النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة الأنفال: الآية ١١ وكان الأنصارُ نيفاً وأربعين ومئتين (١). وخرَّج أيضاً عنه قال: كنّا نتحدَّث أنَّ أصحابَ محمدٍ ﴿ كانوا ثلاث مئةٍ وبضعةً عشر، على عِدَّة (٢) أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزَ معه إلا مؤمن(٣). وذكر البيهقِيُّ(٤) عن أبي أيوب الأنصاري قال: فخرجنا. يعني إلى بدر؛ فلمَّا سِرنا يوماً أو يومين؛ أَمَرَنا رسولُ اللـه ﴾ أن نَتَعادَّ، ففعلنا؛ فإذا نحن ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشر رجلاً، فَأَخْبَرنا النبيَّ # بعدَّتنا، فسُرَّ بذلك وحَمِدَ الله وقال: ((عِدَّةُ أصحاب طالوت)». قال ابن إسحاق(٥): وقد ظنَّ النَّاس بأجمعهم أنَّ رسولَ الله ﴾ لا يَلْقَى حَرْباً؛ فلم يَكثُر استعدادُهم. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسَّسُ(٦) الأخبارَ، ويسألُ مَن لَقِيَ من الرُّكبان تخوّفاً على أموال الناس، حتى أصابَ خبراً من بعض الرُّكبان أنَّ محمداً رسولَ الله ﴿ قد استنفرَ لكم النَّاس؛ فَحَذِرَ عند ذلك، واستأجرَ ضَمْضَمَ بنَ عمرٍو الغِفارِيّ، وبعثَه إلى مَّة، وأَمَرَه أنْ يأتِيَ قريشاً يَستنفرهم إلى (١) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي في صحيح البخاري (٣٩٥٦) من طريق شعبة: كان المهاجرون يوم بدر نيِّفاً على ستين ... وأما الرواية التي ذكرها المصنف أعلاه، فقد أخرجها الحاكم في المستدرك ٢١/٣ من طريق آخر عن شعبة، وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٩١/٧ وقال: وهو خطأ في هذه الرواية لإطباق أصحاب شعبة على ما وقع في البخاري. ا.هـ. وبنحو ما ذكره المصنف عن عدد المهاجرين أخرجه البخاري أيضاً. (٤٠٢٦) عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري قال : .. فجميع من شهد بدراً من قريش ممن ضُرب له بسهمه أحدٌ وثمانون رجلاً. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٢٦/٧ : فيجمع بينهما بأن حديث البراء أورده فيمن شهدها حسًّا وحديث الباب (يعني حديث ابن شهاب) فيمن شهدها حسًّا وحكماً ... (٢) في (د) و(م): عدد، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ). (٣) صحيح البخاري (٣٩٥٩). (٤) في دلائل النبوة ٣/ ٣٧ . (٥) كما في السيرة النبوية لابن هشام ٦٠٧/١ . وهو في أحكام القرآن لابن العربي ٨٢٩/٢ . (٦) في السيرة النبوية: يتحسس (بالحاء) قال السُّهيلي في الروض الأنف ٤٣/٣: التحسس - بالحاء - أن تتسمع الأخبار بنفسك، والتجسس - بالجيم -: أن تفحص عنها بغيرك. ٤٦٢ سورة الأنفال: الآية ١١ أموالهم، ويُخبرهم أنَّ محمداً ﴾ قد عَرَضَ لها في أصحابه، ففعل ضَمْضَم. فخرجَ أهلُ مَّة في ألفِ رجلٍ أو نحو ذلك، وخرج النبيُّ # في أصحابه، وأتاه الخبرُ عن قريش بخروجهم لِيَمنعوا عِيْرَهم، فاستشار النبيُّ # الناسَ، فقام أبو بكر فقال فأحسنَ، وقام عمرُ فقال فأحسنَ، ثم قام المِقدادُ بن عمرو فقال: يا رسولَ الله، إِمْضٍ لِمَا أمرَك الله، فنحنُ معك، واللهِ، لا نَقول كما قالت بنو إسرائيل: ((اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنَّا هاهنا قاعدون)) [المائدة: ٢٤]، ولكنْ اذهَبْ أنت وربُّك فقاتلا، إنَّا معكم مقاتلون، والذي بعثَك بالحقِّ، لو سِرْتَ إلى بَرْك الغِماد - يعني مدينة الحبشة(١) - لَجالدنا معك من دونه؛ فسُرَّ بذلك رسولُ الله ﴾ ودعا له بخير. ثم قال: ((أَشِيروا عَلَيَّ أيُّها الناس)) يريدُ الأنصار. وذلك أنَّهم عدَدُ النَّاس، وكانوا حين بايعوه بالعَقَبةِ قالوا: يا رسول الله، إنَّا بُرآءُ من ذِمامكَ حتى تَصِلَ إلى ديارنا، فإذا وَصلْتَ إلينا فأنتَ في ذِمَمنا، نمنعُك ممَّا نمنعُ منه أَنْفُسَنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسولُ اللهِ * يتخوَّفُ أَلَّا تكون الأنصارُ ترى أنَّ عليها نُصرتَه إلَّا بالمدينة، وأنَّه ليس عليهم أنْ يسيرَ بهم إلى عدوٍّ بغير بلادهم. فلمَّا قال ذلك رسولُ الله ﴾ كلَّمه سعدُ بن معاذ - وقيل: سعد بن عُبادة، ويمكنُ أنَّهما تكلَّما جميعاً في ذلك اليوم - فقال: يا رسول الله، كأنَّك تريدُنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله ﴾: ((أجل)). فقال: إِنَّا قد آمنًا بكَ واتَّبَعْنَاك، فامضٍ لِمَا أمركَ الله، فوالذي بعثك بالحقِّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضتَه لخضناه معك. فقال رسول الله﴾: ((امضُوا على بركة الله، فكأنِّي أنظرُ إلى مصارعِ القوم)»(٢). (١) عزاه السُّهيلي في الروض الأنف ٣/ ٤٥ لبعض كتب التفسير. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٣٢/٧: هو موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. وقيل: هي أقاصي هجر، وقيل: هو في أقصى اليمن. قال الحافظ ابن حجر: والأول أولی. (٢) السيرة النبوية ٦١٤/١ - ٦١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٢٩/٢ . وأخرجه بتمامه الطبري ٤١/١١ - ٤٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه مختصراً أحمد (١٣٢٩٦) و(١٣٢٩٧)، ومسلم (١٧٧٩) من حديث أنس بن مالك ، وفيهما أن الذي تكلّم عن الأنصار هو سعد بن عبادة. قال = ٤٦٣ سورة الأنفال: الآية ١١ فمضى رسولُ الله ﴾ وسبقَ قريشاً إلى ماء بدر، ومنع قريشاً من السَّبق إليه مطرٌ عظيمٌ أنزلَه الله عليهم، ولم يُصِبْ منه المسلمين إلا ما شدَّ لهم دَهْسَ الوادي وأعانهم على المَسير. والدَّهْسُ: الرملُ الليِّنُ الذي تسوُ فيه الأرجلُ. فنزل رسولُ الله :﴿ على أدنى ماءٍ من مياه بدرٍ إلى المدينة، فأشارَ عليه الحُبَابُ بنُ المنذر بن الجَمُوح(١) بغير ذلك وقال له: يا رسولَ الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلٌ(٢) أنزَلَكَهُ الله؛ فليس لنا أنْ نتقدَّمه أو نتأخّر عنه، أم هو الرأيُ والحرب والمَكِيدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل هو الرأيُ والحربُ والمَكيدةُ)). فقال: يا رسولَ الله، إنَّ هذا ليس لك بمنزل، فانهضْ بنا إلى أدنى ماءٍ من القوم فننزلَهُ ونُغوِّرَ (٣) ما وراءَه من القُلُب(٤)، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤُه فنشربُ ولا يشربون. فاستحسنَ رسولُ الله ﴿ ذلك من رَأيه، وفَعَلَه. ثم التّقَوْا، فنصرَ الله نبيَّهُ والمسلمين، فَقَتَلَ من المشركين سبعين وأَسَرَ منهم سبعين(٥)، وانتَقَمَ منهم للمؤمنين، وشفى الله صَدْرَ رسولِه عليه الصلاة والسلام وصدورَ أصحابه من غَيْظِهم. وفي ذلك يقول حسان(٦): عَرَفتُ ديارَ زينبَ بالكَثِيبِ كخَطّ الوحيٍ في الوَرَقِ القَشِيبِ(٧) = الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٨٨/٧: فيه نظر؛ لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً وإن كان يُعَدُّ فيهم لكونه ضرب له بسهمه .. ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب. اهـ. وقول المقداد بن عمرو عند البخاري (٤٦٠٩) من حديث ابن مسعود ﴾. (١) وقع في النسخ والدُّرر لابن عبد البر ص١٠٦ - والكلام منه -: الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح، والمثبت من الاستيعاب لابن عبد البر (بهامش الإصابة) ٢٨٧/٢ وغيره من كتب الرجال. والحُباب بن المنذر: أنصاري خزرجي سُلمي، توفي في خلافة عمر رضي الله عنهما. الإصابة ١٩٦/٢-١٩٧ . (٢) في (م): أمنزلاً. (٣) في (د) و(ز): نعول، وهو تحريف، وفي (خ) و(م): نعوّر (بالعين المهملة) والمثبت من (ظ) وهو الموافق للدُّرر. قال الخشني في شرح غريب السير ٣٥/٢: من رواه بالغين المعجمة فمعناه: تُذْهِبه وتَدفِنه، ومن رواه بالعين المهملة فمعناه: تُفسده. (٤) القُلُب: جمع قَليب، وهي البئر التي لم تُطْوَ. النهاية (قلب). (٥) قاله ابن عباس ﴾ ضمن حديث طويل، أخرجه مسلم (١٧٦٣) وسلف ٢٩٧/٥ . (٦) في ديوانه ص١٢-١٤، وينظر السيرة النبوية ٦٣٩/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٣١/٢ - ٨٣٢. (٧) الكثيب: كُدْسُ الرَّمل. والقشيب: الجديد. شرح غريب السير للخشني ٢/ ٤٠ وما بعدها. ٤٦٤ سورة الأنفال: الآية ١١ تداولُها الرياحُ وكلُّ جَوْنٍ فأمسى رَبْعُها خَلَقاً وأمستْ فَدَعْ عنك التذكُّرَ كُلَّ يومٍ وخَبِّرْ بالذي لا عيبَ فيه بما صنعَ الإلهُ غداً بدرٍ غداة كأنَّ جَمْعَهُمُ حِراءٌ فلاقيناهُمُ مِنَّا بجمعٍ أمامَ محمدٍ قَدْ وازَرُوه بأيديهم صوارِمُ مُرْهَفاتٌ بنو الأوسِ الغطارِفُ وازرَتْها(٥) فغادَرْنا أبا جهلٍ صَرِيعاً وشيبةً قد تركّنا في رجالٍ من الوَسْمِيِّ مُنْهمِرٍ سَكُوبٍ(١) يَباباً بعدَ ساكنِها الحبيبٍ(٢) ورُدَّ حرارةً (٣) الصَدْرِ الكئيبِ بِضدقٍ غيرِ إخبارِ الكذوبِ لَنَا في المشركين من النصيبِ بَدَتْ أركانُه جُنْحَ الغُروبِ كأُسْدِ الغابِ مُرْدَانٍ وشِيبٍ على الأعداء في لَفْحِ الحروبِ وكلُّ مجرَّبٍ خاظِي الكُعُوبِ(٤) بنو النجارٍ في الدِّينِ الصَّليبِ(٦) وعُتبةَ قد تركّنا بالجَبُوبِ (٧) ذوِي نَسَبٍ إذا نُسِبوا حسيبٍ(٨) (١) الجَوْن: السحاب الأسود، والوَسْمِيّ: مطر الخريف. وسَكُوب: كثير السيلان. المصدر السابق. (٢) الرَّبع: المنزل ودار الإقامة. اللسان (ربع) وفي الديوان: رسمها، بدل: ربعها. وقوله: يباباً، أي: قفراً. شرح الخشني. (٣) في الديوان: حزازة. وهي وجع في القلب من غيظ ونحوه. اللسان (حزز). (٤) الصوارم: السيوف، والمرهَفات: القاطعات. وخاظي الكعوب، معناه: مُكْتَيِزٌ شديد، والكعوب: عُقّد القنا (الرمح). شرح غريب السير ٤٠/٢ - ٤١ . (٥) في الديوان: آزرتها. قال السهيلي في الروض الأنف ٦٣/٣: ولو قال: آزرتها - بالهمز - لجاز .. لكن أراد حسان معنى الوزير. (٦) الغطاريف: السادة، واحدهم غِطريف، وحذف الياء من الغطاريف لإقامة وزن الشعر. الدين الصليب، أي: الشديد. شرح غريب السير ٤١/٢ . (٧) الجَبوب: وجه الأرض. المصدر السابق. (٨) في الديوان: ذوي حسب إذا نسبوا نسيب. ٤٦٥ سورة الأنفال: الآية ١١ قَذَفْناهُم كَباكِبَ في القَلِيبِ(١) يُناديهم رسولُ الله لمَّا وأمرُ الله يأخذُ بالقلوبِ ألمْ تَجِدُوا كلامِي كان حقًّا أصبتَ وكنتَ ذا رأيٍ مُصِيبٍ فما نَطَقُوا، ولو نَطَقُوا لَقَالوا وهنا ثلاث مسائل: الأولى: قال مالك: بلغني أنَّ جبريل عليه السلام قال للنبيِّ ﴾: کیف أهلُ بدٍ فيكم؟ قال: ((خيارُنا)) فقال: إنَّهم كذلك فينا(٢). فدلَّ هذا على أنَّ شَرَفَ المخلوقات ليس بالذوات، وإنَّما هو بالأفعال. فللملائكةِ أفعالُها الشريفةُ من المواظبة على التسبيح الدائم، ولنَا أفعالُنا بالإخلاص بالطّاعة، وتتفاضلُ الطاعاتُ بتفضيل الشرع لها، وأفضلُها الجهاد، وأفضلُ الجهاد يوم بدرٍ؛ لأنَّ بناءَ الإسلام كان عليه. الثانية: ودلَّ خروجُ النبيِّ :﴿ لِيَلْقى العِيرَ على جواز النَّفَر(٣) للغنيمة؛ لأنَّها ◌َسْبٌ حلال. وهو يردُّ ما كَرِه مالكٌ من ذلك؛ إذ قال: ذلك قتالٌ على الدنيا(٤)، وما جاءَ أنَّ ((مَنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيلِ الله(٥)) دون مَن يقاتلُ للغنيمة، يرادُ به إذا كان قصدَه وحده، وليس للدِّین فیه حظّ. وروى عِكرمة عن ابن عباس قال: قالوا للنبيِّ # حين فَرَغَ من بدر: عليكَ بالعير، ليس دونها شيء، فناداه العباسُ - وهو في الأَسْرى -: لا يصلحُ هذا. فقال له النبيّ ﴾: ((ولم))؟ قال: لأنَّ اللهَ وعدكَ إحدى الظَّائفتين، وقدْ أعطاكَ الله ما وَعدك. فقال النبيُّ ﴾: ((صدقت))(٦). وعَلِمَ ذلك (١) كباكب، أي: جماعات. شرح غريب السير ٤١/٢ . (٢) نقله المصنف عن ابن العربي في أحكام القرآن ٨٣١/٢ - وما بعده منه - وأخرجه أحمد (١٥٨٢٠) من حدیث رافع بن خَدِيج ، والبخاري (٣٩٩٢) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي. (٣) في (خ) و(د) و(م): النفير. (٤) سلف ٣٦٣/٧ . (٥) أخرجه أحمد (١٩٤٩٣)، والبخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري والكلام إلى آخر هذه المسألة من أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٠/٢ - ٨٣١. (٦) أخرجه أحمد (٢٠٢٢) دون قول النبي #: ((صدقت)). ٤٦٦ سورة الأنفال: الآية ١١ العباسُ بحديثٍ أصحاب النبيِّ # وبما كان من شأنٍ بَدْر، فسمعَ ذلك في أثناء الحدیث. الثالثة: رَوى مسلمٌ (١) عن أنس بن مالك أنَّ رسولَ الله ﴾ تركَ قتلى بدرٍ ثلاثاً، ثمَّ قام عليهم فناداهم فقال: ((يا أبا جهلٍ بنَ هشام، يا أُميَّةَ بنَ خَلَف، يا عُتبةَ بنَ ربيعةً، يا شيبةً بنّ ربيعةً، أليس قد وجدتُم ما وَعدَ ربُّكم حقًّا؟ فإنِّي قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقاً)). فسمع عمرُ قولَ النبيِّ ﴾، فقال: يا رسولَ الله، كيف يسمعون، وَأَنَّى يُجيبون وقد جَيَّفُوا؟ قال: ((والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمعَ لِمَا أقولُ منهم، ولكنَّهم لا يقدرُون أنْ يُجِيبوا)). ثم أَمر بهم فَسُحِبوا فأُلْقُوا في القَلِيب، قلیبٍ بدر. ((جَيَّقُوا)) بفتح الجيم والياء، ومعناه: أَنْتَنُوا فصاروا جِيقاً. وقول عمر: ((يسمعون)) استبعادٌ على حُكم ما جَرتْ به العادة(٢). فأجابه النبيُّ ﴾ بأنَّهم يسمعون كَسَمْعِ الأحياء. وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ الموتَ ليس بعَدَم محضٍ، ولا فناءٍ صِرْف، وإنَّما هو انقطاعُ تعلّق الروح بالبدن ومفارقتُه، وحيلولةٌ بينهما، وتبدُّلُ حالٍ، وانتقالٌ من دارٍ إلى دار. قال رسول الله *: ((إنَّ الميتَ إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابه؛ إنَّه لَيسمعُ قَرْعَ نِعالِهم)) الحديث. أخرجه الصحيح(٣). قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ الضمير في ((به)) عائدٌ على الماء الذي شدَّ دَهْسَ الوادي، كما تقدَّم(٤). وقيل: هو عائدٌ على رَبْطِ القلوب؛ فيكون تثبيتُ الأقدام عبارةً عن النصر والمعونة في موطن الحرب(٥). (١) في صحيحه (٢٨٧٤)، وهو عند أحمد (١٣٢٩٦) مطول. (٢) في النسخ: على ما جرت به حكم العادة، والمثبت من المفهم ٧/ ١٥١ ، والكلام منه. (٣) أخرجه أحمد (١٢٢٧١)، والبخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) من حديث أنس ﴾، والكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٣٠ . (٤) ص ٤٦٣ من هذا الجزء. (٥) المحرر الوجيز ٥٠٧/٢ . ٤٦٧ سورة الأنفال: الآية ١٢ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَنَِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانِ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُؤْحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ﴾ العاملُ في ((إذ)) ((يُثَبِّت))، أي: يُثَبِّتَ به الأقدامَ ذلك الوقت. وقيل: العاملُ ((لِيربط))، أي: وليربِطَ إذ يُوحِي. وقد يكون التقدير: أُذْكُر إذ يُوحِي ربُّك إلى الملائكة. ﴿أَنِّ مَعَكُمْ﴾ في موضع نَصْب، والمعنى: بأني معكم، أي: بالنصر والمعونة. ((مَعَكم)) بفتح العين ظرفٌ، ومن أَسْكَنَها فهي عنده حرف(١). ﴿فَِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بشِّرُوهم بالنصر، أو القتالِ معهم، أو الحضورِ معهم من غير قتال؛ فكان المَلَكُ يسير أمامَ الصفّ في صورة الرجل ويقول: سِيروا، فإنَّ اللهَ ناصرُكم(٢). ويظنُّ المسلمون أنَّه منهم. وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٣) أنَّ الملائكةَ قاتلتْ ذلك اليوم. فكانوا يَروْن رؤوساً تَنْدُر(٤) عن الأعناق من غير ضاربٍ يَرونَه. وسَمِعَ بعضهم قائلاً يسمع قولَهُ ولا یری شخصَه: أَقْدِمْ حيزوم(٥). وقيل: كان هذا التثبيتُ ذِكْرَ رسولِ الله # للمؤمنين نزولَ الملائكة مَدَداً. قوله تعالى: ﴿سَأُلِّقِى فِي قُلُوبٍ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٦). (١) معاني القرآن للزجاج ٤٠٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٨٠/٢. (٢) أورده الواحدي في الوسيط ٢/ ٤٤٧ ونسبه لمقاتل. (٣) ٢٩٦/٥. (٤) أي: تسقط، القاموس (ندر). (٥) قطعة من قول ابن عباس ، أخرجه مسلم (١٧٦٣)، وسلف ٢٩٧/٥ . (٦) ٣٥٦/٥. ٤٦٨ سورة الأنفال: الآية ١٢ ﴿ فَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ هذا أمرٌ للملائكة. وقيل: للمؤمنين(١)، أي: اضرِبوا الأعناقَ، و((فوق)) زائدةٌ؛ قاله الأخفش(٢) والضَّحّاك وعطية(٣). وقد رَوى المسعودِيُّ قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((إني لم أُبعَثْ لأُعذّبَ بعذاب الله، وإنَّما بُعِثتُ بضرب الرِّقاب وشَدِّ الوَثاق))(٤). وقال محمدُ بن يزيد: هذا خطأ؛ لأنَّ ((فوق)) تفيدُ معنًى، فلا يجوز زيادتُها، ولكن المعنى أنَّهم أُبِيحَ لهم ضَرْب الوجوهِ وما قَرُب منها(٥). وقال ابن عباس: كلّ هامِ وجُمْجُمة (٦). وقيل: أي: ما فوقَ الأعناق، وهو الرؤوس؛ قاله عكرمة (٧). والضَّرْبُ على الرأس أبلغُ؛ لأنَّ أدنى شيءٍ يُؤَثِّر في الدِّماغ. وقد مضى شيءٌ من هذا المعنى في ((النساء)»، وأنَّ ((فوق)) ليست بزائدة عند قوله: ﴿فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ﴾(٨) [النساء: ١١]. ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال الزَّجَّاجِ(٩): واحد البَنان بَنانةٌ، وهي هنا الأصابعُ وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتقٌّ من قولهم: أبَنَّ الرجلُ بالمكان: إذا أَقامَ به. فالبَنان يُعْتَمَلُ به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل: المرادُ بالبنان هنا أطرافُ (١) الوسيط للواحدي ٤٤٨/٢ . (٢) في معاني القرآن ٥٤١/٢ - ٥٤٢ . (٣) أخرجه الطبري ١١/ ٧٠ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٩٠/١٢، والطبري ٧٠/١١ من طريق المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود ﴾ مرسلاً. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٨٠. (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٤٨/٢ من قول عطاء، وقوله: هام: هو جمع هامة، وهي الرأس. الصحاح (هيم). (٧) أخرجه الطبري ١١/ ٧١ . (٨) ٦ / ١٠٥. (٩) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٨٠/٢. ٤٦٩ سورة الأنفال: الآيات ١٢ - ١٤ الأصابع من اليدَيْن والرِّجْلَين. وهو عبارةٌ عن الثَّبَاتِ في الحرب وموضع الضَّرب؛ فإذا ضربتَ البَنان؛ تعطّل من المضروب القتالُ بخلاف سائر الأعضاء(١). قال عنترة: وكان فَتَى الهَيْجاءِ يَحمِي ذِمَارَها ويَضْربُ عند الكَرْبِ كلَّ بَنَانٍ(٢) ومما جاء أنَّ البنانَ الأصابعُ قولُ عنترة أيضاً: وأنَّ الموتَ طوعُ يدي إذا ما وَصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوَانِي(٣) وهو كثيرٌ في أشعار العرب، البَنَان: الأصابع. قال ابن فارس(٤): البَنانُ: الأصابع، ويقال: الأطراف. وذكّر بعضُهم أنَّها سُمِّيت بناناً لأنَّ بها صلاحَ الأحوال التي بها يستقرُّ الإنسانُ ويُيِنُّ. وقال الضَّحَّاك: البَنانُ كلُّ مَفْصِل(٥). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآتُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٍ وَمَن يُشَافِقِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابٍ ٣ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ١٤ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُّواْ اللَّهَ﴾ ((ذلِك)) في موضع رفع على الابتداء [أو خبراً، والتقدير: ذلك الأمرُ، أو الأمرُ ذلك(٦). ((شَاقُّوا الله)) أي: أولياءَه. والشِّقاق: أنْ يصيرَ كلُّ واحدٍ في شِقِّ. وقد تقدَّم(٧). ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ قال الزَّجَّاج(٨): ((ذلكم)) رفع (١) المحرر الوجيز ٥٠٨/٢ . (٢) ديوان عنترة ص ٧٠، وفيه: لدى، بدل: فتى. (٣) ديوان عنترة ص٧٢، وقوله: بالهندواني: هو السيف المطبوع من حديد الهند. الصحاح (هند). (٤) مجمل اللغة ١١٤/١ . (٥) أخرجه الطبري ١١/ ٧٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٨٠، وما بين حاصرتين منه. (٧) ٤١٩/٢ . (٨) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٧ . ٤٧٠ سورة الأنفال: الآيات ١٣ - ١٦ بإضمار الأمر أو القصّة، أي: الأمرُ ذلكم فذوقوه. ويجوز أن يكون في موضع نصبٍ بـ «ذُوقُوا))؛ كقولك: زيداً فاضربه(١). ومعنى الكلام التوبيخُ للكافرين. (وأنَّ)) في موضع رَفْع عطف على ((ذلكم)). قال الفرَّاء(٢): ويجوزُ أنْ يكون في موضع نصبٍ؛ بمعنى: وبأنَّ للكافرين. قال: ويجوزُ أن تُضْمر: واعلموا أنَّ. الزَّجَّاجِ (٣): لو جازَ إضمارُ: واعلموا لجاز زيدٌ منطلقٌ، وعَمْراً جالساً، بل كان يجوز في الابتداء: زيداً منطلقاً؛ لأنَّ المُخبِر مُعلِمٌ، وهذا لا يقوله أحدٌ من النحويين. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَغَرُواْ زَحْفًا فَلَ تُوَلُّوهُمُ اْأَدْبَارَ ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى نِثَقِ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ (١) فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿رَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قليلاً قليلاً. وأصلُه الاندفاعُ على الأَلْيَة؛ ثمَّ سُمِّيَ كلُّ ماشٍ في الحرب إلى آخرَ زاحفاً (٤). والتزاحفُ: التداني والتقارب؛ يقال: زحفَ إلى العدوِّ زَحْفاً. وازدحفَ القومُ، أي: مشى بعضُهم إلى بعض. ومنه زِحافُ الشِّعر، وهو أن يسقُطَ بين الحرفين حرف فيَزْحَف أحدُهما إلى (٥) الآخر(٥). يقول: إذا تدائَيْتم وتعايَنْتم فلا تَفِرُوا عنهم، ولا تُعطُوهم أدبارَكم. حرَّم اللهُ ذلك على المؤمنين حين فَرَضَ عليهم الجهادَ وقتالَ الكفار(٦). (١) المحرر الوجيز ٥٠٩/٢ . (٢) في معاني القرآن له ١/ ٤٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٨١/٢. (٣) في معاني القرآن له ٤٠٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٨١/٢. (٤) المحرر الوجيز ٥٠٩/٢ . (٥) تهذيب اللغة ٣٧١/٤ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٢/٢ . ٤٧١ سورة الأنفال: الآيتان ١٥ - ١٦ قال ابن عطية: والأدبارُ جمع دُبُر. والعبارة بالدُّبُر في هذه الآية متمكِّنةٌ الفصاحة؛ لأنَّها بَشِعةٌ على الغارٌّ، ذامَّةٌ له(١). الثانية: أمرَ الله عزَّ وجلَّ في هذه الآية ألَّا يُولِّيَ المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمرُ مقيّدٌ بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين؛ فإذا لَقِيتْ فئةٌ من المؤمنين فئةً - هي ضِعف ـ من المشركين؛ فالفرضُ ألَّا يَفِرُّوا أمامَهم. فمن فرَّ من اثنين فهو فارٌّ من الزَّحف. ومن فرَّ من ثلاثةٍ فليس بفارٍّ من الزَّحف، ولا يتوجَّه عليه الوعيد. والفِرارُ كبيرةٌ مُوبِقةٌ بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة(٢). وقالت فرقةٌ؛ منهم ابن الماجشون في ((الواضحة)): إنَّه يُراعَى الضُّعفُ والقوّة والعُدَّة، فيجوزُ على قولهم أنْ يفِرَّ مئةُ فارسٍ من مئة فارس إذا عَلموا أنَّ ما عند المشركين من النَّجدة والبسالة ضِعْفُ ما عندهم. وأمَّا على قول الجمهور فلا يحلُّ فِرار مئةٍ إلَّا مِمَّا زاد علی المنتین(٣). فمهما كان في مقابلة مسلم أكثرُ من اثنين؛ فيجوزُ الانهزام، والصبر أحسنُ. وقد وقف جيشُ مُؤْتَةً وهم ثلاثةُ آلاف في مقابلة مئتي ألف، فيهم مئةُ ألفٍ من الروم، ومئةُ ألفٍ من المُستعربة من لَخْم وجُذَام. قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أنَّ طارقاً (٤) مولى موسى بن نصير سَار في ألفٍ وسبع مئة رجلٍ إلى الأندلس، وذلك في رجب سنةً ثلاثٍ وتسعين من الهجرة(٥)؛ فالتقى وملِك الأندلس لُذريق وكان في سبعين ألف عِنان، فزَحف إليه (١) المحرر الوجيز ٥١٠/٢، دون قوله: الأدبار جمع دبر. (٢) في (د) و(ز) و(ظ): الأمة. (٣) المحرر الوجيز ٥١٠/٢. (٤) كان أميراً على طنجة بأقصى المغرب، هزم الفرنج، وافتتح قرطبة، وكتب بالنصر إلى مولاه موسى بن نُصير، فحسده وتوعَّده، ثم قبض عليه وأساء إليه. وموسى بن نصير: هو أبو عبد الرحمن اللخمي، متولي إقليم المغرب، حجّ مع سليمان، فمات بالمدينة. السير ٤٩٦/٤ و ٥٠٠ . (٥) في تاريخ الطبري ٤٦٨/٦، والمنتظم ٣٠٣/٦، والكامل لابن الأثير ٥٦١/٤ - ٥٦٢ أن فتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، وأن عدد جيش المسلمين اثنا عشر ألفاً. ٤٧٢ سورة الأنفال: الآيتان ١٥ - ١٦ طارقٌ وصَبَر له، فَهَزْم اللهُ الطاغيةَ لُذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعتُ مالكاً يُسأل عن القوم يلقون العدوّ أو یکونون في محرسٍ يحرُسون، فيأتيهم العدوُّ وهم يسيرٌ، أَيُقَاتلون أو ينصرفون فَيُؤْذِنون أصحابَهم؟ قال: إن كانوا يَقْوَوْن على قتالهم قاتلوهم، وإلَّا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنُوهُم(١). الثالثة: واختلفَ الناسُ هل الفرارُ يومَ الزَّحف مخصوصٌ بيوم بدرٍ، أم عامٌّ في الزحوف كلِّها إلى يوم القيامة؟ فرُوي عن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ أنَّ ذلك مخصوصٌ بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيدُ بن أبي حبيب والضَّحَّاك(٢)، وبه قال أبو حنيفة(٣). وأنَّ ذلك خاصٌّ بأهل بدر، فلم يكن لهم أنْ ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكنْ في الأرض يومئذٍ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئةٌ إلَّا النبي ﴿، فأمَّا بعد ذلك فإنَّ بعضَهم فئةٌ لبعض. قال الكِيا(٤): وهذا فيه نَظَرٌ، لأنّه كان بالمدينة خلقٌ كثيرٌ من الأنصار، لمْ يأمرهم النبيُّ * بالخروج، ولم يكونوا يرونَ أنَّه قتال، وإنما ظنُّوا أنَّها العِير؛ فخرجَ رسولُ الله ﴿ فيمن خَفَّ معه. ويُروى عن ابن عباس وسائرِ العلماء أنَّ الآية باقيةٌ إلى يوم القيامة(٥). احتجَّ الأوّلون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: ((يومئذ)»، فقالوا: هو إشارةٌ إلى يوم بدر، وأنَّه نُسِخَ حُكم الآية بآيةِ الضّعف(٦). وبقي حُكم الفرار من الزَّحف ليس بكبيرة. وقد فرَّ الناسُ يومَ أُحُدٍ، فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يومَ حُنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم (١) الكافي لابن عبد البر ١/ ٤٦٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٢/٢، وقول أبي سعيد الخدري ﴾ أخرجه الطبري ١١/ ٧٧ . (٣) النكت والعيون ٣٠٤/٢ . (٤) في أحكام القرآن ١٥٣/٣، والكلام السابق فيه مختصر. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٢/٢ . (٦) يعني قوله تعالى: ﴿الآن خفَّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئةٌ صابرة يغلبوا مئتين ... ﴾ [الأنفال: ٦٦]. أ أ : أ ٤٧٣ سورة الأنفال: الآيتان ١٥ -١٦ مُذْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيفٌ. وقال الجمهورُ من العلماء: إنَّما ذلك إشارةٌ إلى يوم الزَّحف الذي يتضمَّنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُهُ﴾. وحكمُ الآية باقٍ إلى يوم القيامة بشرط الضِّعف الذي بيَّنه اللـه تعالى في آيةٍ أخرى، وليس في الآية نسخٌ(١). والدليلُ عليه أنَّ الآية نزلتْ بعدَ القتال وانقضاءِ الحرب وذهابٍ اليوم بما فيه(٢). وإلى هذا ذهب مالكٌ والشافعيُّ وأكثرُ العلماء. وفي (صحيح)) مسلم عن أبي هريرة(٣) أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((اجتنبوا السَّبْعَ المُوبِقات)): وفيه: ((والتولِّي يومَ الزَّحْف)) وهذا نصٌّ في المسألة. وأما يوم أُحدٍ فإنَّما فرَّ الناسُ من أكثرَ من ضِعْفهم(٤) ومع ذلك عُنِّفوا. وأمَّا يومَ حُنين فكذلك مَنْ فرَّ إنَّما انكشفَ عن الكَثْرة؛ على ما يأتي بيانه(٥). الرابعة: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادةُ من فرَّ من الزَّحف. ولا يجوز لهم الفِرار وإنْ فرَّ إمامُهم؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُّرَهُ﴾ الآية. قال: ويجوزُ الفِرار من أكثر من ضِعْفهم (٦). وهذا ما لم يبلغ عددُ المسلمين اثني عشر ألفاً؛ فإنْ بَلِغَ اثني عشر ألفاً لم يَحِلَّ لهمُ الفِرارُ، وإنْ زادَ عددُ المشركين على الضِّعف؛ لقول رسول الله ﴾: ((ولن يُغْلَبَ اثنا عشر ألفاً من قِلَّة))(٧) فإنَّ أكثرَ أهل العلم خصَّصوا هذا العددَ بهذا الحديث من عموم الآية. قلت: رواه أبو بشرٍ وأبو سلمة العامليّ - وهو الحكم بن عبد الله بن خُطَّاف، (١) المحرر الوجيز ٥١٠/٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٣/٢. (٣) الحديث (٨٩)، وهو عند البخاري (٢٧٦٦). (٤) في (خ) و(ظ): ضعفيهم، والكلام في المحرر الوجيز ٢/ ٥١٠ . (٥) في سورة التوبة عند تفسير الآية (٢٥) منها. (٦) في (خ) و(ظ): ضعفيهم. وينظر قول ابن القاسم في النوادر والزيادات ٣/ ٥٤ بنحوه. (٧) النوادر والزيادات ٣/ ٥٣، وسيأتي تخريج الحديث بعده. ٤٧٤ سورة الأنفال: الآيتان ١٥ - ١٦ وهو متروك ـ قالا: حدَّثنا الزُّهرِيّ، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﴾ قال: ((يا أَكْثَم بن الجَوْن، أُغْزُ مع غير قومك يَحسُنْ خُلقُك، وتكرم على رُفقائك. يا أكثم بن الجون، خيرُ الرُّفقاء أربعةٌ، وخيرُ الطلائع أربعون، وخيرُ السَّرايا أربع مئة، وخيرُ الجيوش أربعةُ آلاف، ولن يُؤْتَى اثنا عشر ألفاً من قِلَّة))(١). ورُويّ عن مالك ما يدلُّ على ذلك من مذهبه، وهو قولُه للعُمَّرِيّ العابد(٢) إذْ سأله: هل لك سَعَةٌ في ترك مجاهدةٍ مَن غيَّر الأحكام وبدَّلها؟ فقال: إنْ كان معك اثنا عشرَ ألفاً فلا سَعَةً لك في ذلك(٣). الخامسة: فإنْ فرَّ فَلیستغفر اللهَ عزَّ وجلَّ. روى الترمذِيُّ عن بلال بن یسار بن زید قال: حدّثني أبي عن جدِّي، سمعَ النبيَّ ◌َ﴾ يقول: ((مَنْ قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم وأتوبُ إليه؛ غَفَرَ الله له، وإنْ كان قد فرَّ من الزَّحف)). قال: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرِفه إلا من هذا الوجه (٤). السادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ مُتَحَدِّفَا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزَّا إِلَى فِتَقِ﴾ التحرُّف: الزوال عن جِهة الاستواء. فالمتحرِّفُ من جانبٍ إلى جانب لمكايدِ الحرب غيرُ مُنهزم؛ وكذلك المتحيِّزُ إذا نوى التحيُّزَ إلى فئةٍ من المسلمين لِيَستعينَ بهم؛ فيرجعَ إلى القتال (١) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٢٣٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٥١)، وقال: أبو بشر هو الوليد بن محمد المُوَقَّري، وكلاهما ليس بشيء (يعني أبا سلمة وأبا بشر) قال الدار قطني: كان الحكم يضع الحديث، وقال يحيى: الموقري كذاب. وأخرجه ابن ماجه (٢٨٢٧) من طريق أبي سلمة وحده، وليس فيه ذكر الطلائع. وأخرج أحمد (٢٦٨٢) وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش ... إلى آخر الحديث. قال أبو داود: الصحيح أنه مرسل. وقوله: ((خير الرفقاء أربعة)) سلف ٦/ ٤٥٠ . (٢) عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أبو عبد الرحمن القرشي، المدني، الزاهد، توفي سنة (١٨٤ هـ). السير ٣٧٣/٨. (٣) أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٥٤ . (٤) سنن الترمذي (٣٥٧٧)، وهو عند أبي داود (١٥١٧)، وفي إسناده يسار بن زيد، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٤٤٤ : لا يعرف. ٤٧٥ سورة الأنفال: الآيتان ١٥ - ١٦ غيرُ منهزمٍ أيضاً. روى أبو داود عن عبد الله بن عمر أنَّه كان في سريةٍ من سرايا رسول الله ﴾ قال: فحاصَ الناسُ حَيْضةً، فكنتُ فيمن حاص، قال: فلمَّا بَرَزْنا قلنا: كيف نصنعُ وقد فَرَرْنا من الزَّحف وبُؤْنا بالغضب. فقلنا: ندخلُ المدينة، فنتثبّتُ(١) فيها، ونذهبُ ولا يرانا أَحَدٌ. قال: فدخلنا فقلنا: لو عَرَضْنا أنفسَنا على رسول الله ﴾، فإنْ كانت لنا توبةٌ أقمنا، وإنْ كان غيرَ ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله# قبلَ صلاة الفجر، فلمَّا خرج قُمنا إليه فقلنا: نحنُ الفرَّارون، فأقبل إلينا فقال: ((لا، بل أنتم العَكَّارون)). قال: فدنونا فقبَّلْنا يدَه. فقال: ((أنا فئةُ المسلمين))(٢). قال ثعلب: العكَّارون هم العطّافون(٣). وقال غيره: يقال للرجل الذي يُوَلِّي عند الحرب ثمَّ يَكِرُّ راجعاً: عَكّر واعتكر(٤). وروى جرير عن منصور، عن إبراهيم قال: انهزم رجلٌ من القادسِية، فأتى المدينةَ إلى عمر فقال: يا أميرَ المؤمنين، هلكت! فررتُ من الزَّحْف. فقال عمر: أنا فيتُك (٥). وقال محمد بن سيرين: لما قُتِل أبو عُبيد(٦) جاء الخبرُ إلى عمر فقال: لو انحاز (١) سنن أبي داود (٢٦٤٧)، وهو عند أحمد (٥٣٨٤)، والترمذي (١٧١٦). وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وقوله: فحاص الناس حيصة، قال السندي في حاشية المسند: أي: جالوا جولة يطلبون الفرار. ٤. (٢) في (ز) و(ظ): فنبيت، وفي (د): ونبيت، وفي (خ): فننبتُّ وهي رويات؛ كما في نسخة أبي داود (٢٦٣٩) تحقيق الشيخ محمد عوامة، وذكر أيضاً رواية: فننبثَّ. (٣) غريب الحديث لابن الجوزي ١٢٠/٢. (٤) تهذيب اللغة ٣٠٥/١ . (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢ / ٥٧٥ . (٦) في النسخ: أبو عبيدة، وهو خطأ، والمثبت من المصادر، وأبو عبيد: هو ابن مسعود بن عمرو الثقفي، أسلم في عهد رسول الله#، واستعمله عمره سنة ثلاث عشرة، وسيَّره إلى العراق، وقُتل شهيداً. أسد الغابة ٢٠٥/٦، والإصابة ٢٤٩/١١. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣٦/١٢، والطبري ١١/ ٨٠، وابن الأثير في أسد الغابة. ٤٧٦ سورة الأنفال: الآيات ١٥ - ١٨ إليَّ لكنتُ له فئةً، فأنا فئةُ كلِّ مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرارُ كبيرةً؛ لأنَّ الفئَة هنا المدينةُ والإمامُ وجماعةُ المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكونُ كبيرةً؛ لأنَّ الفئَة هناك الجماعةُ من الناس الحاضرةُ للحرب. هذا على قول الجمهور أنَّ الفرار من الزَّحف كبيرة. قالوا: وإنَّما كان ذلك القول من النبيّ# وعمرَ على جهة الحِيْطَة على المؤمنين، إذْ كانوا في ذلك الزمان يَثْبُتُون لأضعافهم مِراراً (١)، والله أعلم. وفي قوله: (وَالتَّوَلِّي يوم الزَّحف))(٢) ما يَكفي. السابعة: قوله تعالى: ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: استحقَّ الغضب. وأصلُ: ((باء)): رَجَعَ. وقد تقدَّم(٣). ﴿وَمَأْوَهُ جَهَّمْ﴾ أي: مُقامُه. وهذا لا يدلُّ على الخلودِ؛ كما تقدَّم في غير موضع (٤). وقد قال :﴿: ((مَنْ قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلَّا هو الحيُّ القيوم، غُفِرِ له وإنْ كان قد فرَّ من الزَّحف))(٥). قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمَّ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اَللَّهَ رَمَّ وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ أي: يومَ بدر. رُوي أنَّ أصحابَ رسول الله ﴿ لَمَّا صَدَروا عن بَدْر؛ ذَكَر كلُّ واحدٍ منهم ما فعل: قتلتُ كذا، فعلتُ كذا؛ فجاء من ذلك تَفاخرٌ ونحو ذلك. فنزلت الآيةُ إعلاماً بأنَّ الله تعالى هو المميتُ والمقدِّر لجميع الأشياء، وأنَّ العبدَ إنَّما يُشارك بتكسُّبه وقَصْده. (١) المحرر الوجيز ٢/ ٥١٠ . (٢) يعني في حديث أبي هريرة: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... )) وسلف في المسألة الثالثة. (٣) ٢ /١٥٥. (٤) ٣٦٢/١ و١٣٦/٦ و٤٥/٧ . (٥) سلف في المسألة الخامسة، وإسناده ضعيف. ٤٧٧ سورة الأنفال: الآيتان ١٧ - ١٨ وهذه الآية تردُّ على من يقول بأنَّ أفعال العباد خلقٌ لهم(١). فقيل: المعنى فلم تقتلوهم، ولكنَّ الله قتلَهم بِسَوْقهم إليكم حتى أَمْكّنكُم منهم. وقيل: ولكنَّ الله قَتَلهم بالملائكة الذين أمدَّكُم بهم(٢). ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ مِثله. ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىْ﴾. واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: الأوّل: إنَّ هذا الرميَ إنَّما كان في حَصْب رسول الله ﴾ [المشركين] يومَ حُنين(٣)؛ رواه ابنُ وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبقَ في ذلك اليوم أَحَدٌ إلَّا وقد أصابَه ذلك. وكذلك رَوى عنه ابن القاسم أيضاً(٤). الثاني: أنَّ هذا كان يوم أُحُدٍ حين رَمى أُبَيَّ بنَ خَلَف بالحَرْبة(٥) في عُنقه؛ فَكَرَّ أُبَيِّ مُنهزِماً. فقال له المشركون: والله، ما بكَ مِنْ بأس. فقال: والله، لو بَصَق عليَّ لَقَتَلَني. أليس قد قال: بل أنا أَقتُلُه؟! وكان قد أَوْعد أُبَيِّ رسولَ الله ﴾ بالقتل بمكّة؛ فقال له رسولُ ﴾: ((بَلْ أنا أَقتلُكَ)). فمات عدوُّ الله منْ ضربةِ رسول الله ﴾ في مَرْجعه إلى مكة، بموضعٍ يقال له: سَرِف(٦). قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لمَّا كان يومُ أُحُد أقبلَ أَبَيِّ مُقَنَّعاً في الحديد على فرسه يقول: لا نجوتُ إنْ نجا محمد؛ فَحَمَلَ على رسول الله # يريد قَتْلَه. قال موسى بن عقبة: قال سعيد بن المسيِّب: فاعترضَ له رجالٌ من المؤمنين، فأمرَهُم رسولُ الله ◌َ﴾، فَخلَّوْا طريقَه؛ فاستقبله مُصعبُ بن عُمير يَقِي رسولَ الله ﴾، (١) المحرر الوجيز ٥١١/٢ . (٢) النكت والعيون ٣٠٤/٢ . (٣) أخرجه مسلم (١٧٧٥) من حديث العباس ﴾ مطولاً، وفيه: ثم أخذ رسول الله ﴿ حَصَيات فرمى بهنَّ وجوه الكفار. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٣/٢ . (٦) الدُّرر لابن عبد البر ص١٦٣، وسَرِف، ككتف: موضع قرب التنعيم. القاموس (سرف). ٤٧٨ سورة الأنفال: الآيتان ١٧ - ١٨ فقُتِل مُصعب بن عُمير، وأبصرَ رسولُ الله :﴿ تَرْقُوَةَ أَبَيِّ بن خَلَف من فُرْجَةٍ بين سابغة البَيْضةِ والدِّرع؛ فطعنَه بحربته، فوقع أُبيِّ عن فرسه، ولم يخرج من طَعْنته دمٌّ. قال سعيد: فكسر ضِلَعاً من أضلاعه. قال: ففي ذلك نَزَل: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾(١). وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الآية نزلَتْ عَقِيب بدر(٢). الثالث: أنَّ المرادَ السَّهمُ الذي رَمَى به رسولُ اللـه # في حِصن خَيْبر، فسارَ في الهواء حتى أصابَ ابنَ أبي الحُقَيق وهو على فراشه. وهذا أيضاً فاسدٌ، وخَيْبَرُ وفتحُها أبعدُ من أُحُد بكثير. والصحيح في صورةٍ قتل ابن أبي الحُقَيق غيرُ هذا(٣). الرابع: أنَّها كانت يومَ بدر؛ قاله ابن إسحاق. وهو أصحُّ؛ لأنَّ السورة بَدْرية، وذلك أنَّ جبريلَ عليه السَّلام قال للنبيِّ ﴾: ((خُذْ قبضةً من التراب)). فأخذَ قبضةً من التراب، فرمَى بها وجوهَهم، فما من المشركين من أحدٍ إلَّا وأصاب عينيه ومَنْخِرَيْه وفَمَه ترابٌ من تلك القَبْضة؛ وقاله ابن عباس (٤)، وسيأتي. قال ثعلب: المعنى: ((ومَا رَمَيْتَ)) الفَزَعَ والرُّعب في قلوبهم ((إِذْ رَمَيْتَ)) بالخَضْباء فانهزموا، ((ولكنَّ اللهَ رَمَى))(٥) أي: أعانك وأَظفرك. والعربُ تقول: رَمَى اللهُ لك، أي: أعانَك وأَظْفرَك وصَنَعَ لك. حكى هذا أبو عُبيدة في كتاب المجاز(٦). وقال محمد بن يزيد: وما رَميتَ بقوَّتك إذْ رَمَيْتَ، ولكنَّك بقوَّة الله رَمَيْتَ(٧). ﴿وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءٌ حَسَنَا﴾ البلاءُ هاهنا النّعمة. واللَّام تتعلقُ بمحذوف، (١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢١١/٣ - ٢١٢ . والتَّرْقُوَة (بفتح التاء): العظم الذي بين ثَغْرة النحر والعاتق. والبيضة يعني الخُوذة. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٥١١ . (٣) المحرر الوجيز ٥١١/٢، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٧٣/٥ عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير. (٤) أخرجه الطبري ٨٦/١١، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٨٣٤/٢. (٥) تهذيب اللغة ١٥/ ٢٧٧ . (٦) ٢٤٤/١ . (٧) تهذيب اللغة ١٥/ ٢٧٧ . ٤٧٩ سورة الأنفال: الآيات ١٧ - ١٩ أي: ولينليَ المؤمنین فِعلَ ذلك. ﴿ذلكم وأنَّ الله مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكَافِرِينَ﴾ قراءةُ أهل الحَرَمين وأبي عمرو (١). وقراءةُ أهل الكوفة: ﴿مُوهنٌ كَيْدَ الکَافِرِينَ﴾(٢). وفي التشديد معنى المبالغة. ورُوي عن الحسن: ﴿مُؤمِنُ كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ﴾ بالإضافة والتخفيف(٣). والمعنى: أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُلقي في قُلوبهم الرُّعبَ حتى يتَشتّتوا ويتفرَّق جمعُهم فَيَضْعُفوا. والكَيْد: المَكْر. وقد تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحِّ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُّ وَإِن تَعُودُواْ نَعُّدٌّ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِتَتْكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحِّ﴾ شرطٌ وجوابُه. وفيه ثلاثةٌ أقوال : يكون خِطاباً للكفَّار؛ لأنَّهم استفتحوا فقالوا: اللَّهُمّ؛ أَقطَعُنا للرَّحِم، وأَظلَمُنا لصاحبه، فانصُرْه عليه؛ قاله الحسن ومجاهد وغيرهما(٥). وكان هذا القولُ منهم وقتَ خروجهم لِنُصرَة العِيْر. وقيل: قاله أبو جهلٍ وقتَ القتال(٦). وقال النَّضرُ بن الحارث: اللَّهم إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك فأَمْطِرْ علينا حجارةً من السماء أو انتنا بعذابٍ أليم. وهو ممن قُتِل بيدر(٧). والاستفتاح: طلبُ النصر، أي: قد جاءَكُم الفتح، ولكنَّه كان للمسلمين عليكم؛ (١) السبعة ص٣٠٤، والتيسير ص١١٦ ويعني بأهل الحرمين نافعاً وابن كثير. (٢) يعني هي قراءة عاصم في رواية شعبة، وحمزة والكسائي. وقرأ بها أيضاً ابن عامر الشامي. (٣) وهي قراءة عاصم في رواية حفص، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٨٢، وما بعده منه. (٤) ٦ / ٤٦٢ . (٥) مجمع البيان ١٢٥/٩. وينظر النكت والعيون ٣٠٥/٢ . (٦) أخرجه أحمد (٢٣٦٦١) من قول عبد الله بن ثعلبة بن صُعير ﴾. (٧) تفسير الطبري ١٤٤/١١ - ١٤٥، وسيرد عند تفسير الآية (٣٢) من هذه السورة. ٤٨٠ سورة الأنفال: الآية ١٩ أي: فقد جاءَكُم ما بانَ به الأمرُ، وانكشفَ لكم الحقُّ. ﴿وَإِن تَنْتَهُوا﴾ أي: عن الكفر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. ﴿وَإِن تَعُودُوا﴾ أي: إلى هذا القول وقتالِ محمد. ﴿نَعُدّ﴾ إلى نَصْر المؤمنين (١). ﴿وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ أي: جماعتُكُم ﴿ِشَيْئًا﴾. ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: في العَدَد. الثاني: يكون خطاباً للمؤمنين، أي: إنْ تستنصروا فقد جاءكُم النصر. وإن (تَنْتَهُوا))، أي: عن مثلٍ ما فعلتموه من أَخْذِ الغنائم والأسرى قبل الإذن، ((فهو خيرٌ لكم)). ((وَإِنْ تَعُودُوا)) أي: إلى مِثل ذلك نَعُد إلى توبيخكم. كما قال: ﴿لَوْلًا كِنَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨]. والقول الثالث: أنْ يكون ﴿إِن تَسْتَفْئِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحِّ﴾ خطاباً للمؤمنين، وما بعده للكفار(٢)، أي: وإنْ تعودوا إلى القتال نَعُد إلى مثلٍ وقعة بَدْر. القشيري: والصحيح أنَّه خطابٌ للكفار، فإنَّهم لمَّا نَفَرُوا إلى نُصرةِ العِير تعلَّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصرْ أهدى الطائفتين، وأفضلَ الدِّينَين. المهدويّ: ورُوي أنَّ المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي: يَستنصرون(٣). قلت: ولا تَعارُضَ، لاحتمال أنْ يكونوا فعلوا الحالتين. ﴿إِنَّ اللهَ مع المؤمنينَ﴾ بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُؤمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ﴾. أو على قوله: ((أَنِّي معكُمْ)). أو المعنى: ولأنَّ الله؛ والتقدير: لِكَثَرَتها وأنَّ اللـه (٤). أي: من كان الله في نَصْره؛ لم تَغْلِبْه فئةٌ وإِنْ كَثُرت(٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٨٢. (٢) إعراب النحاس ٢/ ١٨٢ . (٣) تفسير الطبري ١٠/ ٩٢. (٤) قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. السبعة ص١ ، والتيسير ص١١٦، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٨٢/٢. (٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي ١/ ٤٩١ .