النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة الأعراف: الآية ٥٤
قوله تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يجعلُه كالغِشاء(١)، أي: يذهب نورُ النھارِ
لِيتمَّ قِوامُ الحياةِ في الدنيا بِمجيء الليل. فالليلُ للسكون، والنهارُ للمَعَاش.
وقُرئ: ((يُغَشِّي)) بالتشديد، ومثله في ((الرعد)) [الآية: ٣]. وهي قراءةُ أبي بكر عن
عاصم، وحمزةً والكسائي. وخفّف الباقون(٢). وهما لغتان: أغْشَى وغَشَّى. وقد
أجمعوا على: ﴿فَشَّنَهَا مَا غَثَّى﴾ [النجم: ٥٤] مشدّداً، وأجمعوا على: ((فَأَغْشيناهم))
[يس: ٩]، فالقراءتان متساويتان، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير(٣). والتغشية
والإغشاء: إلباسُ الشيء الشيءَ.
ولم يَذكُر في هذه الآية دخولَ النهار على الليل، فاكتفَى بأحدهما عن الآخر،
مثل ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٤) [النحل: ٨١]. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقرأ حميد بن قيس: ((يَغْشَى الليلَ النهارُ))(٥) ومعناه: أن النهارَ يَغْشَى الليلَ.
﴿يَظْلُ حَثِينًا﴾ أي: يطلبه دائماً من غير فتور (٦). و((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ)) في موضع
نصب على الحال. والتقدير: استوى على العرش مُغْشِياً الليلَ النهارَ. وكذا ((يَطْلُبُهُ))
حال من الليل، أي: يُغشي الليلَ النهارَ طالباً له. ويحتمل أن تكون الجملةُ مستأنفةً
ليست بحال. ((حَثِيئاً)) بدل من طالب المقدَّر، أو نعتٌ له، أو نعتٌ لمصدر محذوف،
أي: يطلبه طلباً سريعاً (٧). والحثُّ: الإعجالُ والسرعة. ووَلَّى حثيثاً، أي: مُسرعاً.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَتَهِيدٌ﴾، قال الأخفش(٨): هي معطوفةٌ على
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢.
(٢) السبعة ص ٢٨٢، والتيسير ص ١١٠.
(٣) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥ .
(٤) الوسيط للواحدي ٣٧٦/٢ .
(٥) المحتسب ٢٥٣/١.
(٦) الوسيط ٣٧٦/٢ .
(٧) ويعرب أيضاً: حال. ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢، والبيان ٣٦٤/١-٣٦٥، والدر
المصون ٣٤٢/٥، وغيرها.
(٨) معاني القرآن ٥١٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢.

٢٤٢
سورة الأعراف: الآية ٥٤
السماوات؛ أي: وخلَق الشمسَ(١). ورُوي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلِّها(٢)
على الابتداء والخبر.
قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ اَلْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: صِدْقُ الله في خبره، فله الخلقُ وله الأمرُ، خَلَقَهم وأَمَرَهم بما أحبَّ.
وهذا الأمرُ يقتضي النهي. قال ابن عيينة: فَرَّق بين الخَلْق والأمر؛ فَمَنْ جَمع بينهما
فقد كَفَر(٣).
فالخَلْقِ المَخلوق، والأمرُ كلامُه الذي هو غيرُ مَخلوق، وهو قوله: ﴿كُنْ﴾ (٤).
﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُوَلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥) [النحل: ٤٠].
وفي تَفْرقته بين الخَلْق والأمرِ دليلٌ بيِّنٌ على فسادٍ قول مَن قال بخلق القرآن، إذ لو
كان كلامُه - الذي هو أمرٌ - مخلوقاً لكان قد قال: ألا له الخلقُ والخلقُ. وذلك عِيَّ
من الكلام ومُستهجَنٌّ ومُسْتَغَتٌّ. والله يتعالى عن التكلُّم بما لا فائدةَ فيه. ويدلُّ عليه
قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ تَقُوَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِيٍ﴾ [الروم: ٢٥]، ﴿وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَتَرِفُهِ﴾. فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمةٌ بأمره، فلو كان
الأمرُ مخلوقاً لافتقرَ إلى أمرٍ آخرَ يقوم به، وذلك الأمرُ إلى أمرٍ آخر، إلى ما لا نهايةً
له. وذلك مُحَالٌ. فثبتَ أنَّ أمره الذي هو كلامُه قديمٌ أَزَليُّ غیرُ مخلوق؛ لِیصحَّ قیامُ
المخلوقات به.
ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
(١) في النسخ: السماوات، والمثبت من (م).
(٢) السبعة ص٢٨٢، والتيسير ص ١١٠ .
(٣) علَّقه البخاري قبل الحديث (٧٥٥٥) بنحوه، وأورده بهذا اللفظ العيني في عمدة القاري ١٤٤/٢٥.
ووصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٥٣٢/١٣.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٣/٣ .
(٥) في (م): ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرََّدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، والمثبت من النسخ الخطية،
وهو موافق للإنصاف للباقلاني، والكلام فيه بنحوه كما سيأتي.

٢٤٣
سورة الأعراف: الآية ٥٤
[الحجر: ٨٥]، وأخبر تعالى أنه خَلَقهما بالحقّ، يعني القول، وهو قوله للمكوّنات:
((كن)). فلو كان الحقُّ مخلوقاً لَمَا صحَّ أن يخلقَ به المخلوقات؛ لأن الخَلْقَ لا يُخلَقُ
بالمخلوق. يدلُّ عليه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِثْنَا لِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِّى﴾
[السجدة: ١٣]. وهذا كلَّه إشارةٌ إلى السَّبق في القول في القِدَم، وذلك يُوجب الأَزَل في
الوجود. وهذه النُّكتة كافيةٌ في الردِّ عليهم.
ولهم آياتٌ احتجُّوا بها على مَذْهبهم؛ مثلُ قوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن
رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ الآية [الأنبياء: ٢]، ومثلُ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورَا﴾
[الأحزاب: ٣٨]. و﴿مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وما كان مِثْلَه.
قال القاضي أبو بكر (١): معنى ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ أي: من وَغْظِ من النبيِّ ﴾
ووَعْدٍ وتخويف ﴿إِلَّ اُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]؛ لأنَّ وعظَ الرُّسل صلواتُ
الله عليهم وسلامُه وتحذيرَهم ذِكْرٌ؛ قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
[الغاشية: ٢١]، ويقال: فلانٌ في مَجْلس الذِّكر.
ومعنى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرَّا مَّقْدُورًا﴾ و﴿مَفْعُولًا﴾ أراد سبحانه عقابَه وانتقامه من
الكافرين، ونصرَه للمؤمنين، وما حكم به وقدَّره من أفعاله. ومن ذلك قولُه تعالى:
﴿حََّ إِذَا جََّ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَّآ أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]
يعني به شأنه وأفعالَه وطرائقَه. قال الشاعر:
لها أمرُها حتى إذا ما تبوَّأتْ بأخفافها مَرْعَى تبوّأْ مضجَها (٢)
الثانية: وإذا تقرَّرَ هذا فاعلَمْ أن الأمرَ ليس مِن الإرادة في شيء. والمعتزلةُ تقول:
الأمرُ نفسُ الإرادة. وليس بصحيح، بل يَأْمُر بما لا يُريد، ويَنهى عما يُريد. ألا ترى أنه
(١) في الإنصاف ص٧٤ - ٧٥، وينظر الكلام الذي قبله فيه ص٧١ وما بعدها، وفي تمهيد الأوائل ٢٧١/١ .
(٢) أورده أبو علي القالي في أماليه ٢/ ١٤٠ وذكر أن جندل بن الراعي أنشده من شعر أبيه الراعي. وعنده:
لأخفافها، بدل: بأخفافها.

٢٤٤
سورة الأعراف: الآيتان ٥٤ - ٥٥
أَمَر إبراهيمَ بذبح ولده ولم يُرِدْه منه؟ وأمر نبيَّه أن يُصلِّيَ مع أُمَّته خمسين صلاة، ولم
يُرِدْ منه إلا خمسَ صلواتٍ(١). وقد أراد شهادةَ حمزةَ حيث يقول: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ
شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقد نَهى الكفارَ عن قَتْله، ولم يَأُمُرْهم به. وهذا صحيحٌ
نفيسٌ في بابه، فتأمَّله.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾، ((تبارك)) تفاعل، من البركة وهي(٢) الكَثْرةُ
والاتِّساع. يقال: بُورك الشيء وبُورك فيه؛ قاله ابن عرفة.
وقال الأزهري(٣): ((تبارك)): تعالى وتعاظمَ وارتفَع. وقيل: إنَّ باسمه يُتَبَرَّك
ويُتَيَمَّن. وقد مضَى في ((الفاتحة)) معنى ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِنَ
٥٥
فيه ثلاثُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ هذا أمرٌ بالدعاء وتعبُّدٌ به. ثم قَرَنَ جلَّ وعزَّ
بالأمر صفاتٍ تَحسُن معه، وهي الخشوعُ والاستكانةُ والتضرُّع.
ومعنى (خُفْيَةً)) أي: سِرًّا في النفس لِيبعدَ عن الرِّياء؛ وبذلك أثنى على نبيِّه زكريا
عليه السلام إذ قال مُخبراً عنه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءُ خَفِيًّا﴾(٥) [مريم: ٣]. ونحوه قولُ
النبيِّ ﴾: ((خيرُ الذِّكر الخَفِيُّ، وخيرُ الرزق ما يَكفِي))(٦).
والشريعة مُقرِّرةٌ أن السرَّ فيما لم يُفترَضُ(٧) من أعمال البِرّ أعظمُ أجراً من الجَهْر.
(١) سلف ٤/ ٤٩٣ .
(٢) في النسخ: وهو، والمثبت من (م).
(٣) تهذيب اللغة ٢٣٠/١٠ .
(٤) ١/ ٢١١ وما بعدها.
(٥) تفسير الطبري ٢٤٨/١٠ .
(٦) أخرجه أحمد (١٤٧٧) من حديث سعد بن مالك ﴾.
(٧) في (د) و(م) والمحرر الوجيز ٢/ ٤١٠ (والكلام منه): يعترض، والمثبت من (ز) و(ظ). وعبارة (خ):
والشريعة مقرّرة أنْ ليس فيما تفترض ...

٢٤٥
سورة الأعراف: الآية ٥٥
وقد تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة))(١). قال الحسنُ بنُ أبي الحسن: لقد أَذْركنا أقواماً ما
كان على الأرض عملٌ يقدرون على أن يكون سرًّا فيكون جَهْراً أبداً. ولقد كان
المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يُسمع لهم صوتٌ، إنْ هو إلا الهَمْس بينهم وبين
ربِّهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾. وذَكَر عبداً صالحاً
رضي فعلَه فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءُ خَفِيًّا﴾(٢) [مريم: ٣].
وقد استدل أصحابُ أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء ((آمين)) أولى من الجَهْر بها؛
لأنه دعاء(٣). وقد مضى القولُ فيه في ((الفاتحة))(٤).
وروى مسلم عن أبي موسى قال: كُنَّا مع النبيِّ # في سَفَر - وفي رواية: في
غَزَاةٍ - فجعل الناسُ يجهرون بالتكبير - وفي رواية: فجعل رجلٌ كلما عَلَا ثَنِيَّةً قال:
لا إله إلا الله - فقال رسولُ الله﴾: «أيها(٥) الناس، إِرْبَعُوا على أنفسكم، إنكم
لستُم تدعون أصَمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم)). الحديث(٦).
الثانية: واختلف العلماءُ في رفع اليدين في الدعاء، فكرهه طائفةٌ؛ منهم جُبير بن
مُظْعِم (٧)، وسعيد بن المسيِّب(٨)، وسعيد بنُ جبير. ورأى شُريحٌ رجلاً رافعاً يديه
فقال: مَن تتناول بهما، لا أُمَّ لك(٩)! وقال مسروق لقوم رفَعوا أيديهم: قَطَعَها
الله(١٠). واختاروا إذا دعا اللهَ في حاجةٍ أن يُشِيرَ بأصبعه السبابة، ويقولون: ذلك
(١) ٣٥٩/٤ وما بعدها.
(٢) المحرر الوجيز ٤١٠/٢ .
(٣) أحكام القرآن للكيا ٣/ ١٤٠.
(٤) ١/ ١٩٥ وما بعدها.
(٥) في النسخ الخطية: يا أيها، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم.
(٦) صحيح مسلم (٢٧٠٤): (٤٤) و(٤٦)، وأخرجه أحمد (١٩٥٢٠)، والبخاري (٦٣٨٤).
(٧) ذكره عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٤٣/١١، وعزاه للطبري.
(٨) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف (٣٢٥١).
(٩) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ١٤٣/١١، وعزاه للطبري.
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٧/٢.

٢٤٦
سورة الأعراف: الآية ٥٥
الإخلاصُ(١). وكان قتادةُ يُشير بأصبعه ولا يرفع يدَيْه. وكَرِهَ رفعَ الأيدي عطاء،
وطاوس(٢)، ومجاهد وغيرهم.
ورُوي جوازُ الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروي عن النبيِّ # - ذكره
البخاريُّ - قال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيُّ ﴾، ثم رَفَعَ يدَيْهِ، ورأيتُ بياضَ إِنْطيه.
ومثلُه عن أنس. وقال ابن عمر: رَفَع النبيُّ # يدَيْه وقال: ((اللهم إني أَبْرَأُ إليك مما
صَنَعَ خالد))(٣).
وفي ((صحيح)) مسلم(٤) من حديث عمرَ بنِ الخطاب قال: لما كان يومُ بَدْر نَظَرَ
رسولُ الله﴾ إلى المشركين، وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاث مئة وسبعةَ عشر رجلاً(٥)،
فاستقبل نبيُّ اللـه # القبلةَ مادًّا يَدَيْهِ، فجعل يَهتِفُ بربِّه. وذكر الحديث.
وروى الترمذيُّ عنه قال: كان رسولُ الله ﴿ إذا رَفَع یدَيْه لم يَخُطِّهما حتى يمسحَ
بهما وجهَه. قال: هذا حديثٌ صحيح غريب(٦).
وروى ابن ماجه عن سلمان، عن النبيِّ﴾ قال: ((إنَّ ربَّكم حَیِيٍّ کریمٌ، يستحيي
من عبده أن يرفعَ يدَيْهِ إليه فيردَّهُما صِفْراً [أو قال: ] خائبتين))(٧).
احتجَّ الأوّلون بما رواه مسلم عن عمارةَ بنِ رُوَيبة ورأى بِشْرَ بن مَرْوان (٨) على
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٢٤٧) من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٧.
(٣) أخرج البخاري (٦٣٤١) حديث أنس ﴾، وعلَّق قبله حديثي أبي موسى وابن عمر ﴾، ووصل حديث
أبي موسى برقم (٤٣٢٣)، وحديث ابن عمر برقم (٤٣٣٩).
(٤) الحديث (١٧٦٣)، وسلف ٢٩٦/٥ .
(٥) في صحيح مسلم: تسعة عشرة رجلاً، ورواية المصنف هي رواية المفهم ٣/ ٥٧٢ .
(٦) سنن الترمذي (٣٣٨٦).
(٧) سنن ابن ماجه (٣٨٦٥)، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أبو داود (١٤٨٨) وأخرجه أحمد (٢٣٧١٤)
عن سلمان الفارسي ﴾. موقوفاً، وصححه عنه مرفوعاً ابن حبان (٨٨٠)، والحاكم ٥٣٥/١.
(٨) هو أخو عبد الملك بن مروان، ولي العراقين بعد مقتل مصعب، مات سنة (٧٥هـ). السير ١٤٥/٤.

٢٤٧
سورة الأعراف: الآية ٥٥
المنبر رافعاً يديه فقال: قبَّحَ اللهُ هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسولَ الله # ما يزيد على
أن يقولَ بيده هكذا. وأشار بإصبعه المُسبِّحة(١). وبما روى سعيدُ بن أبي عروبة، عن
قتادة أن أنس بن مالك حَدَّثه أن النبيَّ # كان لا يرفعُ يدَيْه في شيءٍ من الدعاء إلا عند
الاستسقاء، فإنه كان يرفعُهما حتى يُرَى بياضُ إِبْطَيْه.
والأوّل أصحُّ طُرُقاً وأثبتُ من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ فإن سعيداً كان قد
تغيَّر عقلُه في آخر عمره (٢). وقد خالفه شعبةُ في روايته عن قتادة، عن أنس بن مالك،
فقال فيه: كان رسولُ الله # يرفع يدَيْه حتى يُرى بياضُ إِبْطَيْه(٣).
وقد قيل: إنه إذا نزلتْ بالمسلمين نازلةٌ أن الرفعَ عند ذلك جميلٌ حسن؛ كما فعل
النبيُّ # في الاستسقاء، ويوم بَذْر.
قلت: والدعاءُ حَسَن كيفما تيسَّر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار مَوْضِعٍ
الفقر والحاجة إلى الله عزَّ وجلَّ، والتذلَّلِ له والخُضوع. فإن شاء استَقْبَلَ القبلةَ ورفع
يدَيْه فحسنٌ، وإن شاء فلا، فقد فَعَلَ ذلك النبيُّ :﴿ حَسبَما وَرَدَ في الأحاديث. وقد
قال تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]. ولم يُرِد صفةً مِن رفع یدین
وغيرها. وقال: ﴿اُلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فمدَحهم ولم
يشترطُ حالةً غيرَ ما ذكر. وقد دَعَا النبيُّ # في خُطبته يومَ الجمعة وهو غيرُ مستقبل
القِبلة (٤).
(١) صحيح مسلم (٨٧٤)، وهو في مسند أحمد (١٧٢١٩).
(٢) اختلاط سعيد ليس بعلة في هذا الحديث، فقد رواه عنه جماعة قبل اختلاطه، ثم إن حديثه هذا أخرجه
أحمد (١٢٨٦٧)، والبخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٣) لم نقف على هذا اللفظ من طريق شعبة عن قتادة عن أنس . إنما أخرجه من هذه الطريق أبو نعيم في
أخبار أصبهان ١٤١/١ بلفظ حديث سعيد الذي ساقه المصنف، وأخرجه مسلم (٨٩٥): (٥) من طريق
شعبة، عن ثابت، عن أنس قال: رأيتُ رسول الله # يرفع يديه في الدعاء حتى يُری بیاضُ إبطيه. ثم
إن مسلماً رحمه الله قد أورد هذين اللفظين في باب رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء، فليس ثمة
اختلاف بین الروایتین کما ذکر المصنف !.
(٤) أخرجه أحمد (١٣٠١٦)، والبخاري (٦٣٤٢)، ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس﴾. وقد ترجم له
البخاري: باب الدعاء غير مستقبل القبلة.

٢٤٨
سورة الأعراف: الآية ٥٥
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يُرِيد في الدعاء وإنْ كان اللفظُ
عامًّا، إلى هذا هي الإشارة(١). والمُعتدي هو المجاوزُ للحدِّ ومُرتكِبُ الحظر، وقد
يتفاضل بحَسَب ما اعتدى فيه. ورُوي عن النبيِّ # أنه قال: ((سيكون قومٌ يعتَدُون في
الدعاء)». أخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بنُ
سلمة، أخبرنا سعيدٌ الجُرَيرِيّ، عن أبي نَعامة، أن عبد الله بن مُغفَّل سَمِع ابنه يقول:
اللهمَّ إني أسألك القصرَ الأبيضَ عن يمين الجنة إذا دخلتُها. فقال: أَيْ بُنيَّ، سَلِ اللهَ
الجنةَ، وعُذْ بِهِ مِن النار، فإني سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((سيكون قومٌ يعتدون في
الدعاء))(٢).
والاعتداءُ في الدعاء على وجوه: منها الجهرُ الكثير والصِّياح، كما تقدَّم(٣).
ومنها أن يدعوَ الإنسانُ في أن تكونَ له منزلةُ نبيٍّ، أو يدعوَ في مُحال، ونحو هذا
من الشَّطط (٤).
ومنها أن يدعوَ طالباً معصيةً وغير ذلك(٥).
ومنها أن يدعوَ بما ليس في الكتاب والسنَّة، فيتخيَّر ألفاظاً مُفَقَّرة، وكلماتٍ
مُسجَّعة(٦)، قد وجدَها في كراريسَ لا أصلَ لها ولا معوَّل عليها، فيجعلها شعارَه
ويترك ما دعا به رسولُه عليه الصلاة والسلام. وكلُّ هذا يمنعُ من استجابة الدعاء، كما
تقدم في ((البقرة)) بيانُه(٧).
(١) المحرر الوجيز ٤١٠/٢ .
(٢) سنن ابن ماجه (٣٨٦٤)، وأخرجه أحمد (١٦٨٠١) وأبو داود (٩٦) وعندهما : .. في الدعاء والطهور.
(٣) في المسألة الأولى.
(٤) في (خ) و(ز): التشطط.
(٥) المحرر الوجيز ٤١٠/٢ .
(٦) أخرج البخاري (٦٣٣٧) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ... فانظر السَّجع من الدعاء فاجتنبه، فإني
عَهِدتُ رسول الله # وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب.
(٧) ١٧٩/٣ وما بعدها.

٢٤٩
سورة الأعراف: الآية ٥٦
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ
٥٦
رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ فيه مسألةٌ واحدة، وهو أنه
سبحانه نهى عن كلِّ فساد قلَّ أو كَثُر بعد صلاح قلَّ أو كَثُر. فهو على العموم على
الصحيح من الأقوال. وقال الضحاكُ: معناه: لا تُعَوِّروا (١) الماءَ المَعِين، ولا تقطعوا
الشجرَ المُؤمِرَ ضِراراً. وقد وَرَد: قَطْعُ الدنانيرِ من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة
الحُّام من الفساد في الأرض(٢).
وقال القُشَيرِيُّ: المرادُ: ولا تُشْركوا، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والھَرْجِ
في الأرض، وأمرٌ بلزوم الشرائع بعدَ إصلاحها، بعد أن أصلَحَها اللهُ ببعثه(٣) الرسلَ،
وتقرير الشرائع ووضوح مِلَّة محمد﴾. قال ابن عطية(٤): وقائلُ هذه المقالة قَصَدَ إلى
أكبر(٥) فساد بعد أعظم صلاحٍ، فخصَّه بالذِّكر.
قلت: وأمَّا ما ذَكَرِه الضحاكُ؛ فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضررٌ
على المؤمن، وأما ما يعود ضررُه على المشركين فذلك جائزٌ؛ فإن النبيَّ # قد
عَوَّر(٦) ماءَ قَلِيبٍ بدرٍ، وقطعَ شَجَرَ الكافرين(٧). وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في
((هود) إن شاء اللهُ تعالى(٨).
(١) في (د) و(ز) و(ظ): لا تغوروا، والمثبت من (خ) و(م). وجاء في اللسان (عور): عوَّرت عيون المياه:
إذا دفنتها وسددتھا ..
(٢) المحرر الوجيز ٤١٠/٢ .
(٣) في (خ) و(ظ): ببعثة، وفي (د): ببعث.
(٤) في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٠ .
(٥) في (ظ): أکثر.
(٦) في النسخ: غور، والمثبت من (م)، وسلف معناها.
(٧) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٢٠، ١٩١/٢.
(٨) في تفسير الآية (٨٦) منها.

٢٥٠
سورة الأعراف: الآية ٥٦
قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَا﴾ أَمَرَ بأن يكون الإنسانُ في حالة تَرَقُّبِ وتخوُّف
وتأميلٍ لله عزَّ وجلَّ، حتى يكون الرجاءُ والخوف للإنسان كالجناحين للطائر؛
يَحْمِلَانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدُهما هَلَكَ الإنسان(١)، قال الله تعالى:
﴿فَّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠].
فرجَّى وخوَّفَ. فيدعو الإنسانُ خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه؛ قال الله تعالى:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وسيأتي القولُ فيه. والخوفُ: الانزعاجُ لما لا
يُؤْمِّن مِن المَضَارِّ. والطّمع: توقعُ المحبوب، قاله القشيريُّ.
وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلبَ الخوفُ الرجاءَ طولَ الحياة، فإذا جاء
الموتُ غَلَب الرجاءُ(٢). قال النبيُّ ﴾: ((لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله)).
صحيحٌ، أخرجه مسلم (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَنَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: قريبةً. ففيه سبعةٌ
أوجه: أوّلها أن الرَّحْمَةَ والرُّحم واحدٌ، وهي بمعنى العفو والغفران؛ قاله الزجاجُ،
واختاره النحاس(٤). وقال النّضْرُ بنُ شُمَيْل: الرحمة مصدرُ، وحقُّ المصدر التذكير؛
كقوله: ﴿فَمَن ◌َُّهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وهذا قريبٌ من قول الزجاج؛ لأنَّ الموعظةَ
بمعنى الوعظِ(٥). وقيل: أراد بالرَّحْمة الإحسانَ؛ ولأنَّ ما لا يكونُ تأنيثُه حقيقيًّا جازَ
تذكيره، ذكره الجوهريُ(٦). وقيل: أَرَادَ بالرحمةِ هنا المَطَرَ؛ قاله الأخفش(٧). قال:
ويجوزُ أن يُذكَّر كما يذكَّر بعْضُ المؤنث. وأنشد:
(١) المحرر الوجيز ٤١١/٢ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) الحديث (٢٨٧٧)، وهو في مسند أحمد (١٤١٢٥) من حديث جابر ﴾.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٤٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢.
(٥) تفسير الرازي ١٤/ ١٣٧.
(٦) في الصحاح (قرب).
(٧) في معاني القرآن له ٥١٩/٢ .

٢٥١
سورة الأعراف: الآية ٥٦
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَت وَدْقَها ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَها (١)
وقال أبو عبيدةً(٢): ذُكِّر ((قَرِيبٌ)) على تذكير المكان، أي: مكاناً قريباً. قال عليّ
ابنُ سليمان: وهذا خطأ، ولو كان كما قال؛ لَكَان ((قَرِيبٌ)) منصوباً في القرآن، كما
تقول: إن زيداً قريباً منك.
وقيل: ذُكِّر على النسب، كأنه قال: إنَّ رحمةَ اللهِ ذاتُ قُرْبٍ، كما تقول: امرأةٌ
طالقٌ وحائضٌ(٣).
وقال الفَرَّاءُ: إذا كان القريبُ في معنى المسافة يُذَكَّر ويُؤنَّث، وإذا (٤) كان في
معنى النسب يؤنثُ بلا اختلافٍ بينهم. تقول: هذه المرأةُ قريبتي، أي: ذاتُ قرابتي،
+(٥)
ذكره الجوهري
.
وذكر غيره عن الفرَّاء: يقالُ في النسب: قريبةُ فلان، وفي غير النَّسَبِ يجوز
التذكيرُ والتأنيث، يقال: دارُكَ مِنَّا قريبٌ، وفلانةُ منا قريبٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وقال مَن احتجَّ له: كذا كلامُ العرب،
كما قال امرؤ القيس :
لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى ولا أمَّ هاشم قَرِيبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنةُ يَشْكُرا (٦)
قال الزجاج(٧): وهذا خطأ؛ لأن سبيلَ المذكَّر والمؤنَّث أَنْ يجريا على أفعالهما.
(١) البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الكتاب ٤٦/٢، ومجاز القرآن ٦٧/٢، وخزانة الأدب ٤٥/١ .
والمُزنة: واحدة المُزْن، وهي السحابة البيضاء. والوَدّق: المطر. وأبقلَ: أي: نبت بقلُه. خزانة الأدب.
(٢) في مجاز القرآن ٢١٦/١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣٢/٢.
(٤) في (م): وإن.
(٥) في الصحاح (قرب)، وينظر معاني الفراء ١/ ٣٨٠ - ٣٨١ .
(٦) سلف ٤١٣/٣ .
(٧) في معاني القرآن له ٣٤٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢ - ١٣٢.
وما قبله منه، وقول الفراء السالف في معاني القرآن له ٣٨٠/١ - ٣٨١.

٢٥٢
سورة الأعراف: الآية ٥٧
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا
أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ اَلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَنِ
كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (®]﴾
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيٍِّ﴾ عطفٌ على قوله:
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾. ذكر شيئاً آخرَ من نِعَمه، ودَلَّ على وحدانيته وثبوتٍ إلَهِيَّتِه. وقد
مضَى الكلامُ في الريح في ((البقرة))(١). ورياح جمعُ كَثْرة، وأرواح جمع قِلَّة. وأصل
ريح: روح. وقد خطئ مَن قال في جمع القلة: أرباح.
﴿بُشرا﴾ فیه سبع قراءات:
قرأ أهلُ الحرمين وأبو عمرو: ((نُشُرا)) بضم النون والشين(٢)؛ جمع ناشِر على
معنى النسب، أي: ذات نُشُر، فهو مثلُ: شاهد وشُهُد. ويجوز أن يكون جمع نَشُور؛
كرَسُول ورُسُل. يقال: ريح النشور: إذا أتت من هاهنا وهاهنا. والنَّشُور بمعنى
المنشور؛ كالرَّكوب بمعنی المرکوب. أي: وهو الذي يُرسل الرِّیاح مُنْشَرة.
وقرأ الحسن وقتادة: ((تُشْراً)) بضم النون وإسكان الشين(٣) مخفّفاً من نُشُر؛ كما
يقال: گُتْب ورُسْل.
وقرأ الأعمش وحمزة: (نَشْراً)) بفتح النون وإسكان الشين على المصدر (٤)، أعمل
فيه معنى ما قبله، كأنه قال: وهو الذي يَنشر الرِّياح نَشْراً. نَشَرْتُ الشيءَ فانتشر،
فكأنَّها كانت مطوية فنُشرت(٥) عند الهُبُوب. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال
من الرياح؛ كأنه قال: يرسل الرياح مُنْشِرة(٦)، أي: مُحيية؛ من أنْشَر اللهُ الميتَ
(١) ٢٩٨/٢ عند تفسير الآية ١٩٧ منها.
(٢) يعني هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. السبعة ص٢٨٣، والتيسير ص١١٠.
(٣) وهي قراءة ابن عامر من السبعة.
(٤) وهي قراءة الكسائي أيضاً.
(٥) في (خ) و(ز): فتنشر. وفي (ظ): تنشر. والمثبت من (م).
(٦) في (ظ): منتشرة.

٢٥٣
سورة الأعراف: الآية ٥٧
فَشَر(١)، كما تقول: أتانا رَكْضاً، أي: راكضاً. وقد قيل: إن نَشْراً - بالفتح - من النَّشْر
الذي هو خلاف الطَّيِّ، على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطويَّة، ثم تُرسل من
طَيِّها ذلك، فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيدة(٢) بمعنى: متفرّقة في وجوهها،
على معنى ينشرها هاهنا وهاهنا.
وقرأ عاصم: ((بُشْرآ)) بالباء وإسكان الشين والتنوين؛ جمع بشير، أي: الرياح
تُبَشِّر بالمطر، وشاهده قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنْ يُرْسِلَ اُلْرِيَجَ مُبَشْرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. وأصل
الشين الضمُّ، لكن سُكِّنت(٣) تخفيفاً؛ كرسُل(٤) ورُسْل. ورُوي عنه ((بَشْراً)) بفتح
الباء(٥). قال النحاس: ويَقرأ: ((بُشْراً))، و(بَشْراً)) (٦)؛ مصدر بشَرَه يبشره بمعنى بشّره.
فهذه خمس قراءات. وقرأ اليمانِي: ((بُشْرَى))(٧)، على وزن حُبْلَى. وقراءة سابعة:
(بُشُرآ))(٨) بضم الباء والشين.
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ السحاب يُذَكَّر ويُؤَنَّث، وكذا كلُّ
جمع بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعتُه بواحد؛ فتقول: سحابٌ ثقيلٌ وثقيلة(٩).
والمعنى: حملت الريحُ سَحاباً ثِقَالاً بالماء، أي: استقلت(١٠) بحمله. يقال: أقلّ
(١) في (ظ): ينشره.
(٢) في (خ) و(ز) و(م): أبو عبيد. والمثبت من (ظ). وكلامه بنحوه في مجاز القرآن ٢١٧/١ .
(٣) في (ظ): وأسكنت.
(٤) في النسخ الخطية: كرسول. والمثبت من (م).
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٤ لعصمة عن عاصم. ونسبها ابن جني في المحتسب ٢٥٥/١
لأبي عبد الرحمن، والقراءة المتواترة عن عاصم هي التي ذكرها عنه أولاً.
(٦) ينظر إعراب القرآن ١٣٣/١. وقوله: يقرأ، يعني عاصم.
(٧) القراءات الشاذة ص٤٤، والمحتسب ١/ ٢٥٥، وزادا نسبتها لابن قطيب.
(٨) في (م): بُشُرى. والمثبت موافق لإعراب القرآن. والقراءة نسبها ابن جني في المحتسب ٢٥٥/١ لابن
عباس والسلمي بخلاف، وعاصم بخلاف.
(٩) إعراب القرآن للنحاس ١٣٣/٢.
(١٠) في (م): أثقلت.

٢٥٤
سورة الأعراف: الآية ٥٧
فلان الشيءَ، أي: حَمَله.
﴿سُقْنَهُ﴾ أي السحاب. ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ أي ليس فيه نبات. يقال: سقتُه لبلد كذا،
وإلى بلد كذا. وقيل: لأجل بلد ميت؛ فاللام لام أَجْل.
والبلدُ: كلُّ موضع من الأرض عامٍ أو غيرِ عامر، خالٍ أو مسكون(١).
والبلدة والبلد: واحد البلاد والبلدان.
والبَلَد: الأثر، وجَمْعه: أبلاد. قال الشاعر(٢):
مِن بعدٍ ما شَملَ البِلَى أبلادَها
والبلد: أُدْحِيُّ النَّعام(٣). يقال: هو أَذَلُّ من بَيْضَة البلد؛ أي: من بيضة النعام التي
یتر کھا.
والبلدة: الأرض؛ يقال: هذه بلدتنا، كما يقال: بَحْرَتُنَا.
والبَلْدَة: من منازل القمر، وهي ستَّةُ أنْجُم من القوس، تنزلها الشمس في أقصر
يوم في السَّنَّة(٤).
والبلدة: الصَّدر؛ يقال: فلان واسع البلدة؛ أي: واسع الصدر؛ قال الشاعر:
أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فوقَ بلدةٍ قليلٍ بها الأصواتُ إلَّا بُغَامُها(٥)
يقول: بَرَكَّتِ الناقةُ، فألقت صدرها على الأرض.
والبُلدة؛ بفتح الباء وضمها: نقاوة ما بين الحاجبين(٦)؛ فهما من الألفاظ
المشتركة.
(١) تهذيب اللغة ١٤/ ١٢٧.
(٢) هو ابن الرقاع، كما في الصحاح (بلد) - وعنه نقل المصنف - وتهذيب اللغة ١٢٩/١٤، واللسان (بلد).
(٣) هو موضعها الذي تفرِّخ فيه.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ١٢٨/١٤.
(٥) قائله ذو الرمة، والبيت في ديوانه ٢/ ١٠٠٤ (شرح الأصمعي). وقوله: بُغامها؛ بغام الناقة: صوت لا
تفصح به. الصحاح (بغم).
(٦) الصحاح (بلد)، وما قبله منه.

٢٥٥
سورة الأعراف: الآيتان ٥٧ - ٥٨
﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ آلْمَآءُ﴾ أي: بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلةٌ
لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون المعنى: فأنزلنا منه الماء، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾
[الإنسان: ٦] أي: منها.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَنِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الكاف في موضع
نصب، أي: مثل ذلك الإخراج يحيي الموتى. وخرج البيهقيُّ وغيرُه: عن أبي رَزِين(١)
العُقَيْلي قال: قلتُ: يا رسول الله، كيف يُعيد اللهُ الخلقَ، وما آيةُ ذلك في خلقه؟
قال: ((أمَا مَرَرْتَ بوادِي قومِك جَدْباً، ثم مَرَرْتَ به يَهْتَزُّ خَضِراً؟)) قال: نعم، قال:
((فتلكَ آيَةُ اللهِ في خَلْقِهِ))(٢).
وقيل: وجهُ التشبيه أنَّ إحياءَهم من قبورهم يكون بمطر يبعثُه اللهُ على قبورهم،
فتنشقُّ عنهم القبورُ، ثم تعودُ إليهم الأرواحُ.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ﴾: ((ثم يرسلُ اللهُ
- أو قال: يُنْزِلُ اللهُ - مَطَراً كأنه الطَّلُّ، فتَنْبُتُ منه أجسادُ الناس، ثم يقال: يا أيها
الناسُ، هَلُمُّوا(٣) إلى ربكم، وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤولون)). وذكر الحديث(٤). وقد ذكرناه
بكماله في كتاب التذكرة(٥) والحمد لله، فدَلَّ على البعث والنشور، وإلى الله ترجع
الأمور.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْيُ إلَّا
نَكِدَّأْ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَلَّذِى خَبُكَ لَا يَخْرُ إِلَّا تَكِدًا﴾
(١) في النسخ الخطية: ابن رزين، والمثبت من (م). واسمه لقيط بن عامر.
(٢) هو عند البيهقي في الاعتقاد ص ١٤٥، وفي الأسماء والصفات (١٠٦٩) و(١٠٧٠). وأخرجه أيضاً أحمد
في مسنده (١٦١٩٣)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٦٠ .
(٣) في صحيح مسلم: هلم.
(٤) صحيح مسلم (٢٩٤٠). وأخرجه أيضاً أحمد (٦٥٥٥).
(٥) ص١٦٥ باب انقراض هذا الخلق وذكر هذا النفخ.

٢٥٦
سورة الأعراف: الآية ٥٨
أي: التُّربة الطيِّبة. والخَبِيثُ: الذي في تربته حجارة أو شوك؛ عن الحسن. وقيل:
معناه التشبيه، شبَّه تعالى السريعَ الفَهْم بالبلد الطَّيِّب، والبَلِيدَ بالذي خَبُثَ؛ عن
النحاس(١). وقيل: هذا مَثَلٌ للقلوب؛ فقلبٌ يقبل الوعظَ والذِّكْرى، وقلبٌ فاسقٌ يَنْبُو
عن ذلك؛ قاله الحسن أيضاً. وقال قتادة: مَثَلٌ للمؤمن يعمل محتسِباً متطوِّعاً،
والمنافق غير محتسب(٢). قال رسول اللـه﴾: ((والذي نفسي بيده، لو يَعْلَمُ أحدُهم أنه
يَجِدُ عَظْماً سَميناً، أو مِرْمَاتَيْن حَسَنَتَين لشَهِدَ العِشاء)»(٣).
﴿تَكِدٌَّ﴾ نصب على الحال، وهو العَسِرُ الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل.
قال مجاهد: يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث(٤).
وقرأ طلحة: ((إلَّا تَكْداً))(٥) حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ابن القَعْقَاع: ((نَكَّداً)) بفتح
الکاف(٦)، فهو مصدر بمعنی: ذا نكد؛ كما قال:
فإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالُ وإِذْبَار (٧)
وقيل: (نَكِداً)) بنصب الكاف وخفضها بمعنّى؛ كالذَّنَف والدَّنِف، لغتان(٨).
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ﴾ أي: كما صَرَّفنا من الآيات - وهي الحجج والدِّلالات -
في إيطال الشرك؛ كذلك نُصَرِّف الآيات(٩) في كلِّ ما يحتاج إليه الناس. ﴿لِقَوْمٍ
(١) ينظر إعراب القرآن له ١٣٤/٢.
(٢) أخرج نحوه الطبري ٢٥٩/١٠ .
(٣) أخرجه أحمد (٧٣٢٨)، والبخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﴾. وقوله:
مرماتين؛ المرْماة: ظِلْفُ الشاة، وقيل: ما بين ظِلْفَيها، وتكسر ميمه وتفتح. النهاية (رمى).
(٤) أخرجه الطبري ٢٥٨/١٠ - ٢٥٩ .
(٥) القراءات الشاذة ص٤٤ .
(٦) ابن القعقاع هو أبو جعفر، من العشرة، وقراءته في النشر ٢/ ٢٧٠ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٢. والبيت للخنساء وهو في ديوانها ص٤٨، وصدره: ترتع ما رتعت
حتى إذا اذكرت، وسلف ٣/ ٥٤ .
(٨) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٨٢/١.
(٩) قوله: الآيات، من (م).

٢٥٧
سورة الأعراف: الآية ٥٩
يَشْكُرُونَ﴾ وخصَّ الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَاهِ
(٥٩
غَيْرُهُ، إِّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ﴾ لما بَيَّن أنه الخالق
القادر على الكمال؛ ذَكَر أقاصيصَ الأمم وما فيها من تحذير الكفّار. واللام في ((لقد))
للتأكيد المنبِّه على القسم. والفاء دالَّة على أنَّ الثاني بعد الأوَّل. ﴿يَقَّوْمِ﴾ نداء
مضاف، ويجوز: ((يا قومي)) على الأصل(١).
ونوحٌ أوَّلُ الرُّسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات
والعمات والخالات. قال النحاس(٢): وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف، وقد يجوز
أن يُشتقَّ من ناح ينوح؛ وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٣) هذا المعنى وغيره فأغنى عن
إعادته.
قال ابن العربيّ: ومَن قال من المؤرِّخين: إنَّ إذْرِيسَ كان قبله(٤)؛ فقد وَهِم.
والدليلُ على صحة وهمِه الحديثُ الصحيحُ في الإسراء(٥)، حين لقيَ النبيُّ # آدَمَ
وإدريس، فقال له آدم: ((مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالِحِ، والابنِ الصَّالح))، وقال له إذْرِيسُ:
(مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالح، والأخِ الصالح)) فلو كان إدريس أباً لنوح [على صلب محمد]
لقال: مرحباً بالنبيِّ الصالح، والابن الصالح. فلمَّا قال له: والأخ الصالح ؛ دَلَّ ذلك
على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا.
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٢.
(٢) في إعراب القرآن ٣٦٨/١.
(٣) ٩٤/٥ عند الآية (٣٣).
(٤) في النسخ: ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين. والمثبت من أحكام القرآن ٧٧٥/٢ . وما
بین حاصرتین منه.
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر ﴾. وينظر حديث أبي بن كعب في مسند
أحمد (٢١٢٨٨).

٢٥٨
سورة الأعراف: الآية ٥٩
قال القاضي عياض (١): وجاء جواب الآباء هاهنا؛ كنوح وإبراهيم وآدم: ((مَرْحَباً
بالابنِ الصَّالح))، وقال عن إدريس: ((بالأخ الصالح)) كما ذكر عن موسى وعيسى
ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بِأبٍ - باتِّفاق - للنبيِّ ﴾.
وقال المازرِيُّ(٢): قد ذكر المؤرِّخون أنَّ إدريس جدُّ نوح عليهما السلام، فإن قام
الدليلُ على أنَّ إدريس بُعِثَ أيضاً؛ لم يصحَّ قولُ السّابين: إنه قبل نوح؛ لِمَا أخبر
عليه الصلاة والسلام من قول آدم: إنَّ نوحاً أوَّلُ رسول بُعث، وإنْ لم يقم دليلٌ جاز
ما قالوا، وصحَّ أنْ يُحمل أنَّ إدريس كان نبيًّا غيرَ مرسل.
قال القاضي عياض(٣): قد يُجمع بين هذا بأن يقال: اختصَّ بعثُ نوح لأهل
الأرض - كما قال في الحديث(٤) - كافَّة؛ كنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، ويكون إدريس
لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم. وقد استدلَّ بعضهم على هذا بقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَلَا نَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٣-١٢٤]. وقد
قيل: إنَّ إلياسَ هو إدريسُ، وقد قُرئ: ((سلام على إِذْرَاسِين))(٥).
قال القاضي عياض(٦): وقد رأيت أبا الحسن ابنَ بَطَّال ذهب إلى أنَّ آدم ليس
برسول؛ ليَسلم من هذا الاعتراض. وحديثُ أبي ذَرِّ الطويل يدلُّ على أنَّ آدمَ وإدريس
رسولان.
(١) في إكمال المعلم ١/ ٥٠٢ .
(٢) في المعلم ١/ ٣٤١ . ونقل المصنف عنه بواسطة إكمال المعلم ١/ ٥٧٥ .
(٣) في إكمال المعلم ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦ .
(٤) حديث الشفاعة عند أحمد (١٢١٥٣)، والبخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس بن
مالك ﴾.
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٨ لابن مسعود، وزاد ابن جني في المحتسب ٢٢٤/٢
نسبتها ليحيى والأعمش والمنهال والحكم بن عيينة، وقال: فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلم
الأعجمي؛ لأنه ليس من لغتها.
(٦) إكمال المعلم ١/ ٥٧٦ .

٢٥٩
سورة الأعراف: الآية ٥٩
قال ابن عطية(١): ويجمع ذلك بأن تكون بعثةُ نوح مشهورةً لإصلاحِ الناس
وحملِهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان؛ فالمراد أنه أوَّل نبيِّ بُعث على هذه الصفة.
والله أعلم. ورُوي عن ابن عباس: أنَّ نوحاً عليه السلام بُعث ابن (٢) أربعين سنة. قال
الكلبيُّ: بعد آدم بثمان مئة سنة.
وقال ابنُ عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً؛ كما أخبر
التنزيل(٣)، ثم عاش بعد الطوفان ستِّين سنة، حتى كثُر الناس وفَشَوْا(٤). وقال وهب:
بُعث نوحٌ وهو ابنُ خمسين سنة(٥). وقال عَوْن بن شدَّاد: بُعث نوحٌ وهو ابنُ ثلاث مئة
وخمسين سنة (٦).
وفي كثير من كتب الحديث؛ الترمذيِّ وغيرِهِ: أنَّ جميعَ الخلق الآن من ذرِّيَّة نوحِ
عليه السلام(٧).
وذكر النَّقَّاشُ عن سليمان بن أَرْقَم عن الزُّهريِّ: أنَّ العربَ وفارسَ والرومَ وأهلَ
الشام وأهل اليمن من ولد سَامٍ بن نوح. والسند والهند والزِّنج والحبشة والزُّطُ
والنُّوبة، وكلُّ جلد أسود من ولد حَامٍ بن نوح. والترك وبَرْبَرْ ووراء الصين ويأجوج
ومأجوج والصقالبة؛ كلُّهم من ولد يَافِثَ بن نوح. والخلق كلُّهم ذرية نوح(٨).
(١) في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٦. وحديث أبي ذرّ الذي أشار إليه المصنف سلف ذكره قريباً.
(٢) في (م): وهو ابن.
(٣) في قوله تعالى: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَكٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٦٠ - ٦١ موقوفاً. وأخرجه الحاكم ٥٤٥/٢ - ٥٤٦ مرفوعاً.
(٥) المحرر الوجيز ٤١٦/٢ .
(٦) أخرجه الطبري ٣٧٠/١٨ .
(٧) أخرج نحوه البزار (٢١٨) (زوائد) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وقال: لا نعلم أسنده عن النبي # إلا
أبو هريرة بهذا الإسناد ... ورواه غيره مرسلاً، وإنما جعله من قول سعيد [بن المسيب]. اهـ. وأخرجه
الحاكم ٤/ ٤٦٣ موقوفاً على سعيد بن المسيب وحديث الترمذي في التعليق التالي.
(٨) المحرر الوجيز ٤١٦/٢. وأخرج الترمذي (٣٢٣٠) عن سمرة، عن النبي # في قول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] قال: ((حام وسام ويافث)). وقال: حديث حسن غريب . =

٢٦٠
سورة الأعراف: الآيات ٥٩ - ٦٢
قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ برفع ((غَيْرُهُ)) قراءةُ نافع وأبي عمرو وعاصم
وحمزة(١)؛ أي: ما لكم إلهٌ غيرُه؛ نعتٌ على الموضع. وقيل: ((غير)) بمعنى إلا؛ أي:
ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجرَّ ولا النصبَ. وقرأ الكسائيُّ
بالخفض على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير؛ غير أنَّ الكسائي
والفراءَ أجازا نصبَ ((غير)) في كل موضع يحسن فيه ((إلّا))؛ تَمَّ الكلامُ أو لم يتمّ.
فأجازا: ما جاءني غيرَك(٢).
قال الفراء (٣): هي لغةُ بعضِ بني أَسَد وقُضَاعَة. وأنشد:
لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أنْ هَتَفَتْ حمامةٌ في سَحُوقٍ ذاتٍ أوْقَالٍ (٤)
قال الكسائيُّ: ولا يجوز: جاءني غيرَك، في الإيجاب؛ لأن إلا لا تقع هاهنا.
قال النحاس(٥): لا يجوز عند البصريين نصبُ ((غير)) إذا لم يتمَّ الكلام، وذلك عندهم
من أقبح اللَّحن.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ* إِنَّا لَرَئِكَ فِ ضَلَلِ تُِّينٍ (٨) قَالَ يَقَوْمِ
أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِى وَأَصَحُ
٦١
لَيْسَ بِي ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
((المَلَأُ)): أشراف القوم ورؤساؤهم، وقد تقدَّم بيانه في ((البقرة))(٦).
= وأخرجه أيضاً (٣٢٣١) عن سمرة، عن النبي ﴿ قال: ((سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو
الروم)). وهو في مسند أحمد (٢٠٠٩٩).
(١) وهي أيضاً قراءة ابن كثير وابن عامر. السبعة ص ٢٨٤، والتيسير ص١١٠ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٢ - ١٣٥ وجواز نصب ((غيره)) يعني في اللغة لا في القراءة.
(٣) في معاني القرآن ١/ ٣٨٢. ونقل عنه المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٢.
(٤) نسبه سيبويه في الكتاب ٣٢٩/٢ لكناني، ونُسب في شرح شواهد المغني ٤٥٨/١ وشرح المفصل لابن
يعيش ٣/ ٨٠ لأبي قيس بن رفاعة. وذكره في اللسان (وقل) دون نسبة، وقال: السحوق: ما طال من
الدَّوْم (وهو ضِخام الشجر)، وأوقاله: ثماره.
(٥) في إعراب القرآن ١٣٥/٢ وما قبله منه.
(٦) ٢٢٨/٤ عند الآية ٢٤٦ .