النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة الأعراف: الآية ١٩٩
وقيل: المراد بقوله: (خُذِ الْعَفْو)) أي: الزكاة؛ لأنها يسيرٌ من كثير. وفيه بُعدٌ؛
لأنه من عَفَا: إذا دَرَس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي: لا تَنْقُصْ عليه وسامخه(١).
وسبب النزول يردُّه، والله أعلم. فإنه لمَّا أمره بمحاجَّة المشركين؛ دلَّه على مكارم
الأخلاق، فإنها سَبَبُ جرِّ المشركين إلى الإيمان. أي: اِقْبَلْ من الناس ما عفا لكَ من
أخلاقهم وتَسَّر؛ تقول: أخذت حقِّي عَفْواً صَفْواً، أي: سهلاً.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأُمُّنْ يآلعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر:
(بالعُرُف)) بضمتين(٢)، مثل الحُلُم، وهما لغتان. والعُرْف والمَعْروف والعَارِفَة: كلُّ
خَصْلَة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس.
قال الشاعر:
مَنْ يفعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَه لا يَذْهَبُ العُرْفُ بينَ اللهِ والناسِ(٣)
وقال عطاء: ((وَأُمُرْ بالْعُرْفِ)) يعني بلا إله إلا الله(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَِلِينَ﴾ أي: إذا أقمتَ عليهم الحجةَ،
وأمرتَهم بالمعروف فجهلوا عليك؛ فأعرض عنهم؛ صيانة له(٥)، ورفعاً لقَدْرِه عن
مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطاباً لنبيِّه عليه الصلاة والسلام؛ فهو تأديبٌ لجميع خلقه.
وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخةٌ بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي مُحْكّمة؛
وهو الصحيح لما رواه البخارِي(٦) عن عبد الله بن عباس قال: قَدِم عُيَيْنَةُ بنُ حِصن
ابنِ حذيفةَ بنِ بَدْر، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بنِ قَيْس بنِ حِصن، وكان من النَّفَر الذين
يُذْنِيهِم عُمَرُ، وكان القرّاءُ أصحابَ مَجْلِسٍ(٧) عمرَ ومشاورتَه، كُهُولاً كانوا أو شُبّاناً.
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٠/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٤٨ .
(٣) البيت للحطيئة، وهو في ديوانه ص٢٨٤، وتقدم ١٢٦/٧ .
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٤ .
(٥) بعدها في (م): عليهم. وفي إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٧٠؛ وعنه نقل المصنف: عنهم.
(٦) في صحيحه (٧٢٨٦).
(٧) في (م): مجالس.

٤٢٢
سورة الأعراف: الآيتان ١٩٩ - ٢٠٠
فقال عُيَيْنَة لابن أخيه: يا ابنَ أخي، هل لكَ وجهٌ عند هذا الأمير فتستأذنَ لي عليه؟
قال: سأستأذنُ لكَ عليه. فاستَأْذَنَ لعُيَيْنَة. فلمّا دخلَ قال: يا ابنَ الخطّاب، واللهِ ما
تُعطينا الجَزْلَ، ولا تحكمُ بيننا بالعدل. قال: فغضب عمر حتى هَمَّ بأنْ يَقَع به. فقال
الحُرُّ: يا أمير المؤمنين، إنَّ اللهَ قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ
بَلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾ وإنَّ هذا منَ الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها
عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله عزَّ وجلَّ.
قلت: فاستعمال عمرَ ﴾ لهذه الآية واستدلالُ الحُرِّ بها يدلُّ على أنها مُحْكَمة لا
منسوخة. وكذلك استعملها الحسنُ بنُ عليٍّ بنِ أبي طالب رضي الله عنهما؛ على ما
يأتي بيانه(١). وإذا كان الجَفَاء على السلطان تعمُّداً واستخفافاً بحقِّه؛ فله تعزيرُه. وإذا
كان غير ذلك؛ فالإعراضُ والصَّفْحُ والعفو؛ كما فعل الخليفةُ العَدْل.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَتَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ
عَلِیهُ
٢٠٠
فيه مسألتان :
الأولى: لمَّا نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿نُذِ الَْفْوَ﴾ قال عليه الصلاة والسلام: ((کیف یا
ربِّ والغضب))؟ فنزلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾(٢). ونزغُ الشيطان: وساوسُه. وفيه لغتان:
نَزَعُ ونَغَزْ، يقال: إِيَّكَ والتُّزَّاغ والنُّغَّاز، وهم المُؤَرِّشُون(٣).
الزجاج(٤): النَّزْغ أهْنَى حركة تكون، ومن الشيطان أدْنَى وَسْوَسَة. قال سعيد بن
المسيِّب: شهدتُ عثمانَ وعليًّا وكان بينهما نَزْعُ من الشيطان، فما أبقَى واحدٌ منهما
(١) في المسألة الثانية بعد آية.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٤٦/١٠ عن ابن زيد.
(٣) في (ظ): الموسوسون. وقال في اللسان (ورش): التوريش: التحريش؛ يقال: ورَّشت بين القوم
وأَّشت.
(٤) في معاني القرآن له ٣٩٦/٢ .

٤٢٣
سورة الأعراف: الآية ٢٠٠
لصاحبه شيئاً، ثم لم يَبْرَحًا حتى استغفرَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه(١).
ومعنى ﴿يَنَغَنَّكَ﴾: يُصيبَنَّكَ ويَعرض لكَ - أي(٢): عند الغضب - وسوسةٌ بما
لا يحلُّ. ﴿فَأَسْتَعِذْ بِلَّهْ﴾ أي: اطلبِ النجاةَ من ذلك بالله. فأمَر تعالى أنْ يدفعَ
الوسوسةَ بالالتجاء إليه، والاستعاذة به، ولله المَثَلُ الأعلى؛ فلا يُستعاذ من الكِلاب
إلَّا بربِّ الكِلاب. وقد حُكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنعُ بالشيطان إذا
سَوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهدُه. قال: فإنْ عاد؟ قال: أجاهدُه. قال: فإن عاد؟
قال: أجاهدُه. قال: هذا يطول، أرأيتَ لو مررتَ بغنم فنبحكَ كلبُها، ومنعك(٣) من
العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأردٌ عليه (٤) جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن
استغِثْ بصاحب الغنم يكفَّه عنك.
الثانية: النَّغْزُ والنَّزْغ والهَمْز والوَسْوَسَة سواء، قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّتٍّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ
حَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وقال: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤].
وأصلُ النزغ: الفسادُ؛ يقال: نَزَغْ بيننا؛ أي: أفسد. ومنه قوله: ﴿نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ
إِخْوَى﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: أفسد. وقيل: النزغ: الإغواء والإغراء، والمعنى متقارب.
قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾:
((يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول له: مَنْ خَلَقَ كذا وكذا؟ حتى يقول له: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟
فإذا بَلَغَ ذلك فليستعذْ بالله ولْيَنْتَهِ))(٥). وفيه عن عبد الله قال: سُئل النبيُّ # عن
الوسوسة قال: ((تلكَ مَحْضُ الإيمانِ))(٦). وفي حديث أبي هريرة: ((ذلكَ صَرِيحُ
الإيمانِ)) (٧) والصريح: الخالص.
(١) أخرجه الخلال في السنة (٧١٥)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢١٩/٥ .
(٢) ليست في (م).
(٣) في النسخ: ومنع. والمثبت من (ظ).
(٤) في (م): وأرده.
(٥) صحيح مسلم (١٣٤): (٢١٤). وأخرجه أيضاً أحمد (٨٣٧٦)، والبخاري (٣٢٧٦).
(٦) صحيح مسلم (١٣٣). وعبد الله هو ابن مسعود.
(٧) صحيح مسلم (١٣٢). وأخرجه أحمد (٩١٥٦).

٤٢٤
سورة الأعراف: الآية ٢٠٠
وهذا ليس على ظاهره؛ إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسُها هي الإيمان، لأنَّ
الإيمانَ اليقينُ، وإنما الإشارةُ إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أنْ يعاقَبوا
على ما وقع(١) في أنفسهم. فكأنَّه قال: جَزَعُكم من هذا هو محضُ الإيمان وخالصُه؛
لصحة إيمانكم، وعلمِكم بفسادها. فسمَّى الوسوسةَ إيماناً لمَّا كان دفعُها والإعراضُ
عنها، والردَّ لها، وعدمُ قَبولها، والجزعُ منها؛ صادراً عن الإيمان.
وأمّا أمرُه بالاستعاذة؛ فلِكون تلك الوساوس من آثار الشيطان. وأمّا الأمرُ
بالانتهاء؛ فَعَن الركون إليها والالتفات نحوها. فمَن كان صحيحَ الإيمان، واستعمل
ما أمره به ربُّه ونبيُّه؛ نفعَه وانتفعَ به. وأمَّا مَنْ خالجته الشبهةُ، وغَلَب عليه الحِسُّ،
ولم يقدر على الانفكاك عنها؛ فلابُدَّ من مشافهته بالدليل العقليِّ؛ كما قال # للذي
خالطته شبهةُ الإِبل الجُرْب حين قال النبيُّ #: ((لا عَذْوَى)). فقال أعرابيّ: فما بالُ
الإبلِ تكون في الرَّمْل كأنها الظّباء، فإذا دخلَ فيها البعيرُ الأجرَبُ أجْربها. فقال ◌ِ﴾:
((فَمَنْ أَعْدَى الأوَّل؟))(٢) فاستأصل الشبهة من أصلها(٣). فلمّا يئس الشيطانُ من
أصحاب محمد بالإغواء(٤) والإضلال؛ أخذ يُشوِّش عليهم أوقاتهم بتلك
الأُلْقِيَّات(٥)، والوساوسِ التُّرَّهَات، فنَفَرَتْ عنها قلوبُهم، وعَظُمَ عليهم وقوعُها
عندهم، فجاؤوا - كما في الصحيح - فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نَجِدُ في أنفسنا ما
يَتعاظم أحدُنا أنْ یتکلّم به. قال: ((أَوَ قَدْ وجدتموه؟)). قالوا: نعم. قال: ((ذلك صریحُ
الإيمان))(٦) رَغْماً للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ
سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢].
(١) قوله: وقع من (م)، وهو الموافق لإكمال المعلم ٤٢٨/١، وعنه نقل المصنف.
(٢) أخرجه أحمد (٧٦٢٠)، والبخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) المفهم ٣٤٦/١ .
(٤) في (م): بالإغراء.
(٥) الأُلْقِيَّات، جمع أُلْقِيَّة، وزن: أُغْنيّة، وهي ما أُلقي من التحاجي والألغاز. ينظر القاموس (لقى).
(٦) هو في صحيح مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة، وسلف قريباً.
.. .

٤٢٥
سورة الأعراف: الآيات ٢٠٠ - ٢٠٢
فالخواطر التي ليست بمستقِرة، ولا اجْتَلَبتْهَا الشبهةُ؛ فهي التي تُدفَع بالإعراض
عنها، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة(١). والله أعلم. وقد مضى في آخر ((البقرة))(٢)
هذا المعنى، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَتُهُمْ طَئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَيِّ ثَُّ لَا يُقْصِرُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَنَّقَوْا﴾ يريد الشركَ والمعاصي. ﴿إِذَا مَسَّهُمْ
طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة(٣). وقرأ أهلُ المدينة وأهل
الكوفة: ((طَائِفٌ))(٤). ورُوي عن سعيد بن جبير: ((طَيِّفٌ)) بتشديد الياء(٥). قال
النحاس(٦): كلام العرب في مثل هذا: ((طَيْفٌ)) بالتخفيف؛ على أنه مصدر من طاف
يَطِيفُ. قال الكسائيُّ: هو مخفَّفٌ من (طَيِّف))؛ مثل: مَيْتٌ ومَيِّتُ. قال النحاس(٧):
ومعنى ((طَيْف)) في اللغة: ما يُتخيَّل في القلب، أو يُرَى في النوم؛ وكذا معنى طائف.
وقال أبو حاتم: سألتُ الأَضْمَعِيَّ عن طَيِّف؛ فقال: ليس في المصادر فَيْعِل. قال
النحاس(٨): ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنى طائف. والمعنى: إنَّ الذين اتقوا
(١) إكمال المعلم ٤٢٩/١ .
(٢) ٤ / ٤٩٥ .
(٣) يعني قرأ بها أبو عمرو البصري وابن كثير المكي، وقرأ بها أيضاً الكسائي من أهل الكوفة. السبعة
ص٣٠١، والتيسير ص١١٥ .
(٤) قرأ بها نافع المدني وعاصم وحمزة من أهل الكوفة، ووافقهم ابن عامر الشامي. وأما الكسائي من أهل
الكوفة فقرأ: ((طيف))، كما سلف.
(٥) القراءات الشاذة ص٤٨ .
(٦) في إعراب القرآن ١٧١/٢ . وما قبله منه.
(٧) المصدر السابق.
(٨) في إعراب القرآن ١/ ١٧١ . وما سيرد بين حاصرتين منه.

٤٢٦
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠١ - ٢٠٢
المعاصيّ إذا لَحِقَهم شيءٌ [من الشيطان] تفكّروا في قدرة الله عزَّ وجلَّ، وفي إنعامه
عليهم، فتركوا المعصية. وقيل: الطَّيْفُ والطّائِفُ معنيان مختلفان. فالأوَّل: التخيُّل،
والثاني: الشيطانُ نفسه. فالأوَّل مصدر طاف الخيال يَطيف(١) طَيْفاً؛ ولم يقولوا من
هذا: طائف في اسم الفاعل. قال السهيليُّ(٢): لأنه تخَيُّلٌ لا حقيقةً له. فأما قوله:
﴿فَطَافَ ◌َّهَا ◌ََِّفٌ مِّنِ زَّكَ﴾ [القلم: ١٩] فلا يقال فيه: طَيْفٌ؛ لأنه اسمُ فاعلٍ حقيقةً،
ويقال: إنه جبريل.
قال الزجاج(٣): ◌ُفْتُ عليهم أطوف، وطاف الخيالُ يَطيف.
وقال حسان (٤):
فَدَعْ هذا ولكن مَن لِطَيْفٍ يُؤَرِّقُّني إذا ذهبَ العِشَاء
مجاهد: الطَّيْف: الغضب(٥). ويُسمَّى الجنونُ والغضبُ والوسوسةُ طَيْفاً؛ لأنه
لَمَّةُ (٦) من الشيطان تُشَبَّه بلَمَّة الخيال.
﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ أي: منتهون. وقيل: فإذا هم على بصيرة. وقرأ سعيد بن
جبير: (تَذَّرُوا)) بتشديد الذال، ولا وجه له في العربية؛ ذكره النحاس(٧).
الثانية: قال عصام بن المُصْطَلِقِ: دخلتُ المدينةَ، فرأيت الحسن بن عليّ
عليهما السلام، فأعجبني سَمْتُه وحُسنُ رُوائه، فأثار منِّي الحسدَ ما كان يُحِنُّه(٨)
(١) في النسخ: يطوف. والمثبت من الروض الأنف ٤/ ١١٧ . قال في اللسان (طيف): طاف يطيف ويطوف
طيفاً وطوفاً.
(٢) في الروض الأنف ١١٧/٤، وما قبله منه بنحوه.
(٣) في معاني القرآن ٣٩٦/٢ .
(٤) دیوانه ص٧ .
(٥) أخرجه الطبري ٦٤٨/١٠ .
(٦) اللَّمَّة: الخطرة تقع في القلب. النهاية (لمم).
(٧) في إعراب القرآن ٢/ ١٧١، ونسب القراءة لمجاهد.
(٨) أي: يُكِنُّه.

٤٢٧
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠١ - ٢٠٢
صدري لأبيه من البُغْض، فقلت: أنتَ ابنُ أبي طالب؟ قال: نعم. فبالغتُ في شتمه
وشتم أبيه، فنظر إليَّ نظرةَ عاطفٍ رَؤُوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَِينَ﴾ فقرأ إلى قوله:
﴿فَإِذَا هُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ثم قال لي: خفّض(١) عليك، أستغفرُ الله لي ولك، إنك لو
استعنتنا أعنَّك، ولو استَرْفَدْتَنَا(٢) أرفدناك، ولو استرشَدْتَنا أرشدناك. فتوسَّم فيَّ الندمَ
على ما فَرَط منِّي، فقال: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَزْحَمُ
الرَّحِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] أَمِنْ أهلِ الشام أنت؟ فقلت: نعم. فقال:
شِنْشِئَةٌ أعرِفُها من أَخْزم(٣)
حَيَّاك الله وبيَّاك (٤)، وعافاك وآدَاك(٥)، انبسط إلينا في حوائجك وما يَعرِض
لكَ، تجدنا عند أفضل ظنِّك إن شاء الله. قال عصام: فضاقت عليَّ الأرضُ بما
رَحُبَت، وودِدت أنها ساخت بي، ثم انسلَلْتُ(٦) منه لِواذاً (٧)، وما على وجه الأرض
أحبُّ إليَّ منه ومن أبيه(٨).
قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ اَلْفَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قيل: المعنى: وإخوانُ
الشياطين - وهم الفُجَّار من ضُلَال الإنس ـ تَمدُّهم الشياطينُ في الغَيِّ. وقيل للفجار:
(١) أي: هوِّن.
(٢) الاسترفاد من الرفد، وهو العطاء والصلة.
(٣) قال في مجمع الأمثال ٣٦١/١: قال ابن الكلبي: إن الشعر لأبي أخزم الطائي، وهو جَدُّ أبي حاتم،
أو جدُّ جدِّه، وكان له ابن يقال له: أخزم. وقيل: كان عاقَّاً، فمات وترك بنين، فوثبوا على جدِّهم أبي
أخزم فأدموه، فقال: إن بنيَّ ضرجوني بالدم ... والشنشئة: الطبيعة والعادة.
(٤) بّاك: بؤَّاك منزلاً. مختار الصحاح (بيا).
(٥) أي: أعانك. لسان العرب ٢٦٨/٨ .
(٦) في (م): تسللت.
(٧) أي: تستُّراً.
(٨) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٤٧/١٣ .

٤٢٨
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠١ - ٢٠٢
إخوان الشياطين؛ لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان. هذا
أحسن ما قيل فيه، وهو قول قتادة(١) والحسن والضحاك. ومعنى ((لَا يُقْصِرُونَ)) أي:
لا يتوبون ولا يرجعون. وقال الزجاج(٢): في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: والذين
تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصراً ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدُّونهم في
الغَيِّ؛ لأن الكفار إخوان الشياطين.
ومعنى الآية: إنَّ المؤمن إذا مَسَّهُ طَيْف من الشيطان تنبَّه عن قُرْب؛ فأما
المشركون فيَمدُّهم الشيطان. و((لَا يُقْصِرُونَ) قيل: يرجع إلى الكفار على القولين
جميعاً. وقيل: يجوز أن يرجع إلى الشيطان. قال قتادة: المعنى ثم لا يُقصِرون عنهم
ولا يرحمونهم (٣). والإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي: لا تُقْصِر الشياطينُ في مَدِّهم
الكفارَ بالغَيِّ.
وقوله: ﴿فِ اَلْفِيَّ﴾ يجوز أن يكون متصلاً بقوله: ((يَمُدُّونَهُمْ))، ويجوز أن يكون
متصلاً بالإخوان(٤). والغَيُّ: الجهلُ.
وقرأ نافع: ((يُمِدُّونَهُمْ)) بضم الياء وكسر الميم، والباقون بفتح الياء وضم الميم.
وهما لغتان: مَدَّ وأمَدَّ، ومَدَّ أكثر؛ بغير ألف؛ قاله مكيّ(٥).
النحاس(٦): وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة؛ منهم أبو حاتم
وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجهاً، إلا أن يكون المعنى: يزيدونهم في
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠/ ٦٥٢.
(٢) في معاني القرآن ٣٩٧/٢، ونقل عنه المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧١/٢ - ١٧٢ وما
قبله منه.
(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٥٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٧٢.
(٥) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٨٧/١. وقراءة نافع في السبعة ص٣٠١، والتيسير ص١١٥ .
(٦) في إعراب القرآن ٢/ ١٧٢ .

٤٢٩
سورة الأعراف: الآيات ٢٠١ - ٢٠٣
الغَيِّ. وحَكَى جماعةٌ من أهل اللغة؛ منهم أبو عبيد؛ أنه يقال إذا كَثَّر شيءٌ شيئاً
بنفسه: مَدَّه، وإذا كَثَّره(١) بغيره قيل: أمَدَّه؛ نحو: ﴿يُمْدِذَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. وحُكي عن محمد بن يزيد أنه احتجَّ لقراءة أهل
المدينة قال: يقال: مَدَدْتُ له في كذا؛ أي: زيَّنتُه له واستدعيتُه أن يفعله. وأمددته في
كذا؛ أي: أعنتُه برأي أو غير ذلك.
قال مكيّ (٢): والاختيار الفتح؛ لأنه يقال: مددتُ في الشرِّ، وأمددتُ في الخير؛
قال الله تعالى: ﴿وَيَئُّهُمْ فِي مُفْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. فهذا يدلُّ على قوَّة الفتح في
هذا الحرف؛ لأنه في الشرِّ، والغَيُّ هو الشرُّ، ولأن الجماعة عليه.
وقرأ عاصم الجَحْدَرِيّ: ((يُمَادُونَهُمْ فِي الْغَيِّ))(٣).
وقرأ عيسى بن عمر: ((يَقْصُرُونَ)) بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف (٤).
الباقون: ((يُقْصِرُونَ)) بضدِّه، وهما لغتان. قال امرؤ القيس:
سَمَا لَكَ شَوْقٌ بعد ما كان أَقْصَرَا(٥)
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بَِايَةٍ قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْنَهَاَ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَ
مِن تَّبِّ هَذَا بَصَابِرُ مِنْ زَّيِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِثَقٍ﴾ أي: تقرؤها عليهم. ﴿قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيَّتَهَاْ﴾
لولا بمعنى: هلَّا، ولا يليها على هذا المعنى إلا الفعل ظاهراً أو مضمراً (٦)، وقد
(١) في النسخ: مدّه. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس.
(٢) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٨٧/١ - ٤٨٨ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٧٢/٢، والقراءات الشاذة ص٤٨.
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٣/٢، والقراءات الشاذة ص٤٨ .
(٥) صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: وحلَّت سليمى بطنَ قوِّ فعَرْعَرا. وهو في ديوانه ص٥٦ : قال
شارحه: سما لك الشوق أي: ارتفع وذهب بك كل مذهب؛ لبعد الأحبة عنك بعدما كان أقصر عنك
وكفّ بقرب من تحب دنوه منك، وقوّ وعرعر: موضعان.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٧٢/٢ .

٤٣٠
سورة الأعراف: الآيات ٢٠١ - ٢٠٤
تقدَّم القولُ فيها في البقرة مستوفّى(١). ومعنى ((اجْتَبَيْتَهَا)): اختلقتها من نفسك.
فَأَعْلَمَهم أنَّ الآياتِ من قِبَلِ الله عزَّ وجلَّ (٢)، وأنّه لا يَقرأ عليهم إلا ما أنزله عليه.
يقال: اجْتَبَيْتُ الكلامَ، أي: ارتَجَلْتُه واختلقتُه واخترعتُه: إذا جئتَ به من عند
نفسك(٣).
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىَ إِلَّ مِنْ زَبِّ﴾ أي: من عند الله، لا من عند نفسي.
﴿هَذَا بَصَآِرُ مِن رَّيِّكُمْ﴾ يعني القرآن، جمع بصيرة، وهي الدلالة والعبرة،
أي: هذا الذي دللتُكم به على أنَّ الله عزَّ وجلَّ واحدٌ بَصَائِرُ، أي: يُستبصَر بها.
وقال الزجاج(٤): (بَصَائِرُ)) أي: طُرُقٌ، والبصائر: طُرُقُ الدَّم(٥). قال الجُعْفِيُّ(٦):
وبَصيرِتِي يَعْدُو بها عَتِدٌ وَأَى(٧)
راحوا بصائرُهم على أكتافهم
﴿وَهُدَى﴾: رُشد وبيان. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ونعمة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فيه مسألتان (٨):
(١) ٣٤٢/٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٩٧/٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ١٢١/٣. ونسبه الرازي ١٠١/١٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٣١٢/٣
للفراء.
(٤) معاني القرآن له ٢/ ٣٩٧ .
(٥) في (م): الدين. وفي معاني الزجاج: طرائق الدم. قال في الصحاح (بصر): البصيرة من الدم: ما كان
على الأرض. وقال الأصمعي: والبصيرة شيء من الدم يُستدل به على الرَّميَّة.
(٦) هو الأسعر (بالسين المهملة)، الشاعر الفارس المشهور، كما ذكر الآمدي في المؤتلف والمختلف
ص٥٨ ، ونقل عن ابن الكلبي أن اسمه مرثد بن أبي حمران ... سُمي بالأسعر لقوله:
إذا أنا لم أُسْعَرْ عليهم وأثقِبٍ
فلا يَدَغني قومي لسعد بن مالكٍ
(٧) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٣٨/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩٧/٢، والصحاح (بصر)،
واللسان (عتد، بصر، وأى). وفيه: فرسٌ عَتِدٌ، بفتح التاء وكسرها أي: شديد تامّ الخلق، سريع الوثبة،
مُعدّ للجري، ليس فيه اضطراب ولا رخاوة. وفيه أيضاً: الوَأى من الدواب: السريع المشدد الخلق.
(٨) كذا في النسخ. ولكنه لم يذكر إلا مسألة واحدة.

٤٣١
سورة الأعراف: الآية ٢٠٤
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
قيل: إنَّ هذا نزل في الصلاة؛ رُوي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، والزُّهْرِيِّ،
وعبيد الله بن عمير، وعطاء بن أبي رَباح، وسعيد بن المسيِّب(١).
قال سعيد: كان المشركون يأتون رسولَ الله # إذا صَلَّى، فيقول بعضهم لبعض
بمكة: لا تَسْمَعُوا لهذا القرآن والْغَوْا فيه (٢)، فأنزل الله جلَّ وعزَّ جواباً لهم: ﴿وَإِذَا
قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾(٣).
وقيل: إنها نزلت في الخطبة؛ قاله سعيد بن جُبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن
دِينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن مُخَيْمِرة، ومسلم بن يَسَار، وشَهْر بن حَوْشَبْ،
وعبد الله بن المبارك(٤). وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ القرآنَ فيها قليلٌ، والإنصاتُ يجب في
جميعها؛ قاله ابن العربيّ(٥). النقاش: والآية مَكِّية، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة.
وذكر الطبريُّ عن سعيد بن جبير أيضاً: أن هذا في الإنصات يوم الأُضْحَى ويوم الفطر
ويوم الجمعة، وفيما يَجْهَر به الإمام، فهو عامٌّ (٦). وهو الصحيح؛ لأنه يجمع جمیعَ ما
أوجبته هذه الآيةُ وغيرُها من السُّنَّة في الإنصات(٧). قال النقاش: أجمعَ أهل التفسير
أنَّ هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة.
النحاس(٨): وفي اللغة يجب أن يكون في كلِّ شيء، إلا أن يدلَّ دليلٌ على
اختصاص شيء.
(١) أخرج هذا القول عنهم الطبري في تفسيره ٦٥٨/١٠ - ٦٦٠.
(٢) حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُوا لِمَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ أَمَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٢/٣ . وسعيد هو ابن المسيب.
(٤) تفسير الطبري ٦٦٤/١٠، والدر المنثور ٣١٣/٣.
(٥) في أحكام القرآن ٢/ ٨١٧ .
(٦) تفسير الطبري ٦٦٦/١٠، ونقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٤٩٤/٢، وما بعده منه.
(٧) المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٤ .
(٨) في إعراب القرآن ١٧٣/٢ .

٤٣٢
سورة الأعراف: الآية ٢٠٤
وقال الزجاج: يجوز أن يكون ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا﴾: اعملوا بما فيه، ولا
تجاوزوه(١).
والإنصات: السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة. أنْصَت يُنصت إنصاتاً؛
ونَصَت أيضاً؛ قال الشاعر :
فلم نُخالف وأنصتنا كما قالا(٢)
قال الإمامُ عليكم أمْرَ سیدکم
ويقال: أنصِتوه وأنصِتوا له؛ قال الشاعر:
إذا قالتْ حَذام فأنْصِتوها فإنَّ القولَ ما قالت حَذامِ (٣)
وقال بعضهم في قوله: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾: كان هذا لرسول الله : ﴿ خاصّاً
لِيَعِيَه عنه أصحابه (٤).
قلت: هذا فيه بعدٌ، والصحيح القول بالعموم؛ لقوله: ((لَعَلكُمْ تُرْحَمُونَ))،
والتخصیصُ یحتاج إلی دلیل.
وقال عبد الجبار بن أحمد(٥) في ((فوائد القرآن)) له: إن المشركين كانوا يكثرون
اللَّغَط والشغَب تَعَتّاً وعِناداً؛ على ما حكاه الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ فَِذَا
الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. فأمر اللهُ المسلمينَ حالة أداء الوَحْي أن
يكونوا على خلاف هذه الحالة، وأن يستمعوا، ومدَح الجنَّ على ذلك فقال: ﴿وَإِذْ
صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ الآية (٦) [الأحقاف: ٢٩].
(١) معاني القرآن له ٣٩٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٤٩٤/٢.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) الصحاح (نصت). وقال: ويروى: ((فصدقوها)). والبيت نسبه في اللسان (نصت) للُحيم بن صعب. قال:
وحذام اسم امرأة الشاعر، وهي بنت العتيك بن أسلم.
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٢٣/٣.
(٥) القاضي أبو الحسن الهمذاني، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية. ولي قضاء
القضاة بالرَّي، مات سنة (٤١٥ هـ)، من أبناء التسعين. السير ٢٤٤/١٧.
(٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٤٣/٣ - ١٤٤.

٤٣٣
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠٤ - ٢٠٥
وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ: كان رسول الله # إذا قرأ في الصلاة أجابه مَن
وراءَه؛ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضيَ فاتحة
الكتاب والسُّورة. فلبِث بذلك ما شاء الله أن يلبث؛ فنزل: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾ فأنْصَتُوا(١). وهذا يدلُّ على أنَّ المعنيَّ بالإنصات
تركُ الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله %.
وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألُهم: كم
صلَّيتم؟ كم بَقِي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾(٢).
وعن مجاهد أيضاً: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم؛ فنزل قوله تعالى:
﴿وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(٣).
وقد مضى في ((الفاتحة)) الاختلاف في قراءة المأموم خلف الإمام. ويأتي في
الجمعة(٤) حكم الخطبة إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
(٢٠٥)
بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبِّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ﴾ نظيره: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةٌ﴾ وقد تقدَّم(٥).
قال أبو جعفر النحاس(٦): ولم يُختلف في معنى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ﴾ أنه
في الدعاء.
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٩٧٨) (تفسير)، بنحوه مختصراً، وابن أبي حاتم (٨٧٢٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧، والطبري ١٠/ ٦٦٢ .
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٤٧ . وما قبله منه.
(٤) عند تفسير الآية ٩ منها، المسألة السابعة.
(٥) ٢٢٣/٧.
(٦) في معاني القرآن ١٢٣/٣.

٤٣٤
سورة الأعراف: الآية ٢٠٥
قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءةَ في الصلاة(١). وقيل:
المعنى: اقرأ القرآن بتأمُّلٍ وتدبُّر.
(تَضَرُّعاً)) مصدر، وقد يكون في موضع الحال. ((وَخِيفَةً)) معطوف عليه، وجمع
خيفة: خِوَفٌ؛ لأنه بمعنى الخَوْفِ؛ ذكره النحاس(٢). وأصل خِيفة: خِوْفَة؛ قُلبت
الواو ياءً لانكسار ما قبلها. خاف الرجلُ يخاف خوفاً وخيفة ومخافة، فهو خائف،
وقوم خُوَّفٌ على الأصل، وخُيَّف على اللفظ. وحكى الفرّاء أنه يقال أيضاً في جمع
خِيفة: خِيف(٣). قال الجوهري(٤): والخِيفةُ الخوفُ، والجمع خِيَف، وأصله الواو.
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ أي: دون الرفع في القول. أي: أَسْمِعْ نفسَكَ؛ كما قال: ﴿وَابْتَغْ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بين الجهر والمُخافتة. ودلَّ هذا على أنَّ رفعَ
الصوتِ بالذكر ممنوعٌ؛ على ما تقدَّم في غير موضع.
﴿وَبِالْغُدُرِّ وَاْأَصَالِ﴾ قال قتادة وابن زيد: الآصال: العَشِيَّات. والغدوُّ جمع غُذْوة.
وقرأ أبو مِجْلَز: ((بِالْغُدُوِّ وَالْإِيصالِ)) وهو مصدر آصلنا، أي: دخلنا في العَشِيِّ(٥).
والآصال جمع أُصُل؛ مثل: طُنُب وأظْنَاب(٦)؛ فهو جمع الجمع، والواحد
أصيل، جُمِع على أُصُل؛ عن الزجاج(٧). الأخفش(٨): الآصال جمع أَصِيل؛ مثلُ
يَمِين وأيْمَان. الفرّاء: أُصُل جمع أصيل، وقد يكون أُصُل واحداً، كما قال الشاعر:
(١) الوسيط للواحدي ٢/ ٤٤٠، والبغوي ٢٢٦/٢ .
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ١٧٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢، ولم نقف على قول الفراء في معانيه.
(٤) في الصحاح (خوف).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢. والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٨ ، وابن جني
في المحتسب ٢٧١/١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢.
(٧) في معاني القرآن له ٣٩٨/٢.
(٨) معاني القرآن له ٥٤١/٢. ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢.

٤٣٥
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠٥ - ٢٠٦
ولا بأحسنَ منها إذْ دَنَا الْأُصُلُ (١)
الجوهرِيُّ(٢): الأصِيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُلٌ وآصالٌ
وأصائلُ؛ كأنه جمع أصِيلة؛ قال الشاعر(٣):
لَعَمرِي لأنتَ البيْتُ أُكْرِمُ أهلَهُ وَأَقعدُ في أَفْيائِهِ بالأصائلِ
ويُجمع أيضاً على أُضْلان؛ مثل بَعير وبُعْران؛ ثم صغَّروا الجمعَ فقالوا:
أُصَيْلَان، ثم أبدلوا من النون لَاماً فقالوا: أُصَيْلالٌ؛ ومنه قول النابغة (٤):
عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ من أَحدٍ
وقفتُ فيها أُصَيْلَالاً أُسائِلُها
وحكى اللِّخيانِيُّ: لقيتُهُ أُصَيْلَالاً.
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَفِلِينَ﴾ أي: عن الذكر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ
يَسْجُدُونَ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ يعني الملائكةَ بإجماع. وقال:
((عِنْدَ رَبِّكَ)) - والله تعالى بكلِّ مكان(٥) - لأنهم قريبون من رحمته، وكلُّ قريب من
رحمة الله عزَّ وجلَّ فهو عنده؛ عن الزجاج (٦). وقال غيره: لأنهم في موضع لا ينفُذُ
فيه إلا حكم الله. وقيل: لأنهم رُسُل الله؛ كما يقال: عند الخليفة جيش كثير.
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢. والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٠٧ . وصدر البيت: يوماً
بأطيب منها نشر رائحة.
(٢) الصحاح (أصل).
(٣) هو أبو ذؤيب، والبيت في ديوان الهذليين ص١٤١ .
(٤) ديوان النابغة الذبياني ص ٣٠، وسلف ٤٦٠/١.
(٥) العبارة موهمة، وأهل السنة يقولون: إن الله عز وجل فوق السماء وعلمه في كل مكان .
(٦) معاني القرآن له ٣٩٨/٢. ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢، وما بعده منه.

٤٣٦
سورة الأعراف: الآية ٢٠٦
وقيل: هذا على جهة التشريف لهم، وأنهم بالمكان المكرم؛ فهو عبارة عن
قربهم في الكرامة لا في المسافة (١).
﴿وَيُسَيِّحُونَهُ﴾ أي: ويعظّمونه وينزِّهونه عن كل سوء. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ قيل:
يصلون. وقيل: يَذِلُّون، خلاف أهل المعاصي(٢).
الثانية: والجمهور من العلماء في أن هذا موضعُ سجود للقارئ. وقد اختلفوا في
عدد سجود القرآن؛ فأقصى ما قيل: خمس عشرة؛ أوَّلها خاتمة الأعراف، وآخرها
خاتمة العَلَق؛ وهو قولُ ابنِ حبيب وابنٍ وهب - في رواية - وإسحاق. ومن العلماء مَن
زاد سجدةَ الحِجْر؛ قوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ﴾ [٩٨] على ما يأتي بيانه إن شاء
الله تعالى. فعلى هذا تكون ست عشرة. وقيل: أربع عشرة؛ قاله ابن وهب في الرواية
الأخرى عنه، وأسقط ثانيةَ الحجِّ؛ وهو قولُ أصحابِ الرأي(٣)، والصحيحُ سقوطُها؛
لأنَّ الحدیث لم يصحّ بثبوتها؛ رواه ابن ماجه وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن
مُنَيْنٍ من بني عبد كُلال، عن عمرو بن العاص، أنَّ رسولَ الله ﴿ أَقْرَأَهُ خمسَ عَشْرَةً
سجدةً في القرآن؛ منها ثلاثٌ في المفصّل، وفي الحجِّ سجدتان(٤) وعبد الله بن مُنین
لا يُحتجُّ به؛ قاله أبو محمد عبد الحق(٥) .
وذكر أبو داود أيضاً من حديث عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، أفي
سورة الحجِّ سجدتان؟ قال: ((نَعَم، ومَنْ لم يَسْجُدْهما فلا يقرأهما))(٦). في إسناده
(١) نحوه في المحرر الوجيز ٤٩٥/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/٢.
(٣) المفهم ٢/ ١٩٥ .
(٤) سنن ابن ماجه (١٠٥٧)، وسنن أبي داود (١٤٠١). وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢٢٣/١ قال ابن
حجر في التلخيص الحبير ٩/٢ : حسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان، وفيه عبد الله
ابن مُنين وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي، وهو لا يعرف أيضاً.
(٥) في الأحكام الوسطى ٢/ ٩٢ .
(٦) سنن أبي داود (١٤٠٢). وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٣٦٤)، والترمذي (٥٧٨).

٤٣٧
سورة الأعراف: الآية ٢٠٦
عبد الله بن لَهِيعة، وهو ضعيف جداً. وأثبتها (١) الشافعيُّ، وأسقط سجدة ص. وقيل:
إحدى عشرة سجدة، وأسقط آخرةَ الحجّ وثلاثَ المفضَّل، وهو مشهور مذهب
مالك، وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم.
وفي سنن ابن ماجه: عن أبي الدرداء قال: سجدتُ مع النبيِّ# إحدى عَشْرَةَ
سجدةً، ليس فيها من المفصَّل شيءٌ: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل،
ومريم، والحجّ سجدة، والفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة، وص، وسجدة
(٢)
الحواميم(٢).
وقيل: عشرة؛ وأسقط: آخرة الحجِّ، وص، وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن
عباس.
وقيل: إنها أربع: سجدة الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق.
وسببُ الخلاف اختلافُ النقل في الأحاديث والعمل، واختلافُهم في الأمر
المجرَّد بالسجود في القرآن؛ هل المرادُ به سجودُ التلاوة، أو سجود الفرض في
الصلاة(٣)؟
الثالثة: واختلفوا في وجوب سجود(٤) التلاوة؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ: ليس
بواجب. وقال أبو حنيفة: هو واجب. وتعلَّق بأنَّ مطلقَ الأمر بالسجود على الوجوب،
وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا قَرَأَ ابنُ آدَمَ سَجْدَةً؛ فَسَجَدَ؛ اعتزلَ الشيطانُ يبكي
يقول: يا وَيْلَه - وفي رواية أبي كُرَيب: يا ويلي(٥) - أُمِرَ ابنُ آدَمَ بالسجودِ فَسَجَدَ؛ فَلَهُ
(١) يعني ثانية الحج، وفي (م): وأثبتهما (يعني سجدتي الحج).
(٢) سنن ابن ماجه (١٠٥٦). وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٦٩٢)، والترمذي (٥٦٨) مختصراً. قال أبو داود
عقب (١٤٠١): روي عن أبي الدرداء، عن النبي #: إحدى عشرة سجدة. وإسناده واهٍ .اهــ. ووقع في
مطبوع ابن ماجه: والحج وسجدة الفرقان. وهو خطأ.
(٣) المفهم ٢/ ١٩٥ . وما قبله منه.
(٤) في النسخ الخطية: سجدة. والمثبت من (م)، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٢٠ .
(٥) وقع بعدها في النسخ غير (ظ): وبقوله عليه السلام إخباراً عن إبليس لعنه الله. والصواب ما أثبتناه، فهو
حديث واحد؛ رواه مسلم عن ابن أبي شيبة وأبي كُريب. ووقع في (ظ): وبقوله عليه السلام: أمر ابن
آدم ... الخ. سقط منها: إذا قرأ ابن آدم ...

٤٣٨
سورة الأعراف: الآية ٢٠٦
الجنَّةُ، وأُمِرْتُ بالسجودِ فَأَبَيْتُ؛ فليَ النارُ)). أخرجه مسلم(١). ولأنَّ النبيَّ # كان
يحافظ عليه. وعَوَّل علماؤنا على حديثٍ عمرَ الثابتِ - خرَّجه البخاري(٢) - أنه قرأ
سجدة (٣) على المِنبر، فنزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأها(٤) في الجمعة
الأخرى، فتَهيَّأَ الناسُ للسجود، فقال: أيها الناسُ، على رِسْلكم، إنَّ اللهَ لم يكتبها
علينا إلا أن نشاء. وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من الأنصار
والمهاجرين، فلم يُنكر عليه أحد، فثبت الإجماعُ به في ذلك. وأما قوله: ((أُمِر ابنُ آدم
بالسجود» فإخبارٌ عن السجود الواجب، ومواظبةُ النبيِّ﴾ تدلُّ على الاستحباب،
والله أعلم.
الرابعة: ولا خلاف في أنَّ سجودَ القرآن يحتاجُ إلى ما تحتاجُ إليه الصلاةُ من
طهارة حَدَثٍ ونجَس، ونيةٍ، واستقبالٍ قبلة، ووقت(٥). إلا ما ذكر البخاريُّ عن ابن
عمر أنه كان يسجد على غير طهارة(٦). وذكره ابن المنذر عن الشعبيّ(٧).
وعلی قول الجمهور هل يحتاج إلى تحریم ورفع یدین عنده وتکبیر وتسليم؟
اختلفوا في ذلك؛ فذهب الشافعيُّ وأحمد وإسحاق إلى أنه يُكَبِّرُ ويرفعُ للتكبير لها(٨).
وقد رُويَ في الأثر عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ :﴿ كان إذا سجد كَبَّرَ، وكذلك إذا رفع
كبّر(٩).
(١) في صحيحه (٨١) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (٩٧١٣).
(٢) في صحيحه (١٠٧٧) بنحوه.
(٣) في (م): آية سجدة. والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٨٢٠/٢.
(٤) في صحيح البخاري وأحكام القرآن لابن العربي: قرأ بها.
(٥) المفهم ١٩٦/٢، وإكمال المعلم ٥٢٣/٢ .
(٦) ذكره البخاري تعليقاً قبل الحديث (١٠٧١)، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/٢، ومن طريقه ابن
حجر في تغليق التعليق ٤٠٨/٢ .
(٧) ذكر ابن قدامة في المغني ٢/ ٣٥٨ عن الشعبي أن من سمع السجدة علی غیر وضوء سجد حیث کان
وجهه.
(٨) المفهم ١٩٦/٢ .
(٩) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٢٠. وأخرج نحوه أبو داود (١٤١٣) من طريق عبد الله بن عمر، =

٤٣٩
سورة الأعراف: الآية ٢٠٦
ومشهور مذهب مالك أنه يُكبِّر لها في الخفض والرفع في الصلاة. واختُلف عنه
في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامَّةُ الفقهاء .
ولا سلام لها عند الجمهور، وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يُسَلِّم
منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أوَّلها للإحرام، وعلى قولٍ مَنْ لا يُسَلِّم
يكون للسجود فحسب. والأوَّلُ أَوْلى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مِفْتاحُ الصلاةِ
الظُّهورُ، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليم»(١). وهذه عبادةٌ لها تكبير، فكان لها
تحليلٌ كصلاة الجنازة، بل أَوْلى، لأنها فعل، وصلاةُ الجنازة قولٌ. وهذا اختيار ابن
العربيّ(٢).
الخامسة: وأما وقته؛ فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقاً؛ لأنها صلاةٌ لسبب.
وهو قولُ الشافعيِّ وجماعة. وقيل: ما لم يُسْفِرِ الصبحُ، أو ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ بعد
العصر. وقيل: لا يسجد بعد الصبح، ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح [ما لم
يُسْفِرا ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا. وسببُ الخلاف:
معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتّب عليها؛ لعموم النهي عن
الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح، واختلافُهم في المعنى الذي لأجله نُهي عن الصلاة
في هذين الوقتين، والله أعلم(٣).
السادسة: فإذا سجد يقول في سجوده: اللَّهُمَّ اخطط عنِّي بها وِزْراً، واكتب لي
بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً. رواه ابن عباس عن النبيِّ #؛ ذكره ابن ماجه (٤).
= عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﴾ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبّر وسجد،
وسجدنا معه. والحديث أصله في البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥) من طریق عبيد الله بن عمر، وليس
فيه: کبَّر.
(١) أخرجه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) من حديث علي بن أبي
طالب ﴾. وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٣٨)، وابن ماجه (٢٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٨٢٠ .
(٣) المفهم ١٩٦/٢ ، وما بین حاصرتين منه.
(٤) سنن ابن ماجه (١٠٥٣). وأخرجه أيضاً الترمذي (٥٧٦) و(٣٤٢٤) وفي إسناده حسن بن محمد بن =

٤٤٠
سورة الأعراف: الآية ٢٠٦
السابعة: فإن قرأها في صلاة؛ فإنْ كان في نافلةٍ، سَجَدَ إنْ كان منفرداً أو في
جماعة وأَمِنَ التخليطَ فيها. وإنْ كان في جماعة لا يأمنُ ذلك فيها؛ فالمنصوصُ
جوازُه. وقيل: لا يسجد. وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النَّهيُ عنه فيها، سواء
كانت صلاة سرٍّ أو جهر، جماعةً أو فُرادَى. وهو مُعَلَّل بكونها زيادة في أعداد سجود
الفريضة. وقيل: مُعَلَّل بخوف التخليط على الجماعة؛ وهذا أشبه. وعلى هذا لا يُمنع
منه الفُرادَى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط(١).
الثامنة: رَوَى البخاريُّ عن أبي رافع قال: صَلَّيت مع أبي هريرة العَتَمة، فقرأ:
﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ فسجد؛ فقلت: ما هذه؟ قال: سجدتُ بها خلف أبي القاسم ﴾،
فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. انفرد بإخراجه(٢).
وفيه: وقيل لعمرانَ بن حُصينٍ: الرجلُ يَسمعُ السجدةَ ولم يَجْلِس لها؟ قال:
أرأيتَ لو قعد لها؟ كأنه لا يُوجبه عليه. وقال سَلْمان: ما لهذا غَدَوْنا. وقال عثمان:
إنما السجدةُ على مَنِ استمعها. وقال الزُّهريُّ: لا يسجدُ إلا أنْ يكونَ طاهراً، فإذا
سجدتَ وأنت في حَضَر فاستقبل القبلة، فإنْ كنتَ راكباً فلا عليك حيث كان وجهك.
وكان السائبُ [بن يزيد] لا يَسجدُ لسُجُودِ القاصِّ(٣). والله أعلم.
= عبيد الله، وهو مجهول، قال العقيلي في الضعفاء ١/ ٢٤٣، لا يُتابع على حديثه، وقال الترمذي:
هذا حديث غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(١) المفهم ١٩٦/٢ .
(٢) صحيح البخاري (٧٦٦). ولم ينفرد بإخراجه؛ فقد أخرجه مسلم (٥٧٨): (١١٠)، وأخرجه أيضاً أحمد
(٧١٤٠)، وأبو داود (١٤٠٨)، والنسائي في المجتبى ١٦٢/٢ - ١٦٣، وفي الكبرى (١٠٤٢).
(٣) صحيح البخاري، كتاب سجود القرآن - قبل الحديث (١٠٧٧) وما بين حاصرتين منه. ووصل هذه
الآثار ابن حجر في تغليق التعليق ٢/ ٤١١ - ٤١٢ .