النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الأعراف: الآيات ١٦٠ - ١٦٤
والأحكام(١). والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ
فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِهِزْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ
لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (١١) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ
تَعِظُونَ قَوَّمَّا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن أهل القرية؛ فعبَّر عنهم بها لمَّا
كانت مستقَرًّا لهم، أو سببَ اجتماعهم، نظيره: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا﴾
[يوسف: ٨٢]، وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((اهتزَّ العرشُ لموت سعد بن معاذ))(٢)
يعني: أهل العرش من الملائكة، فرحاً واستبشاراً بقدومه ﴾(٣).
أي: واسأل اليهودَ الذين هم جيرانُك عن أخبار أسلافهم، وما مسخَ اللهُ منهم
قِرِدةً وخنازير. وهذا سؤال تقرير وتوبيخ. وكان ذلك علامةً لصدق النبيِّ #؛ إذ أطلعه
اللهُ على تلك الأمور من غير تعلُّم (٤).
وكانوا يقولون: نحن أبناءُ الله وأحباؤه؛ لأنَّا من سِبْطِ خليله إبراهيم، ومن سِبط
إسرائيل وهم بِكْر اللـه(٥)، ومن سِبْط موسى كليم الله، ومن سِبْط وَلَدِهِ عُزير، فنحن
من أولادهم. فقال اللهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّه: سَلْهم يا محمد عن القرية، أما عذَّبتهم (٦)
(١) ٢/ ١٢١ وما بعدها.
(٢) أخرجه أحمد (١٤١٥٣)، والبخاري (٣٨٠٣)، ومسلم (٢٤٦٦) من حديث جابر ﴾. وفي الباب عن
أبي سعيد الخدري ﴾ عند أحمد (١١١٨٤)، وعن أنس ﴾ عند أحمد (١٣٤٥٤)، ومسلم (٢٤٦٧).
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): به، أي: بقدومه والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٧٨٥/٢ - ٧٨٦ .
(٤) الوسيط ٤١٩/٢، وتفسير البغوي ٢٠٨/٢ .
(٥) سلف ٧/ ٣٨٨ نحوه من قول السدي.
(٦) في النسخ الخطية: عذبهم، والمثبت من (م).

٣٦٢
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٣ - ١٦٤
بذنوبهم، وذلك بتغيير فَرْع من فروع الشريعة(١).
واختلف في تعيين هذه القرية، فقال ابن عباس وعِكرمة والسُّدِّئُّ: هي أَيْلة. وعن
ابن عباس أيضاً أنها مَذْين، بين أَيْلَة والطور. الزُّهْرِيّ: طَبَرِيّة. قتادة وزيد بن أسلم:
هي ساحلٌ من سواحل الشام، بين مَدْين وعَيْنون، يقال لها: مَقْناة(٢).
وكان اليهودُ يكتُمون هذه القصةَ لِما فيها من السُّبَّة عليهم.
﴿الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ أَلْبَحْرِ﴾ أي: كانت بقُرب البحر، تقول: كنت بحضرة
الدار، أي: بقُربها(٣).
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ أي: يصيدون الحِيتان، وقد نُهُوا عنه. يقال: سَبَت
اليهودُ: تركوا العمل في سَبْتهم. وسُبِت الرجل - للمفعول - سُباتاً: أخذَه ذلك، مثل
الخَرَس. وأسبتَ: سَكّن فلم يتحرَّكْ. والقومُ: صاروا في السبت. واليهودُ: دخلوا في
السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة والقَطْع. ويُجمع أسْبُت وسُبُوت(٤)
وأسبات(٥).
وفي الخبر عن رسول الله #: ((مَن احتجمَ يومَ السبت، فَأَصابَه بَرَصٌ، فلا
يَلُومَنَّ إلا نفسَه))(٦). قال علماؤنا: وذلك لأن الدَّمَ يَجمُد يومَ السبت، فإذا مَددته
لِتستخرجه، لم يَجْرِ وعاد بَرَصاً(٧).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨٥ .
(٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٥٠٧/١٠ - ٥٠٩، وينظر النكت والعيون ٢٧١/٢، والمحرر الوجيز ٤٦٧/٢ .
(٣) وقال أبو حيان في البحر ٤/ ٤١٠: ويحتمل أن يريد معنى الحاضرة على جهة التعظيم لها، أي: هي
الحاضرة في قرى البحر.
(٤) تهذيب اللغة ٣٨٦/١٢، والصحاح (سبت).
(٥) لم نقف على هذا الجمع.
(٦) أخرجه البزار (٣٠٢٢) (زوائد)، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣٤٠ من حديث أبي هريرة ﴾، وفي
إسناده سليمان بن أرقم، قال الدارقطني: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، ميزان الاعتدال ١٩٦/٢ .
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٨١٦) عن الزهري مرسلاً، وهو المحفوظ فيما قاله البيهقي.
(٧) كلام غير صحيح مستند إلى خبر باطل.

٣٦٣
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٣ - ١٦٤
وقراءة الجماعة: ((يَعْدُون)). وقَرأ أبو نَهِيك: ((يُعِدّون)) بضمِّ الياء وكسر العين وشدٍ
الدال(١). الأُولى من الاعتداء، والثانية من الإعداد، أي: يُهيّئون الآلةَ لأخذها. وقرأ
ابن السَّمَيْفَعِ: ((في الأسبات)) على جمع السبت(٢). ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
سَبْتِهِمْ﴾ وقُرئ: ((إسباتهم))(٣).
﴿شُرَّعًا﴾ أي: شوارعَ ظاهرةً على الماء كثيرة(٤). وقال اللّيث: حيتان شُرَّعٌ
رافعةٌ رؤوسَها. وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت تَرِدُ يوم السبت عَنَقاً (٥) من البحر
فتزاحمُ(٦) أَيْلة. أَلهمها اللهُ تعالى أنها لا تُصاد يوم السبت؛ لِنَّهْيِه تعالى اليهودَ عن
صیدها. وقيل: إنها كانت تَشْرُ علی أبوابهم کالكباش البيض رافعةً رؤوسها - حكاه
بعضُ المتأخرين - فتعدّوا، فأخذوها في السبت، قاله الحسن(٧). وقيل: يوم الأحد،
وهو الأصحُ على ما يأتي بيانه.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي: لا يفعلون السبت. يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ إذا عظّم السبت.
وقرأ الحسن: (يُسْبِتون)) بضم الياء(٨)، أي: يدخلون في السبت؛ كما يقال: أجمعنا،
وأظهرنا، وأشهرنا، أي: دخلنا في الجمعة والظهر والشهر(٩).
(١) هي في تفسير الرازي ٣٧/١٥، والبحر ٤١٠/٤ دون نسبة، وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٤٦، وابن جني في المحتسب ٢٦٤/١ وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٧/٢ أن أبا نهيك قرأ:
(يَعَدُّون)). قال ابن جني: أراد يعتدون، فأسكن التاء ليدغمها في الدال، ونقل فتحتها إلى العين فصار
يَعَدُّون.
(٢) لم نقف عليها عند غير المصنف، وسلف أننا لم نقف على أن السبت يُجمع على أسبات.
(٣) يعني مصدر ((أسبت)) كما في البحر المحيط ٤١١/٤، وهي قراءة عمر بن عبد العزيز ﴾ كما في
القراءات الشاذة ص٤٧ . ووقع في (م): ((أسباتهم)).
(٤) تفسير الطبري ٥٠٩/١٠ .
(٥) أي: مسرعة، ينظر النهاية (عنق).
(٦) في تهذيب اللغة ٤٢٨/١ (والكلام منه) واللسان (شرع): يتاخم.
(٧) النكت والعيون ٢/ ٢٧٢ .
(٨) القراءات الشاذة ص ٤٧ .
(٩) تفسير الطبري ١٠/ ٥١٠ .

٣٦٤
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٣ - ١٦٤
تَأْتِيهِمْ﴾ أي: حيتانُهم.
﴿كَذَلِكَ نَّلُوهُم﴾ أي: نُشدِّد عليهم في العبادة ونَختبرهم. والكاف في موضع
نَصْب. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بِفِسْقهم (١). وسُئل الحسين بن الفضل: هل تجدُ في
كتاب الله: الحلالُ لا يأتيك إلا قوتاً، والحرامُ يأتيك جَزْفاً جَزْفاً(٢)؟ قال: نعم، في
قصة داود وأَيلة: ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ شُرَّعًاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِقُونَ لَا
تَأْتِهِمْ﴾.
ورُوي في قَصص هذه الآيةِ أنها كانت في زمن داود عليه السلام(٣)، وأنَّ إبليس
أَوْحَى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أَخْذها يومَ السبت، فانَّخِذوا الحياض؛ فكانوا
يَسوقون الحيتان إليها يومَ الجمعة فتبقى فيها، فلا يُمكنها الخروج منها لِقلَّة الماء،
فيأخذونها يوم الأحد(٤).
وروى أشهبُ عن مالك قال: زَعَم ابن رُومان أنهم كانوا يأخذ الرجلُ خيطاً
ويضع(٥) فيه وَهَقة(٦)، وألقاها في ذَنَب الحوت، وفي الطَّرف الآخر من الخيط وَتِد،
وتركَه كذلك إلى الأحد، ثم تطرّق الناس حين رأوا مَن صنع هذا لا يُبْتَلى حتى كثُرَ
صيدُ الحوت، ومُشيَ به في الأسواق، وأعلن الفَسَقةُ بصيده، فقامت فِرقةٌ من بني
إسرائيل ونَهت، وجاهرت بالنهي واعتزلتْ.
وقيل: إنَّ الناهين قالوا: لا نُساكِنُكم، فقسموا القريةَ بجدار. فأصبح الناهون
ذاتَ يوم في مَجَالسهم ولم يخرجْ من المعتدين أحدٌ، فقالوا: إن للناس لشأناً، فعلَوْا
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٥٧.
(٢) الجَزْف: الأخذ بالكَثْرة، وجَزَفَ له في الكيل: أكثر. اللسان (جزف).
(٣) عرائس المجالس ص٢٩٠ .
(٤) تفسير البغوي ٢٠٨/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٨٦/٢.
(٥) في (خ): وجعل، وفي المحرر الوجيز (والكلام منه) ٤٦٧/٢ - ٤٦٨: ويصنع. وهذا الأثر أخرجه
الطبري ٥١٩/١٠ مطولاً.
(٦) في القاموس: الوَهَق، محركة ويُسكّن: الحبل يُرمى في أُنشوطة، فتؤخذ به الدابة ...

٣٦٥
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٣ - ١٦٤
على الجدار فنظروا فإذا هم قِرَدة؛ ففتحوا البابَ ودخلوا عليهم، فعرَفت القِردةُ
أنسابَها من الإنس، ولم تعرِف الإنسُ أنسابَهم من القِردة؛ فجعلت القردة تأتي نَسيبها
من الإنس فَتَشَمُّ ثيابَه وتبكي، فيقول: ألم نَنْهكم؟! فتقول برأسها نعم. قال قتادة:
صار الشبان قردةً والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نَهوا، وهلك سائرهم(١).
فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: قال
الفاعلون الواعظين حين وَعظوهم: إذا عَلِمتم أن اللهَ مُهْلِكنا، فَلِمَ تَعِظوننا؟ فمسَخّهم
الله قِرِدةً. ﴿قَالُوا مَعْذِرَةٌ(٢) إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ أي: قال الواعظون: موعظتُنا
إياكم معذرةٌ إلى ربِّكم، أي: إنما يجب علينا أنْ نَعِظَكم لعلَّكم تتقون. أَسند هذا
القولَ الطَّبريُّ عن ابن الكلبيّ(٣).
وقال جمهور المفسرين: إنَّ بني إسرائيل افترقت ثلاثَ فِرَق، وهو الظاهر من
الضمائر في الآية: فرقة عَصَتْ وصادَتْ، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً. وفرقة نَهَتْ
واعتزلتْ، وكانوا اثنَيْ عشر ألفاً. وفرقة اعتزلَتْ ولم تَنْهَ ولم تَعْصِ، وأن هذه الطائفة
قالت للناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ تُريد العاصيةَ. ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ على غلبة
الظنّ، وما ◌ُهِدَ من فعل الله تعالى حينئذ بالأُمَم العاصية. فقالت الناهية: موعظتُنا
معذرةٌ إلى الله لعلَّهم يتَّقون. ولو كانوا فرقتين لقالت الناهيةُ للعاصية: ولعلَّكم تتقون،
بالكاف.
ثم اختُلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إنَّ الطائفةَ التي لم تَنْهَ ولم تَعْصِ هَلَكتْ مع
العاصية عقوبةً على تَرْك النَّهي؛ قاله ابن عباس. وقال أيضاً: ما أَدري ما فُعل بهم
(١) عرائس المجالس ص ٢٩٠ - ٢٩١، وتفسير البغوي ٢٠٨/٢، وأخرجه الطبري ٥١٥/١٠ - ٥١٦ عن
ابن عباس رضي الله عنهما مطولاً. وسلف هذا الكلام ١٦٩/٢ - ١٧٠ .
(٢) قرأ حفص: ((معذرةً)) بالنصب، والباقون بالرفع، كما سيأتي.
(٣) تفسير الطبري ٥٢١/١٠، والكلام في المحرر الوجيز ٤٦٨/٢.

٣٦٦
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٣ - ١٦٤
وهو الظاهر من الآية (١).
وقال عكرمة: قلت لابن عباس لمّا قال: ما أدري ما فُعِلَ بهم: ألا تَرى أنهم قد
كَرِهوا ما هم عليه وخالفوهم، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟ فلم أَزَلْ به حتى
عرَّفته أنهم قد نَجَوْا، فكسَاني حُلَّةٌ(٢). وهذا مذهب الحسن(٣).
ومما يدلُّ على أنه إنما هَلَكت الفرقةُ العادِيَة لا غير قولُه: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
[الأعراف: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] الآية.
وقرأ عيسى وطلحة: ((معذِرةً)) بالنصب. ونصبُه عند الكسائيّ من وجهين: أحدهما
على المصدر. والثاني على تقدير: فعلنا ذلك معذرةً. وهي قراءة حَفْص عن عاصم.
والباقون بالرفع(٤)، وهو الاختيار؛ لأنهم لم يُريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من
أمر لِيمُوا عليه، ولكنهم قيل لهم: لِم تَعظون؟ فقالوا: موعظتُنا مَعْذرةٌ. ولو قال رجلٌ
لرجل: مَعْذرة إلى الله وإليك من كذا، يُريد اعتذاراً، لَنَصبَ. هذا قول سيبويه(٥).
ودلَّت الآيةُ على القول بسدِ الذَّرائع(٦). وقد مضَى في ((البقرة)). ومضى فيها
الكلامُ في الممسوخ هل يَنْسُل أم لا، مبيّناً(٧). والحمد لله.
ومضى في ((آل عمران)) و((المائدة)) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٨). ومضى
في ((النساء))(٩) اعتزال أهلِ الفساد ومُجانبتُهم، وأنَّ من جالَسَهم كان مِثْلَهم؛ فلا
معنى للإعادة.
(١) المحرر الوجيز ٤٦٨/٢، وينظر تفسير البغوي ٢٠٨/٢ - ٢٠٩، والكشاف ١٢٦/٢ - ١٢٧.
(٢) أخرجه الطبري ٥١٤/١٠ .
(٣) ذكره البغوي ٢٠٩/٢ .
(٤) السبعة ص٢٩٦، والتيسير ص١١٤.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥٧/٢ - ١٥٨، وينظر الكتاب ٣٢٠/١.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨٧ .
(٧) ١٦٨/٢ وما بعدها.
(٨) ٧٣/٥ و٢٥٣/٦.
(٩) ٧/ ١٨٥ .

٣٦٧
سورة الأعراف: الآية ١٦٥
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَءِ وَأَخَذْنَا
(٦٥))
الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيٍِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
والنِّسيان يُطلَق على الساهي والعامدِ التارك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا
﴾ أي: تركوه عن قَصْد(١)، ومنه: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
ومعنى ﴿يِعَذَابٍ بَيٍْ﴾ أي: شديد. وفيه إحدى عشرةَ قراءة:
الأُولى: قراءة أبي عمرو وحمزة والكِسائيّ: ((بَئِيسٍ)) على وزن فَعِيل(٢).
الثانية: قراءة أهلِ مكة: (بِئْسٍ)) بكسر الباء والوزنُ واحد (٣).
والثالثة: قراءةُ أهلِ المدينة: ((بِيْسٍ)) الباء مكسورة، بعدها ياء ساكنة، بعدها سينٌ
مكسورة منوَّنة(٤). وفيها قولان. قال الكسائي: الأصلُ فيه: ((بَيِيس)) خفيفة الهمزة،
فالتقتْ ياءان، فحُذفتْ إحداهما وكُسر أوَّلُه، كما يُقال: رِغِيف وشِهِید. وقيل: أراد
(بَيْس)) على وزن فَعِل، فكسرَ أوَّلَه، وخفّف الهمزةَ، وحذفَ الكسرةَ، كما يقال:
رحم ورِخم.
الرابعة: قراءة الحسن: الباء مكسورة، بعدها همزة ساكنة، بعدها سين
مفتوحة(٥).
الخامسة: قرأ أبو عبد الرحمن المقرئ: ((بَئِسٍ)) الباء مفتوحة والهمزة مكسورة
والسين مكسورة منوَّنة(٦).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨٧ .
(٢) وأيضاً هي قراءة ابن كثير وعاصم في رواية حفص. السبعة ص٢٩٦، والتيسير ص١١٤ .
(٣) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٩/٢، وأبو حيان في البحر ٤١٣/٤، وقال: هي لغة تميم.
وقراءة ابن کثیر المکي هي بفتح الباء كما سلف.
(٤) قرأ بها نافع وأبو جعفر. النشر ٢٧٢/٢ .
(٥) ذكرها ابن جني في المحتسب ٢٦٧/١.
(٦) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٩/٢، وأبو حيان في البحر ٤١٣/٤ .

٣٦٨
سورة الأعراف: الآية ١٦٥
السادسة: قال يعقوب القارئ: وجاء عن بعض القراء: ((بعذاب بَيْسَ)) الباء
مفتوحة والهمزة مكثورة والسين مفتوحة(١).
السابعة: قراءة الأعمش: ((بَيْئِسٍ)) على وزن فَيْعِلٍ(٢). ورُوي عنه: ((بَيْأَسٍ)) على
وزن فَيْعَل(٣). ورُوي عنه: ((بَِّسٍ)) بباء مفتوحة وهمزة مُشدَّدة مكسورة، والسين في كلِّه
مكسورة منوَّنة، أَعني قراءةَ الأعمش (٤).
العاشرة: قراءة نصر بنِ عاصم: ((بعذاب بَيِّسٍ)) الباء مفتوحة، والياء مشدّدة بغير
همز(٥).
قال يعقوبُ القارئ: وجاء عن بعض القُرَّاء: ((بِئْيَسٍ)) الباء مكسورة، وبعدها
همزة ساكنة، وبعدها ياء مفتوحة(٦). فهذه إحدى عشرةَ قراءةً ذكّرها النحاسُ(٧).
قال عليُّ بن سليمان: العرب تقول: جاء ببناتٍ بِيْسٍ، أي: بشيء رديء. فمعنى
(بِعَذَابٍ بِيْسٍ)): بعذاب رديء.
وأما قراءةُ الحسن، فزعَم أبو حاتم أنه لا وجهَ لها، قال: لأنه لا يُقال: مررتُ
برجلٍ بِشَْ، حتى يُقال: بِشْسَ الرجل، أو بِئْسَ رجلاً.
قال النحاس: وهذا مردودٌ من كلام أبي حاتم، حكى النَّخويون: إنْ فعلت كذا
وكذا فَبِها ونِعْمَتْ. يُريدون (٨): فبها ونعمتِ الخَصْلة. والتقديرُ على قراءة الحسن:
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ٤١٢/٤، وقيَّدها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٩/٢ بتشديد الهمزة.
(٢) قال ابن عطية: وهذا شاذٍّ، لأنه لا يوجد فَيْعِل في الصحيح، وإنما يوجد في المعتل، مثل سيِّد وميٍّت.
وكذلك قال السمين في الدر المصون ٤٩٨/٥ .
(٣) وهي رواية شعبة بخلف عنه.
(٤) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٩/٢ - ٤٧٠.
(٥) القراءات الشاذة ص٤٧، والمحتسب ٢٦٥/١ .
(٦) ذكرها ابن جني في المحتسب ١/ ٢٦٧ دون نسبة، ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٧٠ نسبتها
للحسن والأعمش.
(٧) في إعراب القرآن ١٥٨/٢ - ١٥٩. وينظر الدر المصون ٤٩٦/٥ - ٤٩٨ .
(٨) في النسخ الخطية: يريد، والمثبت من (م) وإعراب القرآن للنحاس.

٣٦٩
سورة الأعراف: الآيات ١٦٦ - ١٦٧
بعذاب بِئْسَ العذاب.
٦٦
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن ◌َا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةٌ خَسِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن ◌َّا نُهُواْ عَنَّهُ﴾ أي: فلما تجاوزوا في معصية الله. ﴿قُلْنَا
لَمُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِينَ﴾ يقال: خَسَأته فَخسَأ، أي: باعَدْتُه وطردته(١). وقد تقدَّم في
((البقرة))(٢). ودلَّ على أن المعاصي سببُ النِّقمة وهذا لا خَفَاء به. فقيل: قال لهم ذلك
بكلام يُسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى: كوَّنَّاهم قِردةً(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ
الْعَذَابُّ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١)﴾
أي: أَعلم أسلافَهم أنهم إنْ غيَّروا ولم يُؤمنوا بالنبيِّ الأمِّيِّ بعثَ اللهُ عليهم مَن
يُعذّبُهم. وقال أبو عليّ: ((آذَنَ)) بالمدّ: أَعلم. و((أذَّن)) بالتشديد: نادى. وقال قوم: آذن
وأَذَّن بمعنى أَعلم، كما يقال: أَيقن وتيَقَّن(٤). قال زهير:
فإلّ تُضَيّعها فإنك قاتِلُهُ(٥)
فقلتُ تَعَلَّمْ أن للصيد غِرَّةٌ
وقال آخر:
يُنَادَى في شِعارهُمُ يَسارُ(٦)
تعلَّمْ أنَّ شرَّ الناس حيٍّ
أي: إِعلَمْ.
ومعنى ﴿يَسُومُهُمْ﴾: يُذيقُهم، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٧). قيل: المراد بُخْتَنصّر (٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٠.
(٢) ٢ / ١٧٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٤٧٠ .
(٤) الحجة للقراء السبعة ٤٠٤/٢ و٤١٠، وحكى هذا الكلام عن سيبويه، وهو في كتابه ٤/ ٦٢.
(٥) دیوان زهير ص١٣٤ .
(٦) قائله زهير أيضاً، وهو في ديوانه ص ٣٠٠ .
(٧) ٨٤/٢ .
(٨) ذكره الرازي في تفسيره ١٥/ ٤٢ .

٣٧٠
سورة الأعراف: الآيتان ١٦٧ - ١٦٨
وقيل: العرب. وقيل: أُمَّة محمد ﴿، وهو أظهرُ؛ فإنهم الباقون إلى يوم القيامة. والله
أعلم. قال ابن عباس: ((سُوءَ العذابِ)) هنا أخذُ الجِزْية (١). فإن قيل: فقد مُسِخوا،
فكيف تُؤْخَذ منهم الجِزية؟ فالجواب أنها تُؤخَذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذلُّ قوم،
وهم اليهود(٢). وعن سعيد بن جُبير: ((سُوءَ الْعَذَابِ)) قال: الخَراج، ولم يَجْبٍ نبيٌّ قٌّ
الخَراج إلا موسى عليه السلام، هو أوَّلُ من وضعَ الخَراج، فجبَاه ثلاثَ عشرةَ سنةً،
ثم أمسكَ، ونبيُّنا عليه الصلاة والسلام(٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ
وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيْئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
١٨
قوله تعالى: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً﴾ أي: فرَّقناهم في البلاد. أراد به
تشتيتَ أمرهم، فلم تجتمع(٤) لهم كلمةٌ. ﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾ رَفْعٌ على الابتداء.
والمراد: مَن آمنَ بمحمد عليه الصلاة والسلام، ومن لم يُبدِّل منهم ومات قبل نَسْخ
شَرْع موسى. أَوْ هم الذين وراء الصين، كما سبق(٥).
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ﴾ منصوبٌ على الظرف. قال النحاس: ولا نعلم أحداً رَفَعه(٦).
والمراد الكفارُ منهم. ﴿وَبَلَوْنَهُم﴾ أي: اختبرناهم. ﴿ِاَلْسَنَتِ﴾ أي: بالخِضْب
والعافية. ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: الجَذْب والشدائد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لِيرجعوا عن
كُفْرهم(٧) .
(١) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٠/ ٥٣٠ - ٥٣١.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٩٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٥٣٢/١٠ .
(٤) في (د) و(م): تجمع، والكلام في تفسير البغوي ٢٠٩/٢.
(٥) ٣٠٢/٧، وينظر الكشاف ٢/ ١٢٧.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٠.
(٧) الوسيط ٢/ ٤٢٢ .

٣٧١
سورة الأعراف: الآية ١٦٩
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى
وَيَقُلُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عٌَّ مِثْلُ بَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ◌ِيِشَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لََّ
يَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يعني أولاد الذين فرَّقهم في الأرض. قال
أبو حاتم: ((الخَلْف)) بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجميع فيه سواء. ((والخَلَف»
بفتح اللام: البَدَل، ولداً كان أو غريباً. وقال ابن الأعرابيّ: ((الخَلَفُ)) بالفتح
الصالح، وبالجزم الطالح(١). قال لَبِيد:
ذهب الذین یُعاشُ في أکنافِھم
وبَقِيتُ في خَلْفٍ كجِلْد الأَجْربِ(٢)
ومنه قيل للرَّديء من الكلام: خَلْف، ومنه المثل السائر: سَكَت أَلْفاً ونطق
خَلْفاً (٣). فَخَلْفٌ في الذَّمّ، بالإسكان، وخَلَفٌ بالفتح في المدح. هذا هو المستعملُ
المشهور. قال #: ((يَحمِلُ هذا العلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدولُه)) (٤). وقد يُستعمل كلُّ واحدٍ
منهما موضعَ الآخر. قال حسان بن ثابت:
لنا القَدَمُ الأولَى إليكَ وخَلْفُنا
لِأوَّلنا في طاعةِ الله تابعٌ(٥)
وقال آخر:
أغلقَ عنَّا بابَه ثم حَلَفْ
إنَّا وجدنا خَلَفاً بئسَ الخَلَفْ
عبداً إذا ما ناء بالحِمْلِ وَقَفْ (٦)
لا يُدخِل البّوابُ إلَّا مَن عرف
(١) تفسير البغوي ٢/ ٢١٠.
(٢) سلف ٦/ ٤٢٢ .
(٣) الصحاح (خلف)، وينظر كتاب الأمثال للقاسم بن سلام ص ٥٥، ومجمع الأمثال للميداني ٣٣٠/١ .
(٤) سلف ١/ ٦٣ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٧٢/٢، والبيت في ديوان حسان ﴾ ص١٤٨ .
(٦) الرجز في الكامل عن الرياشي لأعرابيٍّ يذمُّ رجلاً اتخذ وليمةٌ ١٣١١/٣ . وفي اللسان (خضف)
باختلاف في ترتیبه، وفيه: خضف، بدل: وقف.

٣٧٢
سورة الأعراف: الآية ١٦٩
ويُروى: خَضَف، أي: رَدَم(١). والمقصود من الآية الذَّمّ.
﴿وَرِثُواْ الْكِتَبَ﴾، قال المفسرون: هم اليهود، وَرِثوا كتابَ اللهِ فقرؤوه وعَلِموه،
وخالفوا حُكمَه وأتَوْا محارمَه مع دراستهم له(٢). فكان هذا توبيخاً لهم وتقريعاً.
وَيَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْفَ﴾ ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يَعرِض لهم من مَتّاع
الدنيا لِشِدَّة حِرْصهم ونَهَمِهم(٣). ﴿وَيَقُولُونَ سَيُّغْفَرُ لَنَا﴾ وهم لا يتوبون. ودلَّ على أنَّهم
لا يتوبون قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾ والعَرَض: مَتَاعُ الدنيا، بفتح
الراء. وبإسكانها: ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير (٤).
والإشارةُ في هذه الآية إلى الرُّشا والمكاسبِ الخبيثة.
ثم ذمَّهم باغترارهم في قولهم: ((سيُغفَرُ لنا))، وأنَّهم بحالٍ إذا أمكنتهم ثانيةً
ارتكبوها، فقطّعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإنما يقول: سيُغفَر لنا؛ مَنْ
أَقْلَعِ ونَدِم(٥).
قلت: وهذا الوصفُ الذي ذمَّ اللهُ تعالى به هؤلاء موجودٌ فينا. أسند الدارميُّ أبو
محمد: حدَّثنا محمد بن المبارك، حدّثنا صَدَقَةُ بن خالد، عن ابن جابر، عن شيخٍ
يُكنى أبا عمرو (٦)، عن معاذ بن جبلٍ ﴾ قال: سَيَبْلَى القرآنُ في صدور أقوامٍ كما يَبْلَى
الثّوبُ فيتهافتَ، يقرؤونه لا يجدون له شهوةً ولا لَذَّةَ، يَلْبَسون جلودَ الضَّانِ على
قلوب الذِّئاب، أعمالُهم طمعٌ لا يُخالطه خوفٌ، إنْ قصَّروا قالوا: سنبلُغ، وإنْ
أساؤوا قالوا: سَيُغفَرُ لنا؛ إنَّا لا نُشرك بالله شيئاً(٧).
(١) قوله: ردم: أي: ضرط. اللسان (ردم).
(٢) تفسير البغوي ٢١٠/٢ .
(٣) في (ظ): ونهمتهم.
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٠٠/٣.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ٤٧٢ .
(٦) في النسخ الخطية: أبا عمر، والمثبت من (م)، وسنن الدارمي، وإتحاف المهرة ٣٠٥/١٣.
(٧) سنن الدارمي (٣٣٤٦)، وإسناده ضعيف.

٣٧٣
سورة الأعراف: الآية ١٦٩
وقيل: إنَّ الضميرَ في ((يَأْتِهِم)) ليهود المدينة، أي: وإنْ يأْتِ يهودَ يَثْرِبَ الذين
كانوا على عهد النبيِّ # عَرَضٌ مِثْلُه يأخذوه كما أَخذه أسلافُهم.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ يِيشَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ
وَاَلنَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ اَلْكِتَبِ﴾ يريد التوراة. وهذا تشديدٌ
في لُزوم قول الحقِّ في الشرع والأحكام، وألَّا يميلَ الحكامُ بالرُّشَا إلى الباطل(١).
قلت: وهذا الذي لَزِمَ هؤلاء وأُخِذَ عليهم به الميثاقُ في قول الحقِّ لازمٌّ لنا على
لسان نبيِّنا # وكتابٍ رَبِّنا، على ما تقدَّم بيانُه في ((النساء))(٢). ولا خلافَ فيه في جميع
الشرائع، والحمد لله.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيةٍ﴾ أي: قرؤوه، وهم قَرِيبو عهدٍ به(٣). وقرأ
أبو عبد الرحمن: ((وادَّارسوا ما فيه)) فأَدغم التاء في الدال(٤).
قال ابن زید: کان یأتیھم المُحِقُّ برشوة، فيُخرجون له کتاب الله فیحکمون له به،
فإذا جاء المُبطِلُ أَخذوا منه الرِّشوةَ، وأخرجوا له کتابهم الذي کتبوه بأیدیھم وحگّموا له.
وقال ابن عباس: ﴿أَنْ لَّا يَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وقد قالوا الباطلَ في غُفران
ذنوبهم الذي يُوجبونه ويقطعون به(٥). وقال ابن زيد: يعني في الأحكام التي يحكمون
بها، كما ذكرنا.
وقال بعض العلماء: إن معنى ((ودَرَسُوا ما فيه)) أي: مَحَوْه بترك العمل به والفَهْم
له(٦)، من قولك: دَرَسَتِ الريحُ الآثارَ: إذا مَحَتْها(٧). وخظّ دارسٌ، وَرَبْع دارس: إذا
(١) المحرر الوجيز ٤٧٢/٢.
(٢) ٢٠٧/٧ وما بعدها.
(٣) معاني القرآن للنحاس ١٠٠/٣.
(٤) المحتسب ٢٦٧/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٦٠/٢.
(٥) أخرجهما الطبري ٥٣٩/١٠ و٥٤٠ .
(٦) النكت والعيون ٢٧٥/٢ .
(٧) تهذيب اللغة ٣٥٩/١٢ .

٣٧٤
سورة الأعراف: الآيات ١٦٩ - ١٧١
امَّحى وعفا أثرُه. وهذا المعنى مُواطِئ - أي: موافق - لقوله تعالى: ﴿بَذَ فِيقٌ مِّنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ تُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] الآية. وقوله: ﴿فَتَبَذُوهُ
وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] حسب ما تقدَّم بيانُه في ((البقرة))(١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ
اُْصْلِينَ
١٧٠
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِنَبِ﴾ أي: بالتوراة، أي: بالعمل بها، يقال:
مَسَّك بِهِ وَتَمسَّك به، أي: استمسك به(٢). وقرأ أبو العالِية وعاصم في رواية أبي بكر
(يُمْسِكُونَ)(٣) بالتخفيف من أَمْسَك يُمسِك. والقراءةُ الأُولى أوْلى؛ لأنَّ فيها معنى
التكرير والتكثير للتمسُّك بكتاب الله تعالى وبدينه، فبذلك يُمدحون. فالتمسُّك بكتاب
الله والدِّين يحتاجُ إلى المُلازمة والتكرير لفعل ذلك(٤). وقال كعب بن زهير - فجاء به
على طبعه - يذمُّ بكثرة نقض العهد(٥).
فما تُمسِّك بالعهد الذي زَعمتْ إلَّا كما تُمسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ(٦)
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَثَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآَ
ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَلَقْنَا الْجَبَلَ﴾ (نَتَقنا)) معناه: رَفَعنا. وقد تقدَّم بيانُه في ((البقرة)).
﴿كَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: كأنَّه - لارتفاعه - سحابةٌ تُظِلّ. ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّقِ﴾ أي: بجِدٌ.
وقد مضى في ((البقرة)) إلى آخر الآية(٧).
(١) ٢ /٢٦٨ - ٢٦٩.
(٢) الصحاح (مسك).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٠، وقراءة أبي بكر في السبعة ص٢٩٧، والتيسر ص١١٤.
(٤) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٨٢ .
(٥) من قوله: فجاء به ... إلى هذا الموضع، وقع في (م) بعد البيت، والمثبت موافق لإعراب القرآن
للنحاس ١٦١/٢ (والكلام منه).
(٦) ديوان كعب ص ٨٥، وصدر البيت فيه: وما تمسّك بالوصل ...
(٧) تقدم ما ذكره المصنف في الموضعين ٢/ ١٦٤ - ١٦٥ .

٣٧٥
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَى
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَّ شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَفِلِينَ (٧) أَوْ نَقُولُواْ إِنّا أَثْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا
١٧٤
وَكَذَلِكَ نُفَضِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ لِمَا
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ أي: واذكُر لهم مع ما سَبق من تذكير
المواثيق في كتابهم ما أخذتُ من المواثيق من العباد يوم الذَّرّ. وهذه آيةٌ مُشْكِلة، وقد
تكلّم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقَفْنا عليه:
فقال قوم: معنى الآية أنَّ الله تعالى أخرجَ مِن ظهور بني آدم بعضَهم مِن بعض.
قالوا: ومعنى ﴿أَشْهَدَهُم على أنفسهم أَلَسْتُ بربّكم﴾ دلَّهم بخلقه على توحيده؛
لأنَّ كلَّ بالغِ يعلم ضرورةً أنَّ له ربًّا واحداً، ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي: قال(١). فقام ذلك
مقامَ الإشهاد عليهم والإقرارِ منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: ﴿قَالَّاً
أَثْنَا طَآئِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ذهب إلى هذا القَفّالُ وأطنبَ(٢).
وقيل: إنَّه سبحانه أخرجَ الأرواحَ قبل خلقِ الأجساد، وأنَّه جعلَ فيها مِن المَعْرفة
ما عَلِمَتْ به ما خاطَبها(٣).
قلت: وفي الحديث عن النبيَّ # غيرُ هذين القولين، وأنَّه تعالى أخرجَ الأشباح فيها
الأرواحُ مِن ظهر آدم عليه السلام. روى مالكٌ في ((موّئه)) (٤) أن عمر بن الخطاب ﴾
سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٦١/٢ .
(٢) ذكر نحو هذا الكلام الرازي في تفسيره ١٥/ ٥٠ .
(٣) النكت والعيون ٢/ ٢٧٧ .
(٤) ٨٩٨/٢ - ٨٩٩، ومن طريقه أخرجه أحمد (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)،
والنسائي في الكبرى (١١١٢٦) كلهم من طريق مسلم بن يسار عن عمر ﴾.

٣٧٦
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلٌ شَهِدْنَأُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِينَ﴾ فقال عمر﴾:
سمعتُ رسولَ الله:﴿ يُسأل عنها، فقال رسول الله﴾: ((إنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدَمَ، ثم
مسحَ ظهَرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذُرِّيّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنَّة وبعملِ أهل الجنَّة
يعملون، ثم مسحَ ظهرَه، فاستخرجَ منه ذُرِّيةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنَّار ويعملِ أهل
النَّار يعملون)). فقال رجل: ففيم العملُ؟ قال: فقال رسولُ الله #: ((إنَّ اللهَ إذا خلق
العبدَ للجنَّة استعملَه بعملِ أهل الجنَّة حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنَّة،
فيُدخلَه الجنَّة، وإذا خلقَ العبدَ للنَّار، استعملَه بعملٍ أهل النَّار حتى يموتَ على عملٍ من
أعمال أهل النَّار، فيدخلَه الله النَّار)).
قال أبو عمر (١): هذا حديثٌ منقطع الإسناد؛ لأنَّ مسلم بن يسار لم يَلْقَ عمر(٢).
وقال فيه يحيى بن معين: مسلم بن يسار لا يُعرف، بينه وبين عمر نُعَيمُ بن ربيعة، ذكره
النسائيّ(٣)، ونُعيم غير معروف بحمل العلم. لكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن
النبيِّ# من وجوهٍ ثابتةٍ كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ﴾ وعبدِ الله بن مسعود
وعليّ بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرِهم(٤).
روى الترمذيّ وصحَّحه عن أبي هريرة قال: إن رسول الله# قال: ((لمَّا خلقَ اللهُ
آدَمَ مسحَ ظهرَه، فسقطَ مِن ظهره كلُّ نَسَمةٍ هو خالقُها [من ذُرِّيته] إلى يوم القيامة،
وجعلَ بين عَيْنَي كلِّ رجل منهم وَبِيصاً مِن نُور، ثم عرضَهم على آدم، فقال: يا ربِّ
(١) في التمهيد ٣/٦ - ٧، والاستذكار ٩٠/٢٦ .
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٥٠٣/٣ - ٥٠٤: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما أسقط ذكر نُعيم بن
ربيعة عمداً لما جهل حاله ولم يعرفه، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وكذلك يسقط ذكر جماعة
ممن لا يرتضيهم، ولهذا يُرسل كثيراً من المرفوعات، ويقطع كثيراً من الموصولات.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٤/٦ - ٥ من طريق النسائي، وليس هو في سننه من هذه الطريق، إنما
فيه من طريق أخرى (١١١٢٦) وينظر تحفة الأشراف ١١٣/٨.
(٤) حديث عمر ﴾ أخرجه أحمد (١٩٦)، والترمذي (٢١٣٥) و(٣١١١). وحديث ابن مسعود ﴾ سلف
٢٩٦/١. وحديث علي ﴾ أخرجه أحمد (٦٢١)، والبخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧). وحديث أبي
هريرة ﴾ أخرجه أحمد (١٠٢٨٦)، ومسلم (٢٦٥١).

٣٧٧
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَّتُك. فرأى رجلاً منهم فأعجبَه وَبِيصُ ما بين عينيه، فقال:
أي ربِّ، مَن هذا؟ فقال: هذا رجلٌ مِن آخرِ الأُمم مِن ذُرِّيَّتك يُقال له: داود، فقال:
ربِّ، كم جعلتَ عُمُرَه؟ قال: ستِّين سنةً، قال: أي رَبِّ، زِدْه مِن عُمري أربعين سنةً،
فلمّا انقضى عُمر آدَمَ عليه السلام، جاءه مَلَكُ الموت فقال: أَو لم يبقَ مِن عُمري
أربعون سنةً؟ قال: أَوَ لم تُعْطِها ابنَك داود؟ قال: فَجحَد آدمُ، فجحدَت ذرِّيَّتُه، ونَسِيَ
آدمُ، فَتَسِيَتْ ذِرِّيَّته))(١).
في غير الترمذي: ((فحينئذٍ أمر بالكتابِ والشهودِ))(٢) في رواية: ((فرأى فيهم
الضعيفَ والغني والفقير(٣)، والمبتلى والصحيح. فقال له آدمُ: يا ربِّ، ما هذا؟! ألا
سوَّيتَ بينهم؟! قال: أردتُ أن أُشكرَ))(٤).
وروى عبد الله بن عمرو(٥) عن النبيِّ# أنه قال: ((أُخِذوا من ظَهْره كما يُؤخذ
بالمُشْط مِن الرأس))(٦). وجعل اللهُ لهم عقولاً كنملة سليمان، وأخذَ عليهم العهدَ بأنَّه
ربّهم، وأن لا إله غيرُه. فأقرُّوا بذلك والتزموه، وأَعْلَمهم بأنَّه سيبعثُ إليهم الرُّسلَ،
فشهد بعضُهم على بعض. قال أُبَيُّ بن كعب: وأَشهدَ عليهم السماواتِ السَّبعَ، فليس
مِن أحدٍ يُولد إلى يوم القيامة إلَّا وقد أُخِذ عليه العهد(٧).
(١) قوله: آدم، ليس في النسخ الخطية، وأثبتناه من (م)، وسنن الترمذي (٣٠٧٦) وما سلف بين حاصرتين
منه وسلفت هذه القطعة ٢٩٤/١ .
(٢) هو عند الترمذي أيضاً (٣٣٦٨)، وأخرجه ابن حبان (٦١٦٧) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) بعدها في (د) و(ز) و(ظ): والذليل.
(٤) أخرج هذه الرواية أبو يعلى في مسنده (٦٣٧٧) من حديث أبي هريرة ﴾. وأوردها باللفظ الذي ذكره
المصنف ابن العربي في أحكام القرآن ٧٨٩/٢. وقوله: ((أردت أن أشكر)) قال السندي (كما في حاشية
المسند ١٥٧/٣٥): أي: ولا يحصل منهم الشكر على النعمة إلا إذا عرفوها بضدِّها.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): عمر، والمثبت من (خ) و(م).
(٦) أخرجه الطبري ٥٥٢/١٠ ، وأورده ابن كثير ٥٠٢/٣ ، وضعف رفعه، وذكر أن وقفه علی عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما أصح.
(٧) المحرر الوجيز ٤٧٤/٢، وقول أُبَيّ ﴾ أخرجه أحمد (٢١٢٣٢).
:

٣٧٨
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
واختلف في الموضع الذي أُخذ فيه الميثاقُ حين أُخرِجوا، على أربعة أقوال:
فقال ابن عباس: ببطن نَعْمان، وادٍ إلى جَنْب عَرفة(١). ورُوي عنه أنَّ ذلك بِدَهْنا(٢)
- أرضٍ بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام.
وقال يحيى بن سلَّام: قال ابن عباس في هذه الآية: أَهبط اللهُ آدمَ بالهند، ثم
مسحَ على ظهره، فأخرج منه كلَّ نَسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿أَسْتُ
بِرَّكُمْ قَالُوا بَلُّ شَهِدْنَأْ﴾(٣) قال يحيى: قال الحسن: ثم أعادهم في صُلب آدَمَ عليه
السلام(٤). وقال الكلبيّ: بين مكة والطائف(٥).
وقال السُّدِّيّ: في السماء الدنيا حين أُهبط من الجنة إليها، مسحَ على ظهره،
فأخرج من صفحةٍ ظَهره اليُمنى ذُرِّيةً بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنة
برحمتي. وأخرج من صفحةٍ ظهره اليُسرى ذُرِيةً سوداءَ وقال لهم: ادخلوا النارَ ولا
أُبالي(٦). قال ابن جُريج: خرجَتْ كلُّ نفس مخلوقةٍ للجنة بيضاءَ، وكلُّ نفس مخلوقةٍ
للنار سوداء(٧).
الثانية: قال ابن العربيّ رحمه الله (٨): فإن قيل: فكيف يجوز أنْ يُعذِّبَ الخلقَ
وهم لم يُذنبوا، أو يُعاقبَهم على ما أرادَه منهم، وكتبَه عليهم، وساقَهم إليه (٩)؟ قلنا:
(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٥٠ .
(٢) في النسخ: برهبا، والمثبت من تفسير الطبري ٢٢٥/١٣ (طبعة الشيخ محمود شاكر رحمه الله)،
وتفسير البغوي ٢١٢/٢، والكلام فيه.
(٣) أخرجه الطبري ٥٤٨/١٠ .
(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٥٥ من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) ذكره البغوي في تفسيره ٢١٢/٢ .
(٦) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٦٠ .
(٧) أخرجه الطبري ٥٥٦/١٠ من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٨) في أحكام القرآن ٢/ ٧٩١ .
(٩) في النسخ الخطية: وساقه إليهم، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.

٣٧٩
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
ومن أين يمتنعُ ذلك، أعقلاً أم شرعاً؟ فإن قيل: لأنَّ الرحيم الحكيم مِنَّا لا يجوزُ أنْ
يفعلَ ذلك. قلنا: لأنَّ فوقه آمِراً يأمرُه وناهِياً يَنهاه(١)، وربُّنا تعالى لا يُسأل عمَّا يفعلُ
وهم يُسألون، ولا يجوزُ أنْ يُقاسَ الخلقُ بالخالق، ولا تُحملَ أفعالُ العباد على أفعال
الإله(٢). وبالحقيقة الأفعال كلُّها لله جلَّ جلاله، والخلقُ بأجمعهم له (٣)، صَرَّفهم
كيف شاء، وحَكَمَ بينهم بما أراد(٤)، وهذا الذي يَجِدُه الآدميُّ إنَّما تبعثُ عليه رِقَّة
الجِبِلَّةِ(٥)، وشفقةُ الجنسيّة، وحبُّ الثناء والمدح؛ لما يتوقَّعُ في ذلك مِن الانتفاع،
والباري تعالى متقدِّسٌ عن ذلك كلِّه(٦) فلا يجوزُ أنْ يُعتبرَ به.
الثالثة: واختُلف في هذه الآية؛ هل هي خاصَّة أو عامَّة؟ فقيل: الآية خاصَّة؛
لأنَّه تعالى قال: ﴿مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾. فخرجَ مِن هذا مَنْ كان من ولد آدمَ
لِصُلْبه. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ نَقُولُوَ إِنّآ أَثْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾، فخرج منها كلُّ مَن لم
يكن له آباءٌ مشركون. وقيل: هي مخصوصةٌ فيمن أُخِذَ عليه العهد على أَلْسنة الأنبياء.
وقيل: بل هي عامَّةٌ لجميع الناس؛ لأن كلَّ أحدٍ يعلم أنه كان طفلاً فغُذِّي ورُبِيَ،
وأن له مُدَبِّراً وخالقاً. فهذا معنى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.
ومعنى ﴿قَالُوا بَلَ﴾ أي: إنَّ ذلك واجبٌ علیهم(٧). فلما اعترف الخلقُ لله سبحانه
بأنَّه الربُّ ثم ذَهَلوا عنه، ذكَّرهم بأنبيائه، وخَتَم الذِّكر بأفضل أصفيائه؛ لتقومَ حجتُه
عليهم، فقال له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١-٢٢]. ثم
مَّنه من الصيطرة، وآتاه السلطنةَ، ومكَّن له دينَه في الأرض.
(١) في النسخ الخطية: أمراً أمره وناهيا نهاه، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.
(٢) في أحكام القرآن: ولا يجوز أن يقاس الخالق بالمخلوق، ولا تحمل أفعال الإله على أفعال العباد.
(٣) لفظة: له، من (م) وأحكام القرآن.
(٤) في (خ): حكم فيهم ما أراد، وفي أحكام القرآن: حكم فيهم كما أراد.
(٥) في النسخ الخطية: الجبلية، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.
(٦) قوله: کله، من (م).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٢.

٣٨٠
سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤
قال الظُّرْطُوشي: إنَّ هذا العهدَ يلزمُ البَشرَ وإنْ كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة،
كما يلزم الطلاقُ مَن شُهد علیه به وقد نَسِيَه(١).
الرابعة: وقد استدلَّ بهذه الآية مَن قال: إنَّ من مات صغيراً دخل الجنةَ؛ لإقراره
في الميثاق الأوَّل. ومَن بلغ العقل لم يُغنه الميثاقُ الأوّل. وهذا القائل يقول: أطفالُ
المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب.
وهذه المسألة اختُلف فيها لاختلافِ الآثار، والصحيح ما ذكرناه(٢). وسيأتي
الكلامُ في هذا في ((الرُّوم)) إن شاء الله(٣). وقد أتينا عليها في كتاب ((التَّذكرة))
والحمد لله(٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل اشتمال من قوله: ((مِنْ بَني آدَمَ)).
وألفاظُ الآية تقتضي أنَّ الأخذَ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذِكْر بحسب
اللَّفظ (٥).
ووجه النَّظم (٦) على هذا: وإذْ أَخذ ربُّك من ◌ُهور بني آدم ذرِّيتَهم. وإنما لم يذكُرْ
ظهرَ آدم لأن المعلومَ أنهم كلَّهم بَنُوه، وأنهم أُخرِجوا يومَ الميثاق من ظَهْره، فاستغنى
عن ذكره لقوله: ((مِنْ بَنِي آدَمَ»(٧).
﴿ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ قرأ الكوفيون وابنُ كَثير بالتوحيد وفتح التاء(٨)، وهي تقع للواحد
(١) المحرر الوجيز ٤٧٥/٢ .
(٢) المفهم ٦/ ٦٧٧ - ٦٧٨ .
(٣) في تفسير الآية (٣٠) منها.
(٤) ص٥١١ وما بعدها.
(٥) المحرر الوجيز ٤٧٤/٢ .
(٦) في (ظ): النظر.
(٧) تفسير البغوي ٢/ ٢١٢ .
(٨) السبعة ص٢٩٨، والتيسير ص١١٤، والكشف عن وجوه القراءات ٤٨٣/١، والكلام منه إلى نهاية
المسألة.