النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الأعراف: الآيات ٦٠ - ٦٤ والضَّلَالُ والضَّلَالَةُ: العُدول عن طريق الحقّ والذهاب عنه، أي: إنَّا لَنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحقّ. ﴿أَبَلِّمُكُمْ﴾ بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ(١). وقيل: هما بمعنَى واحد لغتان؛ مثلُ كرَّمه وأكرمه. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النُّصحِ: إخلاصُ النية من شَوَائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغِشِ. يقال: نصحتُه، ونصحتُ له، نَصيحةً ونَصاحة ونُصْحاً، وهو باللام أفصح؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَصَحُ لَكُمْ﴾. والاسم: النصيحة. والنَّصِيحِ: الناصِحُ، وقوم نُصحاء. ورجل ناصح الجَيْب، أي: نقيُّ القلب. قال الأصمعيُّ: الناصح: الخالصُ من العسل وغيرِهِ، مثلُ الناصع. وكلُّ شيءٍ خَلَص فقد نَصَح. وانتَصَح فلان، أي: قَبِل النصيحة(٢). يقال: انْتَصِخْني إنني لك ناصح. والناصح: الخياط. والنِّصاح: السلك يُخاط به. والنّصاحات أيضاً: الجلود. قال الأعشى (٣): مِثْلَ ما مُدَّتْ نِصاحاتُ الرُّبَخْ فِتَرَى الشَّرْبَ(٤) نَشَاوَى كُلَّهُمْ الرُّبَحُ لغةٌ في الرُّبَع؛ وهو الفَصِيل. والرُّبَح أيضاً طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنّی في براءة [الآية: ٩٢] إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِبُنذِرَكُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْقُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ وَلِنَنَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ (بَ) ٦٤ كَذَّبُواْ بِثَايَتَِاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ قوله تعالى: ﴿أَوَ عَبْتُمْ﴾ فُتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليه ألف (١) قرأ أبو عمرو: (أُبْلِغُكم)) بالتخفيف، وقرأ باقي السبعة بالتشديد. السبعة ص٢٨٤ ، والتيسير ص١١١ . (٢) في النسخ: وانتصح فلان أقبل على النصيحة. والمثبت من الصحاح (نصح) والكلام منه. (٣) ديوانه ص٤١ . (٤) في الصحاح (نصح)، وتهذيب اللغة ٢٤٩/٤: القوم. والشَّرْبُ: القوم يشربون. القاموس (شرب). ٢٦٢ سورة الأعراف: الآيات ٦٤ - ٦٩ الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام، إلا الألف لقوَّتها(١). ﴿أَنْ جَ كُمْ ذِكْرٌ﴾ أي: وَعْظٌ من ربكم. ﴿عَ رَجُلٍ مِّنْكُرْ﴾ أي: على لسان رجل. وقيل: ((على)) بمعنى ((مَعَ))، أي: مع رجل. وقيل: المعنى: أن جاءكم ذكرٌ من ربكم، مُنَزَّلٌ على رجل منكم، أي: تعرفون نسبه، أو (٢): على رجل من جنسكم. ولو كان مَلَكاً؛ فربما كان في اختلاف الجنس تنافرُ الطبع. و((الفُلْك)) يكون واحداً، ويكون جمعاً. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣). و﴿عَمِينَ﴾ أي: عن الحقّ؛ قاله قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته؛ يقال: رجلٌ عَم بكذا، أي: جاهل (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَنَاهُ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَتَّقُونَ (٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ* إِنَا لَرَنِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَغْقُّكَ مِنَ الْكَذِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ اَلْعَلَمِينَ (٤٧ أُبَلِّفُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُمْ نَمِعُ أَمِينُ ﴿ أَوَ عِبْتُمْ أَنْ جَّكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِسُنْذِرَكُمُّ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدٍ قَّوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَضْطَةٌ فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اَللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (9َ)﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَنَاهُ هُودًا﴾ أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. قال ابن عباس: أي: ابن أبيهم(٥). وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي: بَشَراً من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هوداً؛ أي: صاحبهم(٦). وعاد من ولد سام بن نوح؛ قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عَوْص بن إرم بن (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٢ - ١٣٦. (٢) في (م): أي. (٣) ٢ / ٢٩٤ عند تفسير الآية ١٦٤ منها. (٤) تفسير الواحدي ٣٨٠/٢ - ٣٨١. (٥) ذكره الواحدي في تفسيره ٣٨١/٢ دون نسبة. (٦) لم نقف عليه. ٢٦٣ سورة الأعراف: الآيات ٦٥ - ٦٩ شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام(١). وهود: هو هود بن عبد الله بن رباح بن الخُلُوه(٢) بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح؛ بعثه الله إلى عاد نبيًّا، وكان من أوسطهم نَسَباً، وأفضلهم حَسَباً (٣). و((عاد)) مَن لم يصرفْه جعله اسماً للقبيلة، ومَن صرفه جعله اسماً للحيِّ. قال أبو حاتم: وفي حرف أبيٍّ وابن مسعود: ((عاد الأولى)) بغير ألف (٤). و ((هود)» أعجمي، وانصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف، وقد يجوز أن يكون عربياً مشتقًّا من هاد يهود، وانتصب(٥) على البدل. وكان بين هود ونوح - فيما ذكر المفسرون - سبعة آباء. وكانت عادٌّ فيما رُويّ ثلاثَ عشرةَ قبيلة، ينزلون الرمال؛ رملَ عالج (٦)، وكانوا أهلَ بساتينَ وزروع وعِمارة، وكانت بلادهم أخصبَ البلاد، فسخط الله عليهم؛ فجعلها مفاوز، وكانت ۔ فيما رُويَ - بنواحي حضرموت إلی الیمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هودٌ حين أُهلك قومُه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا(٧). ﴿إِنَّا لَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ﴾ أي: في حُمق وخِفَّة عقل. قال: مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهتْ أعالِيَها مَرُّ الرياحِ النَّوَاسِمِ(٨) (١) أخرجه الطبري ٢٦٨/١٠، وليس فيه: ابن شالخ بن أرفخشد. ولم ترد كذلك في المحبَّر ص٣٨٤. والمنتظم ٢٥٢/١، وعرائس المجالس ص٦٢ . (٢) في (خ) و(د) و(م): الجلود. وفي (ز): الحلود. والمثبت من (ظ). وهو الموافق لتاريخ الطبري ٢١٦/١، وعرائس المجالس ص٦٣ ، والمنتظم ٢٥٢/١ وقال: بضم الخاء واللام، كذلك رأيته ... ويقال: بالجيم المكسورة واللام المفتوحة. (٣) عرائس المجالس ص ٦٣ . (٤) ذكرها الرازي في تفسيره ٢٣/٢٩ دون نسبة، وهي من الآية (٥٠) في سورة النجم. (٥) في (م): والنصب. (٦) في مجمع البيان ٣/ ٩٦: الأحقاف، وهي رمال يقال لها: رمل عالج. (٧) تفسير الطبري ٢٦٨/١٠، والمحرر الوجيز ٤١٨/٢، ومجمع البيان ٩٦/٣ . (٨) قائله ذو الرمة. وتقدم ٣١١/١ . ٢٦٤ سورة الأعراف: الآيات ٦٥ - ٦٩ وقد تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة)) [الآية: ١٣]. والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. وقيل: يجوز أن يراد بها الرأيُ؛ الذي هو أغلبُ الظَّنِّ. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ((خلفاء)) جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ(١)؛ مَنَّ عليهم بأن جعلهم سُكَّان الأرض بعد قوم نوح(٢). ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَشْطَةً﴾ ويجوز ((بصطة)) بالصاد؛ لأنَّ بعدها طاء(٣)، أي: طولاً في الخلق وعِظم الجسم. قال ابن عباس: كان أطولُهم مئةَ ذراع، وأقصرُهم ستِّين ذراعاً(٤). وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأسُ أحدِهم مثلَ قبَّة عظيمة، وكان عينُ الرجل يفرخ فيها السِّبَاعِ، وكذلك مناخرهم(٥). ورَوَى شَهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: إنْ كان الرجلُ من قوم عادٍ ليتخذ(٦) المصراعين من حجارة، لو اجتمع عليها خمس مئة (٧) من هذه الأمّة لم يطيقوه، وإنْ كان أحدُهم ليغمِزُ بقدمه(٨) الأرضَ فتدخل فيها(٩). فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَم الله، واحدها: إِلَّى وإِليَّ وإلْوٌ وأَلَى؛ كالآناء؛ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٦/٢. (٢) أخرجه الطبري ٢٦٦/١٠ عن السدي وابن إسحاق. وينظر المحرر الوجيز ٤١٧/٢ . (٣) قرأ قنبل وحفص وهشام وأبو عمرو وحمزة بخلاف عن خلاد بالسين، وباقي السبعة بالصاد، وهو الوجه الثاني لخلَّاد. السبعة ص ١٨٥ - ١٨٦، والتيسير ص٨١ . (٤) ذكره أبو الليث في تفسيره ١/ ٥٥٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٢٢/٣ . (٥) تفسير البغوي ٢/ ١٧٠، وهذه الأخبار من الإسرائيليات. (٦) في (م): يتخذ. والمثبت من النسخ الخطية موافق لتفسير الطبري ١٣٧/٢٢. (٧) في (د) و(ز) و(م): خمس مئة رجل. والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لتفسير الطبري. (٨) في (د) و(ز) و(م): برجله. والمثبت من (خ) و(ظ). (٩) أخرجه الطبري ١٣٧/٢٢ - ١٣٨. وأورده السيوطي في الدر المنثور ١٣٦/٦ وزاد نسبته لعبد بن حميد. وشهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام؛ كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب. ٢٦٥ سورة الأعراف: الآيات ٦٥ - ٧٣ واحدها: إِنّى وإِنْيٌّ وإِنْوٌ وَأَنَّى. ﴿لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ تقدَّم(١). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَعْبُدَ اَللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنّاً فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُّنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ (٢٥ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَلْوِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا فَأَنْجَنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ مِن سُلْطَانٍ فَتَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ ◌َ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَّا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ VY طلبوا العذاب الذي خوَّفهم به وحذَّرهم منه، فقال لهم: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى وقع، أي: وجب. يقال: وَقَع القولُ والحُكْم، أي: وجب، ومثله: ﴿وَلَنَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي: نزل بهم. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَمُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٢]. والرِّجْسُ: العذابُ. وقيل: عُني بالرجس الرَّيْنُ على القلب بزيادة الكفر .﴿أَنْجَدِلُونَنِ فِ أَسْمَآءِ سَنَّهُمُومآ﴾ يعني الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: من حُجَّة لكم في عبادتها، فالاسم هنا بمعنى المسمَّى، نظيره: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَنَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤]. وهذه الأسماء مثل العُزّى من العِزِّ والأعزّ، واللَّات، وليس لها من العزِّ والإلهية شيء. ﴿ِدَابِرَ﴾: آخِر، وقد تقدَّم(٢)، أي: لم يبقَ لهم بقية. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌ قَدْ جَدُنْكُمْ بَيِّنَّةٌ مِّن رَّبِّكُمَّ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّدٍ فَيَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ أَلِيُ وهو ثمود بن عاد(٣) بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جَدِيس، وكانوا في سَعَةٍ (١) ٢٧٧/١ . (٢) ٦/ ٤٢٧ . (٣) كذا في الأصول الخطية و(م) والعرائس ص٦٨، وعنه نقل المصنف. وفي تاريخ الطبري ٢٢٦/١، وفي تفسيره ٢٨٢/١٠، والمحبّر لابن حبيب ص٣٨٤، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٤٦٢ : جاثر. وفي الكشاف ٨٩/٢، وتفسير البغوي ١٧٣/٢: عابر. وفي المحرر الوجيز ٤٢٠/٢: غائن. ٢٦٦ سورة الأعراف: الآية ٧٣ من معايشهم، فخالفوا أمرَ الله، وعبدوا غيرَه، وأفسدوا في الأرض، فبعث الله إليهم صالحاً نبيًّ؛ وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح(١) بن عبيد بن حاذر(٢) بن ثمود، وكانوا قوماً عُرْباً، وكان صالحٌ من أوسطهم نَسَباً، وأفضلهم حَسَباً، فدعاهم إلى الله تعالى حتى شَمِط(٣)، ولا يتبعه منهم إلا قليلٌ مستضعَفون(٤). ولم ينصرف ((ثمود)) لأنه جُعل اسماً للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه أعجمي(٥). قال النحاس(٦): وهذا غلط؛ لأنه مشتق من الثَّمَد، وهو الماء القليل. وقد قرأ القراء: ﴿أَلَّا إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾(٧) [هود: ٦٨] على أنه اسم للحيِّ. وكانت مساكنُ ثمود الحِجرَ بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وهم من ولد سام بن نوح. وسُمِّيت ثمودَ لقلة مائها(٨). وسيأتي بيانه في ((الحجر))(٩) إن شاء الله تعالى. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ أَخرج لهم الناقةَ حين سألوه من حَجَر صَلْد، فكان لها يومٌ تشرب فيه ماءَ الوادي كلَّه، وتسقيهم مثلَه لَبَناً؛ لم يُشْرَب قظُ الذُّ وأحلَى منه، وكان بقدر حاجتهم على كثرتهم؛ قال الله تعالى: ﴿َا شِرْبٌ وَلَكُرْ شِرْبُ يَوْمٍ (١) في (خ) و(ز): ما اسخ. وفي تاريخ الطبري ٢٢٦/١: ماسخ. وفي (م): كاشح. وسقطت من (د). والمثبت من (ظ) وهو الموافق للعرائس ص٦٨، وتفسير البغوي ٢/ ١٧٣ . (٢) في (خ) و(ز) و(ظ): حادر. وفي تاريخ الطبري ٢٢٦/١، وتفسير البغوي ١٧٣/٢: خادر. والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق للعرائس ص٦٨ . (٣) الشَّمَط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. مختار الصحاح (شمط). (٤) عرائس المجالس ص٦٨ . وينظر تفسير الطبري ٢٨٦/١٠ . (٥) في (د) و(م): اسم أعجمي. (٦) في إعراب القرآن، وما قبله منه. (٧) قرأ حفص وحمزة: ((ثمود)) بغير تنوين، والباقون بالتنوين. السبعة ص٣٣٧، والتيسير ص ١٢٥ . (٨) نسب هذا القول البغوي ١٧٤/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٢٣/٣، والثعلبي في العرائس ص٦٨ لأبي عمرو بن العلاء. (٩) عند تفسير الآية (٨٠) منها. ٢٦٧ سورة الأعراف: الآيتان ٧٣ - ٧٤ ـلُو [الشعراء: ١٥٥]. قَـ وأُضيفت الناقةُ إلى الله عزَّ وجلَّ على جهة إضافةِ الخلق إلى الخالق، وفيه معنى التشريف والتخصيص(١). ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اَللَّهِ﴾ أي: ليس عليكم رزقُها ومؤونتُها(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُتْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوَّاَكُمْ فِ الْأَرْضِ تَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُونَا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَبَوََّكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فيه محذوف، أي: وبوأكم في الأرض منازل. ﴿تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون القصور بكلِّ موضع(٣). ﴿وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُونًا﴾ اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم؛ فإنَّ السقوف والأبنية كانت تَبلى قبل فَناء أعمارهم(٤). وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة، وفيه حرف من حروف الحلق؛ فلذلك جاء على فَعَل يَفْعَل(٥). الثانية: استدلَّ بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلَِّىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ذُكر أنَّ ابناً لمحمد ابن سِیرین بَنَی داراً، وأنفق فيها مالاً كثيراً؛ فذكر ذلك لمحمد بن سِیرین فقال: ما أَرَى بأساً أن يبنيَ الرجلُ بناءً ينفعُه. (١) المحرر الوجيز ٤٢١/٢، وتفسير الرازي ١٤/ ١٦٣. (٢) الوسيط للواحدي ٣٨٣/٢. (٣) نسب الواحدي ٣٨٣/٢ هذا القول لابن عباس. (٤) الواحدي ٣٨٣/٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٣٧/٢. وزاد ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٤ نسبة القراءة للأعرج. ٢٦٨ سورة الأعراف: الآية ٧٤ ورُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا أَنْعمَ اللهُ على عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يُرَى أثرُ النِّعْمَةِ عليه))(١). ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة، ألا ترى أنه لو اشترَى جاريةً جميلةً بمالٍ عظيم؛ فإنه يجوز، وقد يكفيه دون ذلك؛ فكذلك البناء. وكَرِه ذلك آخرون، منهم الحسنُ البصريُّ وغيرُه، واحتجُوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أَرَادَ اللهُ بعبدٍ شرّاً أَهْلَكَ مالَهُ في الطِّينِ واللَِّن))(٢)، وفي خبر آخر عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((مَنْ بَنَى فوقَ ما يَكْفيه؛ جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُهُ على عُنُقِه))(٣). قلت: بهذا أقول؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((وما أنفقَ المؤمنُ من نَفَقة، فإنْ (١) أخرجه أحمد (٨١٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٠٢) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (٦٧٠٨)، والترمذي (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٩٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٠٠) من حديث عمران بن حصين ﴾. (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢/ (١٧٥٥)، وفي الأوسط (٩٣٦٥)، وفي الصغير (١١٢٧)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد ٣٨١/١١ من حديث جابر، ولفظه: ((إذا أراد الله بعبد شرّاً خضّر له في اللَّبن والطين حتى يبني)) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٩/٤ : رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني؛ ولم أجد من ضعّفه. وجوَّد إسناده المنذري في الترغيب والترهيب عقب (٢٧٩٤). وأخرجه بنحوه ابن عدي في الكامل ١٠٧١/٣ من حديث أنس ، وفي إسناده أبو يحيى الوقار المصري، قال ابن عدي: كان يضع الحديث ويوصلها. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٣٤)، والبيهقي في الشعب (١٠٧٢٠) من حديث محمد بن بشر الأنصاري، بنحوه وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٠/ (١٠٢٨٧)، وابن عدي في الكامل ٢٣٨٤/٦، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ ص١١٥، وأبو نعيم في الحلية ٢٤٦/٨ و ٢٥٢ ، والبيهقي في الشعب (١٠٧١١) من حديث ابن مسعود ﴾ مرفوعاً. قال ابن أبي حاتم في العلل ١١٥/٢ - ١١٦: حديث باطل لا أصل له بهذا الإسناد. وقال المنذري في الترغيب والترهيب عقب (٢٧٩٦): رواه الطبراني في الكبير من رواية المسيب بن واضح، وهذا الحديث مما أنكر عليه، وفي سنده انقطاع. وقال الذهبي في الميزان ١١٦/٤ : هذا حديث منكر. ٢٦٩ سورة الأعراف: الآيات ٧٤ - ٧٦ خَلَفَها على الله عزَّ وجلَّ؛ [فالله] ضامن(١)، إلَّا ما كان في بُنيانٍ أو مَعْصية)). رواه جابر بن عبد الله، وخرَّجه الدَّارَ قُظْني(٢). وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لابنِ آدمَ حَقٌّ في سِوَى هذه الخِصال: بيتٍ يَسكُنُهُ، وثوبٍ يوارِي عورته، وجِلْفِ الخبزِ والماءِ» أخرجه الترمِذي(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَه. وهذا يدلُّ على أنَّ الكفار مُنْعَمٌ عليهم. وقد مضى في ((آل عمران))(٤) القولُ فيه. ﴿وَلَا تَعْتَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ تقدَّم في البقرة(٥). والعِثِيُّ والعُثُوُّ لغتان. وقرأ الأعمش: (تِعْثَوا)) بكسر التاء، أخذه من عَثِيَ يَعْثَى، لا من عَثا يَعْثو (٦). قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَتَ صَلِحًا مُرْسَلُ مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (٢٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبُوا مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ الثاني بدلٌ من الأوَّل، لأنَّ المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدلُ البعضِ من الكلِّ. (١) ما بين حاصرتين من المستدرك للحاكم ٢/ ٥٠، ولفظ ((ضامن)) من (ظ). (٢) في سننه (٢٨٩٥) وأوله: ((كل معروف صدقة، وما أنفق الرجل على أهله ونفسه؛ کتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه؛ كتب له به صدقة ... )). وأخرجه بتمامه أبو يعلى في مسنده (٢٠٤٠)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠ . (٣) في سننه (٢٣٤١) من حديث عثمان بن عفان ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٤٠)، وهو حديث لا يصح كما سلف الكلام ٥/ ٥٧ . (٤) ٥ / ٤٨٢ . (٥) ١٤٢/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٣٧/٢ وقد كسر التاء في المضارع، لأن ماضيه مكسور العين، وهي لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز. الكتاب ١١٠/٤، وانظر تفسير الآية (١١٧) الآتي. عند قوله: تلقف ما يأفكون. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦ قراءة الأعمش (في سورة البقرة الآية ٦٠). ٢٧٠ سورة الأعراف: الآيات ٧٧ - ٧٩ قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَئِمِينَ تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا (٧٩) تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ العَقْر: الجَرْح. وقيل: قَطْعُ عضوٍ يؤثّر في النفس. وعَقَرْتُ الفرسَ: إذا ضربتَ قوائمَه بالسيف. وخيل عَقْرَى(١). وعقرتُ ظهرَ الدابة: إذا أُذبَرْتَه. قال امرؤ القيس: تقولُ وقدْ مالَ الغَبِيطُ بنا معاً عَقَّرْتَ بعِيري يا امرأَ القَيْسِ فَانْزِلٍ(٢) أي: جَرَحتَه وأدْبَرتَه. قال القشيريُّ: العَقْر كسف(٣) عُرْقوب البعير، ثم قيل للنحر: عَقْر؛ لأن العَقْر سببُ النحر في الغالب. وقد اختلف في عاقر الناقة على أقوال؛ أصحُّها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زَمْعَة قال: خَطَبَ رسولُ اللهِ ﴾ فَذَكَرَ النَّاقة، وذَكَرَ الذي عَقَرَها، فقال: وَإِذِ الْبَعَكَ أَشْقَنْهَا﴾ [الشمس: ١٢]؛ انبعثَ لها رَجُلٌ عزيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبي زَمْعة)) وذكر الحديث (٤). وقيل في اسمه: قُدار بن سالف. وقيل: إنَّ مُلْكَهم كان إلى امرأة يقال لها: ملكا، فحسدت صالحاً لمَّا مال إليه (١) في النسخ الخطية: عقارى. والمثبت من (م)، وهو الموافق لمجمل اللغة ٦٢١/٢ والكلام منه. (٢) ديوان امرئ القيس ص١١. والغبيط: الرَّحْل، وهو للنساء، يشدُّ عليه الهودج، واللسان (غبط). (٣) في (ظ): كسر، وكذا في فتح القدير ٢/ ٢٢٠. وفي (م): كشف؛ وينظر تهذيب اللغة ٢١٥/١ . قال في اللسان (كسف): الكسف: قطع العرقوب ... وكسف عرقوبه: قطع عصبته دون سائر الرِّجل. (٤) صحيح مسلم (٢٨٥٥). وأخرجه أيضاً البخاري (٤٩٤٢)، وأحمد (١٦٢٢٢) والعارم: الخبيث الشرير. النهاية (عرم). وأبو زَمْعَةً المذكور: هو الأسود بنُ المطلب بن أسد، أحد المستهزئين، مات على كفره بمكة، وهو جدُّ عبد الله بن زمعة راوي الحديث. الفتح ٧٠٦/٨ . ٢٧١ سورة الأعراف: الآيات ٧٧ - ٧٩ الناس، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانِهما: لا تطيعاهما، واسألاهما عَقْرَ الناقة، ففعلتا. وخرج الرجلان وألجاً الناقة إلى مَضِيق، ورماها أحدُهما بسهم، وقتلاها. وجاء السَّقْبُ - وهو ولدها - إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فَرَغَا ثلاثاً، وانفرجت(١) الصخرة، فدخل فيها؛ فيقال: إنه الدَّابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس؛ على ما يأتي بيانه في النمل (٢). وقال ابن إسحاق: اتبع السَّقْبَ أربعةُ نَفَر ممن كان عَقَر الناقة، مِصْدَع وأخوه ذُؤَابٍ، فرماه مصدع بسَهْم فانتظم قلبَه، ثم جرَّه برجله فألحقه بأمِّه، وأكلوه معها(٣). والأوَّل أصحُ. وإنَّ صالحاً قال لهم: إنه بَقِيَ من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا رَغَا ثلاثاً. وقيل: عقرها عاقرُها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] على ما يأتي بيانه في ((النمل))(٤). وهو معنى قولِه: ﴿فَادَوْا صَلِجٌَ فَعَاطَى فَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. وكانوا يشربون، فأَعوزهم الماءُ ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن الناقة، فقام أحدهم وترصد الناقة(٥) وقال: لأرِيحَنَّ الناسَ منها، فعقرها. قوله تعالى: ﴿وَعَنَّوْاْ عَنْ أَمَِّ رَبِّهِمْ﴾ أي: استكبروا. عَتَا يَعْتُو عُثُوًّا، أي: استكبر. وتَعَثَى فلان: إذا لم يُطِعْ. والليل العاتِي: الشديد الظلمة؛ عن الخليل(٦). ﴿وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: من العذاب. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: الزلزلة الشديدة(٧). وقيل: كانت صيحةً شديدةً خَلعتْ قلوبَهم؛ كما في سورة هود في (١) في (م): انفجرت. (٢) عند تفسير الآية (٨٢) منها. وينظر عرائس المجالس ص٧١ . (٣) العرائس ص٧٢ . (٤) عند تفسير الآية (٤٨) منها. (٥) في (خ): للناس. وفي (ز) و(م): الناس، ولم تجود في (د) والمثبت من (ظ). (٦) كتاب العين ٢٢٦/٢ . (٧) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/ ٣٥٠ . ٢٧٢ سورة الأعراف: الآيات ٧٧ - ٧٩ قصة ثمود: ﴿وَأَخَذَ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [٦٧](١). يقال: رَجَف الشيءُ، يُرْجُف رَجْفاً وَرَجَفَاناً. وأرجفت الريحُ الشجرَ: حَرَّكته(٢). وأصلُه: حركة مع صوت؛ ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الَِّفَةُ﴾ [النازعات: ٦]. قال الشاعر: وظَلَّتْ مَطايا القومِ بالقوم تَرْجُفُ(٣) ولمَّا رأيتُ الحَجَّ قد آنَ وَقتُه ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ﴾ أي: بلدهم. وقيل: وُحِّد على طريق الجنس، والمعنى: في دورهم. وقال في موضع آخر: ﴿فِي دِيَرِهِمْ﴾ [هود: ٦٧ ,٩٤] أي: في منازلهم. ﴿حَثِمِينَ﴾ أي: لاصقين بالأرض على رُكَبهم ووجوههم؛ كما يجْتُم الطائر، أي: صاروا خامدين من شدَّة العذاب. وأصل الجُثُوم للأرنب وشبهها، والموضع مَجْثَم. قال زهیر: بها العِيْنُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطلاؤها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمٍ (٤) وقيل: احترقوا بالصاعقة فأصبحوا مَيِّتين، إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله؛ فلمَّا خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه(٥). ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: عند اليأس منهم. ﴿وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم، ويحتمل أنه قاله بعد موتهم؛ كقوله (١) في النسخ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الْقَيْسَةُ﴾. وهي من سورة الحجر الآية (٨٣)، وليست في سورة هود. (٢) تهذيب اللغة ٤٢/١١ - ٤٣ . (٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وذكر نحوه السمين في الدر المصون ٣٦٨/٥ ونسبه لابن أبي ربيعة؛ ولم نقف عليه في ديوانه، وينظر البحر المحيط ٣١٥/٤ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٩/٣. والبيت في ديوان زهير ص٥، وقال ثعلب شارحه: ((العين)): البقر، الواحدة عيناء، والذكر أعين. و((الآرام): الظباء البيض الخوالص البياض. و((خِلْفة)): إذا مضى فوج جاء آخر. و((الطَّلا)»: ولد البقرة، وولد الظبية الصغير. وقوله: ((ينهضن من كل مجثم): أراد أنهن يُتِمْنَ أولادهن إذا أرضعنهن، ثم يَرعَين، فإذا ظننَّ أنَّ أولادهن قد أنفدن ما في أجوافهن من اللبن؛ صوَّتن بأولادهن، فينهضن للأصوات ليشربن. (٥) أخرجه أحمد (١٤١٦٠) من حديث جابر مرفوعاً، وأبو داود (٣٠٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً. والرجل هو أبو رغال. ٢٧٣ سورة الأعراف: الآيات ٧٧ - ٨٠ عليه الصلاة والسلام لِقَتْلَى بَذْر: ((هَلْ وَجَدتُم ما وَعَدَ رَبُّكم حَقّاً؟)) فقيل: أَتْكلُّم هؤلاء الجِيفَ؟! فقال: ((ما أنتم بأَسْمَعَ منهم، ولكنَّهم لا يَقْدِرونَ على الجَوابَ))(١). والأوَّل أظهر؛ يدلُّ عليه: ﴿وَلَكِن لَّا تُحِبُونَ النَّصِينَ﴾ أي: لم تقبلوا نُصْحِي. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ ﴾ ١٨٠ اُلْعَلَمِينَ فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ:﴾ قال الفرَّاء: لوظٌ مشتقٌّ من قولهم: هذا أَلْيَطُ بقلبي، أي: أَلصق(٢). وقال النحاس(٣): قال الزجاج(٤): زعم بعضُ النحويين - يعني الفرَّاءَ - أنَّ لوطاً يجوز أن يكونَ مشتقًّا من لُظْتُ الحوض: إذا ملَّستَه بالطين. قال: وهذا غلط؛ لأن الأسماءَ الأعجمية لا تُشتقّ، كإسحاق، فلا يقال: إنه من السُّحق، وهو البُعد. وإنما صُرف ((لوط)) لِفَّته؛ لأنه على ثلاثة أحرف، وهو ساكنُ الوسط(٥). قال النقَّاش: ((لوط)) من الأسماء الأعجميَّةِ، وليس من العربية. فأما لُظْتُ الحوضَ، وهذا أَلْيَطُ بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسمَ أعجميّ، كإبراهيم وإسحاق(٦). (١) أورده بهذا اللفظ الواحدي في الوسيط ٣٨٥/٢. وأخرجه بنحوه أحمد (١٨٢)، ومسلم (٢٨٧٣) من حديث عمر بن الخطاب ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (٤٨٦٤)، والبخاري (١٣٧٠) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٠٢٠)، ومسلم (٢٨٧٤) من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (٢٦٣٦١) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) لم نقف عليه في معاني القرآن للفراء، وذكره النحاس والزجاج، كما سيأتي. (٣) في إعراب القرآن ٢/ ١٣٧. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢. (٥) الصحاح (لوط)، وتفسير الرازي ١٦٨/١٤ . (٦) هذا الكلام للزجاج، وهو تتمة كلامه السابق. ٢٧٤ سورة الأعراف: الآية ٨٠ قال سيبويه(١): نُوحٌ ولُوطُ أسماءٌ أعجمية، إلَّا أنها خفيفة؛ فلذلك صُرِفت. بعثه اللهُ تعالى إلى أُمَّةٍ تُسمَّى سَدُوم، وكان ابنَ أخي إبراهيم(٢). ونَصْبُه إما بـ((أَرْسَلْنا)) المتقدِّمةِ(٣) فيكونُ معطوفاً. ويجوز أن يكونَ منصوباً بمعنى: واذكُر (٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُنَ اَلْفَاحِشَةَ﴾ يعني: إِنْيَانَ الذُّكور. ذكرها اللهُ باسم الفاحشة ليبيِّنَ أنها زِنَى، كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]. واختلف العلماءُ فيما يجب على مَن فعل ذلك، بعد إجماعِهم على تحريمه، فقال مالك: يُرْجَم؛ أَخْصَن أو لم يُحصن. وكذلك يُرجم المفعولُ به إن كان محتلِماً. ورُوي عنه أيضاً: يُرجم إن كان مُحْصَناً، ويُحبس ويُؤذَّب إن كان غيرَ مُحصَن. وهو مذهب عطاءٍ والنخعيِّ وابنِ المسيَّب وغيرهم(٥). وقال أبو حنيفة: يُعَزَّر المُحصَنُ وغيره؛ وروي عن مالك. وقال الشافعيّ: يحدُّ حَدَّ الزِّنَی قياساً عليه. احتجَّ مالكٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. فكان ذلك عقوبةً لهم وجزاءً على فِعْلهم. فإن قيل: لا حُجَّة فيها لوجهين: أحدهما: أنَّ قوم لوطٍ إنما عُوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم. الثاني: أنَّ صغیرَهم و کبیرهم دخل فيها؛ فدلَّ على خروجها من باب الحدود. قيل: أمَّا الأوَّل فَغلَطٌ؛ فإنَّ الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصٍ فأخذهم بها؛ منها هذه. وأمَّا الثاني؛ فكان منهم فاعلٌ، وكان منهم راضٍ، فعُوقب (١) الكتاب ٢٣٥/٣. (٢) المحرر الوجيز ٤٢٤/٢، وينظر تفسير ابن كثير ٤٤٤/٣ . (٣) عند قوله تعالى: ((لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ... ) الآية (٥٩). (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣٧/٢. (٥) نقل عنهم ابن العربي في أحكام القرآن ٧٧٦/٢ أن مذهبهم: الرجم أحصن أو يحصن. ٢٧٥ سورة الأعراف: الآية ٨٠ الجميعُ؛ لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمةُ الله وسُنَّته في عباده. وبَقِيَ أمرُ العقوبةِ على الفاعلين مستمِرًّا. والله أعلم. وقد رَوَى أبو داود وابنُ ماجه والترمِذِيُّ والنسائيُّ والدَّارَ قُطْنيُّ أنَّ رسول الله ◌ِ﴾ قال: ((مَن وجدتُموه يعمل عملَ قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعولَ به)). لفظ أبي داود وابن ماجه (١). وعند الترمِذيِّ: ((أَخْصَنا أوْ لم يُحصنا))(٢). وروى أبو داود والدارقطنيُّ عن ابن عباس في البِكر يُوجد على اللُّوطية، قال: يُرجَم(٣). وقد رُوي عن أبي بكر الصدِّيق ﴾ أنه حرَّق رجلاً يُسمَّى الفُجاءَةَ حين عَمِلَ عَمَلَ قومٍ لوطِ بالنار(٤). وهو رأيُ عليّ بن أبي طالب، فإنه لمَّا كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك، جمع أبو بكر أصحابَ النبيِّ # واستشارهم فيه، فقال عليٍّ: إنَّ هذا الذنبَ لم تَعْصٍ به أُمَّةٌ من الأُمم إلَّا أمَّةٌ واحدة؛ صنعَ اللهُ بها ما عَلمتم، أرى أن يُحرقَ بالنار. فاجتمع رأيُ أصحابٍ رسولِ الله # أن يُحرقَ بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بنِ الوليد أن يَحرقَه بالنار، فأحرقه(٥). ثم أحرقهم ابنُ الزبير في زمانه (٦). ثم (١) سنن أبي داود (٤٤٦٢)، وسنن ابن ماجه (٢٥٦١)، وسنن الترمذي (١٤٥٦)، وسنن النسائي الكبرى (٧٢٩٧)، وسنن الدارقطني (٣٢٣٤)، وهو في مسند أحمد (٢٧٣٢) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، به. ولفظ النسائي: ((لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط)» ثلاثاً. قال البخاري - كما في العلل الكبير للترمذي ٦٢٢/٢ -: عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير. قال الترمذي: ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع من عكرمة. وقال ابن معين: عمرو ثقة، يُنكر عليه حديث عكرمة، عن ابن عباس أن النبي # قال: ((اقتلوا الفاعل والمفعول به)) ميزان الاعتدال ٢٨٢/٣ . وينظر الكلام السالف في هذه المسألة في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٧٧ . (٢) لم نقف على هذا اللفظ عند الترمذي، وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة ، وفيه عاصم بن عمر العمري، فيما ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ٥٥، وقال: لا يصح، وعاصم متروك. (٣) سنن أبي داود (٤٤٦٣)، وسنن الدارقطني (٣٢٣٥)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٧٢٩٨). (٤) المحرر الوجيز ٤٢٥/٢ . (٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣٢/٨ . (٦) ذكره ابن المنذر في الإشراف ٣٦/٢ . ٢٧٦ سورة الأعراف: الآية ٨٠ أحرقهم هشام بنُ الوليد. ثم أحرقهم خالدٌ القَسْريُّ بالعراق(١). ورُوي أنَّ سبعةً أُخذوا في زمن ابنِ الزبير في ◌ِوَاط، فسأل عنهم، فوجد أربعةً قد أُخْصِنوا، فأمر بهم، فخرجوا بهم(٢) من الحرم، فرُجِموا بالحجارة حتى ماتوا، وحدَّ الثلاثة؛ وعنده ابنُ عباس وابنُ عمر فلم يُنكِرا عليه(٣). وإلى هذا ذهب الشافعيّ(٤). قال ابن العربيّ: والذي صار إليه مالكٌ أحقُّ، وهو أصحُ سنداً وأقوى مُعتَمَداً. وتعلَّق الحنفيون بأنْ قالوا: عقوبةُ الزَّنَى معلومة، فلمَّا كانت هذه المعصيةُ غيرَها، وجب ألَّا تُشاركَها في حدِّها، ويأثُرون في هذا حديثاً: ((مَن وضع حدًّا في غير حَدٍّ، فقد تعدَّى وظَلَم))(٥). وأيضاً فإنه وَطِئْ(٦) في فَرْج لا يتعلَّق به إحلالٌ ولا إحصان، ولا وجوبُ مهر ولا تُبُوتُ نسب، فلم يتعلَّق به حدّ(٧). الثالثة: فإنْ أتى بهيمةً، فقد قيل: لا يُقتلُ هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان؛ حكاه ابنُ المُنذِر (٨) عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن. وفي الباب حديثٌ رواه أبو داود والدَّار قطنيُّ عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله﴾: ((مَن وقع على بهيمةٍ فاقتلوه واقتلوا البهيمةَ معه)). فقلنا لابن عباس: ما شأنُ البهيمة؟ قال: ما أُراه قال ذلك إلَّا أنه كَرِه أن يُؤكل لحمُها وقد عُمل بها ذلك العمل(٩). (١) المحلى ٣٨١/١١. وخالد القسري: هو خالد بن عبد الله الدمشقي، أبو الهيثم، أمير العراقين لهشام ابن الوليد، توفي سنة (١٢٦هـ). السير ٤٢٥/٥ . (٢) في النسخ: فخرج بهم، والمثبت من (م). (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣٣/٨ . (٤) لم نقف عليه، وسلف أن الشافعي يقول فيمن فعل ذلك: يُحَد حدَّ الزاني، وهو كذلك في الإشراف ٣٦/٢، والاستذكار ٧٨/٢٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٧٦/٢ . (٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٧/٨، وقال: المحفوظ هذا الحديث مرسل. (٦) في (م): وطء. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧٦/٢ - ٧٧٧ . (٨) في الإشراف ٢/ ٣٧ . (٩) سنن أبي داود (٤٤٦٤)، وسنن الدارقطني (٣٢٣٧)، وأخرجه الترمذي (١٤٥٥)، والنسائي في الكبرى (٧٣٠٠). والمرفوع منه عند أحمد (٢٤٢٠). ٢٧٧ سورة الأعراف: الآية ٨٠ قال ابن المنذر(١): إنْ يَكُ الحديثُ ثابتاً، فالقولُ به يجب، وإن لم يثبت، فليستغفر اللهَ مَن فعلَ ذلك كثيراً، وإن عزَّره الحاكمُ كان حسناً. والله أعلم. وقد قيل: إنَّ قَتْلَ البهيمة لئلا تُلْقِيَ خَلْقاً مُشَوَّهاً؛ فيكونُ قتلُها مصلحةً لهذا المعنى مع ما جاء من السنَّة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حدٍّ. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحَكّم: أرى أنْ يجلدَ ولا يبلغَ به الحدّ. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني(٢). وقال الزُّهريّ: يُجلد مئة؛ أَحصَن أو لم يُحصن. وقال مالك والثّوريُّ وأحمدُ وأصحاب الرأي: يعزَّر. ورُوي عن عطاء والنَّخعيِّ والحكم. واختلفت الروايات(٣) عن الشافعيّ، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب (٤). وقال جابر بنُ زيد: يُقام عليه الحدّ، إلّا أن تكونَ البهيمةُ له. الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ ((مِن)) لاستغراق الجِنس، أي: لم يكن اللُّواظُ في أمَّة قبل قوم لوط. والمُلحِدون يزعمون أنَّ ذلك كان قبلَهم. والصّدقُ ما ورد به القرآن. وحكى النّقَّاشُ أنَّ إبليس كان أصْلَ عملهم، بأنْ دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان ينكح بعضُهم بعضاً. قال الحسن(٥): كانوا يفعلون ذلك بالغُرَباء(٦)، ولم يكن يفعله بعضُهم ببعض. (١) في الإشراف ٢/ ٣٧ - ٣٨. (٢) سنن أبي داود (٤٤٦٥)، وأخرجه الترمذي (١٤٥٥). (٣) في (م): الرواية. (٤) في الإشراف ٢/ ٣٧ (والكلام منه): واشتبه عليَّ مذهب الشافعي في هذا الباب، لأن الروايات قد اختلفت عنه . اهـ . (٥) في (ز) و(د): النحاس. (٦) المحرر الوجيز ٤٢٤/٢ . ٢٧٨ سورة الأعراف: الآيتان ٨٠ - ٨١ وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ أَخوفَ ما أخاف على أُمَّتي عملُ قوم لوط))(١). وقال محمد بنُ سِيرين: ليس شيء من الدوابُ يعمل عملَ قوم لوطٍ إلَّ الخنزيرَ والحمار(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَأَِّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُشْرِقُنَ ٨١ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ﴾ قرأ نافع وحفصٌ على الخبر بهمزةٍ واحدة مكسورة، تفسيراً للفاحشة المذكورة، فلم يحسُن إدخالُ الاستفهام عليه؛ لأنه يقطع ما بعده ممَّا قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام(٣) الذي معناه التوبيخ، وحسُن ذلك؛ لأن ما قبلَه وبعده كلامٌ مستقِلّ. واختار الأوَّلَ أبو عبيد والكِسائيُّ وغيرهما؛ واحتجُوا بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَإِيْنِ مِتَّ فَهُمُ اَْلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، ولم يقل: أَفَهُم؟ وقال: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَ أَعْقَيِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ولم يقل: أَنقلبتم؟ وهذا من أقبح الغَلَط؛ لأنهما شبَّها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشَّرط وجوابَه بمنزلة شيءٍ واحد، كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أنْ يكونَ فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإنْ مِتَّ أفهم؟ كما لا يجوز: أزيدٌ أَمنطلق؟ وقصةُ لوطٍ عليه السلامُ فيها جملتان، فلك أن تستفهمَ عن كلِّ واحدةٍ منهما. هذا قولُ الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكِّي وغيرهما (٤). ﴿شَهْوَةٌ﴾ نصب على المصدر، أي: تشتهونهم شهوةً. ويجوز أن يكونَ مصدراً في موضع الحال(٥). (١) سنن ابن ماجه (٢٥٦٣)، وأخرجه أحمد (١٥٠٩٣)، والترمذي (١٤٥٧) وقال: حديث حسن غريب. (٢) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١٣٢ . وسلف ١١٩/٧ . (٣) السبعة ص ٢٨٥، والتيسير ص١١١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٣٧ - ١٣٨، وينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٦٨/١. (٥) تفسير الرازي ١٦٨/١٤. ٢٧٩ سورة الأعراف: الآيات ٨٢ - ٨٤ ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ نظيره: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُّ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] في جمعكم إلى الشِّرك هذه الفاحشةَ .. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ فَنَجَّنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَقْرَأَتَهُمْ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطاً وأتباعه. ومعنى ((يَتَطَهَّرُونَ)) عن الإتيان في هذا المَأْتَى. يقال: تطهّر الرجل، أي: تنزَّه عن الإثم. قال قتادة: عابوهم - واللهِ - بغير عَيْب(١). ﴿مِّنَ الْغَبِينَ﴾ أي: الباقين في عذاب الله، قاله ابنُ عباس وقتادة(٢). غَبَرَ الشيءُ إذا مَضَى، وغَبَرَ إذا بَقي، وهو من الأضداد. وقال قوم: الماضي: عابر، بالعين غير مُعْجَمة. والباقي: غابر، بالغين معجمة. حكاه ابنُ فارسٍ في ((المجمَل))(٣). وقال الزَّجاج(٤): ((مِنَ الغابرين)) أي: من الغائبين عن النجاة، وقيل: لطول عمرها. قال النحاس: وأبو عُبيدةَ يذهب إلى أنَّ المعنى: من المُعَمَّرين؛ أي: إنها قد هَرِمِتْ. والأكثرُ في اللغة أنْ يكونَ الغابرُ الباقي، قال الراجز: له الإلهُ ما مضى وما غَبَرْ(٥) فما وَنَى محمدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّاً فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ ٨ سَرَى لُوطٌّ بأهله كما وصفَ اللهُ: ﴿يِقِطْعِ مِّنَ الََّّلِ﴾ [هود: ٨١]، ثم أَمر جبريلَ (١) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٠ . (٢) أخرجه الطبري ٣٠٩/١٠. (٣) ٦٩٠/٣. (٤) في معاني القرآن ٣٥٣/٢. (٥) معاني القرآن للنحاس ٥١/٣، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٨/١ . والرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص٦٧ . قال شارحه الأصمعي: فما وَنى: فما فتر. ٢٨٠ سورة الأعراف: الآيات ٨٤ - ٨٧ عليه السلام، فأدخل جناحَه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سَمِعَ أهلُ السماء صياحَ الدِّيَكَةِ ونُباحَ الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأُمطرت عليهم حجارةٌ من سِجِّيل، قيل: على مَن غاب منهم. وأدرك امرأةً لوط - وكانت معه - حجرٌ فقتلها. وكانت ـ فيما ذُكر - أربعَ قُرَى. وقيل: خمس، فيها أربع مئة ألف(١). وسيأتي في سورة هودٍ(٢) قصةُ لوط بأبيَنَ من هذا، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًاً قَالَ يَنقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْقُوْ اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَاْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾ وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَذْكُرُواْ إِذَ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿٨ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىَ أُزْسِلْتُ بِهِ. وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ AV اَللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ﴾ قيل في ((مَذْين)): اسمُ بلدٍ وقُظْر. وقيل: اسم قبيلة، كما يقال: بَكْر وتَمِيم. وقيل: هم من ولد مَذْيَن بنِ إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أنَّ ((مدين)) اسمُ رجل لم يَصرِفْه؛ لأنه معرفةٌ أعجميّ. ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض، فهو أخرَى بأن لا يصرفَه. قال المهدويّ: ويروى أنه كان ابنَ بنتِ لوط. وقال مكيّ: كان زوجَ بنت لوط(٣). (١) عرائس المجالس ص١٠٧ - ١٠٨، والمحرر الوجيز ٤٢٦/٢. وما ذكره المصنف رحمه الله عن اقتلاع جبريل لمدائنهم ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ... ليس فيه نص صحيح. (٢) عند تفسير الآيات (٧٧ - ٨٣). (٣) المحرر الوجيز ٤٢٦/٢ .