النص المفهرس

صفحات 441-460

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَدِ
سورة الأنفال
مدنيَّةٌ بدريَّةٌ في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وقال ابن عباس: هي مدنيةٌ
إِلَّا سبعَ آيات؛ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَِّيْنَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر سبع آيات(١).
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ
فیه سبع مسائل:
الأولى: روى عُبادةُ بنُ الصَّامت قال: خرجَ رسولُ الله # إلى بدر، فَلَقُوا
العدوَّ؛ فلمَّا هزمَهُم الله اتبعتهم طائفةٌ من المسلمين يقتلونهم، وأَحدقتْ طائفةٌ
برسول الله #، واستلوَتْ(٢) طائفةٌ على العسكر والنَّهْب(٣)، فلما نَفى الله العدوَّ
ورَجَع الذين طلبوهم؛ قالوا: لنا النَّفَل؛ نحن الذين طلبْنَا العدوَّ، وبنَا نفاهمُ الله
وهَزَمهم. وقال الذين أحدَقوا برسول الله ﴾: ما أنتم أحقَّ به منَّا، بل هو لنا، نحن
أحدَقْنا برسول اللـه # لئلا ينالَ العدوُّ منه غِرَّة. وقال الذين استلوَوْا على العسكر
والنَّهْب: ما أنتم بأحقَّ منَّا، هو لنا، نحن حَوَيْنَاه واستَلْوَيْنا(٤) عليه؛ فَأَنْزلَ الله
عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ آلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِّ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَبْنِكُمّ
(١) النكت والعيون ٢٩٢/٢، وينظر المحرر الوجيز ٤٩٦/٢ .
(٢) في النسخ: واستولت، والمثبت من الدُّرَر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص١١١ - والكلام
منه- ، وسیرد شرحها.
(٣) النَّهْب: الغنيمة. النهاية (نهب).
(٤) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): واستولينا، والمثبت من (خ)، وهو موافق للدُّرر.

٤٤٢
سورة الأنفال: الآية ١
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ( إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾. فَقَسَمِه رسولُ الله : ﴿ عن قُوَاقٍ بينهم(١).
قال أبو عمر (٢): قال أهلُ العلم بلسان العرب: استَلْوَوْا: أطافوا وأحاطوا؛
يقال: الموتُ مُسْتَلْوٍ على العباد. وقوله: فَقسَمَه عن فُواق: يعني عن سرعة. قالوا:
والفُوَاق ما بين حَلْبَتي الناقة. يقال: انتظَره فُواقَ ناقة؛ أي: هذا المقدار. ويقولونها
بالضمِّ والفتح: فُواق وفَواق.
وكانَ هذا قبل أنْ يَنزل: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية
[الأنفال: ٤١]. وكأنَّ المعنى عند العلماء: أي: إلى الله وإلى الرسول الحُكْمُ فيها
والعملُ بها بما يُقرِّبُ من الله تعالى.
وذكر محمد بن إسحاق قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بن الحارث وغيره مِنْ
أصحابنا، عن سليمانَ بنِ موسى الأشْدَق، عن مكحول، عن أبي أمامةَ الباهِليّ قال:
سألتُ عُبادةَ بنَ الصَّامت عن الأنفال، فقال: فينا معشرَ أصحاب بدرٍ نزلتْ حين
اختلفنا في النَّفَل، وساءَتْ فيه أخلاقُنا، فنزعَهُ اللهُ من أيدينا وجعلَهُ إلى الرسول،
فقسَمَه رسولُ اللـه:﴿ عن بَوَاء. يقول: على السَّوَاءِ(٣). فكان ذلك تقوى الله وطاعةً
رسوله وصلاحَ ذاتِ البَيْن (٤).
ورُويَ في الصحيح عن سعدٍ بن أبي وَقَّاص قال: أصابَ رسولُ اللـهِ ﴾(٥) غَنِيمةً
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩٢/٦، وعندهما:
استولت ... استولوا ... بدل: استلوت ... استلووا ... التي وقعت عند ابن عبد البر، ولم نقف على
هذا اللفظ في المعاجم، غير أنه جاء في المعجم الوسيط: استلوى بهم الدهر: أبادهم.
(٢) هو ابن عبد البر، وكلامه في الدُّرَر ص١١١ .
(٣) السيرة النبوية ١/ ٦٤٢، وأخرجه من طريق ابن إسحاق أحمد (٢٢٧٥٣).
(٤) الدُّرر لابن عبد البر ص١١١ - ١١٢ .
(٥) في (د) و(م): اغتنم أصحاب رسول الله #، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لصحيح مسلم
٢/ ١٨٧٧ (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة: باب في فضل سعد بن أبي وقاص ، واللفظ له كما
سیذکر المصنف، وما سیرد بین حاصرتین منه.

٤٤٣
سورة الأنفال: الآية ١
عظيمة، فإذا فيها سيفٌ، فأخذتُه، فأتيتُ به النبيَّ لَ﴾، فقلت: نَفْلني هذا السيفَ، فأنا
مَنْ قد عَلِمْتَ حالَه. قال: ((رُدَّه مِنْ حيثُ أَخَذْتَه)). فانطلقتُ حتى [إذا] أردتُ أن أُلقِيَه
في القَبَّض(١)؛ لامتني نفسي، فرجَعتُ إليه فقلتُ: أَعْطِنِيه. قال: فَشدَّ لي صوتَه: ((رُدَّه
مِنْ حيث أَخذْتَه)). فأنزل الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. لفظُ مسلم. والرواياتُ كثيرة،
وفيما ذكرناه كفايةٌ، والله الموفق للهداية.
الثانية: الأنفال واحدها نَفّل، بتحريك الفاء، قال:
وبإذن اللهِ رَيْتِي وَعَجَلْ(٢)
إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خيرُ نَفَلْ
أي: خيرُ غنيمة.
والنَّفْل: اليمين؛ ومنه الحديث: ((فَتُبْرِئكم يهودُ بنَفْل خمسين منهم))(٣). والنَّفْل:
الانتفاء، ومنه الحديث: (فانْتَفَلَ من وَلَدِها))(٤).
والنَّفَل: نبتٌ معروف(٥). والنَّقْل: الزيادةُ على الواجب؛ وهو التطوُّع. وولدُ الولد
نافلة؛ لأنَّه زيادةٌ على الولد. والغنيمةُ نافلة؛ لأنَّها زيادةٌ فيما أحلَّ الله لهذه الأمَّةِ ممَّا
كان محرَّماً على غيرها. قال ﴾: ((فُضِّلتُ على الأنبياء بستٌّ)) وفيها: ((وأُحِلَّتْ لِيَ
الغنائم))(٦). والأنفال: الغنائم أنفسُها. قال عنترة:
(١) القَّبَض، بالتحريك: هو ما جُمع من الغنيمة قبل أن تُقْسَم. النهاية (قبض).
(٢) قائله لبيد، وهو في ديوانه ص١٧٤، وقوله: زَيْئي: الرَّيث: الإبطاء. اللسان (ريث).
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (٦٨٩٩) من حديث أنس ﴾ مطولاً وفيه: ((أترضون نَفْل
خمسين من اليهود ما قتلوه)»، وسلفت أحاديث القسامة ١٩٦/٢ ...
(٤) أخرجه بهذا اللفظ مالك في الموطأ ٢/ ٥٦٧، وأخرجه أحمد (٤٥٢٧)، والبخاري (٥٣١٥) وعندهما:
فانتفى من ولدها. ينظر التمهيد ١٣/١٥، والاستذكار ٢١٦/١٧، وينظر الفتح ٩/ ٤٦٠. وفي معاجم
اللغة: انتفل من الشيء، أي: انتفى منه.
(٥) هو نحو البِرْسِيم (الفِصَّة، أو: الفِصْفِصّة): العَلَفُ المعروف. ينظر القاموس والمعجم الوسيط (برسم،
نفل).
(٦) أخرجه أحمد (٩٣٣٧)، ومسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ، والكلام في أحكام القرآن لابن
العربي ٨٢٤/٢، وينظر تهذيب اللغة ٣٥٥/١٥ .

٤٤٤
سورة الأنفال: الآية ١
ونَحِفُّ عندَ مقاسم الأنفال(١)
إِنَّا إذا احمرَّ الوَغَى نُروِي القَنا
أي: الغنائم.
الثالثة: واختلَفَ العلماء في مَحَلِّ الأنفال على أربعةٍ أقوال: الأوّل: محلُّها فيما
شَذَّ عن الكافرين إلى المسلمين، أو أُخِذَ بغير حرب. الثاني: مَحلُّها الخُمس. الثالث:
خُمس الخُمس. الرابع: رأسُ الغَنيمة؛ حَسَبَ ما يراه الإمام.
ومذهب مالك رحمه الله أنَّ الأنفالَ مَواهِبُ الإمام من الخُمس، على ما يرى من
الاجتهاد، وليس في الأربعةِ الأخماسِ نَفَلٌ، وإنَّما لم يَرَ النَّفَل من رأسِ الغنيمة؛ لأنَّ
أهلَها مُعَيَّنون، وهم المُوجِفون، والخُمس مردودٌ قَسْمُه إلى اجتهادِ الإمام. وأهلُه غيرُ
مُعَيَّنين(٢). قال :﴿: ((ما لي ممَّا أفاءَ اللهُ عليكم إلا الخُمس، والخُمس مردودٌ
عليكم))(٣). فلم يُمكن بعد هذا أنْ يكون النَّفَل من حقِّ أحد، وإنَّما يكون من حقٌّ
رسول الله #، وهو الخُمس(٤). هذا هو المعروف من مذهبه.
وقد رُوي عنه أنَّ ذلك من خُمس الخُمس. وهو قولُ ابن المسيِّب والشافعيّ وأبي
حنيفة(٥).
وسببُ الخلاف حديثُ ابن عمر، رواه مالك(٦) قال: بعثَ رسولُ اللـه ◌َ#ٌ سَرِيَّةً
قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِيلاً كثيرة، وكانت سُهْمانُهم اثْنَيْ عشرَ بعيراً، أو أحدَ عشرَ بعيراً؛
(١) ديوان عنترة ص ١٩٣، وفيه: حَمسَ، بدل: احمرَّ، وكلاهما بمعنى: اشتدَّ. اللسان. (حمر) و(حمس).
وفيه: تقاسم، بدل: مقاسم.
(٢) التمهيد ٥٣/١٥، والاستذكار ١٠١/١٥، وأحكام القرآن ٨٢٥/٢ - ٨٢٦.
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٢٩)، وأبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤ من حديث عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما، وفي الباب عن العرباض بن سارية﴾ عند أحمد (١٧١٥٤)، وعن عمرو بن عَبَسة ﴾
عند أبي داود (٢٧٥٥). وعن عبادة بن الصامت ﴾ عند أحمد (٢٢٧١٨).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٢٧ .
(٥) المفهم ٥٣٦/٣ .
(٦) في الموطأ ٤٥٠/٢، وهو عند أحمد (٥٢٨٨)، والبخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩).

٤٤٥
سورة الأنفال: الآية ١
ونُفِّلوا بعيراً بعيراً.
هكذا رواه مالكٌ على الشَّكِّ في رواية يحيى عنه، وتابعَه على ذلك جماعةُ رُواٍ
(الموطأ)) إلَّ الوليد بن مسلم، فإنَّه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ فقال
فيه: فكانت سُهْمانهم اثني عشر بعيراً، ونُفِلوا بعيراً بعيراً. ولم يَشُكَّ.
وذکرَ الولیدُ بن مسلم والحگّمُ بن نافع، عن شُعیپٍ بن أبي حمزة، عن نافع، عن
ابن عمر قال: بَعَثَنا رسولُ الله # في جيشٍ قِبَل نجد - في رواية الوليد: أربعة آلاف -
وانبعثَتْ سَرِيَّةٌ من الجيش - في رواية الوليد: فكنتُ ممن خرجَ فيها - فكان سُهمانٌ
الجيش اثني عشرَ بعيراً، اثني عشرَ بعيراً؛ ونَفَّل أهلَ السريّة بعيراً بعيراً، فكان
سُهمانُهم ثلاثةَ عشرَ بعيراً؛ ذكره أبو داود(١).
فاحتجَّ بهذا من يقول: إنَّ النَّفَل إنَّما يكونُ من جُملة الخُمس. وبيانُه أنَّ هذه
السريَّة لو نُزِّلت على أنَّ أهلها كانوا عشرةً مثلاً أصابوا في غَنيمتهم مئةً وخمسين،
أخرجَ منها خُمسها ثلاثين، وصار لهم مئةٌ وعشرون؛ قُسِّمت على عشرة وَجَب لكلِّ
واحدٍ اثنا عشر بعيراً، اثنا عشر بعيراً، ثم أَعطى القومَ من الخُمس بعيراً بعيراً؛ لأن
خُمْس الثلاثين لا يكون فيه عشرةُ أبعرة. فإذا عَرَفتَ ما للعشرة عَرَفتَ ما للمئة والأَلْف
وأَزْيدَ.
واحتجَّ من قال: إنَّ ذلك كان من خُمس الخُمس بأنْ قال: جائزٌ أن يكونَ هناك
ثيابٌ تُبَاعِ، ومتاعٌ غيرُ الإبل، فأعطى من لم يبلُغْه البعيرُ قيمةً البعير من تلك
(٢)
العُرُوض (٢).
ومما يعضُدُ هذا ما رَوى مسلمٌ(٣) في بعض طرقٍ هذا الحديث: فأصبنا إبلاً
وغنماً؛ الحديثَ.
(١) في سننه (٢٧٤١)، والكلام السابق في التمهيد ١٤/ ٣٥، وفيه رواية الوليد بن مسلم التي أشار إليها
المصنف.
(٢) التمهيد ٦٥/١٤ - ٦٦، والاستذكار ١٠٥/١٤ - ١٠٦.
(٣) الحديث (١٧٤٩): (٣٧).

٤٤٦
سورة الأنفال: الآية ١
وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث: أنَّ الأمير نَقَّلَهم قبل القَسم، وهذا
یُوجبُ أن یکون النَّفَل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك(١). وقولُ من روی
خلافَه أولى لأنَّهم حُفَّاظ؛ قاله أبو عمر رحمه الله(٢).
وقال مكحول والأوزاعيُّ: لا يُنَفَّل بأكثر من الثُّلث؛ وهو قولُ الجمهور من
العلماء. قال الأوزاعيُّ: فإنْ زادهم فَلْيَفٍ لهم ويجعلْ ذلك من الخُمس.
وقال الشافعيُّ: ليس في النَّفَل حدٍّ لا يتجاوزه الإمام(٣).
الرابعة: ودلَّ حديثُ ابن عمر على ما ذكره الوليد والحَكّم عن شعيب عن نافع أنَّ
السريَّة إذا خرجت من العَسْكر فَغَنِمت أنَّ العَسْكَرِ شُرَكاؤُهم. وهذه مسألةٌ وحُكْمٌ لم
يذكره في الحديث غيرُ شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماءُ فيه، والحمد لله (٤).
الخامسة: واختلف العلماء في الإمام يقولُ قبلَ القتال: مَنْ هَدم كذا من الحِصْن
فله كذا، ومن بلغ إلى موضع کذا فله كذا، ومن جاءً برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسیرٍ
فله كذا؛ يُضَرِّيهم(٥)؛ فُرُوي عن مالك أنَّه كرهه. وقال: هو قتالٌ على الدنيا. وكان لا
يُجيزُه. قال الثَّوْرِيّ: ذلك جائزٌ ولا بأسَ به(٦).
قلت: وقد جاء هذا المعنی مرفوعاً من حديث ابن عباس قال: لمّا کان یومُ بدرٍ
قال النبيُّ ﴿: ((مَنْ قتلَ قتيلاً فله كذا، ومَنْ أسرَ أسيراً فله كذا)». الحديث بطوله(٧).
وفي رواية عكرمة عنه (٨) عن النبيّ ﴾: ((مَنْ فَعَلَ كذا وكذا، وأَتى مكانَ كذا
(١) التمهيد ٤١/١٤، ورواية محمد بن إسحاق أخرجها أبو داود (٢٧٤٣).
(٢) التمهيد ٤٦/١٤ - ٤٧ .
(٣) التمهيد ٥٣/١٤ و٥٥، والاستذكار ١٠٤/١٤ و ١٠٧.
(٤) الاستذكار ١٠٠/١٤، والمفهم ٥٣٧/٣.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): يُغريهم، وكلاهما بمعنى واحد.
(٦) التمهيد ٥١/١٤ ٥٥، والاستذكار ١٠٢/١٤ .
(٧) أخرجه أبو داود (٢٧٣٨).
(٨) أخرجها أبو داود (٢٧٣٧) والرواية السالفة عن عكرمة عنه أيضاً.

٤٤٧
سورة الأنفال: الآية ١
وكذا، فله كذا)). فتسارعَ الشُّبانُ وثبتَ الشُّيوخُ مع الرَّايات؛ فلما فُتِح لهم؛ جاء
الشُّبَّانُ يَظْلُبون ما جُعل لهم، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دونَنا، فقد كُنَّا رِذءاً
لكم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضاً.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال لجرير بن عبد الله البَجَليّ لمَّا قَدِم عليه في
قومه وهو يُريد الشَّامِ: هل لك أن تأتيَ الكوفةَ ولك الثُّلث بعد الخُمس من كلِّ أرضٍ
وسَبْي (١)؟ وقال بهذا جماعةُ فقهاء الشام: الأوزاعيُّ ومكحولٌ وابنُ حَيْوَةً وغيرهم.
ورَأَوا الخُمسَ من جُملة الغنيمة، والنَّفَلَ بعد الخُمس ثمَّ الغنيمةُ بين أهل العسكر؛ وبه
قال إسحاق وأحمد وأبو عُبيد. قال أبو عُبيد: والناسُ اليوم على أنْ لا نَفَل من
جملة(٢) الغنيمة حتى تُخَمَّس.
وقال مالك: لا يجوز أنْ يقولَ الإمامُ لسَرِيَّة: ما أخذتُم فلكم ثُلثه. قال سُحْنُون:
يُريد ابتداءً. فإنْ نزلَ مِضَى، ولهم أنصباؤهم في الباقي.
وقال سحنون: إذا قال الإمامُ لِسَرِيَّةٍ: ما أخذتُم فلا خُمسَ عليكم فيه؛ فهذا لا
يجوز، فإن نزل رددته؛ لأنَّ هذا حُكمٌ شاذٌ لا يجوز ولا يمضي (٣).
السادسة: واستحبَّ مالكٌ رحمه الله ألَّا يُنفِّل الإمامُ إلَّا ما يظهر، كالعِمَامة
والفرس والسيف. ومنع بعضُ العلماء أنْ يُنفِّل الإمامُ ذهباً أو فضةً أو لؤلؤاً ونحوه.
وقال بعضهم: النَّفَل جائزٌ من كلِّ شيءٍ(٤). وهو الصحيح؛ لقول عمر(٥) ومقتضى
الآية، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٥٦).
(٢) في (د) و(ز) و(م): جهة، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق للمصادر. والكلام في الأموال لأبي
عبيد ص ٣٢٢، والتمهيد ٥٦/١٤، والاستذكار ١٠٧/١٤ - ١٠٨.
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٨/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٩/٢ .
(٥) سلف قريباً.

٤٤٨
سورة الأنفال: الآيات ١ - ٤
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أمرٌ بالتقوى
والإصلاح، أي: كونوا مجتمعين على أمر الله في الدُّعاء: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذاتَ البَيْن،
أي: الحالَ التي يقع بها الاجتماع(١). فدلَّ هذا على التصريح بأنَّه شَجَرَ بينهم
اختلاف، أو مالت النفوسُ إلى التَّشاحٌ؛ كما هو منصوصٌ في الحديث(٢).
وتقدَّم معنى التقوى(٣)، أي: اتقوا الله في أقوالكم وأفعالكم، وأصلحوا ذاتَ
بينكم. ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الغنائم وغيرها (٤). ﴿إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنَّ
سبيلَ المؤمن أنْ يمتثلَ ما ذكرنا. وقيل: ((إنْ)) بمعنى ((إِذْ)).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتُ زَادَتَهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ
زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ﴾.
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قال العلماء: هذه الآيةُ تحريض على إلزام طاعة الرسول :﴿ فيما أمَرَ به
من قِسمة تلك الغَنيمة (٥).
والوَجَلُ: الخوف. وفي مُستقبله أربعُ لغات: وَجِلِ يَوْجَلُ ويَاجَل ويَبْجَلِ وبِيجَلُ،
حكاه سيبويه(٦). والمصدر وَجِل وَجَلاً ومَوْجَلاً - بالفتح - وهذا مَوْجِلُه - بالكسر -
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٥/٢.
(٢) يعني حديث عبادة بن الصامت ﴾ السالف في المسألة الأولى. والكلام بنحوه في المفهم ٣/ ٥٣٧ .
(٣) ٢٤٨/١ .
(٤) في (م): ونحوها.
(٥) الوسيط ٤٤٤/٢.
(٦) الكتاب ١١١/٤ - ١١٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٥/٢ .

٤٤٩
سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٤
للموضع والاسم. فمن قال: ياجَل في المستقبل؛ جَعَلَ الواو ألفاً لفتحةٍ ما قبلها. ولغةُ
القرآن الواو ﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٣].
ومن قال: ((يِنْجَل)) بكسر الياء؛ فهي على لغة بني أسد، فإنَّهم يقولون: أنا إِنْجَلُ،
ونحن نِيْجل، وأنت تِيْجل؛ كلُّها بالكسر. ومن قال: ((يَبْجَلُ)) بناهُ على هذه اللغة،
ولكنه فَتَحَ الياء كما فتحوها في يَعلم، ولم تُكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسرَ على
الياء. وكُسِرت في (يِبْجل)) لِتقوِّي إحدى الياءَين بالأخرى. والأمرُ منه ((إِيجَلْ)) صارت
الواو ياءً لكسرة ما قبلها. وتقول: إنِّي منه لأَوْجَل (١). ولا يقال في المؤنَّث: وَجْلاء:
ولکن وچِلة.
ورَوى سفيانُ عن السُّدِّي في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
قال: إذا أرادَ أنْ يَظلم مَظْلِمةً قيل له: اتَّقِ الله، كَفَّ ووَجِلَ قلبُهُ(٢).
الثانية: وَصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوفِ والوَجَل عند ذكره.
وذلك لقوة إيمانهم ومُراعاتِهم لربِّهم، وكأنَّهم بين يديه. ونظيرُ هذه الآية: ﴿وَشْرِ
الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤-٣٥]. وقال: ﴿وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم
بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. فهذا يَرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب .
والوَجَل: الفَزَعُ من عذاب الله ؛ فلا تناقض. وقد جَمع الله بين المعنيين في
قوله: ﴿اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَِهَا مَّثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. أي: تَسكُنُ نفوسُهم من حيثُ اليقينُ
إلى الله وإنْ كانوا يخافون الله(٣).
فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سَطْوته وعُقُوبته؛ لا كما يفعله جُهَّال
(١) كذا في الصحاح (وجل)، والكلام منه، وفي اللسان: وتقول منه: إني لأوجل.
(٢) أخرجه الطبري ٢٩/١١، والبيهقي في الشعب (٧٣٧).
(٣) تفسير الرازي ١١٨/١٥ .

٤٥٠
سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٤
العوامِّ والمبتدِعة الطَّغَام (١) من الزَّعيق والزَّئير، ومن النُّهاقِ الذي يُشبه نُهاق الحمير.
فيقال لمن تعاطى ذلك، وزَعم أنَّ ذلك وَجْدٌ وخشوعٌ: لم تبلغ أنْ تُساويَ حالَ
الرسول # ولا حالَ أصحابه في المعرفة بالله، والخوفِ منه، والتعظيم لجَلَاله؛ ومع
ذلك فكانت حالُهم عند المواعظ الفهمَ عن الله والبكاءَ خوفاً من الله. وكذلك(٢)
وصفَ الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره، وتلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآَ
أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. فهذا وصفُ حالهم وحكايةُ مَقَّالهم.
ومن لم يكن كذلك؛ فليس على هديهم، ولا على طريقتهم فمن كان مُسْتَنَّا
فليستَنَّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون(٣)؛ فهو من أخسِّهم حالاً. والجُنون
فنون.
روى مسلم عن أنس بن مالك أنَّ النَّاس سألوا النبيَّ ﴾ حتى أَحْفَوْه في المسألة،
فخرج ذاتَ يومٍ فَصَعِدَ المِنبرَ فقال: ((سَلُونِي، لا تسألوني عن شيءٍ إلَّا بيَّنتُه لكم ما
دمتُ في مقامي هذا)). فلمَّا سمعَ ذلك القومُ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أنْ يكونَ بين [يَدَيْ] أمرٍ قد
حَضَر. قال أنس: فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً؛ فإذا كلُّ إنسان لاّ رأسَه في ثوبه
يبكي. وذكر الحديث (٤).
وروى الترمذيّ(٥) - وصحَّحه - عن العِرْباض بن سارِيَة قال: وَعَظَنا رسولُ الله ◌ِ﴾
موعظةً بليغةً ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَتْ منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زَعَقْنا،
ولا رَقَصْنَا، ولا زَفَنَّا(٦)، ولا قُمنا.
(١) أي: أوغاد الناس. الصحاح (طغم).
(٢) في (خ) و(د) و(م): ولذلك، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للمفهم ٦/ ١٦٠، والكلام منه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): الجنون، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق للمفهم.
(٤) صحيح مسلم (٢٣٥٩): (١٣٧)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١٢٨٢٠)، والبخاري
(٦٣٦٢) وقوله: أحفَوْه، أي: ألخُوا عليه. وقوله: أرمُّوا، أي: سكتوا. المفهم ١٥٨/٦ - ١٥٩ .
(٥) في سننه (٢٦٧٦)، وهو عند أحمد (١٧١٤٢)، وسلف ص١١٨ من هذا الجزء.
(٦) الزَّقْن: الرقص. الصحاح (زفن).

٤٥١
سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٤
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: تصديقاً. فإنَّ
إيمانَ هذه الساعة زيادةٌ على إيمان أمس، فمن صدَّق ثانياً وثالثاً فهو زيادةُ تصديقٍ
بالنسبة إلى ما تقدَّم(١).
وقيل: هو زيادةُ انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلَّة، وقد مضى هذا المعنى في
((آل عمران))(٢).
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّلُونَ﴾ تقدَّم معنى التوكل في ((آل عمران)) أيضاً(٣).
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ تقدَّم في أوَّل سورة البقرة(٤).
﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً﴾ أي: الذي استوى في الإيمانِ ظاهرُهم وباطنُهُم. ودلَّ
هذا على أنَّ لكلِّ حقِّ حقيقةً، وقد قال عليه الصلاة والسلام لحارثة(٥): ((إنَّ لكلِّ حقٍّ
حقيقةً، فما حقيقةُ إيمانك؟)) الحديث(٦).
وسألَ رجلٌ الحسنَ فقال: يا أبا سعيد، أمؤمنٌ أنت؟ فقال له: الإيمانُ إِيمانان،
فإنْ كنت تسألُني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنَّة والنَّار والبَعْث
والحساب، فأنا به مؤمن. وإنْ كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا
(١) الوسيط للواحدي ٢/ ٤٤٤، وزاد المسير ٣٢٠/٣.
(٢) ٤٢٣/٥ - ٤٢٦ .
(٣) ٢٩٠/٥ - ٢٩١ .
(٤) ١/ ٢٥٣.
(٥) هو الحارث بن مالك الأنصاري، قال الذهبي في التجريد ١٠٨/١: قيل: هو حارثة الأنصاري الذي
روي أن النبي ﴾ قال: كيف أصبحت يا حارث. وينظر التعليق التالي.
(٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٣٦٧)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٩١) من حديث الحارث بن مالك
الأنصاري صاحب القصة، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وأخرجه البيهقي (١٠٥٩٠) من حديث
أنس ، وفي إسناده يوسف بن عطية البصري؛ قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٧٤/٢-١٧٥: وهو
ضعيف جدًّا، ونقل عن البيهقي قوله: هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف فقال مرة: الحارث، وقال مرة:
حارثة. وأورده الذهبي في الميزان ٤٦٩/٤ وعدَّه من مناكير يوسف بن عطية. وأخرجه ابن المبارك في
الزهد (٣١٤) عن صالح بن مسمار. قال الحافظ ابن حجر: هو معضل.

٤٥٢
سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٥
اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ﴾ فوالله ما
أَدري أنا منهم أَمْ لا (١).
وقال أبو بكر الواسِطِيّ: مَنْ قال: أنا مؤمنٌ بالله حقًّا؛ قيل له: الحقيقةُ تُشير إلى
إشرافٍ واطّلاع وإحاطة، فمن فَقَدَه بَطَل دعواه فيها.
يريدُ بذلك ما قاله أهلُ السُّنَّة: إنَّ المؤمن الحقيقيَّ مَنْ كان محكوماً له بالجنَّة،
فمن لم يَعلم ذلك من سِرِّ حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمنٌ حقًّا غيرُ صحيح(٢).
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴾
لَكَرِهُونَ
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَّ﴾ قال الزَّجَّاج(٣): الكافُ في
موضع نصب؛ أي: الأنفالُ ثابتةٌ لك كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق، أي: مثلَ
إخراج ربِّك إِيَّاك من بيتك(٤) بالحقِّ. والمعنى: امضٍ لأمرك في الغنائم، ونَفِّل مَنْ
شئت وإنْ كَرِهوا؛ لأنَّ بَعضَ الصحابة قال لرسول الله ﴾ حين جَعَلَ لكلِّ مَن أتى
بأسيرٍ شيئاً؛ قال: يَبقى أكثرُ الناس بغيرِ شيءٍ(٥). فموضعُ الكاف في ((كما)) نَصْبٌ كما
ذكرنا. وقاله الفرَّاء أيضاً (٦).
قال أبو عُبيدة: هو قَسَم، أي: والذي أخرجك، فالكافُ بمعنى الواو، و((ما))
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧٦). والحسن: هو البصري.
(٢) الرسالة القشيرية ٥٠/١ .
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٠ .
(٤) في النسخ: مثل إخراجك ربك من بيتك، والمثبت من معاني القرآن للزجاج، والكلام منه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٤٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده محمد بن
السائب الكلبي، وهو متهم بالكذب كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب. وينظر حديث ابن
عباس رضي الله عنهما السالف ص٤٤٦ من هذا الجزء.
(٦) معاني القرآن للفراء ٤٠٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٧٦/٢.

٤٥٣
سورة الأنفال: الآية ٥
بمعنى الذي(١).
وقال سعيدُ بن مَسْعَدة: المعنى: أولئكَ هم المؤمنون حقًّا كما أخرجك رُّك من
بيتك بالحقِّ(٢). قال: وقال بعضُ العلماء: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقِّ﴾ فَاتَّقُوا
اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ(٣).
وقال عكرمة: المعنى: أطيعوا الله ورسوله كما أخرجَك(٤). وقيل: ((كَمَا
أَخْرَجَكَ)) متعلّقٌ بقوله: ﴿لَّْ دَرَجَتُ﴾ المعنى: لهم درجاتٌ عند ربِّهم ومغفرةٌ ورزقٌ
كريم، أي: هذا الوعدُ للمؤمنين حقٌّ في الآخرة كما أخرجَك ربُّك من بيتك بالحقِّ
الواجبٍ له، فأنجَزَك(٥) وعدَك، وأظفرَك بعدوِّك وأوْفَى لك؛ لأنَّه قال عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. فكما أنجزَ هذا الوعدَ في
الدُّنيا؛ كذا يُنجزكُم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قولٌ حسنٌ ذکرہ النحاس
واختاره(٦).
وقيل: الكافُ في ((كما)) كافُ التشبيه، ومخرجُه على سبيل المُجازاة؛ كقول
القائل لعبده: كما وجَّهتُك إلى أعدائي فاستَضْعَفوك، وسألتَ مَدَداً فأمددتُك، وقوَّيتُك
وأزحتُ علَّتَك؛ فخُذْهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتُك، وأجريتُ عليك الرِّزق؛
(١) مجاز القرآن ١/ ٢٤٠ لأبي عُبيدة، وأورده النحاس في إعراب القرآن ١٧٦/٢، وابن عطية في المحرر
الوجيز ٥٠٢/٢ . وجواب القسم - على هذا القول -: ((يجادلونك في الحق .. )). وقد ردَّ الناس قاطبةً على
أبي عُبيدة قوله هذا وقالوا: كان ضعيفاً في النحو. كما في الدر المصون ٥٦٠/٥ .
(٢) معاني القرآن لسعيد بن مسعدة، وهو الأخفش ٥٤١/٢، ونقله المصنف عنه مع قوله الذي بعده
بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٦/٢. وعلى هذا القول فإن الكاف نعتٌ لـ ((حقًّا)). قال ابن عطية في
المحرر الوجيز ٥٠٢/٢ : والمعنى على هذا التأويل كما تراه لا يتناسق.
(٣) يعني - على هذا القول - أن الكاف في محل رفع؛ كأنه ابتداء وخبر. قال ابن عطية في المحرر الوجيز
٥٠٢/٢: وهذا المعنى وضعه هذا المفسّر، وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر.
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٥٠٢، وأخرجه الطبري ٣٣/١١ .
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): فأنجز.
(٦) في إعراب القرآن ١٧٦/٢ - ١٧٧ .

٤٥٤
سورة الأنفال: الآيتان ٥ - ٦
فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنتُ إليك فاشْكُرني عليه. فقال: كما أخرجكَ ربُّك من
بيتك بالحقِّ، وغَشَّاكم النُّعاسَ أَمَنَةٌ منه - يعني به إِيَّاه ومن معه - وأنزلَ من السماء ماءً
لِيطَهِّرَكُم به، وأنزلَ عليكُم من السماء ملائكةً مُرْدِفين؛ فاضربوا فوقَ الأعناق،
واضربوا منهم كل بنَان؛ كأنَّه يقول: قد أزحتُ عِلَلَكم، وأَمدذْتُكم بالملائكة؛
فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المَقْتل؛ لِتَبْلُغوا مُرادَ الله في إحقاق الحقِّ وإبطال
الباطل. والله أعلم(١).
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ أي: لكارهون تركَ مَّة، وتركَ أموالهم
و ديارهم.
قوله تعالى: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى أَلْمَوْتِ وَهُمْ
يَنْظُرُونَ
قوله تعالى: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ اَلْحَيِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ﴾؛ مجادلَتُهم: قولُهم لمَّا ندبَهم إلى
العِير(٢)، وفاتَ العِيرُ، وأمرَهم بالقتال، ولم يكن معهم كبيرُ أُهْبَة؛ شقَّ ذلك علیھم،
وقالوا: لو أخبرتَنا بالقتال لأخذنا العُدَّة، ومعنى ((في الحَقِّ)) أي: في القتال. ((بعدَ ما
تَبَيَّنَ)) لهم أنَّك لا تأمرُ بشيءٍ إلَّا بإذن الله.
وقيل: بعد ما تَبيَّنَ لهم أنَّ الله وَعَدَهم؛ إمَّا الَّفَرَ بالعِير أو بأهل مكَّة، وإذْ(٣)
فاتَ العيرُ، فلابدَّ من أهل مكّة والظّفَرِ بهم. فمعنى الكلامِ الإنكارُ لمجادلتهم.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ كراهةٌ لِلقاء القوم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: يعلمون أنَّ
ذلك واقعٌ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ﴾ [النبأ: ٤٠] أي: يعلم.
(١) أورد هذا القول أبو حيان في البحر ٤/ ٤٦٢، وقال: وملخص هذا القول الطويل أنَّ ((كما أخرجك))
يتعلق بقوله: ((فاضربوا)) [الآية: ١٢]، وفيه من الفصل والبعد ما لا خفاء به.
(٢) يعني عِيْرَ أبي سفيان، والقصة مشهورة، وينظر المحرر الوجيز ٥٠٣/٢ .
(٣) في (د) و(ز) و(ظ): وإذا.

٤٥٥
سورة الأنفال: الآيتان ٧ - ٨
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَّبِفَنَّيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ
لِيُحِقَ الْحَقَّ وَيُطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ (@)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اَلَّبِفَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ((إِحْدَى)) في موضع نَصْب
مفعول ثانٍ. ((أَنَّها لكم)) في موضع نصبٍ أيضاً بدلاً من ((إحدى)).
﴿وَتَوَدُّونَ﴾ أي: تحبُّون. ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ قال أبو
عُبيدة(١): أي: غيرَ ذاتِ الحدِّ. والشَّوكَةُ: السِّلاح. والشَّوْكُ: النَّبتُ الذي له حَدٌّ؛
ومنه رجلٌ شائِكُ السِّلاح، أي: حديدُ السلاح. ثمَّ يُقْلَب فيقال: شاكي السِّلاح(٢).
أي: تودُّون أنْ تَظْفَروا بالطائفة التي ليس معها سلاحٌ ولا فيها حرب؛ عن الزجاج (٣).
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ﴾ أي: أنْ يُظهر الإسلامَ. والحَقُّ حَقٌّ أبداً،
ولكن إظهاره تحقيقٌ له من حيثُ إنَّه إذا لم يظهر أشبه الباطلَ(٤).
(بِكلماته)) أي: بوعده؛ فإنَّه وَعَدَ نبيَّه ذلك في سورة الدخان فقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَفِعُونَ﴾ [الآية: ١٦] أي: من أبي جَهْلٍ وأصحابه. وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الذِينِ كُلِّهِ﴾(٥) [التوبة: ٣٣]. وقيل: ((بِكلماته)) أي: بأمره إيَّكم أنْ تُجاهدوهم(٦).
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: يَستأصِلَهم بالهلاك.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقِّ﴾ أي: يُظهرَ دينَ الإسلام ويُعزَّه. ﴿وَ يُطِلَ اَلْبَطِلَ﴾ أي: الكُفر.
وإبطالُه: إعدامُه؛ كما أنَّ إحقاق الحقِّ إظهارُه؛ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا
(١) في مجاز القرآن ٢٤١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٧/٢، وما قبله منه.
(٢) تهذيب اللغة ٣٠٣/١٠ - ٣٠٤ .
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٧/٢ .
(٤) تفسير الرازي ١٢٨/١٥ .
(٥) زاد المسير ٣٢٤/٣ .
(٦) تفسير الطبري ٤٩/١١ .

٤٥٦
سورة الأنفال: الآيتان ٩ - ١٠
هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. ﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِيُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَيْنَ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (٥)
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الاستغاثة: طلبُ الغَوْث والنَّصر. غوَّث
الرجل؛ قال: واغَوْثاه. والاسمُ: الغَوْث والغُوَاث والغَوَاث. واستغاثني فلانٌ فأغشتُه،
والاسمُ: الغِياث؛ عن الجوهري(١).
وروى مسلمٌ(٢) عن عمر بن الخطاب﴾ قال: لمَّا كان يوم بدرٍ نَظر رسولُ الله # إلى
المشركين، وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُ مئةٍ وسبعةَ عشرَ رجلاً(٣)؛ فاستقبل نبيُّ الله ﴾
القِيلَة، ثم مدَّ يدَيْه، فجعل يَهِفُ بربه: ((اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني، اللهمَّ آتِنِي ما
وَعَدْتَني، اللهمَّ إنْ تُهْلِك هذه العِصابةَ من أهل الإسلام لا تعبدْ في الأرض)). فما زال
يَهْتِفُ بربِّه مادًّا يَدَيْه مستقبل القبلة حتى سَقَّطَ رِداؤه عن مَنْكِبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذَ
رِداءه فألقاه على مَنْكِبَيْه، ثم التزمَه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله، كفاكَ(٤) مُناشدتُك
ربَّك، فإنه سَيُنجِزُ لك ما وعدَكَ. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَابَ
لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فأمدَّه اللهُ بالملائكة. وذكر الحديث.
﴿مُرْدَفينَ﴾ بفتح الدَّال قراءةُ نافع. والباقون بالكسر؛ اسم فاعل(٥)، أي:
(١) الصحاح (غوث).
(٢) في صحيحه (١٧٦٣)، وهو عند أحمد (٢٠٨)، وسلف ٢٩٦/٥ .
(٣) رواية المطبوع من صحيح مسلم: ثلاث مئة وتسعة عشر رجلاً، والرواية أعلاه هي رواية المفهم
٥٧٢/٣، قال أبو العباس القرطبي: والمشهور بين أهل التواريخ أن جميع من شهد بدراً مع مّن ضَرَبّ
له رسولُ الله # بسهمه وأجره في عَدَدِ ابن إسحاق: ثلاث مئة وأربعة عشر، وفي عدد موسى بن عقبة:
ثلاث مئة وستة عشر.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم ٨٥/١٢: وقع لجماهير رواة مسلم: كذاك، بالذال، ووقع
لبعضهم: كفاك، بالفاء.
(٥) السبعة ص٣٠٤، والتيسير ص١١٦ .

٤٥٧
سورة الأنفال: الآيتان ٩ - ١٠
مُتتابعين(١)، تأتي فرقةٌ بعد فرقة، وذلك أَهْيبُ في العيون.
و (مُرْدَفين)) بفتح الدَّال على ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ لأنَّ النَّاس الذين قاتلوا يومَ بدٍ
أُردِفوا بألفٍ من الملائكة؛ أي: أُنزِلوا إليهم لمعونتهم على الكفار. فـ (مُرْدَفين)) بفتح
الدَّال نعتٌ لـ ((ألفٍ)). وقيل: هو حالٌ من الضمير المنصوب في ((مُمِدُّكُم)). أي:
مُمِدُّكم في حال إرادفكم بألفٍ من الملائكة(٢)، وهذا مذهبُ مجاهد(٣).
وحكى أبو عُبيدة(٤): أنّ رَدِفَني وأَرْدَفني واحدٌ. وأنكر أبو عُبيد أنْ يكون أردفَ
بمعنى رَدِفَ، قال: لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧]، ولم يقل:
المُرْدِفَةُ.
قال النحاس ومَكِّيّ(٥) وغيرهما: وقراءةُ كَسْر الدَّال أَوْلى؛ لأنَّ أهلَ التأويل على
هذه القراءة يُفسِّرون. أي: أَردفَ بعضُهم بعضاً، ولأنَّ فيها معنى الفتح على ما حكى
أبو عُبيدة، ولأنَّ عليه أكثرَ القُرَّاء.
قال سيبويه: وقرأ بعضُهم: ((مُرَدِّفين)) بفتح الراء وشدِّ الدال، وبعضُهم: (مُرِدِّفين))
بكسر الراء. وبعضُهم: ((مُرُدِّفين)) بضمِّ الراء. والدال مكسورةٌ مشدّدةٌ في القراءات
الثلاث. فالقراءةُ الأولى تقديرها عند سيبويه: مُرْتَدفين، ثمَّ أَدغم التاء في
الدال، وألقى حركتها على الراء لئلا يلتقيَ ساكنان. والثانيةُ كُسِرت فيها الراء لالتقاء
الساكنين. وضُمَّت الراء في الثالثة إتباعاً لِضمة الميم؛ كما تقول: رُدُّ يا هذا(٦).
وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدريّ: ((بأَلُف)) جمع ألف؛ مثل فَلْس وأَقْلُس.
(١) أخرجه الطبري ١١/ ٥٤ من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٩/١ .
(٣) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٧٨/٢ .
(٤) في مجاز القرآن ١/ ٢٤١، ونقله المصنف عنه بواسطة الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٩/١.
(٥) قول النحاس في إعراب القرآن ١٧٨/٢، وما قبله منه، وقول مكيّ في الكشف عن وجوه القراءات
السبع ٤٨٩/١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٢، وينظر كتاب سيبويه ٤٤٤/٤، والمحتسب ٢٧٣/١ .

٤٥٨
سورة الأنفال: الآيات ٩ - ١١
وعنهما أيضاً: ((بآلاف))(١).
وقد مضى في ((آل عمران)) ذكرُ نُزولِ الملائكة وسِيماهم وقتالهم. وتقدّم فيها
القولُ في معنى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلََّّ بُشْرَى﴾(٢). والمُراد الإمداد. ويجوز أنْ يكون
الإرداف.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ الَّهِ﴾ نبَّه على أنَّ النصر من عنده جلَّ وعزَّ؛ لا من
الملائكة، أي: لولا نصرُه لَمَا انْتُفِع بِكَثْرة العدد بالملائكة. والنصرُ من عند الله يكونُ
بالسيف ويكون بالحجَّة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِّنْهُ وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَ لِيْطَهِّرَكُمْ
بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطِنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ اَلْأَقْدَامَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ مفعولان. وهي قراءةُ أهل المدينة(٣)، وهي
حسنةٌ لإضافة الفعل إلى الله عزَّ وجلَّ لِتقدُّم ذكره في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندٍ
اللَّهِ﴾. ولأنَّ بعده: ((وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ))، فأضافَ الفعلَ إلى الله عزَّ وجلَّ. فكذلك الإغشاء
يُضافُ إلى الله عزَّ وجلَّ لِيتشاكل الكلام.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((يَغْشَاكُمُ النعاسُ))(٤) بإضافةِ الفعل إلى النُّعاس. دليلُه:
﴿أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء(٥)؛ فأضاف
الفعلَ إلى النُّعاس أو الأَمَنةِ. والأَمَنَةُ هي النُّعاس، فأخبر أنَّ النُّعاسَ هو الذي يَغشى القوم.
(١) وزن: أحمال، كما في الدرّ المصون ٥٦٦/٥، ووقع في النسخ: بألف. وينظر القراءات الشاذة ص٤٩،
والمحرر الوجيز ٥٠٤/٢ .
(٢) ٢٩٦/٥ - ٢٩٩ و٣٠٤.
(٣) يعني بضم الياء وسكون الغين، وكسر الشين المخففة، وبعدها ياء ساكنة، ونصب «النعاس))، وقرأ بها
نافع وأبو جعفر. السبعة ص٣٠٤، والنشر ٢٧٦/٢ وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٢. (ووقع
سقط في مطبوع التيسير ص١١٦).
(٤) السبعة ص ٣٠٤، والتيسير ص١١٦ .
(٥) قرأ حمزة والكسائي من السبعة: ((تغشى)) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وسلفت ٣٧٠/٥.

٤٥٩
سورة الأنفال: الآية ١١
وقرأ الباقون: ((يُغَشِّيكُم)) [بضم الياء و] بفتح الغين وشدِ الشين(١). ((النعاسَ))
بالنصب على معنى قراءة نافع، لغتان بمعنى؛ غَشّى وأَغْشَى، قال الله تعالى:
﴿فَغْشَيْنَهُمْ﴾ [يس: ٩]. وقال: ﴿فَشَّئَهَا مَا غَثَّى﴾ [النجم: ٥٤]. وقال: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ
وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس: ٢٧].
قال مكيّ (٢): والاختيار ضمُّ الياء والتشديد ونصبُ النُّعاس؛ لأنَّ بعده ﴿أَمَنَّةً
مِنْهُ﴾ والهاء في ((منه)) لله، فهو الذي يُغشِّيهمُ النعاسَ، ولأنَّ الأكثرَ عليه. وقيل: أمنةً
من العدوّ.
و﴿أَمَنَةٌ﴾ مفعولٌ من أجله أو مصدر؛ يقال: أَمِنَ أَمَنَةً وأَمْناً وأَماناً (٣)، كلُّها
سواء.
والنعاسُ حالةُ الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاسُ في الليلة التي كان القتالُ
من غَدِها، فكان النومُ عجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المُهِمِّ، ولكنَّ اللهَ رَبَطَ
جَأْشَهم. وعن عليٍّ ﴾ قال: ما كان فينا فارسٌ يومَ بدر غيرُ المِقْدَاد على فرسٍ أَبْلَقَ،
ولقد رأيتُنا وما فينا إلَّا نائمٌ إلَّا رسولَ الله ﴾ تحت شجرةٍ يُصلي ويبكي حتى أصبح.
ذكره البيهقيّ (٤).
الماوردِيّ(٥): وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما: أَنْ
قَوَّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أنْ أمَّنَهم بزوال الرُّعب من قلوبهم؛
كما يقال: الأمنُ مُنِيم، والخوف مُسْهِر. وقيل: غَشَّاهم في حال التقاءِ الصَّفَّين. وقد
مضى مثلُ هذا في يوم أُحُد في ((آل عمران))(٦).
(١) السبعة ص ٣٠٤، والتيسير ص١١٦ .
(٢) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٩/١ - ٤٩٠ وما قبله وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٢.
(٤) في دلائل النبوة ٣٨/٣ - ٣٩، وهو في مسند أحمد (١٠٢٣).
(٥) في النكت والعيون ٢٩٩/٢ .
(٦) ٣٦٩/٥.

٤٦٠
سورة الأنفال: الآية ١١
قوله تعالى: ﴿وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَلِ مَاءُ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ. وَيُذْهِبَ عَنْكُ رِجْزَ الشَّيْطَنِ
وَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ظاهرُ القرآن يدلُّ على أنَّ النُّعاسَ كان قبل
المطر. وقال ابن أبي نَجِيح: كان المطرُ قبلَ النُّعاس(١).
وحكى الزجاج(٢): أنَّ الكفارَ يومَ بدرٍ سبقوا المؤمنين إلى ماء بدرٍ فنزلوا عليه،
وبَقِيَ المؤمنون لا ماءَ لهم(٣)، فَوَجَسَتْ(٤) نفوسُهم، وعَطِشوا، وأَجنبوا، وصَلَّوا
كذلك، فقال بعضُهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعمُ أنَّا أولياءُ الله وفينا
رسولُه وحالُنا هذه والمشركون على الماء! فأنزلَ اللهُ المطرَ ليلةَ بدرِ السابعةَ عشرةَ من
رمضان حتَّى سالت الأودية، فشربوا وتطهّروا وسَقّوا الَّهْر، وتلبّدت السَّبَخة(٥) التي
كانت بينهم وبين المشركين حتَّى ثبتَتْ فيها أقدامُ المسلمين وقتَ القتال.
وقد قيل: إنَّ هذه الأحوالَ كانت قبلَ وصولهم إلى بَدْر؛ وهو أصَحُّ، وهو الذي
ذكره ابنُ إسحاق في سيرته(٦) وغیرُه. وهذا اختصاره:
قال ابن عباس: لمَّا أخبرَ رسولُ الله # بأبي سفيان أنَّه مُقْبِلٌ من الشام ندبَ
المسلمين إليهم وقال: ((هذه عِيرُ قريش فيها الأموال، فأخرجوا إليهم لعلَّ اللهَ أنْ
يُنَفِّلَكُمُوها)) قال: فانبعثَ معه مَنْ خَفَّ؛ وثَّقُل قومٌ وكَرِهوا الخروج، وأسرعَ رسولُ
الله# لا يَلْوِي على من تعذّر، ولا ينتظرُ من غابَ ظهرُه، فسار في ثلاث مئةٍ وثلاثةً
عشر من أصحابه من مهاجرِيٍّ وأنصاريّ.
وفي البخارِيّ عن البراء بن عازِب قال: كان المهاجرون يومَ بدرٍ نيفاً وثمانين،
(١) أخرجه الطبري ٦٦/١١ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو في تفسير مجاهد ص٢٥٨ - ٢٥٩.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٦/٢ .
(٣) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٧/٢: والصحيح من القول ... أن المؤمنين سبقوا إلى الماء ببدر،
وفي هذا كلام حباب بن المنذر حين نزل رسول الله # على أول الماء .. وسيأتي.
(٤) في (ظ): فوحشت.
(٥) السَّبَخة: الأرض المالحة والتي تسوخ فيها الأقدام. اللسان (سبخ).
(٦) كما في السيرة النبوية لابن هشام ٦٠٦/١ - ٦٠٧، وأخرجه من طريق ابن إسحاق الطبري ٤١/١١ .