النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة الأعراف: الآية ٣١ وللشَّرابِ(١) أيضاً آدابٌ معروفةٌ، تركنا ذِكرها لِشهرتِها. وفي ((صحيح)) مسلم(٢) عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله ﴿ قال: ((إذا أكلَ أحدُكم فَلْيأْكُلْ بيمينهِ، وإذا شَرِبَ فَلْيشرَبْ بيمينهِ؛ فإنَّ الشيطانَ يأكُلُ بشمالِهِ ويشربُ بشمالِهِ)). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرِفُواْ﴾ أي: في كَثْرةِ الأكلِ، وعنه يكونُ كَثْرَةٌ الشُّرب، وذلك يُثْقِلُ المَعِدَةَ، ويُثْبِّطُ الإنسانَ عن خدمةِ ربِّه والأخذِ بحظّه مِن نوافلٍ الخير، فإنْ تعدَّى ذلك إلى ما فوقَه ممَّا يمنعُه القيامَ بالواجبِ(٣)، حَرُمَ عليه، وكان قد أسرفَ في مَطْعَمِه ومَشْرِهِ. روى أسدُ بن موسى من حديث عون بن أبي جُحَيْفةً، عن أبيه قال: أكلتُ ثريداً بلحم سمين، فأتيتُ النبيَّ ﴾ وأنا أتَجشَأْ(٤)، فقال: ((آكْفُفْ عليك من جُشائِك أبا جُحَيفةَ، فإنَّ أكثرَ الناسِ شِبَعاً في الدنيا أطولُهم جوعاً يومَ القيامةِ)). فما أكلَ أبو جُحيفة بملءٍ بَظْنِه حتى فارقَ الدنيا، وكان إذا تغذَّى لا يتَعشى، وإذا تعشَى لا يتغدَّى(٥). قلتُ: وقد يكونُ هذا معنَى قولِه عليه الصلاة والسلام: ((المؤمنُ يأكلُ في مِعَّى واحد)) أي: التامُّ الإيمان؛ لأنَّ مَن حَسُنَ إسلامُه وكَمَلَ إيمانُه كأبي جُحيفة تفكّرَ فيما يصيرُ إليه مِن أمرٍ الموت وما بعده، فيمنعُهُ الخوفُ والإشفاقُ مِن تلك الأهوال مِن استيفاء شهواته، والله أعلم. (١) في (ظ): وللشرب. (٢) الحديث (٢٠٢٠)، وهو في مسند أحمد (٤٥٣٧). (٣) بعدها في (خ) و(د) و(ز) و(م): عليه، والمثبت من (ظ). (٤) في (خ) و(د): أتجشّى، ولم تجوَّد في (ظ)، والمثبت من (ز)، وهو الموافق للمصادر. (٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٢٤)، والبيهقي في الشعب (٥٦٤٤) من طريق أسد بن موسى، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٥٣٧ ، وفي إسناده الوليد بن عمرو بن ساج، قال ابن عدي: مع ضعفه يُكتّب حديثه. وأخرج المرفوع منه - دون ذكر أبي جُحيفة - الترمذي (٢٤٧٨)، وابن ماجه (٣٣٥٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ٢٠٢ سورة الأعراف: الآيتان ٣١ -٣٢ وقال ابن زيد: معنى ((ولا تُسْرِفُوا)): لا تأكلُوا حراماً(١). وقيل: ((مِنَ السَّرَفِ أنْ تأكلَ كلَّ ما اشتَهَيْتَ))، رواه أنسُ بن مالك عن النبيِّ ﴾، خرَّجه ابنُ ماجه في ((سننه)(٢). وقيل: مِن الإسرافِ الأكلُ بعدَ الشِّبَع، وكلُّ ذلك محظورٌ(٣). وقال لقمان لابنِه: يا بُنيَّ، لا تأكُلْ شِبَعاً فوقَ شِبَع، فإنَّكَ إنْ تَنِذْهُ للكلبِ خيرٌ مِن أنْ تأكلَهُ(٤). وسألَ سَمُرةُ بن جُنْدُب عن ابنه ما فعلَ. قالوا: بَشِمَ البارحةَ، قال: بَشِمَ! فقالوا: نعم، قال: أما إنَّه لو ماتَ ما صلَّيتُ عليه(٥). وقيل: إنَّ العربَ في الجاهلية كانوا لا يأكلون دَسماً في أيَّام حجّهم، ويكتفونَ باليسيرِ مِن الطعام، ويطوفون عُراةً، فقيل لهم: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَأَثْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ أي: لا تُسرِفوا في تحريمِ ما لم يُحرَّمْ عليكم(٦). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَّمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ﴾ بَيَّن أنَّهم حَرَّموا مِن تلقاءِ أنفسِهم ما لم يُحرِّمْهِ الله عليهم. والزينةُ هنا: المَلْبَسُ الحسَنُ؛ إذا قدَرَ علیه صاحبُه، وقيل: (١) أخرجه الطبري ١٥٦/١٠ . (٢) الحديث (٣٣٥٢)، وفي إسناده نوح بن ذكوان، قال فيه أبو حاتم: ليس بشيء وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. ميزان الاعتدال ٤/ ٢٧٧ . (٣) أحكام القرآن للكيا ١٣٨/٣. (٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٥٣٩)، وأحمد بن حنبل في الزهد ص ٩٧ ، والبيهقي في شعب الإیمان (٤٨٩١) و(٥٦٩٨) عن الحسن. (٥) أخرجه أحمد في الزهد ص٢٤٨، وفي الورع ص١٠٢، والبغوي في الجعديات (٣٢٢١). والبَشَم: التُّخمة عن الدسم. النهاية (بشم). (٦) أخرجه الطبري ١٥٥/١٠ عن السدي. ٢٠٣ سورة الأعراف: الآية ٣٢ جميعُ الثياب، كما رُويَ عن عمر: إذا وسَّع الله عليكم فأَوسِعُوا، وقد تقدَّم(١). ورُوي عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب شيخ مالك(٢) ﴾ أنَّه كان يلبَسُ كِساءَ خَزِّ بخمسين ديناراً، يلبَسُه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدَّقَ به، أو باعَهُ، فتصدَّقَ بثمنهِ، وكان يلبَسُ في الصيف ثوبينٍ مِن مَتاعٍ مِصرَ مُمَشَّقَيْن، ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّيَّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ، وَلَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾(٣). الثانية: وإذا كان هذا فقد دلَّت الآيةُ على لباس الرفيع مِن الثياب، والتجمُّلِ بها في الجُمَع والأعياد، وعند لقاءِ الناسِ ومزاوَرةِ الإخوان، قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوَروا تجمَّلوا (٤)، وفي ((صحيح)) مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنَّه رأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُباع عند بابِ المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتَها ليومٍ الجمعة وللوفودِ إذا قَدِموا عليك؟ فقال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((إنَّما يَلْبَسُ هذا مَن لا خَلاقَ له في الآخرَة)»(٥)، فما أنكرَ عليه ذِكْرَ التجمُّل، وإنَّما أنكرَ عليه كونَها سِيَرَاءَ، وقد اشترى تميمُ الدَّارِيّ حُلَّةٌ بألفِ درهم كان يُصلِّي فيها، وكان مالك بن أنس(٦) يَلبَسُ الثيابَ العدَنيَّةَ الجيادَ، وكان ثوبُ أحمد بن حنبل يُشترَى بنحوِ الدینار. (١) ١٩١/٧ . (٢) في هذا الكلام نظر فهو من شيوخ أشياخ مالك فقد ولد الإمام مالك سنة (٩٣هـ) كما في السير ٤٩/٨، وتوفي الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﴾ (وهو الملقب بزين العابدين) في هذه السنة، وقيل: (٩٤هـ)، وقيل: (٩٢هـ)، وقيل: (١٠٠)، كما في التمهيد ١٥٨/٩، والله أعلم. (٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢١٨/٥، وابن عبد البر في التمهيد ١٥٨/٩ - ١٥٩. وقوله: ممشقين: المَشْق: المَغرة، وهو صبغ أحمر، وثوب ممشوق وممشَّق: مصبوغ بالمشق. اللسان (مشق). ووقع في الطبقات: أشمونیین بدل: ممشقین. (٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١١٥/٧، والبخاري في الأدب المفرد (١/٣٤٨). (٥) صحيح مسلم (٢٠٦٨)، وأخرجه أحمد (٤٧١٣)، والبخاري (٨٨٦)، وقوله: حلة سِيْراء، أي: حلة حرير. النهاية ٢/ ٤٣٣ . (٦) في النسخ: مالك بن دينار، والمثبت من تلبيس إبليس ص ١٩٣ (والكلام منه)، وطبقات ابن سعد (القسم المتمم) ٤٣٤/١، والسير ٨/ ٧٠ . ٢٠٤ سورة الأعراف: الآية ٣٢ أين هذا ممَّن يَرغبُ عنه ويُؤثِرُ لباسَ الخَشِن مِن الكَتَّانِ والصوفِ مِن الثياب، ويقول: ﴿وَلَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؟! هيهات! أَتُرى مَن ذكرنا تركوا لباسَ التقوى، لا والله! بل هم أهلُ التقوى وأُولو المعرفَةِ والنُّهَى، وغيرُهم أهلُ دَعْوَى، وقلوبُهم خاليةٌ مِن التقوى. قال خالد بن شَؤْذَب(١): شَهِدْتُ الحسنَ وأتاهُ فَرْقَد، فأخذَه الحسنُ بكسائِهِ فمدَّه إليه وقال: يا فُرَيْقدُ، يا ابنَ أُمِّ فُريقد، إنَّ البِرَّ ليس في هذا الكساء، إنَّما البِرُّ ما وَقَرَ في الصدرِ وصدَّقَه العمَلُ(٢). ودخَل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخيّ على أبي الحسن بن بشار(٣) وعليه جبَّةُ صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوَّفْتَ قلبَكَ أو جسمَك؟ صَوِّقْ قلبَكَ، والبَسِ القُوهِيَّ على القُوهِيِّ(٤). وقال رجلٌ للشِّبْليِّ: قد ورَدَ جماعةٌ مِن أصحابِكَ وهم في الجامع، فمضَى فرأى عليهم المُرقَّعاتِ والفُوَطَ، فأنشأ يقول: أمَّا الخيامُ فإنَّها كَخِيامِهِم وأرَى نساءَ الحيِّ غِيرَ نِسائِها(٥) قال أبو الفرج ابن الجوزِيّ رحمه الله (٦): وأنا أكرَهُ لُبْسَ الفُوَطِ والمُرفَّعات لأربعة أوجه: أحدها: أنَّه ليس مِن لُبْسِ السَّلَف، وإنَّما كانوا يُرقِّعون ضرورةً. والثاني: أنَّه يتضمَّنُ ادعاءَ الفقر، وقد أُمِرَ الإنسانُ أنْ يُظهِرَ نعمةٍ (٧) الله عليه. (١) أبو عبد الرحمن الجشمي البصري، الجرح والتعديل ٣٣٦/٣. (٢) أخرجه أحمد في الزهد ص٣٢٧ ، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٨٩. (٣) في (د) و(ز): يسار، والكلام في تلبيس إبليس ص ١٩٢ . وأبو الحسن بن بشار هو علي بن محمد بن بشار الزاهد، توفي سنة (٣١٣هـ). طبقات الحنابلة ٢/ ٥٧ ، والقصة فيه. (٤) القوهي: ضرب من الثياب بيض، فارسي منسوبة إلى قوهستان. اللسان (قوه). (٥) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٨٤ . والبيت لأبي الحسن الفالي، كما في معجم الأدباء ٢٢٧/١٢. (٦) في تلبيس إبليس ص١٨٤ . (٧) في (د) و(ز) و(م): أثر نعم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وتلبيس إبليس. ٢٠٥ سورة الأعراف: الآية ٣٢ والثالث: إظهارُ التزهُّد، وقد أُمِرنا بسَتْرِهِ. والرابع: أنَّه تشبُّهُ بهؤلاء المُتزحزِ حين عن الشريعة، ومَن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم. وقال الطبريُّ(١): ولقد أخطأ مَن آثرَ لباسَ الشعر والصوف على لباس القُطن والكُتَّان مع وُجود السبيلِ (٢) إليه مِن حِلُه، ومَن أَكلَ البُقولَ والعدسَ واختارَهُ على خبز البُّر، ومَن تركَ أكلَ اللَّحم خوفاً مِن عارِض شهوةِ النساء. وسُئل بِشْر بن الحارث(٣) عن لُبْسِ الصوف، فشقَّ عليه، وتبيَّنَتِ الكراهةُ في وجهه، ثم قال: لُبْسُ الخَزِّ والمُعَصْفَرِ أحبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلَفُ يَلبَسون الثيابَ المتوسِّطَة، لا المُترفِّعة ولا الدُّونَ، ويتخيَّرون أجودَها للجُمعة والعيد وللقاءِ الإخوان، ولم يكُنْ تخيُّرُ(٤) الأجودِ عندَهم قبيحاً. وأمَّا اللباسُ الذي يُزرِي بصاحبه فإنَّه يتضمَّنُ إظهارَ الزهد وإظهارَ الفقر، وكأنَّه لسانُ شكوى مِن الله تعالى، ويُوجب احتقارَ اللَّابس، وكلُّ ذلك مكروهٌ مَنْهِيُّ عنه. فإن قال قائلٌ: تجويدُ اللباس هَوَى النفس، وقد أُمِرنا بمجاهدتِها، وتَزيُّنٌ للخلق، وقد أُمِرنا أنْ تكونَ أفعالُنا لله لا للخلق. فالجوابُ: أنَّه ليس كلُّ ما تهواهُ النفسُ يُذَمُّ، وليس كلُّ ما يُتَزَيَّنُ به للناس يُكره، وإنَّما يُنْهَى عن ذلك إذا كان الشرعُ قد نهَى عنه، أو على وجْهِ الرِّياء في باب الدِّين، فإنَّ الإنسانَ يُحبُّ(٥) أنْ يُرى جميلاً، وذلك حظّ للنفس لا يُلامُ فيه، ولهذا يُسرُِّ (١) نقله المصنف عنه بواسطة ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ١٩٣، وسلف ٦/ ٢٦٢ . (٢) في النسخ الخطية: النيل، والمثبت من (م) وتلبيس إبليس. (٣) أبو نصر المروزي، البغدادي، المحدث، كان رأساً في الورع والإخلاص توفي سنة (٢٢٧هـ). السير ١٠/ ٤٦٩ . (٤) في تلبيس إبليس ص ١٩٣ : ولم يكن غير. (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م) ومطبوع تلبيس إبليس ص ١٩٥: يجب، والمثبت من (خ). ٢٠٦ سورة الأعراف: الآية ٣٢ شعرَهُ، وينظرُ في المرآة ويُسوِّي عِمامتَهُ، ويَلْبَسُ بِطانَة الثوب الخَشِنةَ إلى داخل، وظِهَارَتَهُ الحسنةَ إلى خارجٍ، وليس في شيء مِن هذا ما يُكره ولا يُذَمُّ. وقد رَوى مكحول عن عائشة قالت: كان نفرٌ مِن أصحاب رسول اللـه # ينتظرونَهُ على الباب، فخرَجَ يريدُهم، وفي الدار رَكْوةٌ فيها ماء، فجعَلَ ينظرُ في الماء ويُسوِّي لحيته وشعرَهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، وأنتَ تفعلُ هذا؟! قال: ((نَعَمْ، إذا خرَجَ الرجلُ إلى إخوانِهِ؛ فَلْيُهَيِّئ مِن نفسِهِ، فإنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ))(١). وفي ((صحيح)) مسلم: عن ابن مسعود عن النبيِّ﴾ قال: ((لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ كان في قلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن ◌ِبْرٍ))، فقال رجلٌ: إنَّ الرجلَ يُحِبُّ أنْ يكون ثوبُه حَسناً، ونعلُه حَسنةً، قال: ((إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ، وَغَمْظُ الناس))(٢). والأحاديثُ في هذا المعنَى كثيرةٌ، تدلُّ كلُّها على النظافة وحُسْنِ الهيئة. وقد رَوى محمد بن سعد: أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْن قال: حدَّثنا مَنْدل، عن ثور، عن خالد بن مَعْدان قال: كان رسولُ اللـه :﴿ يسافرُ بالمُشْطِ والمرآةِ، والدُّهنِ والسواكِ والكُحل. وعن ابن ◌ُجُريج: مُشطٌ عاجٍ يَمْتَشِطُ به. قال ابن سعد: وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان، عن ربيع بن صبيح، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﴿ يُكْثِرُ دَهْنَ رأسهِ ويُسرِّحُ (١) قوله منه: ((إن الله جميل يحب الجمال)) صحيح، وسيأتي بعده. وأما باقي الحديث فقد أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٦٨٧ من طريق أيوب بن مدرك، وأخرجه في تلبيس إبليس ص١٩٥ من طريق العلاء بن كثير الدمشقي، كلاهما عن مكحول عن عائشة رضي الله عنها، به. وأيوب بن مدرك کذَّبه ابن معین، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال ابن حبان: روى أيوب عن مكحول بنسخة موضوعة. ولم يَرَهُ. ميزان الاعتدال ٢٩٣/١ . والعلاء بن كثير الدمشقي، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: له عن مكحول نسخ عن الصحابة كلها غير محفوظة. ومكحول لم يدرك عائشة رضي الله عنها. ينظر تنزيه الشريعة ٢٧٨/٢ . (٢) صحيح مسلم (٩١)، وأخرجه أحمد (٣٧٨٩) بنحوه. قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٢٨٨/١-٢٨٩: بطر الحق: إبطاله. وغمط الناس: احتقارهم واستصغارهم. ٢٠٧ سورة الأعراف: الآية ٣٢ لحيتَهُ بالماء، أخبرنا يزيد بن هارون، حدَّثنا عبَّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت لرسولِ الله ﴿ مُكْحُلٌ يَكْتَحِلُ بها عند النوم ثلاثاً في كلِّ عين(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَلَطِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الطيِّباتُ: اسمٌ عامٌّ لِمَا طابَ كَسْباً وطَعْماً. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيِّباتِ مِن الرِّزق: ما حَرَّمَ أهلُ الجاهلية من البحائرِ والسوائبِ والوَصائِل والحَوامي(٢). وقيل: هي كلُّ مُستلَّذٍّ من الطعام(٣). وقد اختُلفَ في تركِ الطيِّباتِ والإعراض عن اللَّذات، فقال قومٌ: ليس ذلك مِن القُرباتِ، والفِعلُ والتركُ يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قُرْبةً في ذاتِهِ، وإنَّما هو سبيلٌ إلى الزهدِ في الدنيا، وقِصَرِ الأملِ فيها، وترك التكلُّفِ لأجلِها، وذلك مندوبٌ إليه، والمندوبُ قُربةً. وقال آخرون: ونُقِلَ عن عمر بن الخطاب ﴾ قولُه: لو شئنا لاتَّخذنا صِلاءً وصَلائقَ وصِنَاباً، ولكنِّ سمعتُ الله تعالى يَذُمُّ أقواماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَئِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٤) [الأحقاف: ٢٠]، ويُروى: صَرائق، بالراء، وهما جميعاً الجَرادقُ. والصَّلائقُ؛ باللام: ما يُضْلقُ مِن اللَّحوم والبُقولِ. والصِّلاءُ بكسر الصادِ والمدِّ: الشِّواءُ. والصِّنابُ: الخردَلُ بالزبيب(٥). وفرَّقَ آخرون بين حضورِ ذلك كلِّه بكُلْفَةٍ وبغيرِ كُلفة، قال أبو الحسن عليّ بن المفضّل المقدسيّ(٦) شيخُ أشياخنا: وهو الصحيحُ إنْ شاءَ الله عزَّ وجلَّ، فإنَّه لم يُنقلْ (١) طبقات ابن سعد ٤٨٤/١ وخبر خالد بن معدان مرسل، وحديث أنس ﴾ أخرجه البيهقي في الشعب (٦٤٦٣)، والترمذي بنحوه في الشمائل (٣٢)، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (٣٣١٨)، والترمذي (٢٠٤٨)، وابن ماجه (٣٤٩٩). (٢) أخرجه الطبري ١٥٨/١٠، وسلف شرح هذه الألفاظ ٣٣٥/٦ - ٣٣٦. (٣) النكت والعيون ٢١٩/٢. (٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٧٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤٩/١ بنحوه. (٥) غريب الحديث لأبي عبيد ٢٦٤/٣، والفائق ٢٩٦/٢ و٣١١. والصلائق تروى أيضاً: السلائق، بالسين. والجرادق: جمع جردقة: الرغيف، فارسية معرَّبة، اللسان (جرق). (٦) ثم الإسكندراني، برع في المذهب المالكي، وتوفي سنة (٦١١هـ). السير ٦٦/٢٢ . ٢٠٨ سورة الأعراف: الآية ٣٢ عن النبيّ ﴿ أنَّه امتنعَ مِن طعام لأجلٍ طِيبهِ قٌ، بل كان يأكُلُ الحلوى والعسل، والبِطّيخَ والرُّطَبَ(١)، وإنَّما يَكرَهُ التكلُّف؛ لِما فيه مِن التشاغُلِ بشهواتِ الدنيا عن مهمَّات الآخرة، والله تعالى أعلم. قلت: وقد كَرِهَ بعضُ الصوفيَّةِ أكلَ الطيِّبات، واحتجَّ بقولِ عمر﴾: إِيَّاكم واللَّحمَ، فإنْ له ضَرَاوَةً كضَرَاوَةِ الخمر(٢). والجواب: أنَّ هذا مِن عمر قولٌ خرجَ على مَن خُشِيَ منه إيثارُ التنُّم في الدنيا، والمُداوَمةُ على الشهوات، وشِفاءُ النفس من اللَّذات، ونسيانُ الآخرةِ، والإقبالُ على الدنيا، ولذلك كان يكتبُ (٣) إلى عُمَّالِهِ: إِيَّكم والتنعمَ وزِيَّ أهلِ العَجَم، واخْشَوْشِنوا(٤)، ولم يُرِد ﴾ تحريمَ شيءٍ أحلَّه الله، ولا تحظيرَ ما أباحَهُ الله تباركَ اسمُه، وقولُ الله عزَّ وجلَّ أَوْلى ما امتثِلَ واعتُمِدَ عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلِّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّيَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَّيِّبَتِ مِنَ الرِزْقِ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: ((سيِّدُ إدامِ الدنيا والآخرةِ اللَّحمُ))(٥)، وقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ النبيَّ # كان يأكلُ الطَّبِّيخَ بالرُّطَبِ، ويقول: ((يَكِرُ حَرُّ هذا بَرْدَ هذا، وبَرْدُ هذا حَرَّ هذا))(٦)، والطّبِيخُ لغةٌ في البِطّيخ، وهو مِن المقلوب، وقد مضى (١) أخرج أحمد (٢٤٣١٦)، والبخاري (٥٦١٤)، ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله # يحبُّ الحَلْواء والعسل ... وسيأتي حديث أكله # البطيخ والرطب قريباً. (٢) أخرجه مالك في الموطأ ٩٣٥/٢. (٣) بعدها في (د) و(م): عمر. (٤) أخرجه أحمد (٩٢)، ومسلم (٢٠٦٩): (١٢)، وابن حبان (٥٤٥٤)، ولفظ: واخشوشنوا، عند ابن حبان وحده. وقد سلف نحوه ٥٦/٥ . (٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٤٧٣) من حديث بريدة ، وفي إسناده سعيد بن عنبسة الرازي، كذّبه ابن معين وابن الجنيد، كما في لسان الميزان ٣٩/٣. وأخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥) من حديث أبي الدرداء ﴾ بلفظ: ((سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم))، وفيه سليمان بن عطاء الجزري، وهو منكر الحديث، فيما قاله الحافظ ابن حجر في تحرير التقريب ٧٤/٢. وينظر المقاصد الحسنة ص٢٤٤ . (٦) أخرجه أبو داود (٣٨٣٦)، وأخرجه الترمذي (١٨٤٣) مختصراً دون الطرف القولي منه. وفي الباب عن عبد الله بن جعفر﴾ قال: رأيت النبي # يأكل الرُّطب بالقِنَّاء. أخرجه أحمد (١٧٤١)، والبخاري (٥٤٤٧)، ومسلم (٢٠٤٣)، وينظر فتح الباري ٩/ ٥٧٣ . ٢٠٩ سورة الأعراف: الآية ٣٢ في ((المائدة))(١) الردّ على مَن آثرَ أَكْلَ الخَشِنِ من الطعام، وهذه الآيةُ تردُّ عليه وغيرها، والحمد لله. الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُلّ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنَا﴾ يعني: بحقِّها مِن توحیدِ الله تعالى والتصديقٍ له، فإنَّ الله يُنعِم ويَرزُقُ، فإنْ وخَّدَه المنعَمُ عليه وصدَّقَه، فقد قامَ بحقِّ النعمةِ، وإِنْ كَفَرَ فقد أمكّنَ الشيطانَ مِن نفسه. وفي صحيح الحديث: ((لا أحدَ أصبرُ على أذًى مِن الله، يُعافِيهم ويَرزقُهم، وهم يَدْعونَ له الصاحبةَ والولدَ))(٢). وتَمَّ الكلامُ على (٣): ((الحياةِ الدُّنيا)). ثم قال: ((خَالِصَةٌ)) بالرفع، وهي قراءةُ ابن عباس(٤) ونافع(٥). ﴿خَالِصَةٌ يَوْمَ القيامة﴾ أي: يخلصُ الله الطيِّاتِ في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيءٌ كما كان لهم في الدنيا مِن الاشتراكِ فيها. ومَجازُ الآية: قل: هي للذين آمنوا مُشتركَةٌ في الدنيا مع غيرِهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة (٦)، فـ((خالصةٌ)) مستأنفٌ على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قولُ ابن عباس والضخَّاك والحسن وقتادة والسدِّي وابن ◌ُريج، وابن زيد(٧). وقيل: المعنى: إنَّ هذه الطيِّياتِ المَوجوداتِ في الدنيا هي خالِصَةٌ يومَ القيامةِ (١) ١١٨/٨. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣ . والحديث أخرجه أحمد (١٩٥٨٩)، والبخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ، وليس عندهم قوله: ((الصاحبة)). وهي عند عبد الرزاق في المصنف (٢٠٢٥٠). (٣) في (خ) و(د) و(ز): في، بدل: على، وليس فيها قوله: وتم الكلام. والمثبت من (ظ) و(م). (٤) في (د) و(ز): ابن عامر، وهو خطأ، وفي (خ): أُتّيّ، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٢، والكلام فيه بنحوه. (٥) السبعة ص ٢٨٠، والتيسير ص١٠٩ . (٦) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٧ . (٧) أخرجه الطبري ١٥٩/١٠ - ١٦١ . ٢١٠ سورة الأعراف: الآيتان ٣٢ -٣٣ للمؤمنينَ في الدنيا، وخُلوصُها أنَّهم لا يُعاقَبون عليها ولا يُعذَّبون، فقوله: ((في الحياة الدُّنيا)) متعلِّقٌ بـ (آمَنُوا))، وإلى هذا يُشيرُ تفسير سعيد بنُ جبير(١). وقرأَ الباقونَ بالنصبِ على الحال والقَظْع؛ لأنَّ الكلامَ قد تمَّ دونه، ولا يجوزُ الوقفُ على هذه القراءة على ((الدُّنيا))؛ لأنَّ ما بعدَه متعلّقٌ بقوله: ((للَّذينَ آمَنُوا)) حالاً منه، بتقديرٍ: قُلْ هي ثابتَةٌ للذين آمنُوا في الحياة الدنيا في حالِ خُلوصِها لهم يومَ القيامة، قاله أبو عليٍّ. وخبرُ الابتداءِ: (للَّذين آمَنُوا))، والعامِلُ في الحال ما في اللَّام من معنى الفعلِ في قوله: (اللَّذين))(٢)، واختارَ سيبويهِ النصبَ لتقدُّم الظرف(٣). ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ آلْآَيَتِ﴾ أي: كالذي فصَّلْتُ لكم الحلال والحرامَ؛ أُفضِّلُ لكم ما تحتاجون إليه. قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرٍ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ فيه مسألة واحدة: قال الكلبيُّ: لمَّا لَبِسَ المسلمون الثيابَ وطافوا بالبيت عيَّرهُم المشركون، فنزلَت هذه الآيةُ، والفواحشُ: الأعمالُ المُفْرِطَةُ في القُبْحِ، ما ظهر منها وما بَطَن: روى رَوْحُ بن عُبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد قال: ((ما ظَهَرَ منها)): نِكاحُ الأُمَّهات في الجاهليةِ، ((وما بَطَنَ)): الزنى. وقال قتادة: سرُّها وعلانيتُها(٤). وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّه ذَكَرَ الإثمَ والبغيَ، فدَلَّ أنَّ المراد بالفواحش بعضُها، وإذا كان كذلك فالظاهِرُ من الفواحش الزنى(٥)، والله أعلمُ. (١) المحرر الوجيز ٣٩٣/٢ - ٣٩٤، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري ١٠/ ١٦٢. (٢) الحجة للقراء السبعة ١٥/٤ - ١٧، وينظر المحرر الوجيز ٣٩٤/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٢، وينظر الكتاب ٢/ ٩٢ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٨/٣ - ٢٩، وأخرج الطبري قولي مجاهد وقتادة ٥١٨/٩ و٥١٦ و٦٦٠ و ٦٦١ . (٥) أحكام القرآن للكيا ١٣٩/٣. ٢١١ سورة الأعراف: الآية ٣٣ ، قال الحسنُ: الخمرُ(١)، قال الشاعر: كذاكَ الإِثمُ تَذْهبُ بالعُقولِ (٢) شَرِبْتُ الإِثمَ حتى ضلَّ عقلي وقال آخرُ : نَشْربُ الإِثمَ بالصُّوَاعِ جِهارا وتَرِى المُتْكَ(٣) بينَنا مُسْتَعارًا ﴿وَالْبَغَ﴾: الظّلم وتَجاوزُ الحدِّ فيه، وقد تقدَّمَ(٤). وقال ثعلبٌ: البغيُ أنْ يَقَع الرجلُ في الرجل فيتكَّلمَ فيه، ويبغيَ عليه بغيرِ الحقِّ، إلّا أنْ ينتصِرَ منه بحقٌّ. وأخرجَ الإثمَ والبغيَ مِن الفواحش، وهما منه، لِعظمِهِما وفُحشهما، فنصَّ على ذِكرِهما تأكيداً لأمرِهما وقَصْداً للزَّجْرِ عنهما. وكذا: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾، وهما في موضع نَصْب عطفاً على ما قَبْلُ(٥). وقد أنكرَ جماعةٌ أنْ يكون الإثمُ بمعنى الخمر، قال الفرَّاء (٦): الإثمُ: ما دون الحدِّ، و[البغي: ] الاستطالةُ على الناسِ. قال النحاسُ: فأمَّا أنْ يكونَ الإثمُ الخمرَ، فلا يُعرَفُ ذلك، وحقيقةُ الإثمِ أنَّه جميعُ المعاصي، كما قال الشاعر: إِنِّي وَجَدتُ الأمرَ أرشَدُهُ تَقْوَى الإلهِ وشرُّهُ الإِثْمُ (٧) قلت: وأنكرهُ ابن العربيّ أيضاً وقال: ولا حُجَّةَ في البيت؛ لأنَّه لو قال: شَرِبْتُ (١) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١٩١/٣، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٥/٢: وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مكية، ولم تُعن الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحد. (٢) سلف ٤٤٦/٣ . (٣) في (م): المسك، والبيت في تهذيب اللغة ١٦١/١٥، وزاد المسير ١٩١/٣ دون ذكر قائله. قال الأزهري: المُتْك: الأترجّ، أي: نتعاوره بأيدينا، نشمّه. (٤) ٣/ ٤٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٢ . (٦) في معاني القرآن ٣٧٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٢، وما سيرد بین حاصر تين منهما. (٧) قائله المُخَيَّل السعدي، وهو في المفضليات ص١١٣، ومنتهى الطلب ٣٧٦/١. ٢١٢ سورة الأعراف: الآيتان ٣٣ - ٣٤ الذَّنبَ، أو شَرِبتُ الوِزْرَ؛ لكان كذلك، ولم يُوجبْ قولُهُ أنْ يكون الذنبُ والوِزْرُ اسماً مِن أسماءِ الخمر، كذلك الإثمُ، والذي أوجبَ التكلُّمَ بمثل هذا الجهلُ باللُّغةِ وبطريقٍ الأدلَّةِ في المعاني(١). قلت: وقد ذكرناه عن الحسنٍ، وقال الجوهريّ في ((الصحاح))(٢): وقد يُسمَّى الخمرُ إثماً، وأنشدَ: شَرِبتُ الإثمَ، البيتَ وأنشدَهُ الهروِيُّ في ((غَرِيبَيْه)) على أنَّ الخمرَ الإثمُ. فلا يَبعدُ أنْ يكون الإثمُ يَقَعُ على جميعِ المعاصي، وعلى الخمرِ أيضاً لُغَةً، فلا تَناقُضَ. والبغي: التجاوُزُ في الظلمِ، وقيل: الفسادُ. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤) فيه مسألة واحدة: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌ﴾ أي: وَقْتُ مُؤَقَّتٌ. ﴿فَإِذَا جَةَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: الوقتُ المعلومُ عند الله عزَّ وجلَّ. وقرأَ ابن سيرين: جاءَ آجالُهم (٣)، بالجمع. ﴿لَا يَسْتَأْفِرُونَ﴾ عنه ساعةً ولا أقلَّ من ساعة، إلَّ أنَّ الساعةَ خُصَّتْ بالذِّكْر، لأنَّها أقلُّ أسماءِ الأوقات، وهي ظرفُ زمان (٤)، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾، فدَلَّ بهذا على أنَّ المقتولَ إنَّما يُقتَلُ بأجلِهِ(٥)، وأجَلُ الموتِ هو وقتُ الموت، كما أنَّ أجلَ الدَّين هو وقتُ حُلولهِ، وكلُّ شيءٍ وُقِّتَ به شيءٌ فهو أجلٌ له، وأجلُ الإنسان هو الوقتُ الذي (١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧٤/٢ . (٢) مادة (أثم). (٣) القراءات الشاذة ص٤٤، والمحتسب ٢٤٦/١ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٣٤/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣٠/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٢. ٢١٣ سورة الأعراف: الآيات ٣٤ -٣٦ يَعلَمُ اللهُ أنَّه يَموتُ الحيُّ فيه لا محالةَ، وهو وقتٌ لا يَجوزُ تأخِيرُ مَوْتِهِ عنه، لا مِن حيث إنَّه ليس مقدُوراً تأخِيرُهُ. وقال كثيرٌ مِن المعتزلة - إلَّا مَن شذَّ منهم -: إنَّ المقتولَ ماتَ بغيرِ أجلهِ الذي ضُرِبَ له، وأنَّه لو لم يُقتَلْ لَحَيِيَ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ المقتولَ لم يَمُتْ من أجلِ قَتْلٍ غيرهٍ له، بل من أجل ما فعلَهُ اللهُ من إزهاق نفسِه عند الضربٍ له(١). فإن قيل: فإنْ ماتَ بأجلِهِ؛ فلِمَ تقتلُون ضارِبَهُ وتقتصُّون منه؟ قيل له: نقتلُهُ لِتَعدِّيه وتصَرُّفِهِ فيما ليس له أنْ يتصَرَّفَ فيه، لا لموتِهِ وخروجِ الروح، إذْ ليس ذلك مِن فعلِهِ، ولو تُرِكَ الناسُ والتعدِّي مِن غير قِصاص، لأدَّى ذلك إلى الفسادِ ودَمارِ العباد، وهذا واضح. قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى فَمَنِ أَنَّقَى وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَلِنَا وَأَسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ٣٥ وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ١٣٦ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ شرطٌ، ودخلَتِ النونُ توكيداً لدخولٍ ((ما))(٢)، وقيل: ((ما)) صلةٌ، أي: إنْ يأتِّكُم (٣)، أخبرَ أنَّه يُرسِلُ إليهم الرسلَ منهم؛ لتكون إجابتُهم أقرَب. والقَصَصُ: اتباعُ الحديثِ بعضِهِ بعضاً. ﴿َايَتِ﴾ أي: فرائِضِي وأحكامي(٤). ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ شرطٌ، وما بعدَهُ جوابُه، وهو جوابُ الأوَّل، أي: وأصلحَ (١) تمهيد الأوائل للباقلاني ٣٧٤/١ - ٣٧٥. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٢. (٣) في النسخ الخطية: يأتيكم، والمثبت من (م). (٤) تفسير البغوي ٢/ ١٥٨، ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما. ٢١٤ سورة الأعراف: الآيات ٣٥ -٣٧ منكم ما بيني وبينه . ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ دليلٌ على أنَّ المؤمنين يوم القيامةِ لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقُهُم رُعْبٌ ولا فَزَعٌ (١)، وقيل: قد يلحقُهم أهوال يوم القيامة، ولكنْ مآلُهم الأمنُ(٢). وقيل: جوابُ ((إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ)) ما دلَّ عليه الكلامُ، أي: فأطيعُوهُم، فَمَنِ اتَّقَى وَأَضْلَحَ(٣)، والقولُ الأوَّلُ قولُ الزّجَّاجِ(٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَ اللَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ، أُوْلَيْكَ يَنَالَهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ حَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِّ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَخْلُ مِقَنِ آَفْتَرَ عَلَى الَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهْ﴾ المعنى: أيُّ ظلم أشنعُ(٥) من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته؟. ثم قال: ﴿أُوْلَهَكَ يَنَهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الْكِتَبِّ﴾ أي: ما كُتب لهم من رزق وعُمر وعمل. عن ابن زيد. ابنُ جبير: من شقاء وسعادة. ابنُ عباس: من خير وشرِّ. الحسنُ وأبو صالح: من العذاب بقَدْر كفرهم(٦). واختيارُ الطبري أن یکون المعنی: ما كُتب لهم، أي: ما قُدِّر لهم من خير وشر، ورزق وعمل وأجل، على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير. قال: ألا ترى أنه أتْبَع ذلك بقوله: ﴿حََّ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْتَهُمْ﴾ (٧) يعني رُسلَ ملَك الموت. وقيل: ((الكتَاب)) هنا القرآنُ؛ لأنَّ عذاب الكفار مذكورٌ فيه. وقيل: ((الكتاب)) اللوح المحفوظ (٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٢. (٢) تفسير الرازي ٦٩/١٤ . (٣) معاني القرآن للأخفش ٥١٦/٢ . (٤) معاني القرآن له ٣٣٤/٢ . (٥) في (خ): أي ذنب أشنع، وفي (د): أي أظلم أشنع، وفي (ظ): أي شيء أظلم وأشنع، والمثبت من (ز) و(م). (٦) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٦٨/١٠ و١٦٩ و١٧٣ و١٧٥. (٧) تفسير الطبري ١٧٥/١٠ . (٨) زاد المسير ١٩٣/٣. ٢١٥ سورة الأعراف: الآية ٣٧ ذكر الحسن بنُ علي الحُلْواني(١) قال: أمْلَى عليَّ عليُّ بنُ المَدِيْني قال: سألت عبد الرحمن بنَ مهدي عن القَدَر، فقال لي: كلُّ شيءٍ بقَدَر، والطاعة والمعصية بقَدَر. قال(٢): وقد أعظم الفِرْيةَ مَنْ قال: إنَّ المعاصي ليست بقَدَر. قال علي: وقال لي. عبد الرحمن بنُ مهدي: العلم والقَدَر والكتاب سواءٌ. ثم عرضتُ كلام عبد الرحمن ابن مهدي على يحيى بن سعيد، فقال: لم يبقَ بعد هذا قليلٌ ولا كثيرٌ (٣). وروى يحيى بن معين: حدثنا مروان الفَزَاري، حدثنا إسماعيل بنُ سُمَيْع، عن بُكير الطويل، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿أُوْلَِّكَ يَنَالُمْ نَصِيُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ﴾ قال: قومٌ يعملون أعمالاً لا بدَّ لهم من أنْ يعملوها(٤). و((حتى)) ليست غايةً، بل هي ابتداءُ خبرٍ عنهم. قال الخليل وسيبويه: ((حتى)) و(إمّا)) و((إلا)) لا يُمَلْنَ؛ لأنهنَّ حروفٌ، فَفُرق بينها وبين الأسماء نحو: حُبْلَى وسَكْری. قال الزجَّاج(٥): تُكتب حتى بالياء؛ لأنها أشبهت سَكْرى(٦)، ولو كُتبت ((إلا)) بالياء لأَشْبهت إِلى. ولم تُكتب ((إمَّا)) بالياء؛ لأنها ((إِنْ)) ضُمَّت إليها ((ما)). ﴿قَالُواْ أَيْنَ مَا كُتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ﴾ سؤال توبيخ. ومعنى ((تَدْعُونَ)): تعبدون. ﴿قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا﴾ أي: بَطَلوا وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُرْ كَانُواْ كَفِينَ﴾ أي: أَقرُّوا بالكُفر على أنفسهم(٧). (١) أبو محمد الهُذَلي، المجاور بمكة، الحافظ، الصدوق، توفي سنة (٢٤٢هـ). السير ٣٩٨/١١. (٢) لفظ: قال، من (خ) و(ز) و(ظ). (٣) التمهيد ٦/ ٦٧، ويحيى بن سعيد، هو القطان. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٤٣٩) من طريق إسماعيل بن سميع، به. وأخرجه الطبري ١٠/ ١٧١ من طريق مروان الفزاري، لكن من قول مجاهد. (٥) في معاني القرآن ٣٣٥/٢، ونقله المصنف عنه، مع ما قبله بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٢٥/٢ وينظر كتاب سيبويه ٤ /١٣٥ . (٦) يعني لأنها على أربعة أحرف، كما قال الزجاج. (٧) الوسيط ٣٦٦/٢، وزاد المسير ١٩٤/٣. ٢١٦ سورة الأعراف: الآيتان ٣٨ - ٣٩ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ ◌ُمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌّ لَعَنَتْ أُغْنَهَا حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا بَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُوْلَئِهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُوْلَنْهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ ([®) قوله تعالى: ﴿قَالَ آَدْخُلُواْ فِىَ أُمَعٍِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ﴾ أي: مع أُمم، فـ ((في)) بمعنى مع. وهذا لا يمتنع؛ لأنَّ قولك: زيدٌ في القوم، أي: مع القوم. وقيل: هي على بابها(١)، أي: أُدخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عزَّ وجلَّ، أي: قال الله أُدخلوا. وقيل: هو مالكٌ خازنُ النار(٢). ﴿كُلََّا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُغْنَهَاً﴾ أي: التي سبقَتها إلى النار، وهي أختُها في الدِّيْن والمِلَّة(٣). ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا﴾ أي: اجتمعوا. وقرأ الأعمش: ((تداركوا)) وهو الأصل، ثم وقع الإدغام، فاحتِيْج إلى ألف الوصل. وحكاها المهدوي عن ابن مسعود (٤). النحاس: وقرأ ابن مسعود: ((حتى إذا أَذْرَكوا)) أي: أدرك بعضهم بعضاً(٥). وعِضْمَةُ (٦) عن أبي عمرو: ((حتى إذا ادَّاركوا)) بإثبات الألف(٧) على الجمع بين (١) معاني القرآن للنحاس ٣٢/٣، وينظر التصاريف ليحيى بن سلام ص٢٢٦ . (٢) تفسير الرازي ١٤/ ٧٢ . (٣) الوسيط ٣٦٦/٢، وزاد المسير ١٩٤/٣. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٢٥/٢، والمحتسب ٢٤٧/١، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٢. (٥) إعراب القرآن ١٢٥/٢، وفيه مجاهد، بدل: ابن مسعود. ولم نقف على من نسبها لابن مسعود ﴾. (٦) عصمة بن عروة، أبو نجيح الفقيمي البصري، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود. غاية النهاية ٥١٢/١ . (٧) يعني ألف ((إذا))، ونسب ابن جني في المحتسب ٢٤٧/١ هذه القراءة لمجاهد وحُميد ويحيى وإبراهيم. وقراءة أبي عمرو المشهورة عنه كقراءة الجماعة. ٢١٧ سورة الأعراف: الآيتان ٣٨ - ٣٩ الساكنين. وحُكي: هذان عبدا الله. و: له ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضاً: ((إذا إِدَّاركوا)) بقطع ألف الوصل (١)؛ فكأنَّه سكت على ((إذا)) للتذكُّر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمُبتدِئ بها. وقد جاء في الشعر قَطْعُ ألف الوصل نحو قوله: يا نفسُ صبراً كلُّ حيٍّ لاقٍ وكلُّ إِثنينٍ إلى افتراقٍ (٢) وعن مجاهد وحُميد بن قيس: ((حتى إذَ اذَّركوا)) بحذف ألف ((إذا)) لالتقاء الساكنين، وحَذْفِ الألف التي بعد الدال(٣). ((جَمِيعاً)) نصب على الحال. ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ﴾ أي: آخرهم دخولاً، وهم الأتباع، لأُوْلاهم وهم القادة: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾(٤). فاللام في ((لأُوْلاهم)) لام أجْل؛ لأنهم لم يخاطِبوا أُوْلاهم، ولكنْ قالوا في حقِّ أُوْلاهم: ربَّنا هؤلاء أضلُّونا(٥). والضِّعف: المِثْلُ الزائد على مِثْله مرةً أو مرات. وعن ابن مسعود أنَّ الضّعف هاهنا الأفاعي والحيات(٦). ونظيرُ هذه الآية: ﴿رَبَّنَا آتِهِم ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذَابِ والْعَنْهُمْ لَعْنَا كثيرًا﴾(٧) [الأحزاب: ٦٨]. وهناك يأتي ذِكْر الضعف بأشبعَ من هذا، وما يترتب عليه من الأحكام، إنْ شاء الله تعالى. ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ أي: للتابع والمتبوع(٨). ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ على قراءة مَنْ قرأ (١) المحتسب ٢٤٧/١، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٢. (٢) المحتسب ٢٤٧/١ - ٢٤٨، والبيت فيه وفي الخصائص ٢/ ٤٧٥ دون نسبة. (٣) القراءات الشاذة ص٤٤ . (٤) الوسيط ٣٦٦/٢ . (٥) تفسير الرازي ٧٣/١٤، وينظر الكشاف ٧٨/٢ . (٦) أخرجه الطبري ١٧٩/١٠ . (٧) قرأ بها السبعة ما عدا عاصم فقرأ: ((كبيراً)، وستأتي في موضعها. (٨) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٢، والوسيط ٣٦٦/٢ . ٢١٨ سورة الأعراف: الآيات ٣٨ - ٤١ بالياء(١)، أي: لا يعلم كلُّ فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعضُ مَنْ في النار أنَّ عذابَ أحد فوق عذابه، لكان نوعَ سَلْوة له. وقيل: المعنى: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ بالتاء، أي: ولكنْ لا تعلمون أيُّها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أنْ يكون المعنى: ولكنْ لا تعلمون يا أهلَ الدنيا مقدارَ ما هم فيه من العذاب(٢). ﴿وَقَالَتْ أُولَئِهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي: قد كفَرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفاً من العذاب ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُقَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ ﴿ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى النَّالِمِينَ ٤١ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُقَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ اَلسَِّ﴾ أي: لأرواحهم. جاءت بذلك أخبارٌ صِحاحٌ ذكرناها في كتاب «التذكرة)» (٤) منها حديث البَراء بن عازِب، وفيه في قَبْض روح الكافر قال: ((ويَخرجُ منها (٥) ريحٌ كأنْتَنِ جِيْفة وُجدت على وجه الأرض، فَيصعدون بها، فلا يمرُّون على مَلَأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الرُّوح الخبيثة. فيقولون: فلان بنُ فلان؛ بأقبحِ أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَستفتحون، فلا يُفتَح لهم)). ثم قرأ رسولُ اللهِ ﴾: ((﴿لَا تُقَنِّحُ لَهُمْ أَبْوَبُّ اَلْتََّةِ﴾)) الآية(٦). (١) هي قراءة عاصم في رواية شعبة، وقرأها الباقون بالتاء. السبعة ص ٢٨٠، والتيسير ص١١٠. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٥/٢. (٤) ص١١٩ . (٥) في (خ) و(ز) و(ظ): معها. (٦) قطعة من حديث البراء الطويل؛ أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وفيه: ((ما هذا الرَّوح الخبيث)) بدل: ((ما هذه الرُّوح الخبيثة)». : ٢١٩ سورة الأعراف: الآيتان ٤٠ - ٤١ وقيل: لا تُفتح لهم أبوابُ السماء إذا دَعَوا. قاله مجاهد والنخعي(١). وقيل: المعنى: لا تُفتح لهم أبوابُ الجنة؛ لأنَّ الجنة في السماء(٢). ودلَّ على ذلك قولُه: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ لَلِيَاِطْ﴾، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فلا يدخلونها الْبَّةَ، وهذا دليلٌ قطعيٍّ لا يجوز العفو عنهم، وعلى هذا أجمعَ المسلمون(٣) الذين لا يجوز عليهم الخطأ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يغفِرُ لهم ولا لأحدٍ منهم. قال القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب(٤): فإنْ قال قائل: كيف يكون هذا إجماعاً من الأمة، وقد زَعَم قومٌ من المتكلِّمين بأنَّ مُقلِّدةَ اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار؟ قيل له: هؤلاء قومٌ أنكروا أنْ يكون المقلِّدُ كافراً؛ لِشُبهة دخلتْ عليهم، ولم يزعُموا أنَّ المقلِّد كافرٌ، وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأنَّ المقلِّدَ كافرٌ أو غير كافر طريقُه النظرُ دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((لَا يُفْتَحُ)) بالياء مضمومةً على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة(٥)، كما قال: ﴿ُقَتَّحَةُ لَهُ الْأَبُ﴾ [ص: ٥٠] فأَنَّث. ولمَّا كان التأنيثُ في الأبواب غيرَ حقيقي جاز تذكيرُ الجمع. وهي قراءةُ ابن عباس بالياء(٦). وخفّف أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ، على معنى أنَّ التخفيفَ يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرَّةً بعد مرَّة لا غير، والتشديد هنا أَوْلَى؛ لأنه على الكثير أدلُ(٧). (١) أخرجه الطبري ١٨٤/١٠. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٢ . (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): إجماع المسلمين. (٤) في تمهيد الأوائل ص٤٠٣ . (٥) مع التخفيف لأبي عمرو، والتشديد لنافع وابن كثير وابن عامر وعاصم. السبعة ص ٢٨٠ ، والتيسير ص١١٠ . (٦) لم نقف على من نسبها لابن عباس، ونسبها النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٢٥ للأعمش. (٧) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٢٥/٢، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٦٢. ٢٢٠ سورة الأعراف: الآيتان ٤٠ - ٤١ والجَمَلُ من الإبل. قال الفرَّاءِ(١): الجَمَلُ زوجُ الناقة. وكذا قال عبد الله بن مسعود لمَّا سُئل عن الجمل، فقال: هو زوجُ الناقة! (٢) كأنه استجهلَ مَنْ سأله عمَّا يعرفه الناس جميعاً (٣). والجمع: جِمَالٌ وأجمال وجِمَالات وجَمَائل، وإنما يُسمَّى جملاً إذا أُرْبَعَ (٤). وفي قراءة عبد الله: ((حتى يلِج الجَملُ الأصفر في سَمِّ الخِيَاط)). ذكره أبو بكر الأنباري: حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بنُ داودَ، حدَّثنا أبو عبيد، حدَّثنا حجَّاج، عن ابن جُريج، عن ابن كثير، عن مجاهد قال في قراءة عبد الله، فذكره(٥). وقرأ ابن عباس: ((الجُمَّل)) (٦) بضمِّ الجيم وفتح المیم وتشديدها. وهو حَبْل السفينة الذي يُقال له: القَلْس، وهو حبال مجموعة(٧)، جمع جُملة؛ قالَه أحمدُ بن يحيى ثعلب(٨). وقيل: الحبلُ الغليظُ مِن الِقُنَّبِ. وقيل: الحبلُ الذي يُصعَدُ به في النخل(٩). ورُويّ عنه (١٠) أيضاً، وعن سعيد بن جُبير: ((الجُمَل)) بضمِّ الجيمِ وتخفيفِ الميم، قيل: هو القَلْسُ أيضاً والحبلُ، على ما ذكرنا آنفاً. ورُويَ عنه أيضاً: ((الجُمُل)) بضمَّتين جمعُ جَمَل؛ كأسَد وأُسُد، و((الجُمْل)) مثل: أَسَد وأُسْد. وعن أبي السمَّال: (١) في معاني القرآن ٣٧٩/١ . (٢) أخرجه الطبري ١٨٨/١٠ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٣٥/٣. (٤) الصحاح (جمل). (٥) المصاحف لابن الأنباري كما في الدر المنثور ٣/ ٨٤، وهو في فضائل القرآن لأبي عبيد ص١٧٢ . (٦) القراءات الشاذة ص ٤٣، والمحتسب ٢٤٩/١، وأخرجها الطبري ١٠/ ١٩٢. (٧) الصحاح (جمل). (٨) معاني القرآن للنحاس ٣٥/٣ - ٣٦. (٩) أخرجه الطبري ١٩٣/١٠ من قول عكرمة. (١٠) يعني عن ابن عباس رضي الله عنهما. القراءات الشاذة ص٤٣، والمحتسب ٢٤٩/١.