النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١ الرابع: ضَمَّ إليه أخاه ليعلم ما لديه؛ فكره ذلك هارون لئلا يظنَّ بنو إسرائيل أنَّه أهانه؛ فبيَّن له أخوه أنَّهم استضعفوه، يعني عبَدَة العجل، وكادوا يقتلونه، أي قاربوا(١). فلما سمع عذره قال: ربِّ اغفر لي ولأخي؛ أي: اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيتُ من أجله الألواحَ، ولأخي؛ لأنَّه ظنَّ مُقَصِّراً في الإنكار عليهم، وإنْ لم يقع منه تقصير، أي: اغفِرْ لأخي إنْ قصَّر. قال الحسن: عبدَ كلَّهم العجلَ غير هارون، إذ لو كان ثَمَّ مؤمن غير موسى وهارون لَمَا اقتصر على قوله: ربِّ اغفِرْ لي ولأخي، ولَدَعَا لِذلك المؤمن أيضاً (٢). وقيل: استغفر لنفسه من فِعْله بأخيه، فعلَ ذلك لِمَوْجِدته عليه؛ إذْ لم يَلحقْ به فيعرِّفَه ما جرى لِيرجع فيتلافاهم؛ ولهذا قال: ﴿َهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾ الآية(٣) [طه: ٩٢ , ٩٣]. فبيَّن هارونُ أنَّه إنما أقامَ خوفاً على نفسه من القتل. فدلَّت الآيةُ على أنَّ لمن خَشِيَ القتلَ على نفسه عندَ تغيير المُنكر أن يَسْكُت. وقد تقدَّم بيانُ هذا في ((آل عمران)»(٤). ابنُ العربيّ(٥): وفيها دليلٌ على أنَّ الغضبَ لا يغيِّر الأحكام كما زعم بعضُ الناس، فإنَّ موسى عليه السلام لم يغيِّر غضبُه شيئاً من أفعاله، بل اطّردت على مجراها من إلقاء لوح، وعتابٍ أخ، وصكِّ مَلَك. المَهْدَوِيّ: لأنَّ غضبه كان لله عزَّ وجلَّ، وسكوتَه عن بني إسرائيل خوفاً أن يتحاربوا ويتفرّقوا. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ﴾ وكان ابنَ أُمُّه وأبيه. ولكنها كلمةُ لِين وعطف. قال الزَّجاج(٦): قيل: كان هارونُ أخا موسى لأمِّه لا لأبيه. (١) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٧٨٣/٢ . (٢). تفسير الرازي ٦/١٥ . (٣) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٠/ ٤٥٧ . (٤) ٥/ ٧٥ . (٥) في أحكام القرآن ٧٨٣/٢ ، وما قبله منه. (٦) لم نقف عليه في معاني القرآن له، وقال هذا القولَ النحاسُ في إعراب القرآن ١٥١/٢. ٣٤٢ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١ وقُرِئ بفتح الميم وكسرها (١)؛ فمن فتح جعل ((ابنَ أُمَّ) اسماً واحداً كخمسةً عشرَ، فصار كقولك: يا خمسةَ عشرَ أقبلوا. ومن كسر الميم جعلَه مضافاً إلى ضمير المتكلم، ثم حذفَ ياء الإضافة؛ لأنَّ مبنى النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم لتدُلَّ على الإضافة، كقوله: ((يا عِبَادٍ))(٢). يدلُّ عليه قراءةُ ابن السَّمَيْفَع: ((يا ابنَ أمِّي)) بإثبات الياء على الأصل(٣). وقال الكسائي والفرّاء وأبو عُبيد: ((يا ابن أمَّ)) بالفتح، تقديره: يا ابنَ أُمَّا (٤). وقال البصريون: هذا القولُ خطأ؛ لأنَّ الألفَ خفيفةٌ لا تحذف، ولكن جعلَ الاسمين اسماً واحداً. وقال الأخفش وأبو حاتم: ((يا ابنَ أُمِ) بالكسر كما تقول: يا غلامَ غلامِ أقبل، وهي لغةٌ شاذّة والقراءة بها بعيدة(٥). وإنَّما هذا فيما يكون مضافاً إليك؛ فأمَّا المضاف إلى مضافٍ إليك فالوجهُ أن تقول: يا غلامَ غلامي، ويا ابنَ أخي. وجوَّزوا: يا ابنَ أمّ، يا ابنَ عمِّ، لِكَثْرتها في الكلام(٦). قال الزَّجَّاج والنخَّاس: ولكن لها وجهٌ حسنٌ جيّد، يجعلُ الابنَ مع الأمِّ ومع العَمِّ اسماً واحداً؛ بمنزلة قولك: يا خمسةً عشرٍ أقبلوا، فَحُذفت الياءُ كما حُذِفت من: يا غلامِ(٧). ﴿إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِ﴾: استذلُّوني وعدُّوني ضعيفاً. ﴿وَكَادُواْ﴾ أي: قاربوا. (١) قرأ بالفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص، وقرأ بالكسر ابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر - وحمزة والكسائي. السبعة ص ٢٩٥ ، والتيسير ص١١٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٥٢/٢، وتفسير الرازي ١٥/ ١٢. (٣) ذكرها الزمخشري في كشافه ١١٩/٢، وأبو حيان في البحر ٣٩٦/٤ دون نسبة. (٤) في (م): أُمَّاء. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥٢/٢، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٩٤/١، ومعاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٣٣ . وقوله: وهي لغة شاذة من كلام النحاس؛ قال: لأن الثاني ليس بمنادى، فلا ينبغي أن تحذف منه الياء. (٦) أمالي ابن الشجري ٢٩٥/٢ . (٧) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٥٢/٢. وينظر أمالي ابن الشجري ٢٩٦/٢. ٣٤٣ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١ يَقْتُلُونَفِ﴾ بنونين؛ لأنه فعلٌ مستقبل. ويجوزُ الإدغام في غير القرآن(١). ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِ الْأَعْدَآءَ﴾ أي: لا تَسُرَّهم. والشّماتةُ: السرور بما يُصيب أخاك من المصائب في الدِّين والدنيا، وهي مُحرَّمةٌ مَنْهِيٍّ عنها. وفي الحديث عن النبيّ ◌َ﴾: ((لا تُظهر الشَّماتةَ بأخيك؛ فيعافيَه اللهُ ويَبتليَك))(٢). وكان رسولُ الله ◌ِ﴾ يتعوَّذُ منها ويقول: ((اللهمَّ إني أعوذُ بك من سوءٍ القضاء، ودَرْكِ الشقاء، وشماتةِ الأعداء)». أخرجه البخاريّ وغيره(٣). وقال الشاعر: كَلَاكِلَهُ أناخَ بآخرینـا إذا ما الذّهرُ جرَّ على أُناسٍ سَيَلقَى الشامتون كما لَقِينَا (٤) فقل للشَّامتين بِنا أَفِيقُوا وقرأ مجاهد ومالك بن دينار: ((تَشْمَتْ))؛ بالنصب في التاء وفتح الميم، ((الأعداءُ)) بالرفع(٥). والمعنى: لا تفعل بي ما تَشْمَتُ من أجله (٦) الأعداءُ، أي: لا يكون ذلك منهم لفعلٍ تفعلُه أنت بي. وعن مجاهد أيضاً: ((تَشْمَتْ)) بالفتح فيهما؛ ((الأعداء)» بالنصب(٧). قال ابن جِنّي: المعنى: فلا تشمت بي أنتَ يا ربّ. وجاز هذا كما قال: ﴿الَهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ونحوه. ثم عاد إلى المراد، فأضمر فعلاً. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٥٢/٢. (٢) أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع بلفظ: ((لا تُظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ویبتلیك)). وقال: حديث حسن غريب. (٣) صحيح البخاري (٦٣٤٧)، وأخرجه أحمد (٧٣٥٥)، ومسلم (٢٧٠٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) نسب هذين البيتين ابن قتيبة في عيون الأخبار ١١٤/٣ للفرزدق ونسبه ابن عبد البر في بهجة المجالس ٢/ ٧٤٧، والأصفهاني في الأغاني ٣٩٦/٢١ للعلاء بن قرظة خالٍ للفرزدق، ونسبه البغدادي في خزانة الأدب ٢٨٧/٥ لذي الإصبع العدواني. وقوله: كلاكله - وفي الخزانة: شراشره، ومعناها: الثِّقَلـ: الكلكل من الفرس: ما بين محزمه إلى ما مسَّ الأرض منه إذا ربض، وقد يستعار لما ليس بجسم، فيجعل للدهر كلكل. اللسان (كلل). (٥) القراءات الشاذة ص٤٦، والمحتسب ٢٥٩/١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٥٢/٢. (٦) في (ز) و(ظ): يشمت مني بأجله، وفي (د): يشمت مني لأجله. (٧) القراءات الشاذة ص٤٦، والمحتسب ٢٥٩/١ . ٣٤٤ سورة الأعراف: الآيات ١٥٠ - ١٥٣ نَصبَ به الأعداء؛ كأنَّه قال: ولا تُشْمِت بي الأعداءَ(١). قال أبو عُبيد: وحُكيت عن حُميد: ((فلا تَشْمِت)) بكسر الميم(٢). قال النحاس(٣): ولا وجه لهذه القراءة؛ لأنَّه إن كان مِنْ شَمِت؛ وجب أن يقول: تَشْمَت. وإن كانَ من أَشْمَتَ؛ وجب أن يقول: تُشْمِت. وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال مجاهد: يعني الذين عبدوا العجل (٤). ◌ِقَالَ رَبٍّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْكُمُ الرَّحِينَ﴾ تقدَّم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِهِمْ وَزِلَّةٌ فِ اَلَوَةِ وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ (١٥٣) الدُّنياً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ ١٥٣) إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ الْمِجْلَ سَيِّنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّيِّهِمْ﴾ الغضبُ من الله: العقوبة. ﴿وَذِلَّةٌ فِ المَوَةِ الدُّنيا﴾ لأنهم أُمِروا بقتلِ بعضهم بعضاً. وقيل: الذِّلَّة: الجِزْية. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الجِزية لم تُؤخَذ منهم، وإنَّما أُخِذت من ذريَّاتهم(٥). ثم قيل: هذا من تمام(٦) كلام موسى عليه السلام؛ أخبر الله عزَّ وجلَّ به عنه، وتمَّ الكلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾(٧). وكان هذا القولُ من موسى عليه السلام قبل أَنْ يتوبَ القومُ بقتلهم أنفسَهم؛ فإنَّهم لمَّا تابوا وعفا اللهُ عنهم بعد أَنْ جرى القَتْلُ العظيم - كما تقدَّم بيانُه في ((البقرة)»(٨) - أخبرهم أنَّ من مات منهم (١) المحتسب ٢٥٩/١، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٥٧ . (٢) القراءات الشاذة ص٤٦. (٣) في إعراب القرآن ٢/ ١٥٢، وعنه نقل المصنف قول أبي عُبيد السالف. (٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٦١ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٨٤/٣ . (٦) قوله: تمام، من (م). (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٥٣/٢. (٨) ٢ /١١٠. ٣٤٥ سورة الأعراف: الآيات ١٥٢ - ١٥٤ قتيلاً فهو شهيد، ومن بَقِيَ حيًّا فهو مغفورٌ له(١). وقيل: كان ثَمَّ طائفةٌ أُشْرِبوا في قلوبهم العجل - أي: حُبَّه - فلم يتوبوا؛ فهم المَعِنِيُّون بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْمِجْلَ﴾. وقيل: أراد مَنْ مات منهم قبل رجوع موسى من المِيقات(٢)، وقيل: أراد أولادَهم، وهو ما جرى على قُريظة والنَّضِير، أي: سينالُ أولادَهم(٣). والله أعلم. ﴿وَكَذَالِكَ نْزِى الْمُغْتَرِينَ﴾ أي: مثلَ ما فعلنا بهؤلاء نفعلُ بالمفترين. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه: ما مِن مُبْتَدِع إلَّا وتجد فوقَ رأسه ذِلَّة، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَلَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَّنَالُمْ غَضَبٌ مِّنْ زَّيِّهِمْ﴾ حتى قال: ﴿وَكَذَلِكَ نِْى الْمُفْتَرِينَ﴾ أي: المبتدِعين (٤). وقيل: إنَّ موسى أُمِرَ بذبح العجل، فجرى منه دَمّ؛ ويَردَه بِالمِبْرد وألقاه مع الدَّم في اليَمِّ، وأمرهم بالشرب من ذلك الماء؛ فمن عَبَدَ ذلك العجلَ وأُشْرِبَه ظهر ذلك على أطراف فَمِه، فبذلك عرفَ عَبَدة العجل. وقد مضى هذا في ((البقرة)(٥). ثم أخبر الله تعالى أنَّ الله يقبل توبةَ التائب من الشرك وغيره. وقد مضى هذا في غير موضع. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيْئَاتِ﴾ أي: الكفر والمعاصي. ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد فعلها. ﴿وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَّمَّا سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَاحِّ وَفِ نُشْخَتِهَا هُدَّى ﴾ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَيْهِمْ يَرْهَبُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ قُوسَى اَلْغَضَبُ﴾ أي: سكن. وكذلك قرأها معاويةٌ (١) عرائس المجالس ص٢١٣ . (٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٦٢ عن ابن جريج. (٣) تفسير البغوي ٢/ ٢٠٢، وزاد المسير ٢٦٦/٣ . (٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٦٦/٣، والرازي في تفسيره ١٣/١٥. (٥) ٢٥٦/٢. ٣٤٦ سورة الأعراف: الآية ١٥٤ ابن قُرَّة: ((سكن)) بالنون(١). وأصل السُّكوت: السكونُ والإمساك، يقال: جرى الوادي ثلاثاً ثم سكن، أي: أمسكَ عن الجري. وقال عكرمة(٢): سكتَ موسى عن الغضب؛ فهو مِنَ المقلوب، كقولك: أدخلتُ الإصبع في الخاتم، وأدخلتُ الخاتم في الإصبع. وأدخلت القَلَنْسُوةَ في رأسي، وأدخلت رأسي في القَلَنْسوة. ﴿أَخَذَ اَلْأَلْوَاحٌ﴾ التي ألقاها. ﴿وَفِ نُتْخَتِهَا هُدَّى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ((هُدّى)) من الضلالة، ((وَرَحْمَةٌ)) أي: من العذاب. والنَّسخُ: نَقْل ما في كتابٍ إلى كتابٍ آخر. ويقال للأصل الذي كتبتَ منه: نُسخة، وللفرع: نسخة. فقيل: لما تكسَّرت الألواحُ؛ صام موسى أربعين يوماً، فرُدَّت عليه وأُعيدَت له تلك الألواحُ في لوحين، ولم يَفِقِدْ منها شيئاً، ذكره ابن عباس (٣). قال القُشيريّ: فعلى هذا ((وفي نُسْخَتها)) أي: وفيما نُسِخ من الألواح المُتكسِّرة، ونُقل إلى الألواح الجدیدة هدی ورحمةٌ. وقال عطاء: وفيما بقي منها(٤). وذلك أنه لم يَبْقَ منها إلا سُبْعُها، وذهب ستّةُ أَسباعها(٥). ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء. وقيل: المعنى: ((وفي نُسْختها)) أي: وفيما نُسخ له منها من اللوح المحفوظ هُدِّى. (١) القراءات الشاذة ص٤٦. (٢) ذكره الرازي في تفسيره ١٤/١٥. وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٧٩/٢ . (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٠٣، والرازي في تفسيره ١٥/١٥. (٤) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٠٣ . (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٦٤/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الطبري ٤٥٦/١٠، وفيه: فَرُفِعَتْ إلا سُدسها. ٣٤٧ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٤ - ١٥٥ وقيل: المعنى: وفيما كُتب له فيها هدى ورحمةٌ، فلا يحتاج إلى أصلٍ يُنقل عنه. وهذا كما يقال: انسخ ما يقول فلان، أي: أَثبته في كتابك. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون. وفي اللام ثلاثةُ أقوال: قولُ الكوفيين هي زائدة. قال الكسائيّ: حدَّثني من سَمِع الفرزدق يقول: نقدتُ لها مئةً درهم، بمعنى نقدتُها. وقيل: هي لامُ أَجْل، المعنى: والذين هم من أجل ربِّهم يرهبون؛ لا رياءً ولا سُمعةً؛ عن الأخفش. وقال محمد بن يزيد: هي متعلقة بمصدر (١)، المعنى: للذين هم رَهْبتُهم لربِّهم. وقيل: لمَّا تقدَّم المفعولُ حَسُن دخولُ اللام، كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلِرُّغْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. فلمَّا تقدَّم المعمولُ - وهو المفعولُ - ضَعُف عملُ الفعل، فصار بمنزلة ما لا يتعذَّى(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًاً لِّمِيقَئِنَّا فَلَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنَنِيِّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَةُ أَنْتَ وَلِيَّنَا فَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾: مفعولان، أحدهما: حُذفت منه مِنْ، وأنشد سيبويه: وبِرَّا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ(٣) مِنَّا الذي اخْتِيرِ الرِّجالَ سماحةً وقال الراعي يمدح رجلاً : اخترتُك الناسَ إذ رَئَّت خَلائِقُهُم واختلَّ مَن كان يُرْجَى عنده السُّولُ (٤). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٥٤، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٥٣٥/٢. ومحمد بن يزيد هو المبرّد. (٢) المحرر الوجيز ٤٥٩/٢، وتفسير الرازي ١٥/١٥. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٥٤/٢، وينظر كتاب سيبويه ٣٩/١، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤١٨/١، وفيه: وخيراً، بدل: وبرًّا. (٤) ديوان الراعي النميري ص ١٩٤، وفيه: واعتلَّ، بدل: واختلَّ. ٣٤٨ سورة الأعراف: الآية ١٥٥ يريد: اخترتُك من الناس. وأصلُ اختار: اخْتَيَر؛ فلما تحرَّكت الياء وقبلها فتحةٌ قلبت ألفاً، نحو: قال وباع. قوله تعالى: ﴿فَلَّا أَخَذَتَهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: ماتوا. والرَّجفة في اللُّغة: الزَّلْزلة الشديدة. ويُروى أنهم زُلزِلوا حتى ماتوا (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّ﴾ أي: أَمَنَّهُم؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنِ آَمْرُوا هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. ((وإيَّايَ)) عطف. والمعنى: لو شئت أمَتَّنا مِنْ قبلٍ أن نخرجَ إلى الميقات بمحضّر بني إسرائيل حتى لا يتَّهموني(٢). أبو بكر بن أبي شيبة (٣): حدّثنا يحيى بن سعيد القَطّان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عُمارة بن عبد، عن عليٍّ﴾ قال: انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما، وانطلق شَبَّر وشَبير - هما ابنا هارون - فانتهَوْا إلى جبلٍ فيه سرير، فنام(٤) عليه هارون فقبض روحه. فرجَع موسى إلى قومه، فقالوا: أنت قتلتَه، حسدتنا على لينه وعلى خُلُقه، أو كلمةً نحوها - الشكُّ من سفيان - فقال: كيف أقتلُه ومعي ابناه! قال: فاختاروا مَنْ شئتم، فاختاروا من كل سِبْطِ عشرةً. قال: فذلك قوله: ﴿وَأَنْثَارَ مُوسَى قَوْمَُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِیقَئِنًا﴾ فانتهوا إليه، فقالوا: من قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني أحد، ولكنَّ الله توقَّاني. قالوا: يا موسى، ما تُعْصَى(٥). فأخذتْهم الرَّجْفُ، فجعلَ يتردد(٦) يميناً وشمالاً، ويقول: ﴿رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنََّّ أَنْذِكُنَا بِمَا فَعَلَ الشُّفَهَاءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾. قال: فدعا اللهَ فأحياهم، وجَعَلهم أنبياءَ كلَّهم(٧). (١) معاني القرآن للنحاس ٨٦/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٥٤/٢ . (٣) في المصنف ٥٢٩/١١ - ٥٣٠، وهو عنده من طريق آخر عن سفيان. وأخرجه الطبري ١٠/ ٤٧٠. (٤) في (خ) و(د) و(ز) و(م): فقام، والمثبت من (ظ) وهو الموافق للمصادر. (٥) عند الطبري: يا موسى لن تُعصى بعد اليوم. (٦) في النسخ: فجعلوا يترددون، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة. وعند الطبري: فجعل موسى يرجع ... (٧) ذكره ابن كثير في التفسير، وقال: هذا أثر غريب جداً. ٣٤٩ سورة الأعراف: الآية ١٥٥ وقيل: أخذتهم الرجفةُ لقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١) [النساء: ١٥٣]؛ لما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقَّ نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّحِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]. على ما تقدَّم بيانُه في ((البقرة))(٢). وقال ابن عباس: إنَّما أخذتهم الرجفةُ لأنَّهم لم ينهَوْا مَنْ عَبَدَ العجل، ولم يرضَوْا عبادته(٣). وقيل: هؤلاء السبعون غيرُ من قالوا أرنا الله جهرة. وقال وهب: ما ماتوا، ولكنْ أخذتهم الرجفةُ من الهَيْبة حتى كادتْ أن تَبِين مفاصلُهم، وخاف موسى عليهم الموت (٤). وقد تقدَّم في ((البقرة)) عن وهب أنهم ماتوا يوماً وليلة(٥). وقيل غيرُ هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة. والله أعلم بصحة ذلك. ومقصود الاستفهام في قوله: «أَتُهْلِگُنا)) الجخد، أي: لست تفعلُ ذلك. وهو كثيرٌ في كلام العرب. وإذا كان نَفْياً كان بمعنی الإیجاب، کما قال: ألستمْ خيرَ مَنْ ركبَ المَطايا وأنْدَى العالمِينَ بُطونَ راح(٦) وقيل: معناهُ الدعاء والطلب؛ أي: لا تهلكنا، وأضاف إلى نفسه. والمراد: القوم الذين ماتوا من الرجفة. وقال المبرِّد: المرادُ بالاستفهام: استفهامُ استعطاف(٧)، كأنَّه يقول: لا تُهلكنا، وقد عَلِم موسى أنَّ الله لا يُهلكُ أحداً بذنبٍ غيرِه؛ ولكنَّه كقول عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكٌ﴾ [المائدة: ١١٨]. وقيل: المُراد بالسفهاء السبعون(٨). والمعنى: أَتُهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء (١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٩/٢ . (٢) ١١٣/٢ وما بعدها. (٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٧٢ . (٤) تفسير البغوي ٢/ ٢٠٣ . (٥) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٢١٤، ولم نقف عليه في ((البقرة)). (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٥٤/٢، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٨٩/١. (٧) في (خ) و(د) و(ز) و(م): استعظام، وفي (ظ): إعظام، والمثبت من الوسيط للواحدي ٤١٥/٢، وتفسير البغوي ٢٠٤/٢، وتفسير الرازي ١٩/١٥ . (٨) المحرر الوجيز ٤٦٠/٢ . ٣٥٠ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٥ - ١٥٦ السفهاء في قولهم: ﴿أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ [النساء: ١٥٣]. ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾ أي: ما هذا إلا اختبارُك وامتحانُك. وأضافَ الفتنةَ إلى الله عزَّ وجلَّ، ولم يُضِفْها إلى نفسه؛ كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فأضافَ المرضَ إلى نفسه، والشفاءَ إلى الله تعالى. وقال يُوشع: ﴿وَمَآ أَسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَنُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وإنَّما استفادَ ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥]. فلما رَجَع إلى قومه، ورأى العجلَ منصوباً للعبادة وله خُوار قال: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْفَتُكَ تُضِلُّ بِهَا﴾ أي: بالفتنة. ﴿مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَةٌ﴾ وهذا رَدّ على القدرية(١). قوله تعالى: ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكٌ قَالَ عَذَابِيٌ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِتَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: وفِّقْنا للأعمال الصالحة التي تكتبُ لنا بها الحسنات. ﴿وَفِ اَلْأَخِرَةِ﴾ أي: جزاءً عليها. ﴿إِنَّ هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنا؛ قاله مجاهد وأبو العالِيَة وقَتادة(٢). والهَوْد: التوبة؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِىَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَأَّةٌ﴾ أي: المستحقِّين له، أي: هذه الرجفةُ والصاعقة عذابٌ مِنِّي أُصيبُ به من أشاء. وقيل: المعنى: ((من أشاء)»، أي: مَن أشاء أَنْ أُضِلَّه. قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ عموم(٤)، أي: لا نهايةً لها؛ أي: مَنْ دخلَ فيها لم تعجِز عنه. وقيل: وَسِعت كلَّ شيءٍ مِنَ الخَلْقِ حتى إنَّ البهيمةَ لها رحمةٌ وعطفٌ على ولدها. (١) حَزّ الغلاصم لشيث بن إبراهيم ٢٦/١. : (٢) معاني القرآن للنحاس ٨٨/٣، وأخرجه الطبري ٤٨١/١٠. (٣) ١٥٨/٢ . (٤) في (ظ): من الخلق، بدل: عموم. ٣٥١ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٦ - ١٥٧ قال بعض المفسرين: طَمِع في هذه الآية كلُّ شيءٍ حتى إبليس، فقال: أنا شيء، فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾. فقالت اليهودُ والنصارى: نحن متَّقون، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِّىَّ﴾ الآية. فخرجت الآيةُ عن العموم، والحمد لله (١). روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كتَبها الله عزَّ وجلَّ لهذه الأُمَّةَ(٢). والحمد لله(٣). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُنِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا ◌ِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِّثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُّد أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) فیه عشر مسائل: الأولى: روى يحيى بن أبي كثير، عن نَوْف البِگالِيّ الحمیريّ: لما اختار موسی قومه سبعين رجلاً لميقات ربِّه قال الله تعالى لموسى: أَنْ أَجعل لكم الأرضَ مسجداً وطهوراً؛ تصلُّون حيث أدركتكم (٤) الصَّلاة إلّا عند مِرحاض أو حمَّام أو قبر، وأجعل السَّكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرؤون التوراةَ عن ظَهْر قلوبكم، يقرأُها الرجلُ منكم والمرأة والحرُّ والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نُريد أن نصلِّيَ إلَّا في الكنائس، ولا نستطيعُ حملَ السَّكينة في قلوبنا، ونُريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيعُ أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ولا نريد أن نقرأَها إلَّا نظراً. فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ اَلْمُفْلِحُونَ﴾. فجعلَها (١) أخرجه الطبري ٤٨٤/١٠ عن ابن جريج. (٢) معاني القرآن للنحاس ٨٨/٣ - ٨٩، وأخرجه الطبري ٤٨٣/١٠ . (٣) قوله: والحمد لله، من (ظ). (٤) في (د) و(ز): أدرككم، وفي (ظ): أدركتم. ٣٥٢ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ لهذه الأُمَّة. فقال موسى: يا ربّ، اجعلني نبيَّهم. فقال: نبيُّهم منهم. قال: ربِّ اجعلني منهم (١). قال: إنَّك لن تُدرِكَهم. فقال موسى: يا ربّ، أتيتُك بوفد بني إسرائيل، فجعلتَ وِفادتنا لغيرنا. فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِاَلْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. فرَضِيَ موسى. قال نَوْف: فاحمدوا اللهَ الذي جعل وِفادةً بني إسرائيلَ لكم(٢). وذكر أبو نُعيم(٣) أيضاً هذه القِصَّة من حديث الأوزاعِيّ قال: حدَّثنا يحيى بن أبي عمرو السَّيْبانيّ قال: حدثني نَوْف البِكاليّ (٤) - إذا افتتح موعظةً - قال: ألا تحمدون ربَّكم الذي حَضَر(٥) غَيْبتَكم، وأخذ(٦) سهمَكم، وجعل وِفادةَ القوم لكم؛ وذلك أنَّ موسى عليه السلام وقَد ببني إسرائيل، فقال الله لهم: إني قد جعلتُ لكم الأرضَ مسجداً؛ حيثما صلَّيتم منها(٧) تُقُبِّلت صلاتُكم إلَّا في ثلاثِ مواطنَ، من صلَّى فيهنَّ لم أَقبلْ صلاته: المقبرة، والحمَّام، والمِرحاض. قالوا: لا، إلَّا في كنيسة. قال: وجعلتُ لكم الترابَ طهوراً إذا لم تجدوا الماء. قالوا: لا، إلَّا بالماء. قال: وجعلتُ لكم حيثُما صلَّى الرجلُ فكان وحده تُقُبِّلتْ صلاتُه. قالوا: لا ، إلَّا في جماعة. الثانية: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُنِىَ﴾ هذه الألفاظُ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهرُ في قوله: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ (١) في (ظ): ربِّ أَخِّرني حتى تجعلني منهم. (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٣٨/٢، والطبري ٤٩٠/١٠ . قال ابن حجر في تقريب التهذيب: کذَّب ابنُ عباس ما رواه نوف عن أهل الكتاب. (٣) في حلية الأولياء ٤٨/٦. والخبر عن نوف، وسلف الكلام عليه. (٤) بعدها في (ز) و(ظ) والحلية: قال: كان عمرو البكالي. ولعل صوابها: أبو عمرو البكالي، فقد قيل في كنية نوف: أبو عمرو. ينظر تهذيب الكمال ٦٥/٣٠ . (٥) في (م): حفظ، والمثبت من النسخ الخطية موافق للحلية. (٦) بعدها في (م): لكم بعد. (٧) في (٥) و(ز) و(م): فيها، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للحلية. ٣٥٣ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ يَتَّقُونَ﴾، وخَلَصت هذه العِدَّة لأُمَّة محمد﴿؛ قاله ابن عباس وابن جُبير وغيرهما (١). وايَتَّبِعُونَ) يعني في شَرْعه ودِینه وما جاء به. والرسولُ والنبيُّ اسمانٍ لمعنيين؛ فإنَّ الرسول أخصُّ من النبيِّ. وقدَّم الرسولَ اهتماماً بمعنى الرسالة، وإلّا فمعنى النبوَّة هو المتقدِّم؛ ولذلك ردَّ رسولُ اللـه لِ ﴾ على البَرَاء حين قال: وبرسولك الذي أرسلتَ. فقال له: ((قل: آمنتُ بنبيِّكَ الذي أرسلتَ)) خرَّجه في الصحيح(٢). وأيضاً فإنَّ في قوله: ((وبرسولك الذي أرسلتَ)) تكريرَ الرسالة، وهو معنّى واحد(٣)، فيكون كالحشو الذي لا فائدةً فيه. بخلاف قوله: (ونبيكَ الذي أرسلتَ)) فإنَّهما لا تكرار فيهما. وعلى هذا فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيِّ رسولاً؛ لأنَّ الرسولَ والنبيَّ قد اشتركا في أمرٍ عامٌّ، وهو النَّبا، وافترقا في أمرٍ خاصٌّ، وهي الرسالة. فإذا قلت: محمدٌ رسولٌ من عند الله تضمَّن ذلك أنَّه نبيٌّ ورسول(٤) وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿الْأُمِّىَّ﴾ هو منسوبٌ إلى الأُمَّةِ الأُمّيَّة، التي هي على أصل ولادتها، لم تتعلَّم الكتابةَ ولا قراءتها؛ قاله ابن عُزيز(٥). وقال ابن عباس ﴾: كان نبيُّكم # أُمّيًّا لا يكتبُ ولا يقرأ ولا يَحسُب(٦)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَعُهُ بِمِنِكٌَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. ورُوي في الصحيح عن ابن عمر، عن النبيِّ # قال: ((إنّا أمَّةٌ أُمَّيَّة لا نَكتب ولا (١) المحرر الوجيز ٢/ ٤٦٢، وأخرجه الطبري ٤٨٣/١٠ و٤٩٠ . (٢) أخرجه أحمد (١٨٥٨٨)، والبخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠). (٣) المحرر الوجيز ٤٦٢/٢ . (٤) بعدها في (ز) و(ظ) و(م): الله. والكلام من المفهم ٧/ ٤٠ . (٥) في نزهة القلوب ص١١٢ . (٦) أورده البغوي في تفسيره ٢/ ٢٠٥ . ٣٥٤ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ نحسُب)). الحديثَ(١). وقيل: نسبَ النبيَّ :﴿ إِلى مكةَ أمِّ القرى، ذكره النحاس (٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ﴾ روى البخارِيّ قال: حدّثنا محمد بن سِنان قال: حدَّثنا فُلَيْح قال: حدّثنا هلالٌ، عن عطاء ابن يسار قال: لَقِيتُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص قلت: أَخْبِرني عن صفة رسول الله ﴾ في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لَموصوفٌ في التوراة ببعض صِفته في القرآن: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرْزاً للأُمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتُكَ المتوكّل، ليس بفَظّ ولا غليظ ولا سَخَّاب(٣) في الأسواق، ولا يدفعُ بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويغفر، ولن يَقِضَه الله تعالى حتى يُقيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ بأنْ يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أَعْيُناً عُمْياً، وآذاناً صُمَّا، وقلوباً غُلْفاً (٤) في غير البخاري: قال عطاء: ثم لَقِيتُ كَعْباً، فسألتُه عن ذلك، فما اختلفا حرفاً، إلَّا أنَّ كعباً قال بِلُغَتِه: قلوباً غُلُوفِيا، وآذناً صُموميا، وأعيناً عُموميا(٥). قال ابن عطية(٦): وأظنُّ هذا وهماً وعُجمةً(٧). وقد رُوي عن كعب أنَّه قالها: قلوباً غُلوفى، وآذاناً صُمومى، وأعيناً عُمومى(٨). قال الطبري: هي لغةً حِمِيَرِية(٩). وزاد كعبٌ في صفةِ النبيِّ﴾ قال: مولدُه بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشام، وأمَّته الحامدون؛ (١) أخرجه أحمد (٥٠١٧)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠): (١٥). (٢) في معاني القرآن ٨٩/٣ . (٣) في (ظ) و(م): صنَّاب، وكلاهما بمعنى. (٤) صحيح البخاري (٢١٢٥). وهو في مسند أحمد (٦٦٢٢). (٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٩٢ . (٦) في المحرر الوجيز ٤٦٣/٢ . (٧) في (خ) و(ظ) و(م): أو عجمة، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للمحرر الوجيز. (٨) هذه رواية الإمام أحمد (٦٦٢٢). (٩) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٢ . ٣٥٥ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ يحمدون الله على كلِّ حال وفي كلِّ منزل، يُوضِّئون أطرافَهم، ويَأْتَزِرون إلى أنصاف ساقهم، رعاةُ الشمس، يصلُّون الصلواتِ حيثما أدركتهم ولو على ظَهر الكُناسة(١)، صفُّهم في القتال مثلُ صفّهم في الصلاة، ثمَّ قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَنَّهُمْ بُلْيَنُ مَرْصُوصٌ﴾ (٢) [الصف: ٤]. الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ قال عطاء: (يَأْمُرُهُم بالمعروف)) بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصِلةِ الأرحام. ((ويَنْهاهُم عن المُنكر)) عبادة الأصنام، وقَطْع الأرحام(٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ﴾ مذهبُ مالك أنَّ الطَّيِّبات هي المُحلَّلات؛ فكأنَّه وصفَها بالطَّيِّب؛ إذْ هي لفظةٌ تتضمَّن مدحاً وتشريفاً. وبحسَبِ هذا يقول في الخبائث: إنَّها المحرَّمات. وكذلك(٤) قال ابن عباس: الخبائث هي لحم الخنزير والرِّبا وغيره(٥). وعلى هذا حلَّل مالكٌ المتقذَّرات، كالحيَّات، والعقارب، والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعي رحمه الله أنَّ الطَّيبات هي من جهة الطّعم، إلا أنَّ اللفظةَ عنده ليست على عمومها؛ لأنَّ عُمومَها بهذا الوجه من الطّعم يقتضي تحليلَ الخمر والخنزير، بل يراها مختصةً فيما حلَّلَه الشّرع. ويرى الخبائثَ لفظاً عاماً في المحرَّمات بالشرع وفي المتقذَّرات؛ فيحرِّم العقاربَ، والخنافس، والوَزَغ، وما جرى هذا المَجرى. والناسُ على هذين القولين(٦)، وقد تقدَّم في ((البقرة)) هذا المعنى(٧). (١) الكُناسة: مُلقَى القُمام. اللسان (كنس). (٢) أخرجه الدارمي (٥) و(٧) و(٨)، وأبو نعيم في الحلية ٣٨٧/٥، والبغوي في تفسيره ٢٠٥/٢، وعندهم: الحمَّادون، بدل: الحامدون. وإسناده ضعيف، وهو موقوف على كعب. (٣) تفسير البغوي ٢٠٥/٢ . (٤) في (د) و(ز) و(م): لذلك. (٥) أخرجه الطبري ٤٩٣/١٠ . (٦) المحرر الوجيز ٢ /٤٦٣ . (٧) ١١/٣. ٣٥٦ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ السابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ الإصْرُ: الفِّقل؛ قاله مجاهد وقتادة وابن جبير. والإصْرُ أيضاً: العَهْد؛ قاله ابن عباس والضحَّاك والحسن. وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين، فإنَّ بني إسرائيل قد كان أُخِذ عليهم عهدٌ أَنْ يقوموا بأعمالٍ ثِقال؛ فَوُضِع عنهم بمحمدٍ﴿ ذلك العهد، وثِقَلُ تلك الأعمال(١)؛ كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسةِ الحائض، ومُؤاكلتها ومضاجعتها؛ فإنَّهم كانوا إذا أصابَ ثوبَ أحدِهم بولٌ قرضَه، ورُوي: جِلْدُ أحدهم (٢). وإذا جمعوا الغنائمَ نزلتْ نارٌ من السماء فأكلتها(٣)، وإذا حاضت المرأةُ لم يقرَبوها(٤)، إلى غير ذلك مما ثبتَ في الحديث الصحيح وغيره. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ﴾ فالأغلال: عبارةٌ مستعارةٌ لتلك الأثقال. ومن الأثقال تركُ الاشتغال يوم السبت، فإنه يُروى أنَّ موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلاً يحمل قَصَباً، فضربَ عنقه(٥). هذا قول جمهور المفسرين. ولم يكن فيهم الدِّيّة، وإنَّما كان القِصاص(٦). وأُمِروا بقتل أنفسهم علامةً لتوبتهم؛ إلى غير ذلك. فَشُبِّه ذلك بالأغلال، كما قال الشاعر: ولكنْ أحاطتْ بالرِّقابِ السلاسلُ فليس كعهدِ الدَّار يا أمَّ مالك سوى العدلِ شيئاً فاستراحَ العواذلُ(٧) وعاد الفتَی کالگھْل ليس بقائلٍ فشبّه حدودّ الإسلام وموانِعَه عن التخلّي إلى المحظورات بالسلاسل المُحيطات (١) المحرر الوجيز ٤٦٣/٢. وأخرج الأقوال السالفة الطبري ٤٩٣/١٠ - ٤٩٤. (٢) أخرجه البخاري (٢٢٦) بالرواية الأولى، ومسلم (٢٧٣): (٧٤) بالرواية الثانية من قول أبي موسى الأشعري ﴾. (٣) أخرجه الترمذي (٣٠٨٥) من حديث أبي هريرة ﴾. وسلف ٦/ ١٣٠. (٤) أخرجه أحمد (١٣٥٧٦)، ومسلم (٣٠٢) من قول أنس بن مالك ﴾. (٥) أخرجه الطبري ٥٢٩/١٠ من قول أبي مالك أو سعيد بن جبير. (٦) المحرر الوجيز ٤٦٤/٢ . (٧) البيتان لأبي خِراش الهذلي. وهما في ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠ . ٣٥٧ سورة الأعراف: الآية ١٥٧ بالرِّقاب. ومن هذا المعنى قولُ أبي أحمد بن جحش(١) لأبي سفيان: طُوِّقِتَها طوق الحمامه إذهب بها إِذهب بها أي: لَزِمَكَ عارُها. يقال: طُوِّقَ فلانٌ كذا إذا لَزِمَهَ (٢). التاسعة: إن قيل: كيف عطفَ الأغلال وهو جمعٌ على الإِصْر وهو مفرد؟ فالجواب أنَّ الإصرَ مصدرٌ يقع على الكَثْرة. وقرأ ابنُ عامر: ((آصارهم)) بالجمع، مثل: أعمالهم. فجمعه لاختلاف ضُروب المآئم. والباقون بالتوحيد (٣)؛ لأنَّه مصدرٌ يقعُ على القليل والكثير من جنسه مع إفرادٍ لفظه. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهكذا كلُّ ما يَرِدُ عليك من هذا المعنى، مثل: ﴿وَعَ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. ﴿لَا يَرْتَدُ إِلَتِهِمْ لَرَفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. و﴿ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيُّ﴾ [الشورى: ٤٥]. كلُّه بمعنى (٤) الجمع (٤). العاشرة: قوله تعالى: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ، وَعَزَّژُوهُ﴾ أي: وقّروه ونصروه. قال الأخفش: وقرأَ الجَحْدَرِيُّ وعيسى: «وَعَزَرُوه))؛ بالتخفيف(٥). وكذا: ((وَعَزَرْتُمُوهُمْ)) [المائدة: ١٢]. يقال: عزَرَه يَعْزِرُهُ ويُعَزِّرُه(٦). و﴿ النُّورَ﴾ القرآن. والفَلَاحُ: الَّفَر بالمطلوب. وقد تقدَّم هذا(٧). (١) الأسدي، وهو أخو أمّ المؤمنين زينب رضي الله عنهما، اسمه: عبد: بغير إضافة، كان ضريراً، شهد بدراً والمشاهد، عدا أبو سفيان على داره لما هاجر إلى المدينة، ولما فتحت مكة قال أبياتاً لأبي سفيان منها البيت الذي ذكره المصنف. السيرة النبوية ٤٩٩/١ - ٥٠٠، والإصابة ٦/١١. (٢) المحرر الوجيز ٤٦٤/٢ . (٣) السبعة ص٢٩٥، والتيسير ص١١٣ . (٤) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٧٩/١ . (٥) القراءات الشاذة ص٤٦، والمحتسب ٢٦١/١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٥٥ - ١٥٦. وعنه نقل المصنف قول الأخفش. (٧) ٢٧٨/١ . ٣٥٨ سورة الأعراف: الآيتان ١٥٨ - ١٥٩ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِ. وَيُمِتٌ فَقَامِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِ النَّبِّ اُلْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَنَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْنَّدُونَ ذكر أنَّ موسى بَشَّر به، وأنَّ عيسى بَشّر به. ثم أمره أن يقول بنفسه: ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. و﴿وَكَلِمَتِهِ﴾ كلماتُ الله تعالى كُتبُه من التوراة والإنجيل والقرآن. ١٥٩ قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ أي: يدعون الناسَ إلى الهداية. و﴿يَعْدِلُونَ﴾ معناه في الحكم. وفي التفسير: إنَّ هؤلاء قومٌ من وراء الصين، من وراء نهر الرَّمل، يعبدون الله بالحقِّ والعدل، آمنوا بمحمدٍ وتركوا السبت، يستقبلون قِبلتَنا، لا يَصِلُ إلينا منهم أحدٌ، ولا منَّا إليهم أحدٌ. فروي أنَّه لمَّا وقع الاختلافُ بعد موسى كانت منهم أُمةٌ يهدون بالحقّ، ولم يَقدِروا أن يكونوا بين ظَهْراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحيةٍ من أرضه(١) في عُزلة من الخَلْق، فصار لهم سَرَبٌ في الأرض، فمشَوْا فيه سنةً ونصفَ سنة حتى خرجوا وراء الصين، فهم على الحقِّ إلى الآن. وبين النَّاس وبينهم بحرٌ لا يُوصلُ إليهم بسببه(٢). ذهب جبريلُ بالنبيِّ # إليهم ليلةَ المعراج فآمنوا به، وعلَّمهم سُوَراً من القرآن، وقال لهم: ((هل لكم مِكيالٌ وميزان؟)) فقالوا: لا، قال: ((فمن أين مَعاشُكم؟» قالوا: نخرج إلى البرِّية فنزرع، فإذا حَصَدنا وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدُنا إليه يأخذ حاجته، قال: ((وأين نساؤكم؟)) قالوا: في ناحية منًّا، فإذا احتاج أحدُنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: «فیکذِبُ أحدکم في حديثه؟» قالوا: لو فعل ذلك أحدُنا أخذته لظَّى، إِنَّ النارَ تنزل فتحرقه. قال: ((فما بالُ بيوتكم مستوية؟» قالوا: لئلا يعلوَ (١) في (د) و(ز): اليمن. (٢) أخرجه الطبري ٥٠١/١٠ - ٥٠٢ بنحوه من قول ابن جريج وابن عباس رضي الله عنهما. وذكر ابن کثیر في تفسيره ٣/ ٤٩٢ أنه خبر عجيب. ٣٥٩ سورة الأعراف: الآيات ١٥٩ - ١٦٢ بعضُنا على بعض. قال: ((فما بالُ قبوركم على أبوابكم؟)) قالوا: لئلا نغفُلَ عن ذِكْر الموت. ثم لمَّا رَجَعَ رسولُ الله # إلى الدنيا ليلةَ الإسراء أُنزل عليه: ﴿وَمِتَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌّ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾(١) [الأعراف: ١٨١]. يعني أمة محمد عليه الصلاة والسلام. يُعلمه أن الذي أعطيتُ موسى في قومه أعطيتُك في أمتك. وقيل: هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب(٢). وقيل: هم قومٌ من بني إسرائيل تمسَّكوا بشرع موسى قبل نَسْخه، ولم يُبدِّلوا، ولم يقتلوا الأنبياء. قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَّ عَثْرَةً أَسْبَالِمًا أُمَمَّا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذٍ أَسْتَسْقَدَهُ قَوْمُهُ: أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً عَيْثَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنْنَ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن ◌َيْبَتِ مَا رَزَقْنَكُمُّ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) وَإِذْ قِيِلَ لَهُمُ أَسْكُنُواْ هَذِهِ اَلْقَرْبَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُرْ وَقُولُواْ حِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيَتَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَّعْنَهُمُ أَقْنَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَا﴾ عدَّدَ نِعَمَه على بني إسرائيل، وجعلَهم أسباطاً ليكون أمرُ كلِّ سِبْطِ معروفاً من جهة رئيسهم، فَيَخِفَّ الأمرُ على موسى. وفي التنزيل: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقد تقدَّم. وقوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةً)) والسِّبْط مذكّر؛ لأن بعده ((أُمَماً))، فذهب التأنيثُ إلى الأُمم. ولو قال: اثني عَشَر، لتذكير السِّبط جاز، عن الفرّاء(٣). وقيل: أراد بالأسباط القبائلَ والفِرَق؛ فلذلك أَنَّث العددَ. قال الشاعر: (١) ذكره أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢٧٠ مطولاً من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) ذكره الرازي في تفسيره ٣١/١٥ . (٣) معاني القرآن ٣٩٧/١. وزاد المسير ٢٧٥/٣ . ٣٦٠ سورة الأعراف: الآيات ١٦٠ - ١٦٢ وأنت بريءٌّ من قبائلها العَشْرِ(١) وإنَّ قريشاً كلَّها عَشْرُ أُبْطٍُ فذهب بالبَطْن إلى القَبِيلة والفَصيلة؛ فلذلك أنَّتها. والبَطن مُذكَّر؛ كما أنَّ الأسباطَ جمع مذكّر(٢). الزجاج (٣): المعنى: قطَّعناهم اثنتي عشرة فرقةً. ﴿أَسْبَاطًا﴾ بدل من ((اثنتي عَشْرَةَ)، ﴿أُمَّمَا﴾ نَعتْ للأسباط. وروى المُفضَّل عن عاصم: ((وقَطَعناهم)) مُخفَّفاً(٤). ((أَسْبَاطا)) الأسباطُ في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيلَ عليهما السلام. والأسباط مأخوذٌ من السَّبَط، وهو شجرٌ تُعلَفُه الإبل(٥). وقد مضى في ((البقرة))(٦) مستوفّی. وروى مَعْمَر، عن همَّام بنِ مُنَّبِّه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴾ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ ((قالوا: حَبَّةٌ في شَعَرة. وقبل لهم: ﴿أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ هَُّدًا﴾ فدخلوا متورِّكين على أستاهِهِم))(٧). ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مرفوع؛ لأنه فعلٌ مستقبل، وموضعُه نصبٌ. و((ما)) بمعنى المصدر، أي: بظلمهم(٨). وقد مَضَى في ((البقرة)) ما في هذه الآيةِ من المعاني (١) قائله النواح الكلابي فيما ذكره العيني في شرح الشواهد الكبرى (على هامش الخزانة) ٤٨٤/٤، وهو في الكتاب ٥٦٥/٣، والكامل ٨٠٢/٢، والخصائص ٤١٧/٢، وصدره عندهم: وإن كلاباً هذه عشر أبطن. (٢) تفسير الطبري ٥٠٣/١٠ . (٣) في معاني القرآن له ٣٨٢/٢ . (٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٥/٢، ونسباها لأبي حيوة، وذكر ابن عطية أن أبان رواها عن عاصم. وقراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة. (٥) معاني القرآن للنحاس ٩٢/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٨٢/٢. (٦) ٤١٧/٢ . (٧) أخرجه أحمد (٨١١٠)، والبخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥)، وسلف ١٢٥/٢ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ١٥٦/٢ .