليهم، لا ما وجب لهم. قال السُّدِّي: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمنَ إلا بإذنه، ولا يكفرَ أيضاً إلا بإذنه، أي: بمشيئته. والقلبُ موضعُ الفِكْرَ (٢). وقد تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه(٣). وهو بيد الله، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرضٍ أو آفةٍ کیلا يعقل، أي: بادروا إلى الاستجابة قبل ألَّ تتمكَّنوا منها بزوال العقل. وقال مجاهد: المعنى: يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع(٤). وفي التنزيل: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق :: ٣٧] أي: عقل. وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يُمكنه استدراك ما فات. وقيل: خاف المسلمون يوم بَذْر كثرة العدوِّ، فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه، بأن يبدِّلَهم بعد الخوف أَمْناً، ويبدِّل عدوَّهم من الأمن خوفاً(٥). وقيل: المعنى يقلِّبُ الأمورَ من حالٍ إلى حال. وهذا جامع. واختيار الطبري(٦): أن يكون ذلك إخباراً من الله عزَّ وجلَّ بأنه أملكُ لقلوب (١) أخرجه أحمد (٤٧٨٨)، والبخاري (٦٦١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال: كانت يمين النبيِّ ﴾ التي يحلفُ عليها: ((لا ومقلِّبِ القلوب)). (٢) أخرجه الطبري ١١/ ١١١ . (٣) ٢٨٥/١. (٤) أخرجه الطبري ١١/ ١١٠. (٥) معاني القرآن للنحاس ٤٥/٣ . (٦) في تفسيره ١١/ ١١٢ . ٤٨٦ سورة الأنفال: الآيتان ٢٤ - ٢٥ العباد منهم، وأنه يحولُ بينهم وبينها إذا شاء؛ حتى لا يدرك الإنسانُ شيئاً إلا بمشيئة الله عزَّ وجلَّ. ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ عطف. قال الفرَّاء(١): ولو استأنفت فكسرت: ((وإنه)) كان صواباً. قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ ٢٥ فيه مسألتان: الأولى: قال ابن عباس: أمر اللهُ المؤمنين أَلَّا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمّهم العذابُ(٢). وكذلك تأوَّل فيها الزبيرُ بنُ العوَّام فإنه قال يومَ الجمل، وكان سنة ست وثلاثين: ما علمتُ أنَّا أُرِدنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنتُ أظنُّها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت(٣). وكذلك تأوَّل الحسنُ البصري والسُّدِّي وغيرهما؛ قال السدِّي: نزلت الآية في أهل بدرٍ خاصّة، فأصابتهم الفتنةُ يومَ الجمل فاقتلوا(٤). وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله ﴾، وقال: أَمَر اللـهُ المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكر فيما بينهم، فيعمَّهم الله بالعذاب. وعن حُذيفةَ بنِ اليَمَان قال: قال رسول اللـه #: ((يكون بين ناسٍ من أصحابي فتنةٌ؛ يغفرُها اللهُ لهم بصحبتهم إيّاي، يستنُّ بهم فيها ناسٌ بعدَهم يُدخلُهم اللهُ بها النارَ))(٥). (١) في معاني القرآن ١/ ٤٠٧. ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٨٣/٢. (٢) أخرجه الطبري ١١٥/١١ . (٣) المحرر الوجيز ٥١٥/٢. وأخرج نحوه أحمد (١٤٣٨)، والنسائي في الكبرى (١١١٤٢). (٤) المحرر الوجيز ٥١٥/٢. وأخرج ابن أبي شيبة ٢٧٦/١٥ و٢٧٧، والطبري ١١٣/١١ - ١١٤ و١١٥ قول الحسن والسدي. (٥) أخرج نحوه الطبراني في الأوسط (٣٢٤٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٣٤: فيه إبراهيم بن أبي الفياض؛ قال ابن يونس: يروي عن أشهب مناكير. ٤٨٧ سورة الأنفال: الآية ٢٥ قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة؛ ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ټ# فقالت له: يا رسول الله، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: ((نَعَم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)) (١). وفي صحيح الترمذِيّ: ((إنَّ الناسَ إذا رَأَوُا الّالمَ ولم يأخذوا على يديه أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعِقابٍ مِنْ عندهِ))(٢). وقد تقدَّمت هذه الأحاديث(٣). وفي صحيح البخارِيِّ والترمذِيِّ: عن النعمان بن بشير، عن النبيِّ# قال: ((مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كَمَثَلِ قَوْمِ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ، فأصابَ بعضُهم أَعلاها، وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا اسْتَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهم، فقالوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبنا خَرْقاً ولم نُؤْذٍ مَنْ فوقَنا. فإنْ يَتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعاً، وإنْ أَخَذوا على أَيْدِيهم؛ نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً))(٤). ففي هذا الحديث تعذيبُ العامَّة بذنوب الخاصَّة، وفيه استحقاقُ العقوبةِ بتركِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عُملتْ هَلَكَ الكلُّ، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشارٍ المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تُغيَّر وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هِجرانُ تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم؛ كما في قِصَّة السَّبْت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نُساكِنُكم(٥). وبهذا قال السلف ؛ رَوَى ابنُ وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرضُ التي يُصنع فيها المنكر جِهاراً، ولا يُستَقَرُّ فيها(٦). واحتجَّ بصنيع أبي الدَّرداء في خروجه (١) صحيح مسلم (٢٨٨٠). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٤١٣)، والبخاري (٣٣٤٦). (٢) في قوله: صحيح الترمذي، تجوّر، وهو في سننه (٢١٦٨) عن أبي بكر الصديق ﴾. وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٣٣٨)، وبنحوه أخرجه أحمد (١)، وابن ماجه (٤٠٠٥). قال الترمذي: حديث صحيح. (٣) ٣٨٦/٣، ١٥٧/٧. (٤) صحيح البخاري (٢٤٩٣)، وسنن الترمذي (٢١٧٣). وهو في مسند أحمد (١٨٣٦١). (٥) تقدم ٢/ ١٧٠ . (٦) ذكره ابن حجر في فتح الباري ١٠/١٣ . ٤٨٨ سورة الأنفال: الآية ٢٥ عن أرض معاوية حين أعلن بالرِّبا؛ فأجاز بيعَ سِقاية الذهبِ بأكثرَ من وزنها. خرّجه الصحيح(١). ورَوَى البخاريُّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله﴾: ((إذا أَنزلَ اللهُ بقوم عذاباً، أصابَ العذابُ مَنْ كان فيهم، ثم بُعِثوا على أعمالهم))(٢). فهذا يدلُّ على أنَّ الهلاكَ العامَّ؛ منه ما يكون طُهرة للمؤمنين، ومنه ما يكون نقمة للفاسقين. ورَوَى مسلم عن عبد الله بن الزبير، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: عَبِثَ رسولُ الله ﴾ في منامه، فقلت: يا رسولَ الله، صنعتَ شيئاً في منامكَ لم تكن تفعلُه؟ فقال: ((العَجَبُ، إنَّ ناساً من أُمَّتي يَؤُّون هذا البيتَ برجلٍ من قريش، قد لجأً بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِفَ بهم)). فقلنا: يا رسولَ الله، إنَّ الطريقَ قد يَجمعُ الناسَ. قال: ((نعم، فيهم المُسْتَبْصِرُ والمجبورُ وابنُ السبيلِ، يهلكون مَهلكاً واحداً، ويَصدُرون مصادرَ شتَّى، يبعثُهم اللهُ تعالى على نِيَّتهم))(٣). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَّهُ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا يوجب ألَّ يؤخذ أحدٌ بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبةُ بصاحب الذنب . فالجواب: أنَّ الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمِنَ الفرض على كلِّ مَنْ رآه أن يغيِّره، فإذا سكت عليه؛ فكلَّهم عاصٍ؛ هذا بفعله، وهذا برضاه. وقد جعل الله في حُكمه (١) أخرجه مالك في الموطأ ٦٣٤/٢ من حديث عطاء بن يسار عن أبي الدرداء. قال ابن عبد البر في التمهيد ٧١/٤ - ٧٢ : عطاء لا أحفظ له سماعاً من أبي الدرداء ... ولم يشهد هذه القصة ... ، وأنكرها بعضهم لأن شبيهاً بهذه القصة عرضت لمعاوية مع عبادة بن الصامت، وهي صحيحة مشهورة محفوظة لعبادة مع معاوية. وسلف الخبر ٣٨٤/٤ - ٣٨٥ . (٢) صحيح البخاري (٧١٠٨). وأخرجه أيضاً أحمد (٥٨٩٠)، ومسلم (٢٨٧٩). (٣) صحيح مسلم (٢٨٨٤). وهو بنحوه في مسند أحمد (٢٤٧٣٨). وقوله: ((عَبِثَ)) أي: اضطرب بجسمه، وقيل: حرَّك أطرافه كمن يأخذ شيئاً أو يدفعه. و((المستبصر)): المستبين لذلك القاصد له عمداً. و((المجبور)): المكره. و((ابن السبيل)): سالك الطريق معهم وليس منهم. و((يصدرون)): يبعثون. شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٨ - ٧ . ٤٨٩ سورة الأنفال: الآية ٢٥ وحِكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم في العقوبة؛ قاله ابن العربيّ(١)، وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا. ومقصود الآية: واتقوا فتنة تتعدّى الظالم، فتصيب الصالح والطالح. الثانية: واختلف النحاة في دخول النون في ((لَا تُصِيبَنَّ))؛ فقال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزلْ عن الدابَّة لا تطرحنَّك؛ فهو جوابُ الأمر بلفظِ النهي، أي: إنْ تنزل عنها لا تطرحنَّك، ومثله قوله تعَالى: ﴿أَدْخُلُوْ سَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] أي: إنْ تدخلوا لا يحطمنكم؛ فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء (٢). وقيل: لأنه خرج مخرج القَسَم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القَسَم(٣). وقال أبو العباس المبرِّد: إنه نهيّ بعد أمر، والمعنى النَّهْيُ للظالمين، أي: لا تقربنَّ الظلم. وحكى سيبويه: لا أَرينَّك هاهنا، أي: لا تكن هاهنا، فإنه مَن كان هاهنا رأيتُه(٤). وقال الجُرْجانِيُّ: المعنى: اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة، فقوله: ((لَا تُصِيبَنّ)) نهيٌّ في موضع وصفِ النكرة، وتأويلُهُ الإخبارُ بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ عليٍّ وزيدُ بن ثابت وأُبَيّ وابنُ مسعود: (لَتصيبن)) بلا ألف(٥). قال المَهدَوِيُّ: مَن قرأ: (لَتصيبن)) جاز أن يكون مقصوراً من: ((لا تصيين)) حُذفت الألفُ كما حُذفت من ((ما)) وهي أخت ((لا)) في نحو: أَمَ والله لأفعلنَّ، وشبهه(٦). ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصَّة. (١) في أحكام القرآن ٨٣٦/٢ . (٢) ذكر نحوه الفراء في معاني القرآن ٤٠٧/١ مختصراً. وينظر معاني القرآن للزجاج ٤١١/٢ . (٣) ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٥/٢ ونسبه للمهدوي. (٤) المحرر الوجيز ٥١٦/٢. (٥) القراءات الشاذة ص٤٩، والمحتسب ٢٧٧/١ . (٦) المحتسب ٢٧٧/١، والدر المصون ٥٩٢/٥ . ٤٩٠ سورة الأنفال: الآيتان ٢٦ - ٢٧ قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ، وَرَزَّقَّكُم مِّنَ الَّتِبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ﴾ قال الكَلْبي: نزلت في المهاجرين؛ يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام. ﴿ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ نعت. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مكة. ﴿وَافُونَ﴾ نعت. ﴿أَن يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ في موضع نصب(١). والخطف: الأخذ بسرعة. ﴿النَّاسُ﴾ رفع على الفاعل. فَتادة وعِكرمة: هم مشركو قريش. وهب بن منبِّه: فارس والرُّومِ. ﴿فَشَاوَنَكُمْ﴾ قال ابن عباس: إلى الأنصار. السُّدِّي: إلى المدينة؛ والمعنى واحد (٢). آوَى إليه؛ بالمد: ضَمَّ إليه. وأَوَى إليه؛ بالقصر: انضمَّ إليه. ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾: قوَّاكم. ﴿يَنَصْرِهِ﴾ أي: بقوته(٣). وقيل: بالأنصار. وقيل: بالملائكة يوم بدر. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الَّتِبَتِ﴾ أي: الغنائم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قد تقدَّم معناه(٤). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ رُويّ أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح. قال أبو لُبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمتُ أني قد خنتُ اللهَ ورسولَه؛ فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شدَّ نفسَه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى أموتَ، أو يتوبَ اللهُ عليَّ. الخبر مشهور (٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/٢. (٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ١١٨/١١ - ١٢٠. (٣) في (ظ): تقوية. وفي (م): بعونه. (٤) ٢ / ١٠٤ . (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢١/١١، وفي تاريخه ٥٨٤/٢ - ٥٨٥، وذكره ابن هشام في السيرة ٢٣٦/٢ - ٢٣٧ . ٤٩١ سورة الأنفال: الآية ٢٧ وعن عكرمة قال: لما كان شأن قريظة بعثَ النبيُّ # عليًّا ﴾ فيمن كان عنده من الناس، فلما انتهى إليهم؛ وقَعُوا في رسول اللـه ﴾، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق، فقالت عائشة رضي الله عنها: فلكأنّي أَنظرُ إلى رسول اللـه # يمسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام، فقلت: هذا دِحية يا رسولَ الله؟ فقال: ((هذا جبريل عليه السلام)). قال: ((يا رسول الله، ما يمنعك من بني قريظةً أن تأتيَهم؟)) فقال رسولُ الله ﴾: ((فكيف لي بحصنهم؟» فقال جبريل: ((فإني أُدخل فرسي هذا عليهم)). فركب رسولُ اللـه # فرساً مُعْرَوْرَى؛ فلما رآه عليٍّ﴾ قال: يا رسول الله، لا عليك ألَّ تأتيهم، فإنهم يشتمونك. فقال: ((كلَّا، إنها ستكون تحية)). فأتاهم النبيُّ# فقال: (يا إخوةَ القِرَدة والخنازير)) فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحّاشاً. فقالوا: لا ننزل على حكم محمد، ولكنّا ننزل على حكم سعد بن معاذ؛ فنزل. فحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلتُهم وتُسْبَى ذراريهم. فقال رسول الله :﴿: ((بذلك طَرَقني المَلَكُ سَحَراً)). فنزل فيهم: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَّتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. نزلت في أبي لُبابةَ، أشار إلى بني قريظة - حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ - لا تفعلوا، فإنه الذبح، وأشار إلى حلقه(١). وقيل: نزلت الآيةُ في أنهم كانوا يسمعون الشيءَ من النبيِّ #، فيُلقونه إلى المشركين ويُفشونه(٢). وقيل: المعنى بغلول الغنائم. ونسبتها إلى الله؛ لأنه هو (٣) الذي أمرَ بقسمتها، وإلى الرسول #؛ لأنه المؤذِّي عن الله عزَّ وجلَّ والقَيِّمُ بها (٤). والخيانة: الغدر وإخفاء الشيء، ومنه: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الجُوعِ، فإنه بِئْسَ الضَّجِيعِ، ومنَ الخيانةِ، (١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٧٨/٣ وينظر حديث عائشة رضي الله عنها في مسند أحمد (٢٥٠٩٧). والمُعْرَوْر: لا سَرْج عليه ولا غيره. النهاية (عرا). (٢) أخرجه الطبري ١٢٣/١١ عن السدي. (٣) لفظ: (هو) من (ظ). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٨٤ . ٤٩٢ سورة الأنفال: الآيات ٢٧ - ٢٩ فإنها بئستِ البِطَانة)). أخرَّجه النسائيُّ عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله # يقول ... ؛ فذكره(١). ﴿وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ في موضع جزم، نسقاً على الأوَّل. وقد يكون على الجواب، كما يقال: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن(٢). والأمانات: الأعمال التي ائتمن اللهُ عليها العبادَ(٣)، وسُميت أمانة لأنها يُؤْمَنُ معها من منع الحقّ؛ مأخوذةٌ من الأَمْن. وقد تقدَّم في ((النساء)» القولُ في أداء الأمانات والودائع وغير ذلك (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما في الخيانة من القُّبح والعار. وقيل: تعلمون أنها أمانة. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرُّ عَظِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ كان لأبي لبابةَ أموالٌ وأولادٌ في بني قريظة؛ وهو الذي حَمَلَه على ملاينتهم(٥)، فهذا إشارةٌ إلى ذلك. ﴿فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار؛ امتحنهم بها. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآئِرُوا حقَّه على حقّكم. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ قد تقدَّم معنى ((التقوى(٦)). وكان الله عالماً بأنهم يتقون أم لا يتقون، فذكر بلفظ (١) سنن النسائي المجتبى ٢٦٣/٨، والكبرى (٧٨٥١) و(٧٨٥٢). وأخرجه أيضاً أبو داود (١٥٤٧)، وابن ماجه (٣٣٥٤). (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/٢ . (٣) تفسير الطبري ١٢٥/١١ . (٤) تقدم ٦ / ٤٢٣ . (٥) تفسير الواحدي ٢/ ٤٥٤ . (٦) ٢٤٨/١ . ٤٩٣ سورة الأنفال: الآية ٢٩ الشرط؛ لأنه خاطب العبادَ بما يخاطِب بعضُهم بعضاً. فإذا اتقى العبدُ ربَّه - وذلك باتِّباع أوامره، واجتنابٍ نواهيه - وتركَ الشبهاتِ مخافةَ الوقوعِ في المحرَّمات، وشحنَ قلبَه بالنية الخالصة، وجوارحَه بالأعمال الصالحة، وتحفّظ من شوائب الشرك الخَفِيِّ والظاهِر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالغفلة(١) عن المال، جعل له بين الحقِّ والباطل فرقاناً، ورزقَه فیما يريد من الخير إمكاناً. قال ابن وهب: سألتُ مالكاً عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَكَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ قال: مخرجاً، ثم قرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَهًا﴾. وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء(٢)، وقاله مجاهد قبله(٣). وقال الشاعر: بعد قَطينٍ رَحلُوا وبانُوا مَا لكَ من طُولِ الأسَى فُرقانُ وقال آخر: وكيف أُرَجِّي الخلدَ والموتُ طالبي وما ليَ من كأسِ المنيةِ فرقانٌ (٤) ابن إسحاق: ((فُرْقَاناً)): فَضْلاً بين الحق والباطل(٥)؛ وقاله ابن زيد (٦). السديّ: نجاة(٧). الفرَّاء(٨): فتحاً ونصراً. وقيل: في الآخرة، فيدخلُكم الجنةَ، ويُدخلُ الكفارَ النار. (١) في (م): بالعفة. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٩/٢. (٣) أخرجه الطبري ١٢٨/١١ . (٤) المحرر الوجيز ٥١٨/٢ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٩/٢. وأخرجه الطبري ١١/ ١٣١. (٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٦/٣ . (٧) أخرجه الطبري ١٣٠/١١ . (٨) في معاني القرآن له ٤٠٨/١ . ٤٩٤ سورة الأنفال: الآية ٣٠ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَلَهُ خَيْرُ الْمَكِينَ هذا إخبارٌ بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبيِّ # في دار النَّدْوة؛ فاجتمع رأيُهم على قتله، فبيَّتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبيُّ # عليَّ بنَ أبي طالب أن ينامَ على فراشه، ودعا الله عزَّ وجلَّ أن يُعمِّيَ عليهم أثرَه، فطمسَ اللهُ على أبصارهم، فخرج وقد غَشِيَهم النومُ، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم عليٍّ فأخبرهم أنْ ليس في الدار أحدٌ، فعلموا أنَّ رسولَ الله﴿ قد فاتَ ونجا (١). الخبر مشهور في السيرة وغيرها(٢). ومعنى ((لِيُشْبِتُوكَ)): ليحبسوك؛ يقال: أثبتّه: إذا حبستَه. وقال قتادة: ((لِيُثْبِتُوكَ)) وَثَاقاً. وعنه أيضاً وعبدِ الله بن كَثير: لِيسجنوك(٣). وقال أبَان بن تَغْلِب وأبو حاتم: لِيثخنوك بالجراحات والضرب الشديد. قال الشاعر: فقلتُ ويحكما ما في صحيفتكم قالوا الخليفةُ أمسى مُثبَتاً وَجِعا (٤) ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ﴾ عطف. ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ مستأنف. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ ابتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون(٥). (١) الدرر لابن عبد البر ص٧٣ - ٧٤ . (٢) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ . (٣) تفسير الطبري ١٣٢/١١ - ١٣٣ . (٤) مجمع البيان للطبرسي ١٣٧/٩. ونسب البيت في الأغاني ١٧/ ٢١٢ لمعاوية بن يزيد، وهو في ديوانه ص١٢ . وفيه: قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم. وفي مجمع البيان: فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/٢ - ١٨٥ . ٤٩٥ سورة الأنفال: الآيتان ٣١ - ٣٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ نزلت في النَّضر بن الحارث؛ كان خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كَلِيلة ودِمنة، وكِسرى وقيصر؛ فلما قصَّ رسول الله ﴿ أخبارَ مَنْ مَضَى قال النضر: لو شئتُ لقلتُ مثلَ هذا. وكان هذا وَقَاحةً وكذِياً(١). وقيل: إنهم توهّموا أنهم يأتون بمثله، كما توهَّمت سحرُ موسى، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه، وقالوا عِناداً: إنْ هذا إلا أساطير الأوَّلين. وقد تقدَّم(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ القراءة(٣) على نصب ((الحَقّ)) على خبر ((كان))، ودخلت ((هو)) للفصل. ويجوز: (هو الحقُّ) - بالرفع - ((مِنْ عِنْدِكَ))(٤). قال الزجاج(٥): ولا أعلمُ أحداً قرأ بها، ولا اختلافَ بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءةَ سُنَّة، لا يُقرأ فيها إلا بقراءة مَرْويَّةٌ(٦). واختلف فيمن قال هذه المقالة؛ فقال مجاهد وابن جُبير: قائل هذا هو النضر بن الحارث (٧). أنس بن مالك: قائلُه أبو جهل؛ رواه البخاريُّ ومسلم (٨). (١) تفسير الواحدي ٢/ ٤٥٥، والطبري ١٤٢/١١ - ١٤٣. (٢) ٣٤٦/٨. (٣) في (م): القراء. (٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٩ للأعمش. (٥) في معاني القرآن ٢/ ٤١١، وما قبله منه. (٦) في النسخ: مرضية. والمثبت من معاني القرآن. (٧) أخرجه الطبري ١١/ ١٤٤ . (٨) صحيح البخاري (٤٦٤٨) و(٤٦٤٩)، وصحيح مسلم (٢٧٩٦). ٤٩٦ سورة الأنفال: الآيتان ٣٢ - ٣٣ ثم يجوز أن يقال: قالوه لشبهة كانت في صدورهم، أو على وجه العِناد والإيهام(١) على الناس أنهم على بصيرة، ثم حلَّ بهم يوم بدر ما سألوا. حُكي أنَّ ابن عباس لَقِيَه رجلٌ من اليهود، فقال اليهوديُّ: ممن أنت؟ قال: من قريش. فقال: أنت من القوم الذين قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقِّ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية. فهلَّا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فاهدنا له! إنَّ هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيليُّ، مَن القوم الذين لم تَجِفَّ أرجلُهم من بلل البحر الذي أُغرق فيه فرعون وقومُه، وأُنجيّ موسى وقومُه؛ حتى قالوا: ﴿أَجْعَل أَنَّ إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَّهَلُونَ﴾، فأطرق اليهوديُّ مُفْحَماً(٢). ﴿فَأَمْطِرْ﴾ أمطرَ في العذاب. ومَطَرَ في الرحمة؛ عن أبي عبيدة (٣). وقد تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لمَّا قال أبو جهل: («اللَّهُمّ إِن كان هذا هو الحقَّ مِن عِندِك)» الآية، نزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ كذا في صحيح مسلم(٥). وقال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبيُّ منها والمؤمنون؛ ويَلحقوا بحيث أُمِروا(٦). (١) في (م): والإبهام. (٢) المفهم ٧/ ٣٤٧ . (٣) مجاز القرآن ٢٤٥/١. ونقل عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٥٢١/٢ . (٤) لم نقف عليه، وذكره عند تفسير الآية (٨٢) من سورة هود. (٥) (٢٧٩٦) وهو عند البخاري، وسلف قريباً. (٦) أخرجه الطبري بنحوه ١١/ ١٥٠ . ٤٩٧ سورة الأنفال: الآية ٣٣ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف: غفرانك(١). والاستغفار وإنْ وقع من الفُجّار يُدفع به ضربٌ من الشرور والإضرار. وقيل: إنَّ الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم؛ أي: وما كان الله معذِّبهم وفيهم مَن يستغفر من المسلمين؛ فلما خرجوا عذِّبهم اللهُ يوم بدر وغيره؛ قاله الضحاك وغيره(٢). وقيل: إنَّ الاستغفار هنا يراد به الإسلام؛ أي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون؛ قاله مجاهد وعكرمة(٣). وقيل: ((وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)) أي: في أصلابهم من يستغفر الله. رُوي عن مجاهد أيضاً (٤). وقيل: معنى ((يَسْتَغْفِرُونَ)): لو استغفروا، أي: لو استغفروا لم يعذّبوا، استدعاهم إلى الاستغفار؛ قاله قتادة وابن زيد(٥). وقال المدائني عن بعض العلماء قال: كان رجل من العرب في زمن النبيِّ ﴾ مُسْرِفاً على نفسه، لم يكن يتحرَّج؛ فلما أن تُوُفِّيَ النبيُّ ﴾ لبس الصوفَ ورجعَ عمَّا كان عليه، وأظهر الدِّينَ والنُّسكَ. فقيل له: لو فعلتَ هذا والنبيُّ # حيٌّ لَفرِح بكَ. قال: كان لي أمانان، فمضَى واحدٌ وبقيَ الآخرُ؛ قال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ فهذا أمان. والثاني: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. (١) أخرجه الطبري ١١/ ١٥١ . (٢) أخرجه الطبري ١٤٨/١١ - ١٤٩. (٣) أخرجه الطبري ١١/ ١٥٤ - ١٥٥. (٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٥١/٣. (٥) أخرجه الطبري ١١/ ١٥٣ - ١٥٤ . ٤٩٨ سورة الأنفال: الآيات ٣٤ - ٣٧ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ: إِنْ أَوْلِيَؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ المعنى: وما يمنعهم من أن يُعذَّبوا(١). أي: إنهم مستحقُّون العذابَ لِمَا ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكلِّ آجلٍ كتاب، فعذَّبهم الله بالسيف بعد خروج النبيِّ ﴾، وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَِّلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١](٢). وقال الأخفش(٣): إنَّ ((أنْ)) زائدة. قال النحاس(٤): لو كان كما قال لرفع (يعذبهم)). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنَّ المتقين أولياؤه. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٢٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنُفِقُونَ أَقْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَهُفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ مُجْتَرُونَ ﴾ ◌ِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ فَيَّرْكُمَةُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَتُّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عُراة، يصفّقون ويصفِّرون؛ فكان ذلك عبادة في ظنِّهم(٥). والمُكَاءُ: الصَّفير، والتصديةُ: التصفيق؛ قاله مجاهد والسُّدِّيُّ وابنُ عمر﴾(٦). ومنه قول عنترة: (١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٥/٢. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٤٩/٣ . (٣) في معاني القرآن له ٥٤٥/٢ . (٤) في إعراب القرآن ٢/ ١٨٥ . وعنه نقل المصنف قول الأخفش. (٥) أخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ١٦٤/١١ . (٦) أخرج هذه الأقوال الطبري ١١/ ١٦٣ - ١٦٥. ٤٩٩ سورة الأنفال: الآيات ٣٥ - ٣٧ وحَليلٍ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلاً تَمْكُو فَرِيصتُه كشِدْقِ الأعْلِم (١) أي: تصوّت. ومنه: مکَتِ استُ الدابة: إذا نَفخت بالريح. قال السُّدِّي: المُكاء: الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له: المُكاءِ(٢). قال الشاعر: إذا غَرَّدَ المُكَّاء في غير رَوْضةٍ فَوَيْلٌ لأهل الشَّاءِ والحُمُراتِ(٣) قتادة: المُكَاء: ضربٌ بالأيدي، والتّصدية: صياح(٤). وعلى التفسيرين ففيه رؤٌّ على الجهّال من الصوفية الذين يَرقُصون ويُصَفّقون ويصعقون. وذلك كلُّه منكر يتنزَّه عن مثله العقلاء، ويتشبَّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. ورَوَى ابنُ جُريج وابنُ أبي نَجيح عن مجاهد أنه قال: المُكَاءُ: إدخالُهم أصابعَهم في أفواههم، والتَّصديةُ: الصَّفِير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً ﴾ عن الصلاة(٥). قال النحاس(٦): المعروف في اللغة ما رُوي عن ابن عمر. حكى أبو عبيد(٧) وغيره أنه يقال: مَكًا يَمْكُو مَكْواً ومُكاء: إذا صَفَّر. وصَدَّى يُصدِّي تصدية: إذا صفَّقَ(٨)؛ ومنه قول عمرو بن الإطنابة (٩): (١) ديوان عنترة ص٢٤ . الحليل: الزوج. والغانية: الزوجة التي غنيت بزوجها، أو التي غنيت بحُسنها وجمالها. والمجدّل: الملقى بالجَدالة، وهي الأرض. والفريصة: اللحم بين الكتف والصدر. والأعلم: مشقوق الشفة العليا. ينظر اللسان (حلل، غنى، جدل، فرص، علم). (٢) أخرجه الطبري ١٦٦/١١. وفيه: على نحو طائر ... (٣) أدب الكاتب ص١٩٣، وأمالي القالي ٢/ ٣٢، واللسان (مكو). (٤) تفسير الطبري ١٦٦/١١ . (٥) أخرجه الطبري ١٦٥/١١ . (٦) في معاني القرآن ٣/ ١٥٢ . وما قبله منه. (٧) في (د) ومعاني القرآن للنحاس ١٥٢/٣: أبو عبيدة. (٨) إعجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٤٦/١ . (٩) النكت والعيون للماوردي ٣١٥/٢، قال في اللسان (طنب): ابن الإطنابة: رجل شاعر، والإطنابة أُمُّه، وهي امرأة من بني كنانة بن القيس .. واسم أبيه: زيد مَناة . ٥٠٠ سورة الأنفال: الآيات ٣٥ - ٣٨ وظلُّوا جميعاً لهم ضجَّةٌ مُكاءٌ لدى البيت بالتَّصدِيةْ أي: بالتصفيق. سعيد بنُ جبير وابنُ زيد: معنى التَّصدية: صدُّهم عن البيت(١)؛ فالأصل على هذا تَصْدِدَة، فأبدل من إحدى الدَّالين ياء. ومعنى ﴿لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ اَلَّيِّبِ﴾ أي: المؤمن من الكافر. وقيل: هو عامٌّ في كلِّ شيء من الأعمال والنفقات وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ٣٨ فیه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أُمِرَ النبيُّ # أن يقول للكفار هذا المعنى، وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية(٢): ولو كان كما ذَكَر الكسائيّ أنه في مصحف عبد الله بن مسعود: ((قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم»(٣) لَمَا تأدَّت الرسالةُ إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِن يَنْتَهُوا﴾ يريد عن الكفر. قال ابن عطية(٤): ولابُدَّ، والحامل على ذلك جواب الشرط بـ ((يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ))، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لِمُنْتَهٍ عن الكفر. ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري: يستوجبُ العفوَ الفتى إذا اعترفْ ثم انتهى عما أتاه واقْتَرفْ (١) تفسير الطبري ١٦٧/١١ و١٦٨. (٢) في المحرر الوجيز ٢/ ٥٢٧ ، وما قبله منه. (٣) القراءات الشاذة ص٥١، والكشاف ٢/ ١٥٧. (٤) في المحرر الوجيز ٥٢٧/٢ .