النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٧ واختُلف في نَسبه، فقال عطاء وابنُ إسحاق وغيرهما: وشعيب: هو ابن ميكيل ابنِ يشجر بن مدين بن إبراهيمَ عليه السلام. وكان اسمه بالسُّريانية: يثرون(١). وأُمُّه ميكائيل بنتُ لوط. وزعم الشَّرْقِيُّ بن قُطامي(٢) أنَّ شعيباً: ابنُ عَيْفًا بنِ يَوْبَبَ(٣) بن مَذْين بن إبراهيم. وزعم ابنُ سمعان(٤) أن شعيباً: ابن جزى بنٍ يشجر(٥) بن لاوِي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وشُعيب تصغير شَعْب أو شِعْب(٦). وقال قتادة: هو شُعيب بنُ يَوْبَبَ. وقيل: شعيب بنُ صيفون(٧) بنِ عيفا بن ثابت بن مَذين بن إبراهيم. والله أعلم. وكان أعمى؛ ولذلك قال قومه: ﴿وَإِنَّا لَثَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ (٨) [هود: ٩١]. وكان يقال له: خطيبُ الأنبياء، لحُسْن مُراجعته قومَه(٩). وكان قومُه أهلَ كفرٍ بالله وبخسٍ للمکیال والمیزان. (١) في النسخ: بيروت، والمثبت من تفسير الطبري ١٢/ ٥٥٤ (تحقيق الشيخ محمود شاكر رحمه الله)، والكامل لابن الأثير ١٥٧/١، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤٢٧/١ (وفي مطبوعه: بثرون) وقال: وفي هذا نظر. (٢) الوليد بن الحصين، والشرقي لقبه، له نحو عشرة أحاديث فيها مناكير، كان عالماً بالنسب وافر الأدب، ضم المنصور إليه المهديَّ ليأخذ من أدبه. ميزان الاعتدال ٢٦٨/٢ . (٣) في (خ): ثوبب، وفي معاني القرآن للنحاس ١٠١/٥ (والكلام منه): نويب، والمثبت من (ز) و(ظ) و(م)، وكذلك قيَّدها السيوطي في الدر المنثور ١٠٢/٣ فقال: يوبب بوزن جعفر، أوله مثنَّاة تحتيّة وبعد الواو موحدتان. (٤) عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي، أبو عبد الرحمن المدني، مولى أم سلمة، كذَّبه مالك، وقال أحمد: متروك. تهذيب التهذيب ٣٣٦/٢ . (٥) في (ز) و(ظ): حره بن يسحر، وفي (خ): جزء بن يسحر، والمثبت من (م) ومعاني القرآن للنحاس. (٦) في تكملة الصحاح وتاج العروس (شعب): قال الصاغاني: شُعيب يمكن أن يكون تصغير شَعْب أو أشعب. (٧) في النسخ: صفوان، والمثبت من تاريخ الطبري ٣٢٥/١، وعرائس المجالس ص ١٦٧ . (٨) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٦٨/٢ من قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (٩) أخرجه الطبري في تاريخه ٣٢٧/١ والحاكم في المستدرك ٥٦٨/٢ مرسلاً. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٤٢٩/١ من حديث ابن عباس، وفيه إسحاق بن بشر، وهو متروك. ٢٨٢ سورة الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٧ ﴿قَدْ جََّتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: بيان، وهو مجيءُ شعيب بالرسالة. ولم يُذكر له معجزةٌ في القرآن (١). وقيل: معجزته - فيما ذكر الكسائيُّ - في قصص الأنبياء. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ البَحْس: النقص. وهو يكون في السِّلعة بالتعييب والتزهيدِ فيها، أو المُخادعةِ عن القيمة، والاحتيالِ في التزيُّد في الكيل والنُّقْصانِ منه(٢). وكلُّ ذلك مِن أكل المالِ بالباطل، وذلك مَنْهيٍّ عنه في الأُمم المتقدِّمة والسالفةِ على ألسنة الرسلِ صلواتُ الله وسلامُه على جميعهم، وحسبنا اللهُ ونعم الوكيل. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ عطف على ((ولا تبخسوا)). وهو لفظً يعمُّ دقيقَ الفساد وجليلَه. قال ابن عباس: كانت الأرضُ قبل أن يبعثَ اللهُ شعيباً رسولاً يُعمل فيها بالمعاصي، وتُسْتَحَلُّ فيها المحارمُ، وتُسفكُ فيها الدماء. قال: فذلك فسادُها. فلمَّا بعث الله شعيباً ودعاهم إلى الله؛ صلَحت الأرض. وكلُّ نبيِّ بُعث إلى قومه فهو (٣) صلاحُهم (٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ نهاهم عن القُعود بالظُّرق والصَّدِّ عن الطريق الذي يؤدِّي إلى طاعة الله، وكانوا يُوعِدون العذابَ مَن آمن. واختلف العلماء في معنى قعودِهم على الطريق(٤) على ثلاثة مَعان: قال ابن عباس وقتادة ومجاهدٌ والسُّدِّي: كانوا يقعدون على الطُّرقات المُفضِية إلى شعيب، فیتوغَّدون من أراد المجيءَ إلیه ويَصُدُّونه ويقولون: إنه كذابٌ فلا تذهب إليه، كما (١) تفسير أبي الليث ٥٥٥/١ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧٨/٢ . (٣) لم نقف عليه، وذكر أبو الليث في تفسيره ٩٦/١ نحوه، وسلف ٣٠٦/١ - ٣٠٧. (٤) في (م): الطرق. ٢٨٣ سورة الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٧ كانت قريشٌ تفعله مع النبيِّ ﴾. وهذا ظاهرُ الآية. وقال أبوهريرة: هذا نهيّ عن قطع الطريق، وأخذِ السَّلَب، وكان ذلك مِن فِعْلهم (١). ورُويَ عن النبيِّ ◌َ ﴾ أنه قال: ((رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي خشبةً على الطريق، لا يمرُّ بها ثوبٌ إلَّا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرقته، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مَثَلٌ لقوم من أمَّتك يقعدون على الطريق، فيقطعونه، ثم تلا: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾)) الآية(٢). وقد مضى القولُ في اللصوص والمحارِبين(٣)، والحمد لله. وقال السُّدِّيُّ أيضاً كانوا عَشَّارين متقبلين(٤). قال علماؤنا(٥): ومِثْلُهم اليومَ هؤلاء المكاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يَلزَمُهم شرعاً من الوظائف الماليَّةِ بالقهر والجَبْر؛ فضمَّنوا ما لا يجوز ضمانُ أصله من الزكوات(٦) والمواريثِ والملاهي، والمترتِّبون في الطرق، إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود، وعُمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم الذنوب وأكبرِها وأَفحشِها؛ فإنه غَصْبٌ وظُلْم وعَسْفٌ على الناس، وإِذَاعَةٌ للمنكر وعملٌ به، ودوامٌ عليه وإقرارٌ له، وأعظمُه تضمينُ الشرع والحُكم للقضاء، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لم يبقَ من الإسلام إلا رَسْمُه، ولا من الدِّين إلا اسمُه. يَعْضُد هذا التأويلَ ما تقدَّم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبَخْس. قوله تعالى: ﴿مَنّ ءَامَنَ بِهِ﴾ الضمير في ((به)) يَحتمل أن يعودَ على اسم اللهِ تعالى، وأن يعودَ على (٧) شعيب في قول مَن رأى القعودَ على الطريق للصدّ، وأن (١) المحرر الوجيز ٤٢٧/٢، والأقوال السالفة أخرجها الطبري ٣١٣/١٠ - ٣١٤. (٢) أخرجه الطبري ٣١٤/١٠ ، من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) ١٤٨/٦. (٤) أخرجه الطبري ٣١٤/١٠، دون قوله: متقبلين. (٥) قوله: قال علماؤنا، ليس في (م). (٦) في (م): الزكاة. (٧) في (م): إلى. ٢٨٤ سورة الأعراف: الآيات ٨٥ - ٨٩ يعودَ على السبيل. ﴿عِوَجًا﴾ قال أبو عُبيدة والزجَّاج: كسرُ العين في المعاني، وفتحُها في الأجرام(١). قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوّا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّكُمْ﴾ أي: كثَّر عددَكم، أو كثَّركم بالغِنى بعد الفقر. أي: كنتم فقراءَ فأغناكم. ﴿فَاصْبِرُوا﴾ ليس هذا أمراً بالمُقام على الكفر، ولكنه وعيدٌ وتهديدٌ(٢). وقال: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ﴾ فذكَّر على المعنى، ولو راعى اللفظَ قال: كانت(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَهُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِ مِلَتِنَاْ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَثِمِينَ (٨) قَدِ أَفْتَزَيْنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَّنْنَا اَللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَاَ أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبَّنَا وَسِعَ رَبَّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكِّنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا (٨٩) بَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْعَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَتُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ تقدَّم معناه(٤). ومعنى ((أو لَتَعُودُنَّ في مَِّّتنا)) أي: لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتنا. وقيل: كان أتباعُ شعيبٍ قبل الإيمانِ به على الكفر، أي: لَتعودُنَّ إلينا كما كنتم من قبل(٥). قال الزجَّاج (٦): يجوز أن يكونَ العَودُ بمعنى الابتداء؛ يقال: عاد إليَّ (٧) من فلان (١) المحرر الوجيز ٤٢٧/٢، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٩/١ - ٢٢٠، ومعاني القرآن للزجاج ٢ /٣٥٤. (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٥٥٥، والمحرر الوجيز ٤٢٧/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣٩/٢. (٤) تقدم معنى الملأ ٢٢٨/٤، ومعنى الاستكبار ٤٤١/١ - ٤٤٢ . (٥) تفسير البغوي ١٨١/٢. (٦) في معاني القرآن ٣٥٥/٢، وينظر زاد المسير ٢٣١/٣. (٧) في معاني القرآن للزجاج وزاد المسير: عليّ. ٢٨٥ سورة الأعراف: الآيتان ٨٨ - ٨٩ مكروه، أي: صار، وإن لم يكن سبقه مكروهٌ قبل ذلك، أي: لَحِقني ذلك منه. فقال لهم شعيب: ((أَوَ لو كُنَّا كارهين)) أي: ولو كنا كارهين تُجبروننا عليه؟! أي: على الخروج من الوطن، أو العَوْدِ في مِلَّتكم. أي: إنْ فعلتم هذا أتيتم عظيماً. ﴿قَدِ أَقْتَيِّنَا عَلَ اَللَّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَنَّنَا اللهُ مِنْهَا﴾ إياسٌ من العَود إلى مِلَّتهم. ﴿وَمَا يَكُونُ لََّ أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَّءَ اللَّهُ رَبَّنَا﴾ قال أبو إسحاق الزجَّاج(١): أي: إلَّا بمشيئة الله عزَّ وجلَّ، قال: وهذا قول أهلِ السُّنَّة أي: وما يقع منَّا العَوْدُ إلى الكفر إلا أنْ يشاءَ اللهُ ذلك. فالاستثناءُ منقطع(٢). وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عزَّ وجلَّ؛ كما قال: ﴿وَمَا تَّوْفِيقِي إِلَّا بَلَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. والدليل على هذا أنَّ بعده ﴿وَسِعَ رَبَّنَا كُلّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكََّا﴾(٣). وقيل: هو كقولك: لا أُكلِّمك حتى يَبْيَضَّ الغراب، وحتى يلجَ الجملُ في سَمِّ الخِيَاط. والغرابُ لا يَبْيَضُّ أبداً، والجمل لا يلجُ في سَمِّ الخِياط(٤). قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ أي: عَلِم ما كان وما يكون. ((عِلْماً)) نصب على التمييز. وقيل: المعنى ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآَ أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾ أي: في القرية بعد أنْ كرهتم مجاورَتنا، بل نخرجُ من قريتكم مُهاجرين إلى غيرها. ((إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ)) رَدَّنا إليها (٥). وفيه بُعد؛ لأنه يقال: عاد للقرية، ولا يقال: عاد في القَرْية. (١) في معاني القرآن ٢/ ٣٥٥، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٣٩/٢. (٢) مشكل إعراب القرآن ٢٩٧/١. (٣) معاني القرآن للنحاس ٥٥/٣ . (٤) قوله: في سمِّ الخياط، من (م). وذكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٨/٢، وقال: هذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أن الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى، فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه. (٥) تفسير الرازي ١٧٨/١٤، ومجمع البيان ١١٨/٩ - ١١٩. ٢٨٦ سورة الأعراف: الآيات ٨٨ - ٩٣ قوله تعالى: ﴿عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّثًا﴾ أي: اعتمدنا. وقد تقدَّم في غير موضع(١). ﴿رَبَّا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْهِنَا بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: بعثه اللهُ إلى أُمَّتَيْن: أهلٍ مدین وأصحابٍ الأَيْكَة(٢). قال ابن عباس: وكان شعيبٌ كثيرَ الصلاة، فلما طال تمادي قومِه(٣) في كُفرهم وغَيِّهم، ويَيْسَ من صلاحهم، دعا عليهم فقال: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوَمِنَا بَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَيْرِينَ﴾. فاستجابَ اللهُ دعاءَه، فأهلكهم بالرَّجْفة(٤). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَِرُونَ فَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ ® الَّذِينَ كَذَّبُواْ مُعَيْبًا كَنْ لَّمْ فَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ يَغْنَوْاْ فِهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِنَ (١) لَقَدْ أَبَغْئُكُمْ رِسَلَتِ رٍَّّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَامَى عَلَى قَوْرِ كَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ.﴾ أي: قالوا لِمَن دونهم: ﴿لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ مُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَِرُونَ﴾ أي: هالكون. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: الزَّلْزلة، وقيل: الصَّيحة. وأصحابُ الْأَنْكَة أُهلِكوا بالظُلَّة، على ما يأتي(٥). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْاْ فِيهَأَ﴾ قال الجُرجانيّ: قيل: هذا كلامٌ مستأنَف؛ أي: الذين كذَّبوا شعيباً صاروا كأنهم لم يزالوا موتى. و((يَغْنَوْا)): يقيموا؛ يقال: غَنِيتُ بالمكان: إذا أقمت به. وغَنِيَ القومُ في دارهم، أي: طال (١) ٢٩٠/٥ - ٢٩٢ . (٢) أخرجه الطبري في تاريخه ٣٢٧/١، وأخرجه في التفسير ٣٢٢/١٠ من قول السدي. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٤٣٨/١: ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أُمَّة أخرى غير أهل مدين فقولُه ضعيف. (٣) في (خ): فلما طال تماديهم. (٤) عرائس المجالس ص١٦٧ - ١٦٨ . (٥) في تفسير الآيات (١٧٦ - ١٨٩) من سورة الشعراء. ٢٨٧ سورة الأعراف: الآيات ٩٠ - ٩٥ مُقَامُهم فيها. والمَغْنَى: المنزل، والجمع المَغَاني(١). قال لَبِيد(٢): لو كان للنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلوُ(٤) وغَنِيتُ سَبْتاً(٣) قبلَ مَجْری دَاحِسٍ وقال حاتمُ طَيِّىء: [كما الدَّهرُ في أيامه العُسرُ واليُسرُ] غَنِينا(٥) زماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنَى وكلَّا سقاناه بكأُسيهما(٦) الدهرُ [كَسَيْنا صُروفَ الدَّهْر لِيناً وغِلْظةً] غِنَانَا ولا أَزْرَى بأحسابنا الفَقْرُ فما زادنا بأواً(٧) على ذي قرابة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَّبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِنَ﴾ ابتداءُ خطاب، وهو مبالغةٌ في الذمِّ والتوبيخ، وإعادةٌ لتعظيم الأمر وتفخيمِه. ولمَّا قالوا: من اتّبع شعيباً خاسر، قال الله: الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول. ﴿فَكَفَ ءَامَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ أي: أحزن. أَسِيتُ على الشيء آسَى أسَى، وأنا آسٍ (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٣٩ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ٩٥ ءَابَّمَنَا الشَّرّاءُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْفَهُمْ بَغْنَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن ◌َّبٍِ﴾ فيه إضمارٌ، وهو: فكذَّب أهلُها إِلَّا (١) تهذيب اللغة ٨/ ٢٠٢، وتفسير البغوي ١٨٢/٢ . (٢) في ديوانه ص٣٥ . (٣) في (ز) و(ظ) و(م): ستًّا، وفي (خ): بيتاً، وهو تحريف، والمثبت من الديوان ومصادر البيت. (٤) قال الطوسي شارح الديوان: غنيتُ: عِشْتُ. سبتاً: دهراً. ويقال: إن السبت ثمانون سنة. داحس: فرس. اللَّجوج: العاصية. (٥) في الديوان المطبوع ص٥١ : عُنينا، وما بين حاصرتين الآتي منه. (٦) في (م): بكأسهما. (٧) في النسخ: بغياً، والمثبت من الديوان، والبأو: الكِبر والفخر. ينظر الخزانة ٢١٣/٤ - ٢١٤. (٨) مجمل اللغة ٩٦/١ . ٢٨٨ سورة الأعراف: الآيات ٩٤ - ٩٦ أخذناهم. ﴿ بَلْبَأْسَلِّ وَالضَّرِّهِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ تقدَّم القولُ فيه(١). ﴿ُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْمَسَنَةَ﴾ أي: أبدلناهم بالجَذْب خِصْباً(٢). ﴿حَّ عَفَوا﴾ أي: كثُرُوا، عن ابن عباس(٣). وقال ابن زيد: كثُرت أموالُهم وأولادهم (٤). وعفا: من الأضداد. عفا: كَثُر. وعفا: دَرَس(٥). أعلم اللهُ تعالى أنَّه أَخذهم بالشِّدَّة والرَّخاءِ فلم يزدجِروا ولم يَشكروا. ﴿وَقَالُواْ قَدْ مَتَ ءَابَنَا الضَّرَّةُ وَاَلسَّرَّةُ﴾ فنحن مثلُهم. ﴿فَأَخَذْنَهُم بَعْنَةً﴾ أي: فجأة؛ ليكون أكثرَ حَسْرةً. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ يقال للمدينة: قرية؛ لاجتماع الناسِ فيها. مِن: قَرَيْتُ الماء: إذا جمعتَه. وقد مضى في ((البقرة)) مستوفّى(٦). ﴿ءَامَنُوا﴾ أي: صدَّقوا. ﴿وَأَثَّقُوا﴾ أي: الشِّرك. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَّهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: المطرَ والنبات(٧). وهذا في أقوامٍ على الخصوص جرى ذِكْرُهم. إذ قد يُمتحن المؤمنون بضيق العيشِ، ويكونُ تكفيراً لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوحٍ إذ قال لقومه: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَلَةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠-١١]. وعن هود: ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَلَّةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. فوعدهم المطرَ والخِصْبَ على التخصيص. يدلُّ عليه: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: كذَّبوا الرُّسُل، والمؤمنون صدَّقوا، ولم يُكذِّبوا. (١) ٣/ ٦٢ - ٦٣ . (٢) تفسير أبي الليث ٥٥٦/١ - ٥٥٧ . (٣) أخرجه الطبري ٣٣٠/١٠. (٤) أخرجه الطبري ٣٣٠/١٠ من قول مجاهد. (٥) الأضداد لابن الأنباري ص٨٦ . (٦) ٢/ ١٢٢. (٧) تفسير أبي الليث ٥٥٧/١، وتفسير البغوي ١٨٣/٢. ٢٨٩ سورة الأعراف: الآيتان ٩٧ - ٩٨ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَّىَ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ " أَوَ أَمِنَ ٩٨ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحِى وَهُمْ يَلْعَبُونَ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الاستفهامُ للإنكار، والفاءُ للعطف (١)، نظيره: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة: ٥٠]. والمراد بالقُرى مكةُ وما حولها؛ لأنهم كذَّبوا محمداً ﴾. وقيل: هو عامٌّ في جميع القُرى. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾ أي: عذابُنا. ﴿بَيَتَّا﴾ أي: ليلاً ﴿وَهُمْ نَآَيَعُونَ﴾(٢). ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾ قَرأَ(٣) الحِرْمِيَّان وابنُ عامر بإسكان الواو للعطف(٤)، على معنى الإباحة؛ مثل: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، جالِس الحسنَ أو ابنَ سِيرين. والمعنى: أو أمنوا هذه الضُّروبَ من العقوبات، أي: إنْ أمنتم ضرباً منها لم تأمَنوا الآخَر. ويجوز أنْ يكونَ ((أو)) لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيداً أو عَمْراً. وقرأ الباقون بفتحها بهمزةٍ بعدَها. جَعَلها واوَ العطف دَخلتْ عليها ألفُ الاستفهام، نظيره ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]. ومعنى ﴿ضُحِى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: وهم فيما لا يُجدي عليهم؛ يقال لكلِّ مَن كان فيما يَضُرُّه ولا يُجدي عليه: لاعب، ذَكّره النحاس(٥). وفي الصحاح: اللَّعِب معروف، واللَّعْب مثلُه، وقد لعِب يلعَب. وتَلَعَّبَ: [لَعِبَ] (١) قال الزمخشري في كشافه ٩٨/٢: فإن قلت: ما المعطوف عليه، ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلتُ: المعطوف عليه قوله: ((فأخذناهم بغتةً))، وقوله: ((ولو أن أهل القُرى)) إلى ((يكسبون)) وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء؛ لأن المعنى: فعلوا وصنعوا، فأخذناهم بغتة، أَبَعْدَ ذلك أَمِنَ أهل القُرى أن يأتيهم بأسُنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحّى؟. (٢) الوسيط ٣٨٩/٢، وتفسير البغوي ١٨٣/٢ . (٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): قرأه. (٤) الجزْميّان: ابن كثير ونافع، وقرأ ورش على أصله بإلقاء حركة الهمزة على الواو. السبعة ص٢٨٦-٢٨٧ ، والتيسير ص١١١، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ٤٦٨/١ - ٤٦٩. (٥) في معاني القرآن ٥٨/٣ . ٢٩٠ سورة الأعراف: الآيات ٩٧ - ١٠١ مرَّةً بعد أخرى. ورجلٌ تِلْعابة: كثير اللَّعِب، والتَّلْعاب - بالفتح - المصدر. وجارية لَعُوبٌ(١). قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَ بَأْمَنُ مَكْرَ أَلَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ اُلْخَسِرُونَ ٩٩ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهُ﴾ أي: عذابَه وجزاءَه على مَكْرهم. وقيل: مَكْرُه: استدراجُه بالنعمة والصّحة(٢). قوله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَهْدِ﴾ أي: يُبَيِّن. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يريد كَفَّارَ مكةً ومَنْ حولهم. ﴿أَصَبْتَهُم﴾ أي: أخذناهم ﴿يُذُنُرُِ﴾ أي: بِكُفرهم وتكذيبهم . ﴿وَنَطْبَعُ﴾ أي: ونحن نَطبع؛ فهو مستأنَف. وقيل: هو معطوفٌ على أصبنا، أي: نُصيبهم ونَطبع؛ فوقع الماضي مَوْقعَ المستقبل(٣). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِاَلْبَهِنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ أي: هذه القُرى التي أهلكناها، وهي قُرى [قوم] نُوح وعادٍ ولُوطِ وهُودٍ(٤) وشُعَيْبِ المُتقدِّمةُ الذِّكر. ﴿نَقُسُّ﴾ أي: نتلو. ﴿عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَيِهَا﴾ (١) الصحاح (لعب)، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) الوسيط ٢/ ٣٩٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٨٤ . (٣) الوسيط ٢/ ٣٩٠، ومعاني القرآن للزجاج ٣٦١/٢. (٤) كذا في النسخ: هود، ولعل الصواب: وثمود. وينظر تفسير البغوي ١٨٤/٢، وتفسير الرازي ١٨٨/١٤، وما بين حاصرتين منهما. ٢٩١ سورة الأعراف: الآيتان ١٠١ - ١٠٢ أي: مِن أخبارها. وهي تسليةٌ للنبيّ عليه الصلاة والسلام والمسلمين. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا﴾ أي: فما كان أولئك الكفارُ لِيؤمنوا بعد هلاكِهم لو أَخييناهم؛ قاله مجاهد. نظيره: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال ابن عباس والرَّبيع: كان في عِلْم اللهِ تعالى يومَ أَخذ عليهم المِيثاقَ أنهم لا يؤمنون بالرُّسُل. ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلٌ﴾ يريدُ يومَ المِيثاق حين أخرجهم من ظَهْرِ آدمَ، فآمنوا كَرْهاً لا طوعاً. قال السُّدِّيّ: آمَنوا يومَ أخذ عليهم الميثاقَ كَرْهاً، فلم يكونوا لِيؤمنوا الآنَ حقيقةً. وقيل: سألوا المعجزات، فلمَّا رَأَوْها ما كانوا لِيؤمنوا بما كذَّبوا به من قبلٍ رؤيةِ المعجزات(١). نظيرُه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(٢) [الأنعام: ١١٠]. ﴿ كَذَلِكَ يَطَبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْكَفِينَ﴾ أي: مثلَ طَبْعِه على قلوب هؤلاء المذكورين، كذلك يطبعُ اللهُ على قلوب الكافرين بمحمد ﴾(٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ : ((مِن)) زائدة، وهي تدلُّ على معنى الجِنس؛ ولولا ((مِن)) لجاز أن يُتوهَّمَ أنه واحدٌ في المعنى(٤). قال ابن عباس: يريد العهدَ المأخوذَ عليهم وقتَ الذَّرِّ. ومَن نقضَ العهدَ قيل له: إنه لا عهدَ له، أي: كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهدُ الذي عُهِدَ إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً(٥). وقيل: أراد أنَّ الكفارَ مُنقسمون، فالأكثرون منهم مَن لا أمانةَ له ولا وفاء، ومنهم مَن له أمانةٌ مع كُفره وإنْ قلُّوا، رُوي (١) في (م): المعجزة. (٢) زاد المسير ٢٣٦/٣، وتفسير الرازي ١٨٨/١٤، وأخرج الأقوال السالفة بنحوها الطبري ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨ . (٣) تفسير البغوي ١٨٤/٢ - ١٨٥ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٦٠/٣ . (٥) أورد هذين القولين ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣٦/٣ . ٢٩٢ سورة الأعراف: الآيتان ١٠٢ - ١١٢ عن أبي عُبيدة(١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بَِايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، فَظَلَمُواْ بَِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. ﴿مُوسَىٌ﴾ أي: موسى بن عمران. ﴿إِثَايَتِنَا﴾ أي: بمعجزاتنا. ﴿فَظَلَمُواْ بِّ﴾ أي: كفروا ولم يصدِّقوا بالآيات(٢). والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه. قوله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: آخِرُ أمرِهم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (﴿ حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ عَلَى اَللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِيَبِّنَةِ مِّن رَّبِّكُمْ فَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ ﴾ قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَةِ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ إِسْرَوِ يلَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌّ ◌ُبِينٌ (١) وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَهُ لِلنَّظِرِينَ قَالَ اَلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِر عَلِيمٌ ﴿١٤ يُرِدُ أَنْ يُخْرِجَكُ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا يَأْتُوُكَ بِكُلِّ سَچٍِ تَأْمُرُونَ (9) قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلٌ فِ الْمَدَآَيِنِ خَشِرِينَ (١) عَلِیمٍ (حَقِيقٌ عَلَيَّ) أي: واجب. ومَن قرأ ((عَلَى أن لا))، فالمعنى: حريصٌ على ألَّا أقول(٣). وفي قراءة عبدِ الله: ((حقِيقٌ أنْ لا أقول)) بإسقاط ((على)) (٤). وقيل: ((على)) بمعنى الباء، أي: حقيقٌ بأنْ لا أقول. وكذا في قراءة أُبَيِّ والأعمش: ((بأنْ لا (١) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٢٣/١: مجازه: وما وجدنا لأكثرهم عهداً، أي: وفاءً ولا حفيظة. و ((مِنْ)) من حروف الزوائد. وينظر معاني القرآن للنحاس ٦٠/٣. (٢) تفسير الطبري ٣٤١/١٠ . (٣) مجاز القرآن ٢٢٤/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٤١/٢. والقراءة الأولى لنافع، والثانية للباقين. السبعة ص٢٨٧ ، والتيسير ص١١١ . (٤) الكشاف ٢/ ١٠٠، والبحر المحيط ٣٥٦/٤. ٢٩٣ سورة الأعراف: الآيات ١٠٤ - ١١٢ أقول))(١). كما تقول: رميتُ بالقوس وعلى القوس. فـ ((حَقِيقٌ)) على هذا بمعنى محقوق(٢). ومعنى ﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىَ إِسْرََّيلَ﴾ أي: خَلُّهم. وكان يستعملُهم في الأعمال الشاقَّة. ﴿فَأَلْقَى عَصَاءُ﴾ يُستعمل في الأجسام والمعاني، وقد تقدَّم(٣). والثعبان: الحيَّة الضَّخم، الذَّكَر، وهو أعظم الحيَّات(٤). ﴿مُّبِينٌ﴾ أي: حَيَّةٌ لا لَيْسَ فيها. ﴿وَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أخرجَها وأَظْهَرها. قيل: من جَيْبه أو من جناحه؛ كما في التنزيل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى ◌َِّكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوٌْ﴾ [النحل: ١٢] أي: من غير بَرَص. وكان موسى أسمرَ شديدَ السُّمرة، ثم أعاد يدَه إلى جَيْبه فعادتْ إلى لونها الأوَّل. قال ابن عباس: كان لِيَدِه نورٌ ساطع يُضيء ما بين السماءِ والأرض(٥). وقيل: كانت تخرج يدُه بيضاءَ كالثلج تَلُوح، فإذا ردَّها عادت إلى مِثْل سائرٍ بَدَنِه(٦). ومعنى ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بالسحر . ﴿مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: من مُلْكِكم معاشِرَ القِبْط، بتقديمه بني إسرائيلَ عليكم (٧). ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: قال فرعون: فماذا تأمرون؟ وقيل: هو من قولِ المَلأ، أي: قالوا لفرعون وحدَه: فماذا تأمرون؟ كما يُخاطَب الجبّارون والرؤساء: ما تَرَوْن في كذا. ويجوز أن يكونَ: قالوا له ولأصحابه(٨). و((ما)) في موضع رفع، على أنَّ ((ذا)) بمعنى الذي. وفي موضع نصب، على أنَّ ((ما)) و(ذا)) شيءٌ واحد(٩). (١) تفسير البغوي ٢/ ١٨٥، ونسب الفراء في معاني القرآن ٣٨٦/١ وابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٥ هذه القراءة لابن مسعود ﴾. (٢) تفسير الرازي ١٤/ ١٩١ - ١٩٢. (٣) ٣٥٦/٥ - ٣٥٧ . (٤) الوسيط ٢/ ٣٩٢. (٥) ذكره الرازي في تفسيره ١٩٦/١٤. (٦) تفسير الطبري ٣٤٦/١٠ - ٣٤٧، والمحرر الوجيز ٤٣٦/٢. (٧) الوسيط ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣. (٨) زاد المسير ٢٣٨/٣، وتفسير الرازي ١٤/ ١٩٧. (٩) مشكل إعراب القرآن ٢٩٨/١ . ٢٩٤ سورة الأعراف: الآيات ١٠٤ - ١١٢ (قالوا أَرْجِهِ)) قرأ أهل المدينة وعاصمٌ والكِسائيُّ بغير همز (١)، إلَّ أنَّ وَرْشاً والكسائيَّ أَشْبعا كسرةَ الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزةٍ ساكنة والهاءُ مضمومةٌ. وهما لغتان؛ يقال: أرجأته وأرجَيْتُه، أي: أخّرته. وكذلك قرأ ابنُ کَثیر وابن مُحَیْصِن وهشام؛ إلَّا أنهم أشبعوا ضَمَّةَ الهاء. وقرأَ سائرُ أهلِ الكوفة: ((أَرْجِهْ)) بإسكان الهاء (٢). قال الفراء(٣): هي لغةٌ للعرب، يَقِفُون على الهاء المكنيّ عنها في الوصل إذا تحرَّك ما قبلَها، وكذا: هذه طلحه قد أقبلت. وأنكر البصريُّون هذا (٤). قال قتادة: معنى ((أرْجِه)): اِخْبِسْهُ. وقال ابن عباس: أَخّره(٥). وقيل: ((أرجِهِ)) مأخوذٌ من رجا يرجو؛ أي: أَظْمِعْه ودَعْه يرجو؛ حكاه النحاسُ(٦) عن محمد بن يزيد؛ وكسرُ الهاء على الإِتباع. ويجوز ضَمُّها على الأصل. وإسكانُها لَحْنٌ لا يجوز إلَّا في شذوذٍ من الشِّعر(٧). ﴿وَأَخَاءُ﴾ عطف على الهاء. ﴿خَشِينَ﴾ نصب على الحال. ﴿يَأْتُكَ﴾ جزم؛ لأنه جوابُ الأمر، ولذلك حُذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً: ((بِكُلِّ سَخَّار)). وقرأ سائرُ الناس: ((ساحر))(٨). وهما متقاربان، إلَّ أنَّ فَعَّالاً أشدُّ مبالغة. (١) كذا نقل المصنف عن النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، والقراءة المشهورة عن عاصم: ((أَرْجِهْ)) بإسكان الهاء، وستأتي. وينظر السبعة ص٢٨٧ ، والتيسير ص١١١ . (٢) قرأ بها عاصم وحمزة من أهل الكوفة، وتقدمت قراءة الكسائي (وهو كوفي أيضاً). (٣) في معاني القرآن ٣٨٨/١. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٦٥/٢، وتفسير الرازي ١٩٨/١٤. (٥) أخرج هذين القولين الطبري ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١. (٦) في إعراب القرآن ١٤٣/٢، والكلام منه إلى آخر تفسير الآية. (٧) لكن قرأ بإسكان الهاء عاصمٌ وحمزة كما سلف. قال السمين في الدر المصون ٤٠٩/٥: في هذه الكلمة (أرجه) ست قراءات في المشهور المتواتر، ولا التفات إلى من أنكر بعضها ولا لمن أنكر على راویھا. (٨) السبعة ص٢٨٩، والتيسير ص١١٢ . ٢٩٥ سورة الأعراف: الآيتان ١١٣ - ١١٤ قوله تعالى: ﴿وَجَآءُ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوَأْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قوله تعالى: ﴿وَجَءُ السَّحَرَةُ فِّعَوْنَ﴾ وحُذف ذِكْرُ الإرسال لِعلم السامع(١). قال ابنُ عبدِ الحكم: كانوا اثني عشَرَ نَقِيباً، مع كلّ نقِيبٍ عشرون عَرِيفاً، تحت يدي كلِّ عريفٍ ألفُ ساحر. وكان رئيسهم شمعون في قول مقاتل بن سليمان(٢). وقال ابن جُريج: كانوا تسع مئة، من العَرِيش والفيُّوم والإسكندرية، أثلاثاً (٣). وقال ابن إِسحاق: كانوا خمسةَ عشَرَ ألف ساحر، وروي عن وهب. وقيل: كانوا اثني عشرَ ألفاً. وقال ابن المنكدر: ثمانين ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقيل: كانوا ثلاث مئة ألفٍ ساحرٍ من الرِّف، وثلاث مئة ألف ساحر من الصَّعيد، وثلاثَ مئة ألف ساحرٍ من الفيّوم وما والاها. وقيل: كانوا سبعين رجلاً. وقيل: ثلاثة وسبعين؛ فالله أعلم (٤). وكان معهم فيما رُوي حِبالٌ وعِصِيٍّ يحملها ثلاث مئة بعير. فالتقمت الحيَّةُ ذلك کلَّه. قال ابن عباس والسُّدِّي: كانت إذا فتحتْ فاها صار شِدْقُها ثمانين ذراعاً؛ واضعةً فكَّها الأسفلَ على الأرض، وفكّها الأعلى على سُور القصر(٥). وقيل: كان سَعةُ فمِها أربعين ذراعاً، فالله أعلم. فقصدَتْ فرعونَ لِتبتلعه، فوثبَ من سريره، فهرب منها واستغاث بموسى، فأخذها، فإذا هي عصاً كما كانت. قال وهب: ماتَ من خوف العَصا خمسةٌ وعشرون ألفاً (٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ١٤٣/٢. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٨٧. (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٠٦/٣ ونسبه لأبي الشيخ. (٤) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٣٥٤/١٠ - ٣٥٥، وعرائس المجالس ص١٨٨، وتفسير البغوي ١٨٧/٢، والمحرر الوجيز ٤٣٨/٢، وزاد المسير ٢٤٠/٣ - ٢٤١ . قال ابن عطية: وهذه الأقوال لیس لها سند یوقف عنده. (٥) أخرجه الطبري ٣٤٤/١٠ بنحوه. (٦) أخرجه الطبري ٣٤٥/١٠. وهذه الأخبار من الإسرائيليات. ٢٩٦ سورة الأعراف: الآيات ١١٣ - ١١٧ ﴿قَالُوا أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً﴾ أي: جائزةً ومالاً. ولم يقل: فقالوا، بالفاء؛ لأنه أراد: لمَّا جاؤوا قالوا(١). وقُرئ: ((إِنَّ لَنا)) على الخبر، وهي قراءة نافع وابنٍ كَثير (٢). أَلزَموا فِرِعونَ أن يجعلَ لهم مالاً إِن غَلَبُوا؛ فقال لهم فرعون: ﴿نَعَمْ وَإِلَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾ أي: لَمِن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إِنهم إِنما قَطَعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إنْ غَلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجرُ إنْ غَلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار؛ استخبَروا فرعون؛ هل يجعل لهم أجراً إن غَلَبوا أو لا؟ فلم يقطعوا على فرعون بذلك، إنما استخبروه هل يفعل ذلك؛ فقال لهم: ((نعم)) لكم الأجرُ والقُرْبُ إِنْ غَلَبتم(٣). قَالَ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ اٌلْمُلْقِينَ أَلْقُواْ فَلَمَّآ أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَهَبُهُمْ وَجَآءُ و بِخْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ تأدَّبوا مع موسى عليه السلام، فكان ذلك سببَ إيمانهم(٤). و((أنْ)) في موضع نصبٍ عند الكِسائيّ والفرَّاء، على معنى: إمَّا أنْ تفعلَ الإلقاء. ومثلُه قولُ الشاعر: قالوا الرُّكوبَ فقلنا تلك عادتُنا(٥) ﴿قَالَ أَلْقُواْ﴾ قال الفراء: في الكلام حذف. والمعنى: قال لهم موسى: إنكم لن تَغْلِبوا ريَّكم ولن تُبطِلوا آياتِه. وهذا مِن مُعجِز القرآنِ الذي لا يأتي مثلُه في كلام (١) مجمع البيان ١٤٤/٣ . (٢) وقرأ بها عاصم من رواية حفص. وقرأ الباقون من السبعة بالاستفهام على جهة الاستخبار - كما سيذكر المصنف - کل على مذهبه؛ فقرأ ابن عامر وعاصم في رواية شعبة وحمزة والكسائي بهمزتین محقّقتین، غير أن هشاماً (راوي ابن عامر) أدخل بينهما ألفاً، وقرأ أبو عمرو بهمزتين الأولى محقّقة والثانية مُسهَّلة وأدخل بينهما ألفاً. السبعة ص٢٨٩، والتيسير ص١١٢ . (٣) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣ . (٤) تفسير الرازي ١٤/ ٢٠٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤٣/٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٩٨/١، وينظر معاني القرآن للغراء ٣٨٩/١. والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١١٣، وعجزه: أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُل. ٢٩٧ سورة الأعراف: الآيات ١١٥ - ١١٧ الناس، ولا يقدرون عليه؛ يأتي اللفظُ اليسير بجمع المعاني الكثيرة(١). وقيل: هو تهديد(٢). أي: ابتدِئوا بالإلقاء، فَسترَون ما يَخُلُّ بكم من الافتضاح، إذْ لا يجوز على موسى أنْ يأمرَهم بالسِّحر. وقيل: أمرهم بذلك ليبيِّنَ كَذِبَھم وتمویھھم. ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ﴾ أي: الحِبالَ والعِصِيّ. ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: خَيَّلوا لهم، . وقَلَبوها عن صِحَّة إدراكها، بما يُتخيَّلُ من التَّمويه الذي جرى مَجرى الشَّعوذةِ وخِفَّةٍ اليد، كما تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه(٣). ومعنى ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: عندهم؛ لأنه كان(٤) كثيراً، وليس بعظيم على الحقيقة(٥). قال ابن زيد: كان الاجتماعُ بالإسكندرية، فبلغ ذَنَبُ الحيَّة وراءَ الْبُحيرة(٦). وقال غيره: وفتحتْ فاها، فجعلت تَلقف ـ أي: تلتقم - ما أَلقَوْا مِن حِبالهم وعِصِيِّهم. وقيل: كان ما ألقَوا حبالاً من أَدَم، فيها زئبق، فتحركت وقالوا: هذه حَيَّات(٧). وقرأ حَفْص: (تَلْقَفُ)) بإسكان اللام والتخفيف(٨)؛ جعله مستقبلَ لَقِفِ يَلْقَف - قال النحاس(٩): ويجوز على هذه القراءة ((تِلْقَف))؛ لأنه من لَقِف (١٠) - وقرأ الباقون بالتَّشديد وفتحِ اللام؛ جعلوه مستقبَلَ تَلقَّفُ، فهي تَتَلَقَّف (١١). يقال: لَقِفت الشيءَ (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٤٤. (٢) مجمع البيان ١٤٤/٩ . (٣) ٢٧٢/٢ وما بعدها. وينظر الوسيط ٢/ ٣٩٤. (٤) في (ظ): لأنهم كانوا. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٢. (٦) تفسير البغوي ١٨٧/٢، والمحرر الوجيز ٤٣٩/٢. قال ابن عطية: وهذا قول بعيد من الصواب مفرط الإغراق، لا ينبغي أن يُلتفت إليه.اهـ. والبحيرة: كورة من نواحي الإسكندرية بمصر، تشتمل على قرى كثيرة. معجم البلدان ١/ ٣٥١ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٢، وتفسير الرازي ٢٠٣/١٤ . (٨) السبعة ص ٢٩٠، والتيسير ص١١٢ . (٩) في إعراب القرآن ٢/ ١٤٤ . (١٠) يعني كسر أوائل الأفعال المضارعة إذا كان عين الماضي مكسوراً، قال سيبويه في كتابه ١١٠/٤ : وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز، وذلك قولهم: أنت يَعْلم، وأنا إعلم ... (١١) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٧٣/١. ٢٩٨ سورة الأعراف: الآيات ١١٥ - ١٢٦ وتلقَّفته: إذا أخذتَه أو بَلِعتَه(١). تَلْقَف وتَلْقَم وتَلْهَم بمعنّى واحد. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات: ((تَلَقَّم)) بالميم والتشديد(٢). قال الشاعر : تَلْقَمُ ما يأْفِكُه السَّاحرُ(٣) أنت عصا موسى التي لم تزل ويُروى: تَلْقَف. ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما يكذبون؛ لأنهم جاؤوا بحبال، وجعلوا فيها زِئْبَقاً حتى تحرَّکتْ. ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَبُواْ صَغِرِينَ قوله تعالى: ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأُلْقِىَ اَلسَّخَرَةُ سَجِدِينَ (١٠) قَالْوَاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (١٧) رَبِّ مُوسَى وَهَدُرُونَ قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ قال مجاهد: أي: فظهرَ الحقُّ(٤). ﴿وَأَنْقَلَبُواْ صَغِينَ﴾ نصب على الحال. والفعلُ منه صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَراً وصُغْراً وصَغَاراً (٥). أي: انقلبَ قومُ فرعونَ - وفرعونُ معهم - أَذِلَّاءَ مَقْهُورين مَغْلوبين. فأما السَّحَرةُ فقد آمنوا. قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُّنْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ ثُّ الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَمِينَ (١) قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٢٥) وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَمَنَا بِثَايَتِ رَيِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرً وَتَوَنَّنَا مُسْلِمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنُم ◌ِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إنكارٌ منه عليهم. ﴿إِنَّ هَذَا (١) مجمل اللغة ٣/ ٨١٢ . (٢) معاني القرآن للنحاس ٦٣/٣ . (٣) النكت والعيون ٢٤٦/٢، وأورده الزجاج في معاني القرآن ٣٦٦/٢، وفيه: تلقف بدل: تلقم. وذكرها المصنف بعده. (٤) أخرجه الطبري ٣٦٠/١٠ - ٣٦١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٢. وصغر، من باب كرم وفرح. تاج العروس (صغر). ٢٩٩ سورة الأعراف: الآيات ١٢٣ - ١٢٨ لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَاَ أَهْلَهًا﴾ أي: جرتْ بينكم وبينه مُواطأةٌ في هذا لِتستولوا على مصر؛ أي: كان هذا منكم في مدينة مصرَ قبلَ أن تبرُزوا إلى هذه الصحراء(١). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لهم. قال ابن عباس: كان فرعونُ أوَّلَ مَنْ صَلَب، وقَطَع الأيديَ والأَرْجُل من خِلاف(٢). الرَّجلُ اليُمْنَى واليدُ اليسرى، واليدُ اليمنى والرِّجل اليسرى؛ عن الحسن(٣). ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلََّ أَنْ ءَامَنَا بِثَايَتِ رَيِّنَا﴾ قرأ الحسنُ بفتح القاف. قال الأخفش(٤): هي لغة. يقال: نَقَمتُ الأمرَ ونَقِمته: أنكرته(٥). أي: لستَ تكره منَّا سوى أنَّا(٦) آمنًّا بالله، وهو الحقّ. ﴿لَنَّا جَتْنَأَ﴾ آياتُه وبيِّنَاتُه. ﴿رَبَّنَآَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإِفراغ: الصَّبّ، أي: أُصْبُبْه علينا عند القَطْع والصَّلْب. ﴿وَتَوَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ فقيل: إنَّ فرعون أخذ السَّحَرةَ وقَطَّعهم على شاطئ النهر (٧)، وإنه آمنَ بموسى عند إيمان السحرةِ ستُّ مئة ألف(٨). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَلَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْنَهُمْ وَنَسْتَسِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَّهِرُونَ (١٨) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ ١٢٨ ﴾ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: (١) الوسيط ٣٩٦/٢، والكشاف ١٠٤/٢ . (٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٦٣ . (٣) مجمع البيان ١٤٩/٩ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٥٣٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٤٤/٢. وقراءة الحسن ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٥، ونسبها ليحيى وإبراهيم وأبي حيوة. (٥) مجمل اللغة ٤ / ٨٨٠ . (٦) في (م): أن. (٧) تفسير البغوي ١٨٨/٢ . (٨) المحرر الوجيز ٤٤١/٢ . ٣٠٠ سورة الأعراف: الآيتان ١٢٧ - ١٢٨ بإيقاع الفُرقةِ وتَشتيتِ الشَّمل. ﴿وَذَرَكَ﴾ بنصبِ الراء، جوابُ الاستفهام، والواو نائبةٌ عن الفاء(١). ﴿وَءَالِهَتَّكَ﴾ قال الحسن: كان فرعونُ يعبدُ الأصنام(٢)، فكان يَعْبُد ويُعْبَد. قال سليمانُ الثَّيميّ: بلغني أنَّ فرعونَ كان يعبدُ البقرَ. قال التيميّ: فقلت للحسن: هل كان فرعون يعبد شيئاً؟ قال: نعم، إنْ كان لَيعبد شيئاً قد(٣) جَعَلَه في عُنُقه (٤). وقيل: معنى ((وآلهتك)) أي: وطاعتَك؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوّا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]: إنهم ما عبدوهم ولكن أَطاعوهم؛ فصار تمثيلاً(٥). وقرأ نُعيم بنُ مَيْسرة(٦): ((وَيَذَرُكَ)) بالرفع على تقدير: وهو يَذَرُكَ. وقرأ الأَشْهَبُ العُقَيليّ: ((ويَذَرْك)) مجزوماً مخفَّف: ((يذَرُك))؛ لِثِقَل الضمَّة. وقرأ أنس بن مالك: ((ونَذْرُكُ)) بالرفع والنون(٧). أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادَتَه إنْ تَركَ موسى حيًّا. وقرأ عليّ بن أبي طالب وابنُ عباس والضحَّاك: ((وإلَّاهتَك)). ومعناه: وعبادتَك(٨). وعلى هذه القراءةِ كان يُعْبَد ولا يَعْبُد، أي: ويتركُ عبادتَه لك. قال أبو بكرِ الأنباريّ: فمِن مَذْهب أصحابٍ هذه القراءة أنَّ فرعونَ لمَّا قال: ﴿أَنّا رَّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، (١) الوسيط ٣٩٦/٢. (٢) ذكره الرازي في تفسيره ٢١١/١٤، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٦٧/١٠. (٣) في (م): إنه كان يعبد شيئاً كان قد .. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٣٨/٥ (٨٨٢٣). (٥) معاني القرآن للنحاس ٦٥/٣ . (٦) أبو عمرو الكوفي النحوي نزل الري، ويُروى عنه حروف شواذ من اختياره، توفي سنة (١٧٤ هـ). غاية النهاية ٢/ ٣٤٢. (٧) المحرر الوجيز ٢/ ٤٤١، وينظر القراءات الشاذة ص٤٥، والمحتسب ٢٥٦/١ - ٢٥٧. (٨) القراءات الشاذة ص ٤٥، والمحتسب ٢٥٦/١ .