النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة الأعراف: الآيتان ١٠ - ١١
فَزِيدَتْ ألفُ الجمع(١)، وهي ساكنةٌ والياءُ ساكنة، فلابدَّ من تحريكٍ؛ إذْ لا سبيلَ إلى
الحَذْف، والألفُ لا تُحرَّك، فَحُرِّكت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيرُه من
الواو: مَنارة ومَناوِر، ومَقام ومَقاوِم؛ كما قال الشاعر:
جريرٌ ولا مَوْلى جريرٍ يَقُومُها (٢)
وإِنِّي لقَوَّامٌ مَقاوِمَ لم يكن
وكذا: مُصيبة ومَصَاوِب. هذا الجيد، ولغة شَاذَّة: مصائب. قال الأخفش(٣): إنما
جاز مصائب؛ لأنَّ الواحدةَ مُعْتَلَّةٌ. قال الزجَّاج(٤): هذا خطأً يلزمه عليه أن يقول:
مقائم. ولكن القول أنه مِثْل: وِسادة وإِسادة.
وقيل: لم يَجُزِ الهمزُ في مَعايِشَ لأنَّ المعيشةَ مَفْعِلة؛ فالياء أصليةٌ، وإنما يُهمَزُ
إذا كانت الياء زائدةً؛ مثل مدينة ومدائن(٥)، وصحيفة وصحائف، وكريمة وکرائم،
ووصيفة ووصائف(٦)، وشبهه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِآدَمَ
فَجَدُواْ إِلَّ إِلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ اُلسَّجِدِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ مَوَّرْنَكُمْ﴾ لما ذكر نِعَمَه؛ ذكر ابتداء خلقه. وقد
تقدَّم معنى الخَلْق في غير موضع(٧). ((ثم صوَّرْناكم)) أي: خلقناكم نُطَفاً، ثم
صوَّرناكم، ثم إنَّا نُخبركم أنا قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحَّاك
(١) في النسخ: ألف الوصل، والمثبت من إعراب القرآن.
(٢) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ص١٢٣ .
(٣) معاني القرآن ٢/ ٥١٢ .
(٤) في معاني القرآن ٣٢٠/٢ .
(٥) هذا على رأي من جعل مدائن من مَدَنَ، وأما من جعلها من دانَ يدِينُ فلم يهمز لأن الياء حينئذ أصلية.
ينظر معاني القرآن للأخفش ٥١٢/٢ والحجة للقراء السبعة ٨/٤ - ٩.
(٦) في (م): ووظيفة ووظائف.
(٧) ينظر ٣٤١/١ و٣٧٦.

١٦٢
سورة الأعراف: الآية ١١
وغيرهما: المعنى: خلقنا آدمَ، ثم صوَّرناكم في ظَهْره(١).
وقال الأخفش: ((ثم)) بمعنى الواو(٢).
وقيل: المعنى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ)) يعني آدم عليه السلام، ثم قلنا للملائكة:
اسجدوا لآدمَ، ثم صوَّرناكم؛ على التقديم والتأخير.
وقيل: ((ولقد خَلَقْناكُم)) يعني آدم؛ ذُكِرَ بلفظ الجمع؛ لأنه أبو البشر، ((ثُمَّ
صَوَّرْنَاكُمْ)) راجعٌ إليه أيضاً. كما يقال: نحن قتلناكم؛ أي: قتلنا سيِّدَكم. ((ثم قلنا
للملائكة اسجدوا لآدم)). وعلى هذا لا تقديمَ ولا تأخير. عن ابن عباس أيضاً (٣).
وقيل: المعنى: ولقد خلقناكم، يريدُ آدَمَ وحوَّاء؛ فآدم من التراب؛ وحوّاء من
ضِلَعٍ من أضلاعه، ثم وقعَ التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خَلَقْنا أبَوَیْكم، ثم
صوَّرناهما(٤). قاله الحسن.
وقيل: المعنى: خَلَقْناكم في ظَهْر آدمَ، ثم صوَّرناكم حين أخَذْنا عليكم الميثاق.
هذا قولُ مجاهد. رواه عنه ابن جُريج وابن أبي نَجيح(٥). قال النحاس: وهذا أحسنُ
الأقوال. يذهبُ مجاهدٌ إلى أنه خَلَقهم في ظهر آدم، ثم صوَّرهم حين أَخَذَ عليهم
المِيثاق، ثم كان السجودُ بعدُ. ويقوِّي هذا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ يَفِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيََّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والحديث ((أنه أَخْرجَهم أمثالَ الذَّرِّ، فَأَخَذَ عليهم
الميثاقَ))(٦).
(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٧٥ - ٧٧ .
(٢) معاني القرآن للأخفش ٥١٢/٢، وخطَّاه الزجاج في معاني القرآن له ٣٢١/٢، والنحاس في معاني
القرآن له ٣/ ١٢ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ١٥٠.
(٤) ذكر الزجاج نحوه في معاني القرآن ٣٢١/٢ - ٣٢٢.
(٥) أخرجه الطبري ٧٨/١٠ بلفظ: قال مجاهد: ((ولقد خلقناكم)) قال: آدم، ((ثم صورناكم)) قال: في ظهر
آدم.
(٦) أخرجه أحمد (٢٤٥٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٢٧) من حديث ابن عباس ﴾.

١٦٣
سورة الأعراف: الآيتان ١١ - ١٢
وقيل: ((ثم)) للإخبار، أي: ولقد خَلَقْناكم، يعني في ظَهْرِ آدمَ {#، ثم صوَّرناكم
أي: في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيحٌ عن ابن عباس(١).
قلت: كلُّ هذه الأقوال مُحتمِل، والصحيحُ منها ما يَعْضُدُه التنزيل؛ قال الله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني آدم. وقال: ﴿وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، ثم قال: ﴿جَمَلْنَهُ﴾ أي: جَعَلْنا نَسْلَه وذُرِّيَّتَه ﴿نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ
مَكِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٣]. فآدمُ خُلِق من طين، ثم صُوِّر وأُكْرِمَ بالسجود، وذُرِّيَّتُه
صُوِّروا في أرحام الأُمَّهات بعد أن خُلِقوا فيها وفي أصلاب الآباء.
وقد تقدَّم في أوّل سورة الأنعام(٢) أن كلَّ إنسان مخلوقٌ من نُطفة وتُرْبَة؛ فتأمَّلْه.
وقال هنا: ﴿فَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾، وقال في آخر ((الحشر)): ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَالِقُ
الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ﴾ [الآية: ٢٤]. فذكَر التصويرَ بعد البَرْء. وسيأتي بيانُ ذلك إن شاء الله
تعالى.
وقيل: معنى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ﴾ أي: خَلَقْنا الأرواحَ أوّلاً، ثم صوَّرنا الأشباحَ
آخراً.
قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبِلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ﴾ استثناءً من غير الجنس. وقيل:
من الجنس(٣). وقد اختلفَ العلماء: هل كان من الملائكةِ أَمْ لا؟ كما سبق بيانُه في
((البقرة))(٤).
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَارٍ وَخَقْتَهُ.
مِن طِينٍ
فيه أربعُ مسائل:
(١) معاني القرآن للنحاس ١٢/٣ - ١٣، وأثر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٧٥/١٠.
(٢) ٣١٨/٨ - ٣١٩.
(٣) مشكل إعراب القرآن لمكي ٢٨٤/١ .
(٤) ٤٣٨/١ .

١٦٤
سورة الأعراف: الآية ١٢
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ((ما)) في موضع رَفْع بالابتداء؛ أي: أيُّ شيء
مَنَعَكَ؟ وهذا سؤالُ توبيخ . ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ في موضع نَصْب، أي: مِنْ أنْ تَسجُدَ. و((لا))
زائدة(١). وفي ((ص)): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [الآية: ٧٥]، وقال الشاعر:
· نَعَمْ من فَتَّى لا يمنعُ الجودَ نائِلَه(٢)
أَبَى جُودُه لا البخلَ فاستعجلَتْ به
أراد: أَبَى جودُه البُخْلَ، فزاد ((لا)).
وقيل: ليست بزائدة؛ فإنَّ المَنْعَ فيه طرفٌ من القول والدعاء، فكأنه قال: مَن قال
لك ألّا تسجُد؟ أو مَن دعاك إلى ألّا تسجُدَ؟ كما تقول: قد قلتُ لك ألّا تفعل كذا.
وقيل: في الكلام حذفٌ، والتقدير: ما منعكَ من الطاعة وأحوجَك إلى ألّا
تسجد(٣).
قال العلماء: الذي أحوجَه إلى تَرْكِ السجود هو الكِبْرُ والحسَدُ؛ وكان أضمرَ
ذلك في نفسه إذا أُمِرَ بذلك. وكان أمره مِن قبل خَلْقِ آدمَ؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنّ خَلٌِّ
بَشَرًا مِّنِ طِينٍ فَإِذَا سَوَتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١-٧٢]. فكأنه دَخَلَه
أمرٌ عظيم من قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُمُ سَجِدِينَ﴾. فإنَّ في الوقوع توضيعَ الواقع وتشريفاً لمن
وُقِعَ له؛ فأضمرَ في نفسه ألّا يسجدَ إذا أَمره في ذلك الوقت. فلما نَفَخَ فيه الروحَ؛
وقعتِ الملائكةُ سُجَّداً، وبَقِيَ هو قائماً بين أَظْهُرِهم؛ فأظهرَ بقيامه وتَرْكِ السجود ما
في ضميره، فقال الله تعالى: ﴿ما منعك ألّا تسجد﴾ أي: ما منعكَ من الانقياد
(١) مشكل إعراب القرآن ٢٨٤/١ .
(٢) تفسير الطبري ٨٣/١٠، ومعاني القرآن للزجاج ٣٢٣/٢، وأمالي ابن الشجري ٥٣٧/٢، والمحرر
الوجيز ٣٧٨/٢، واللسان (نعم)، وشرح شواهد المغني للسيوطي ٢/ ٦٣٤، وعندهم: قاتله، بدل:
نائله. وعند الطبري والزجاج وابن منظور: الجوع، بدل: الجود.
قال السيوطي: قوله: لا يمنع الجودَ قاتِلَه: أراد: الجود وإن قتله لا يمنعه، فقاتله منصوب على الحال،
أي: لا يمنع الجود في حال قتله إياه، لأن الجود يُفقره، ويجوز أن ينتصب قاتله على أنه مفعول، أي
أنه لا يمنع من يريد أن يقتله الجود بذلك عليه.
(٣) تفسير الطبري ٨٢/١٠ - ٨٤، وزاد المسير ١٧٤/٣.

١٦٥
سورة الأعراف: الآية ١٢
لأمري؟ فأخرج سِرَّ ضميره فقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾.
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتٌُ﴾ يدلُّ على ما يقوله الفقهاءُ من أنَّ الأمرَ يقتضي
الوجوبَ بمطلقه من غير قَرِينَة؛ لأنَّ الذّمَّ عُلِّق على تَرْكِ الأمر المُظْلَق الذي هو قوله
عزَّ وجلَّ للملائكة: ﴿أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾ وهذا بَيِّنٌ(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ أي: منعني من السجود فَضْلي عليه. فهذا
من إبليسَ جوابٌ على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطَب: مالِكُها
زيدٌ. فليس هذا عينَ الجواب، بل هو كلامٌ يرجِعُ إلى معنى الجواب(٢).
﴿فَقْذَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ فرأى أن النارَ أشرفُ من الطين؛ لِعُلوِّها وصُعودها
وخِفَّتها، ولأنها جوهرٌ مُضِيٌ.
قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، فأخطأ القياسَ. فمن
قاسَ الدينَ برأيه قَرَنَه اللهُ مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عُبِدتِ الشمسُ والقمرُ إلا
بالمقاييس.
وقالت الحكماء: أخطأ عدوُّ الله من حيث فَضْلُ النار على الطين، وإنْ كانا في
درجة واحدةٍ من حيث هي جمادٌ مخلوق(٣). فإنَّ الطينَ أفضلُ من النار من وجوه
أربعة :
أحدها: أن من جوهر الطين الرَّزانةَ والسُّكونَ، والوَقَارَ والأَناةَ، والحِلْمَ
والحياءَ، والصبرَ. وذلك هو الدَّاعِي لآدمَ عليه السلام بعد السعادة التي سبقتْ له إلى
التوبة والتواضع والتضرُّع، فأورثه المغفرةَ والاجتباء والهداية. ومن جوهر النار
الخِفَّة والطَّيْش، والحِدَّة والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الدَّاعي لإبليس بعد
الشَّقاوة التي سبقتْ له إلى الاستكبارِ والإصْرار؛ فأورثه الهلاكَ والعذابَ واللعنةَ
(١) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١٣٢/٣.
(٢) الكلام بنحوه في معاني القرآن للنحاس ٣/ ١٥، وزاد المسير ١٧٤/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٦/٢، وتفسير البغوي ١٥٠/٢ وأخرج الأقوال السالفة الطبري ٨٧/١٠.

١٦٦
سورة الأعراف: الآية ١٢
والشَّقاء(١)؛ قاله القَقَّال.
الثاني: أنَّ الخبرَ ناطقٌ بأن ترابَ الجنَة مِسْكٌ أَذْفُ(٢)، ولم ينطِق الخبرُ بأن في
الجنة ناراً وأن في النار تراباً.
الثالث: أن النارَ سببُ العذاب، وهي عذابُ الله لأعدائه؛ وليس الترابُ سبباً
للعذاب.
الرابع: أن الطينَ مستغنٍ عن النار، والنارُ مُحتاجةٌ إلى المكان، ومكانُها
التراب(٣).
قلت: ويحتمِل قولاً خامساً: وهو أن الترابَ مسجدٌ وطَهورٌ؛ كما جاء في
صحيح الحديث(٤). والنار تخويفٌ وعذاب؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُضَوِّفُ اللَّهُ بِهِ
عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦].
وقال ابن عباس: كانت الطاعةُ أولى بإبليسَ من القِياس، فعصَى ربَّه، وهو أوَّلُ
من قاسَ برأيه. والقياسُ في مُخالفةِ النصِّ مردودٌ(٥).
الرابعة: واختلف الناسُ في القِياس إلى قائل به، ورادِّ له؛ فأما القائلون به فهم
الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعُّد به جائز عقلاً واقع شرعاً، وهو
(١) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٨٦/١٠، وتفسير البغوي ١٥٠/٢ - ١٥١.
(٢) أخرج مسلم (١٦٣) عن أنس بن مالك - ضمن حديث الإسراء - قال: قال رسول الله﴾: « ... ثم
أُدخِلْتُ الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». وأخرج أحمد (١٢٥٤٢)، والبخاري (٦٥٨١)
عنه أيضاً عن النبي ﴿ قال: ((بينما أنا أَسيرُ في الجنة إذا أنا بنهر حافَّتاه قِباب الدُّرّ المُجَوَّف، قلت: ما
هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك، فإذا طيئُه مِسْك أذفر)). والمِسْك الأَذْفر: هو الطَُّب
الريح. النهاية (ذفر).
(٣) ذكر نحو هذه المعاني وغيرها في فضل الطين على النار ابن الجوزي في زاد المسير ٣/ ١٧٤ .
(٤) كما في قوله : (( ... جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً ... )) أخرجه أحمد (١٤٢٦٤) والبخاري
(٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر ﴾.
(٥) تفسير أبي الليث ٥٣٢/١ - ٥٣٣، وقول ابن عباس رضي الله عنهما سلف قريباً.

١٦٧
سورة الأعراف: الآية ١٢
الصحيح. وذهب القَفَّالُ من الشافعية وأبو الحسين البصريّ(١) إلى وجوب التعبُّد به
عقلاً(٢). وذهب النَّظَّام إلى أنه يَستحيلُ التعبُّد به عقلاً وشرعاً، وردّه بعضُ أهل
الظاهر(٣). والأوَّلُ الصحيحُ. قال البخارِي في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة:
المعنى: لا عِصْمةَ لأحدٍ إلا في كتاب الله، أو سنة نبيِّه، أو في إجماع العلماء؛ إذا
وُجِدَ فيها الحكمُ، فإنْ لم يُوجَدْ فالقياس(٤). وقد ترجَم على هذا: باب مَن شَبَّه أصلاً
معلوماً بأصلٍ مبيَّن قد بيَّن اللهُ حكمهما(٥) ليفهمَ السائل. وترجَم بعد هذا: باب
الأحكام التي تُعرف بالدَّلائل، وكيف معنى الذَّلالة وتفسيرها(٦).
وقال الطبريّ: الاجتهادُ والاستنباطُ من كتاب اللـه وسُنَّةِ نبيّه ﴾ وإجماع الأمة هو
الحقُّ الواجب، والفرضُ اللازمُ لأهل العلم، وبذلك جاءت الأخبارُ عن النبيِّ ﴾،
وعن جماعةِ الصحابة والتابعين.
وقال أبو تمام المالكيّ (٧): أجمعتِ الأمةُ على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا
على قياسٍ الذهب والوَرِق في الزكاة. وقال أبو بكر: أَقِيلُوني بيعتي. فقال عليٍّ:
واللهِ، لا نُقيلُكَ ولا نَستقيلُك(٨)، رَضِيَكَ رسولُ الله﴾ لديننا، أفلا نرضاكَ
(١) محمد بن علي بن الطيِّب، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف الكلامية، له كتاب المعتمد في أصول
الفقه. توفي سنة (٤٣٦هـ). السير ١٧ / ٥٨٧ .
(٢) المحصول في علم أصول الفقه للرازي ٥/ ٢٢ .
(٣) وكذا نسب ابن قدامة المقدسي في روضة الناظر ٨٠٦/٣ رَدَّ القياس العقلي والشرعي للنظَّام وأهل
الظاهر، لكن الجويني نسب ذلك في البرهان ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ لأهل الظاهر فقط، وذكر أن مذهب
النظَّام هو القول بالقياس العقلي وجَحْد القياس الشرعي.
(٤) أشار البخاري رحمه الله إلى كتابه الاعتصام بإثر الحديث (٧٢٧١) حيث قال: ينظر في أصل كتاب
الاعتصام. وقد أورد الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٤٦/١٣ نحو كلام البخاري أعلاه، ونسبه لابن بطال.
(٥) في (د) و(ز) و(م): حكمها، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري في ترجمة
الحدیث (٧٣٥٦).
(٦) ترجمة الحديث (٧٣٥٦).
(٧) لعله علي بن محمد بن أحمد المصري، صاحب الأبهري، له مختصر في الخلاف يُسمَّى نكت الأدلة
وكتابٌ في أصول الفقه. الديباج المذهب ١/ ١٠٠ .
(٨) قوله: ولا نستقيلك، من (م).

١٦٨
سورة الأعراف: الآية ١٢
لدنيانا(١)؟! فقاسَ الإمامةَ على الصلاة، وقاسَ الصدِّيقُ الزكاةَ على الصلاة، وقال:
والله لا أفرِّق بين ما جمع الله(٢). وصرَّح عليٍّ بالقياس في شارب الخمر بمحضّرٍ من
الصحابة، وقال: إنه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى انْترى فحذَّه حَدَّ القاذف(٣). وكتبَ
عمرُ إلى أبي موسى الأشعري كتاباً فيه: الفَهْمَ الفَهْمَ فيما يَختلِجُ في صدرك مما لم
يَبلُغْكَ في الكتاب والسنة، إِعرِف الأمثالَ والأشباه، ثم قِسِ الأمورَ عند ذلك، فاعمِدْ
إلى أحبُّها إلى الله تعالى وأشبهها بالحقِّ فيما تَرى. الحديثَ بطوله. ذكره
الدار قطنيّ(٤). وقد قال أبو عُبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوَبّاء، حين رَجَعَ
عمرُ من سَرْغ (٥): نَفِرُّ(٦) من قَدَر الله؟ فقال عمرُ: نعم، نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله.
ثم قال له عمر: أرأيتَ(٧). فقايسَه وناظرَه بما يُشبه من مسألته بمحضَرِ المهاجرين
والأنصار، وحَسْبُك.
وأما الآثارُ وآيُ القرآن في هذا المعنى فكثير، وهو يدلُّ على أن القياس أصلٌ من
أصول الدين، وعِضْمةٌ من عِصَمِ المسلمين، يرجِعُ إليه المجتهدون، ويَفْزَعُ إليه
العلماءُ العاملون، فيستنبطون به الأحكام، وهذا قولُ الجماعة الذين هم الحُجَّة، ولا
يُلتَفَتُ إلى من شذَّ عنها. وأما الرأي المذمومُ والقياسُ المُتكلَّف المَنْهيُّ عنه فهو ما لم
(١) سلف ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧ .
(٢) أخرجه أحمد (٦٧)، والبخاري (١٤٠٠)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة ، بلفظ: قال أبو
بكر : والله، لَأُقاتِلنَّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٤٢ عن ثور بن زيد الدِّيلي، أن عمر ﴾ استشار في الخمر يشربها
الرجل، فقال له علي : نرى أن تجلده ثمانين ... وذكره. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير
٤/ ٧٥ : هو منقطع؛ لأن ثوراً لم يلحق عمر بلا خلاف، لكن وصله النسائي في الكبرى [٥٢٦٩] من
وجه آخر عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس. وينظر فتح الباري ٦٩/١٢ .
(٤) برقم (٤٤٧١).
(٥) مدينة افتتحها أبو عُبيدة، وهي واليرموك والجابية مُتَّصِلات. فتح الباري ١٠/ ١٨٤ .
(٦) في (ظ): أفرار، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم (والحديث فيهما كما سيأتي): أَفِراراً.
(٧) أخرجه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) مطولاً، وهو في مسند أحمد (١٦٨٣) مختصراً.

١٦٩
سورة الأعراف: الآيات ١٢ - ١٥
يكن على هذه الأصولِ المذكورة؛ لأن ذلك ظنٍّ ونَزْغٌ(١) من الشيطان، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وكلُّ ما يُورِدُه المُخالِفُ من الأحاديثِ الضعيفة والأخبارِ الواهية في ذمِّ القياس؛
فهي محمولةٌ على هذا النوع من القياس المذموم؛ الذي ليس له في الشرع أصلٌ
معلوم. وتَتميمُ هذا البابِ في كتب الأصول(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهِْطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَّكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ
الصَّغِرِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا﴾ أي: من السماء. ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ لأنَّ
أهلَها الملائكةُ المتواضعون. ﴿فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّفِرِينَ﴾ أي: من الأَذلِّين. ودلَّ هذا أنَّ
مَنْ عصَى مولاه فهو ذليلٌ. وقال أبو رَوْق والبَجَلَيُّ: ((فاهِظُ منها)) أي: من صُورتك
التي أنت فيها(٣)؛ لأنه افتخرَ بأنه من النار، فَشُوِّهتْ صورتُه بالإظلام وزوالٍ إشراقه.
وقيل: ((فاهبِظ منها)) أي: انتقلْ من الأرض إلى جزائر البحار، كما يقال: هَبَطنا
أرضَ كذا، أي: انتقلنا إليها من مكانٍ آخر، فكأنَّه أُخرِجَ من الأرض إلى جزائر
البحار، فسلطانُه فيها، فلا يدخلُ الأرضَ إلا كهيئة السارقِ؛ يخافُ فيها حتى يخرجَ
منها (٤). والقولُ الأوَّلُ أظهرُ، وقد تقدَّم في ((البقرة)»(٥).
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ
١٥
سأل النَّظرةَ والإمهالَ إلى يوم البعث والحساب؛ طلبَ ألّا يموتَ؛ لأن يومَ
(١) في (د) و(ز): وبعد.
(٢) البرهان للجويني ٢/ ٤٨٧ وما بعدها، والمحصول للرازي ٥/ ٥ وما بعدها.
(٣) أورد نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٥/٤، وذكر أن الثعلبي حكاه عن الحسن وأبي العالية. أبو
روق: هو عطية بن الحارث الهَمْداني. والبَجَلي: هو الحسين بن الفضل، أبو علي الكوفي المفسِّر.
(٤) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث ١/ ٥٣٣ ، وتفسير البغوي ١٥١/٢ .
(٥) ٤٨٦/١ .

١٧٠
سورة الأعراف: الآيات ١٤ - ١٧
البَعْثِ لا موتَ بعده، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾. قال ابن عباس والسُّدّي
وغيرهما: أنْظَرَهُ إلى النَّفخة الأُولى حيث يموتُ الخلقُ كلُّهم. وكان طلبُ الإنظار إلى
النَّفخة الثانية حيث يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، فأبى اللهُ ذلك عليه(١).
وقال: ﴿إِلَى يَّوْرِ يُبْعَثُونَ﴾، ولم يتقدَّم ذِكْرُ مَنْ يُبعث؛ لأنَّ القصة في آدمَ وذُرِّيَّتِه،
فدلَّت القرينةُ على أنَّهم هم المبعوثون.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيَمَ ﴿٨) ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ
أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ (٣)﴾
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَيِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾ الإغواءُ: إيقاعُ الغَيِّ في القلب، أي: فيما
أوقعتَ في قلبي من الغَيِّ والعِناد والاستكبار. وهذا لأنَّ كفرَ إیلیسَ لیس کفرَ جَهْل،
بل هو كفرُ عِنادٍ واستكبار. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٢).
قيل: معنى الكلامِ القَسَمُ، أي: فبإغوائِكَ إِيَّايَ لأَقعُدنَّ لهم على صراطك، أو
في صراطك، فحذف. دليلُ هذا القولِ قولُه في ((ص)): ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْعِينَ﴾
[الآية: ٨٢]، فكأنَّ إبليسَ أعظمَ قَدْرَ إغواءِ الله إِيَّاه لِمَا فيه من التسليطِ على العباد،
فأقسمَ به إعظاماً لِقَدْرِه عنده.
وقيل: الباء بمعنى اللَّام، كأنَّه قال: فلإغوائِكَ إِيَّاي. وقيل: هي بمعنى مع،
والمعنى: فمع إغوائكَ إِيَّاي. وقيل: هو استفهامٌ، كأنَّه سأل بأيِّ شيء أغواه؟. وكان
ينبغي على هذا أن يكون: فبمَ أغويتني؟ وقيل: المعنى: فبما أهلكتَنِي بِلَعْنِكَ إِيَّاي.
والإغواءُ: الإهلاكُ، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: هلاكاً.
وقيل: فبما أَضْلَلْتَني - والإغواءُ: الإضلالُ والإبعادُ - قاله ابن عباس(٣). وقيل:
(١) أورده بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٩٩/٤، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٢) ١/ ٤٤٤ .
(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٩١.

١٧١
سورة الأعراف: الآيتان ١٦ - ١٧
خيَّيتني من رحمتك(١)، ومنه قولُ الشاعر:
ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائما(٢)
أي: مَن يَخِبْ.
وقال ابن الأعرابيّ: يقال: غَوَى الرجلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فسدَ عليه أمرُه، أو فسدَ
هو في نفسِه، وهو أحدُ معاني قوله تعالى: ﴿وَعَصَوَ ءَآدَمُ رَبَُّ فَفَوَ﴾ [طه: ١٢١]، أي:
فسدَ عَيْشُهُ في الجنَّة. ويقال: غَوِيَ الفَصِيلُ: إذا لم يَدُرَّ لبنُ أمِّه(٣).
الثانية: مذهبُ أهلِ السُّنةِ أن الله تعالى أضلَّه وخلقَ فيه الكفر، ولذلك نسبَ
الإغواءَ في هذا إلى الله تعالى، وهو الحقيقة، فلا شيءَ في الوجود إلَّا وهو مخلوقٌ
له، صادرٌ عن إرادته تعالی.
وخالفَ الإماميةُ والقَدَرية وغيرُهما شيخَهم إبليسَ الذي طاوعوه في كلِّ ما زيَّنه
لهم، ولم يُطاوعوه في هذه المسألة، ويقولون: أخطأ إبليسُ، وهو أهلٌ للخطأ،
حيث نسبَ الغَوايةَ إلى ربِّه، تعالى الله عن ذلك.
فيقال لهم: وإبليس؛ وإنْ كان أهلاً للخطأ، فما تصنعون في نبيِّ مُكرَّم معصوم،
وهو نوحٌ عليه السلام حيث قال لقومه: ﴿وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ
اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤) [هود: ٣٤]. وقد رُوي أنَّ طاوساً جاءه
رجلٌ في المسجد الحرام، وكان مُثَّهماً بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار، فجلس إليه،
فقال له طاوس: تقومُ أو تُقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه؟! فقال: إبليسُ
(١) تنظر هذه المعاني في المحرر الوجيز ٢/ ٣٨٠، والنكت والعيون ٢٠٦/٢، وتفسير البغوي ١٥١/٢ ،
وزاد المسير ١٧٦/٣، وتفسير الرازي ٣٨/١٣.
(٢) قائله المُرقِّش الأصغر، وصدره: فمن يلقّ خيراً يحمدِ الناسُ أَمْرَه. وهو في المفضليات ص٢٤٧ ،
والشعر والشعراء ٢١٥/١ .
(٣) تهذيب اللغة ٢١٨/٨ بنحوه.
(٤) حَزّ الغلاصم لشيث بن إبراهيم ص٢٨ .

١٧٢
سورة الأعراف: الآيتان ١٦ - ١٧
أفقهُ منه، يقول إبليسُ: ربِّ بما أغويتَني، ويقول هذا: أنا أُغْوِي نفسي(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: بالصَّدِّ عنه، وتَزيين الباطل
حتى يَهْلِكوا كما هَلَكَ، أو يضلُّوا كما ضلَّ، أو يُخيَّبوا كما خُيِّب؛ حَسْبَ ما تقدَّم من
المعاني الثلاثة في ((أَغْوِيتَنِي)(٢).
والصراط المستقيم: هو الطريقُ الموصِلُ إلى الجنة. و((صِراطَكَ)) منصوبٌ على
حذف على أو في من قوله: ((صِراطَكَ المستقيم))؛ كما حكَى سيبويه(٣) ((ضُرِبَ زيدٌ
الظهرَ والبطنَ)). وأنشد:
لَذْنٌ بِهَزِّ الِكَفِّ يَعْسِلُ مَثْنُه
فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثَّعلبُ(٤)
ومن أحسنٍ ما قيل في تأويل: ﴿ثُمَّ لَتَِّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ
شَآيَلِهِمْ﴾ أي: لأَصُدَّنَّهم عن الحقِّ، وأُرَغْبُهُم في الدنيا، وأُشكِّكُهم في الآخرة(٥).
وهذا غايةٌ في الضلالة، كما قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهم﴾ [النساء: ١١٩] حسب ما تقدَّم (٦).
وروى سفيان، عن منصور، عن الحكم بن عُتَيْبة قال: ((مِن بين أَيْدِيهم)): من
دنياهم، ((ومِن خَلْفِهم)): من آخرتهم، ((وعن أيمانهم)) يعني حسناتِهم، ((وعن
شمائلهم)) يعني سيئاتِهم (٧).
(١) ذكرها الزمخشري في كشافه ٢/ ٧٠ ، وجعلها من تكاذيب المجبّره وردًّ عليه ابن المنير في الانتصاف
فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال.
وللتوسُّع في مسألة خلق الأفعال ينظر الإنصاف للباقلاني ص ١٤٤ والإرشاد للجويني ص١٧٣ .
(٢) في المسألة الأولى.
(٣) الكتاب ٣٦/١ و١٥٨ و٢١٤ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٧/٢، والبيت لساعدة بن جُؤَيَّة الهذلي، يصف فيه رُمحه، وهو في شرح
ديوان الهذليين ١١٢٠/٣ . وفيه: لذٌّ، بدل: لدنّ. قال شارحه: قوله: لذٍّ، أي: تلَذُّ الكفُّ بهزِّه. وقوله:
يعسل مننُه فيه، أي: في كفِّه، يعسل، أي: يضطرب. كما عسل الطريقَ الثعلبُ، أي: في الطريق، وهو
اضطرابه.
(٥) أخرجه الطبري ٩٩/١٠ بنحوه من قول الحكم والسدي.
(٦) ٧ /١٣٥ .
(٧) أخرجه الطبري ٩٨/١٠ .

١٧٣
سورة الأعراف: الآيات ١٦ - ١٨
قال النحاس(١): وهذا قولٌ حسنٌّ، وشرحُه: أن معنى ((ثم لآتينَّهم مِن بين
أَيْديهم)): من دنياهم؛ حتى يُكذِّبوا بما فيها من الآياتِ وأخبار الأمم السالفة، ((ومِنْ
خَلْفهم)): من آخرتهم؛ حتى يُكذِّبوا بها، ((وعن أَيْمانهم)): من حسناتهم وأمورِ دينهم.
ويدلُّ على هذا قولُه: ﴿إِنَّكُمْ كُ تَأْتُونَنَا عَنِ آلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٣٨]، ((وعن شَمَائلهم))
يعني سيئاتِهم، أي: يتَبعون الشهواتِ، لأنه يُزيّنُها لهم.
﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ أي: مُوحِّدين طائعِين؛ مُظهرين الشكرَ.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْهُوَمَّا مَّدْخُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنََّ مِنَكُمْ
m
أَجْمَعِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَ﴾ أي: من الجنة. ﴿مَدْءُومَا مَّدْحُورًا﴾. ((مَذْؤُوماً)) أي:
مذموماً، والذَّأُمُ: العيب(٢)، بتخفيف الميم. قال ابن زيد: مذؤوماً ومذموماً سواءٌ(٣)؛
يقال: ذَأَمْته، وذَمَمته، وذِمْته؛ بمعنّی واحد.
وقرأ الأعمش: ((مَذُوماً»(٤)، والمعنى واحدٌ؛ إلا أنه خفَّف الهمزة. وقال
مجاهدٌ: المَذْؤُومِ: المنفيُّ. والمعنيان مُتقاربان. والمدحور: المُبْعَد المطرودُ(٥)؛ عن
مجاهدٍ وغيره. وأصلُه الذَّفع.
﴿لََّن ◌َِّعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَبَْعِينَ﴾ اللّام لامُ القسَم، والجوابُ: ((لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ)). وقيل: ((لَمَنْ تَبِعَكَ)) لامُ توكيدٍ. ((لأَمْلأَنّ)) لامُ قَسَم، والدليلُ على هذا أنَّه
يجوزُ في غير القرآن(٦) حذفُ اللَّام الأُولى، ولا يجوزُ حذفُ الثانية. وفي الكلامِ
(١) في معاني القرآن ١٦/٣ - ١٧، وما قبله منه.
(٢) الصحاح (ذام)، قال الجوهري: يُهمز ولا يُهمز.
(٣) أخرجه الطبري ١٠٤/١٠ .
(٤) القراءات الشاذة ص ٤٢، والمحتسب ٢٤٣/١.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢١/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٠٣/١٠.
(٦) في (د) و(ز) و(م): القراءة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ١١٧/٢ - ١١٨،
والكلام منه.

١٧٤
سورة الأعراف: الآيات ١٨ - ٢٠
معنى الشرطِ والمُجازاة، أي: مَن تبعك عذَّبته. ولو قلتَ: مَنْ تَبِعكَ أُعذِّبه، لم يَجُزْ،
إلا أنْ تريدَ: لأُعَذِّبَنَّهُ.
وقرأ عاصمٌ من رواية أبي بكر بن عَيَّاش(١): ((لِمِن تَبِعكَ منهم)) بكسرِ اللام.
وأنكره بعضُ النحويين. قال النحاس(٢): وتقديرُه - والله أعلم -: مِنْ أجلٍ مَنْ تَبِعكَ،
كما يقال: أكرمتُ فلاناً لك. وقد يكون المعنى: الدَّحْرُ لِمَن تبعك.
ومعنى ﴿مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: منكم ومن بني آدمَ؛ لأنَّ ذِكْرَهم قد جرى، إذْ قال:
﴿وَلَقَدْ خَقْتَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] خاطبَ ولدَ آدمَ.
قوله تعالى: ﴿وَبَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ بِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ
الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
قال لاَدَمَ بعد إخراج إبليسَ من موضِعه من السماء: اسكُنْ أنت وحوّاءُ الجنَّةً.
وقد تقدَّم في البقرة(٣) معنى الإسكان، فأغنى عن إعادته. وتقدَّم معنى ﴿وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ
الشَّجَرَةَ﴾ هناك (٤). والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا
نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ
قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أي: إليهما. قيل: داخِلَ الجنة بإدخال الحية
إِيَّاه. وقيل: من خارج، بالسَّلْطنة التي جُعلت له. وقد مضى هذا في ((البقرة))(٥).
(١) القراءات الشاذة ص٤٢، والكشاف ٧١/٢، والبحر المحيط ٧٧/٤، والقراءة المشهورة عن أبي بكر
ابن عياش - وهو شعبة - عن عاصم كقراءة الجماعة.
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ١١٧، وما قبله منه.
(٣) ١/ ٤٤٥ .
(٤) ١/ ٤٥٢ وما بعدها.
(٥) ٤٦٤/١ وما بعدها، وسلف الكلام أن ذكر الحية من الإسرائيليات.

١٧٥
سورة الأعراف: الآية ٢٠
والوَسْوَسَةُ: الصوتُ الخَفِيّ، والوَسْوَسَةُ: حديثُ النفس؛ يقال: وَسْوَسَتْ إليه
نفسُه وَسْوَسَةً ووِسْواساً، بكسر الواو. والوَسْواسُ؛ بالفتح: الاسم، مثل الزِّلزال
والزَّلزال(١). ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصواتِ الحَلْي: وَسْوَاس. قال
الأعشى:
تَسْمعُ للحَلْيِ وَسْوَاساً إذا انصرفَتْ كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ
والوَسْواسُ: اسمُ الشيطان(٢)، قال الله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾
[الناس: ٤].
﴿لِيُبْدِىَ لَمُمَا﴾ أي: لِيُظهِرَ لهما. واللَّام لامُ العاقبة، كما قال: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ
عَدُوًا وَحَزًَّا﴾ [القصص: ٨]، وقيل: لامُ كي.
و﴿وُدْرِيَ﴾ أي: سُيِّرَ وغُطّي عنهما(٣). ويجوز في غير القرآن: أُورِيَ، مثل:
أُقْتُتْ (٤).
و﴿مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ من عوراتهما. وسُمِّ الفرجُ عورةً لأن إظهارَه يسوءُ صاحبه. ودلَّ
هذا على قُبْحِ كَشْفِها، فقيل: إنما بدتْ سوءاتُهما لهما لا لِغيرهما؛ كان عليهما نَوْرٌ؛
لا تُرى عوراتهما، فزال النَّوْر(٥). وقيل: ثوبٌ؛ فتهافت، والله أعلم.
﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيٍِّ﴾ ((أن)) في موضع نصب، بمعنى: إلَّا كراهيةَ أنْ؛ فحذف
(١) لفظ: والزَّلزال، ليس في (د) و(م).
(٢) الصحاح (وسوس)، والبيت في ديوان الأعشى ص ١٠٥، وهو من معلقته. قال النحاس في شرح
القصائد المشهورات ١٣١/٢: قوله: إذا انصرفت: يريد إذا انقلبت إلى فراشها، قال الأصمعي:
العِشْرِق: شُجيرة مقدار ذراع؛ لها أكمام فيها حبُّ صغار، إذا جفَّت فمرَّت به الريح تحرَّك الحبُّ، فشبَّه
صوت الحَلْي بخشخشته على الحصى.اهـ. وفي اللسان (زجل): نبت زَجِلٌ: صَوَّتت فيه الريح.
(٣) تفسير البغوي ١٥٢/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٤/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/٢.
(٥) أخرجه الطبري ١١٤/١٠ بنحوه من قول وهب بن منِّه، وصحَّح إسناده ابن كثير في تفسيره ٣٩٨/٣ .
والنَّوْر: الزَّهْر، أو الأبيض منه. القاموس المحيط (نور).

١٧٦
سورة الأعراف: الآية ٢٠
المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون يقولون: لئلا تكونا. وقيل: أي: إلا أنْ لا
تكونا مَلَكَيْنِ تَعْلَمانِ الخيرَ والشرَّ(١).
وقيل: طَمِع آدمُ في الخُلود؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ الملائكةَ لا يموتون إلى يوم القيامة (٢).
قال النحاس: وبيَّن الله عزَّ وجلَّ فَضْلَ الملائكة على جميع الخَلْق في غير موضع
من القرآن؛ فمنها هذا، وهو: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنٍ﴾، ومنه: ﴿وَلَّ أَقُولُ إِنِ مَلَكُ﴾
[هود: ٣١]، ومنه: ﴿وَلَا الْمَلَبِكَةُ الْقُرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢].
وقال الحسن: فضَّلَ اللهُ الملائكةَ بالصُّوَرِ والأجنحةِ والكرامة. وقال غيره:
فضَّلهم جلَّ وعزَّ بالطاعة وتَرْكِ المعصية، فبهذا (٣) يقع التفضيل في كلِّ شيءٍ(٤).
وقال ابن فُورك(٥): لا حُجَّةَ في هذه الآية؛ لأنَّه يَحتمِلُ أن يُريد مَلَكَيْن في أَنْ لا
يكونَ لهما شهوةٌ في طعام.
واختيارُ ابن عباس والزجَّاج(٦) وكثيرٍ من العلماء تفضيلُ المؤمنين على الملائكة،
وقد مضى في ((البقرة))(٧).
وقال الكلبيُّ: فُضِّلوا على الخلائق كلِّهم، غيرَ طائفة من الملائكة: جبريل،
وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت؛ لأنَّهم من جُملة رُسُلِ الله. وتمسَّك كلُّ فريق
بظواهرَ من الشريعة، والفَضْلُ بيد الله.
وقرأ ابن عباس: ((مَلِكَيْن)) بكسرِ اللَّام، وهي قراءةُ يحيى بن أبي كثير
(١) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٥/٢.
(٢) ذكر نحوه الرازي في تفسيره ١٤ / ٤٧ .
(٣) في (م): فلهذا.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/٢ - ١١٩، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٢٩١).
(٥) نقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٥/٢.
(٦) في معاني القرآن للزجاج ١٣٦/٢: والملائكة - والله أعلم - أكرم من النبيِّين، ألا ترى أن نوحاً عليه
السلام قال: ﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَِّنُ اللَّهِ وَلَّا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلََّ أَقُولُ إِنَّ مَلَّكَ﴾ [هود: ٣١].
(٧) ٤٣٠/١ - ٤٣١ و ٤٣٦ .

١٧٧
سورة الأعراف: الآيتان ٢٠ - ٢١
الضخَّاك(١). وأنكرَ أبو عمرو بن العلاء كسرَ اللَّام، وقال: لم يكنْ قبلَ آدَمَ ﴿ مَلِكٌ
فيصيرا مَلِكَيْن. قال النخَّاس(٢): ويجوز على هذه القراءة إسكانُ اللَّام، ولا يجوز
على القراءة الأُولى لخِفَّة الفتحة.
قال ابن عباس: أتاهما الملعونُ من جهة المُلْك؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى
شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَ﴾ [طه: ١٢٠].
وزعَم أبو عُبيد أنَّ احتجاجَ يحيى بن أبي كثير بقوله: ﴿وَمُلْكِ لَّا يَبْلَ﴾ حُجَّة بَيِّنَةٌ،
ولكن الناس على تَرْكها، فلهذا تركناها.
قال النحاس(٣): ((إلَّا أَنْ تكونا مَلِكَيْن)) قراءةٌ شاذَّة. وقد أُنكِرَ على أبي عُبيد هذا
الكلامُ، وجُعِل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يَتوقَّم آدمُ عليه السلام أنه يَصِلُ
إلى أكثر من ملك الجنة، وهي غاية الطالبين. وإنما معنى ((وَمُلْك لا يبلى)): المُقام في
مُلك الجنة، والخلودُ فيه.
قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَّ إِ لَّكُمَا لَمِنَ النَّصِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلفَ لهما؛ يقال: أقسمَ إقساماً، أي: حلفَ.
قال الشاعر:
ألَذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها(٥)
وقاسمَها باللهِ جَهْداً لأنتمُ (٤).
وجاء ((فاعلت)) من واحد، وهو يردُّ على مَن قال: إنَّ المُفاعلةَ لا تكون إلا من
اثنين، وقد تقدَّم في ((المائدة))(٦).
(١) القراءات الشاذة ص٤٢، والمحرر الوجيز ٣٨٥/٢، وأخرجها الطبري ١٠٨/١٠.
(٢) معاني القرآن ٢٠/٣ - ٢١.
(٣) في إعراب القرآن ١١٨/٢ وما قبله منه.
(٤) في النسخ الخطية: وقاسمهما بالله جهداً لأنتما. والمثبت من (م) والمصادر.
(٥) البيت لخالد بن زهير الهُذَلي، وقوله: السلوى: العسل. ونشورها، أي: نجتنيها، وسلف ١١٩/٢.
(٦) ١٢٦/٨، وينظر ٢٧/١ - ٢٨.

١٧٨
سورة الأعراف: الآيات ٢١ - ٢٤
﴿إِ لَّكُمَا لَمِنَ النَّصِرِينَ﴾ ليس (لكما)) داخلاً في الصِّلة، والتقدير: إنِّي ناصحٌ
لكما لمن الناصحين، قاله هشام النَّحْويّ(١). وقد تقدَّم مثلُه في ((البقرة))(٢). ومعنى
الكلام: اتَِّعاني أُرشِذْكما، ذكره قتادة(٣).
قوله تعالى: ﴿فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَمُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّ وَنَادَهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٣) قَالَا رَبَّنَا ظَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن أَّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ
ـ قَالَ أَهِْطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٍّ وَمَتَهُ
٢٣
مِنَ الْخَسِرِينَ
إلی حیزٍ
قوله تعالى: ﴿فَدَلَّهُمَا بِفُرٍُّ﴾: أوقعهما في الهلاك. قال ابن عباس: غَرَّهما
باليمين. وكان يظنُّ آدمُ أنه لا يحلفُ أحدٌ بالله كاذباً (٤)، فغرَّهما بوسوسته وقَسَمِه
لهما. وقال قتادة: حلف بالله لهما حتى خدَعهما، وقد يُخدعُ المؤمنُ بالله. کان بعضُ
العلماء يقول: مَن خادعنا بالله خَدَعنا(٥). وفي الحديث عنه﴾: ((المؤمنُ غِرٌّ كريم،
والفاجرُ خِبٌّ لَئيم))(٦). وأنشد نفطويه:
إنَّ الكريمَ إذا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ
وترى اللئيمَ مُجرِّباً لا يُخْدَعُ (٧)
(١) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٢. وهشام النحوي: هو ابن معاوية.
(٢) ٢ / ٤٠٦ .
(٣) أخرجه الطبري ١٠٩/١٠ .
(٤) زاد المسير ٢/ ١٨٠، وأخرجه الطبري ١١١/١٠ - ١١٢ بنحوه مطولاً.
(٥) أخرجه الطبري ١٠٩/١٠ - ١١٠ .
(٦) أخرجه أحمد (٩١١٨)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤) من حديث أبي هريرة﴾. وقوله:
((غِرٌّ كريم)): قال ابن الأثير في النهاية (غرر): أي: ليس بذي نُكر فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضدُّ
الخَبّ. يريد أن المؤمن المحمود مِن طبعه الغَرارة وقِلَةُ الفِطْنة للشرِّ، وترك البحث عنه، وليس ذلك
منه جهلاً، ولكنه كرمٌ وحسنُ خلق. وقوله: ((خبّ)) قال ابن الأثير في النهاية (خبب): الخّبّ - بالفتح -:
الخداع، وقد تكسر خاؤه، فأما المصدر فبالكسر لا غير.
(٧) لم نقف عليه.

١٧٩
سورة الأعراف: الآيات ٢٢ - ٢٤
﴿فَدَلَّهُمَا﴾ يقال: أَدْلَى دَلْوَه: أرسلَها. ودَلَاها: أخرجَها. وقيل: ((دَلَّهُمَا)) أي:
دَلَّلهما، من الدَّالَّة، وهي الجُرْأَة. أي جرَّأَهما على المعصية، فخرجا من الجنة(١).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَتِهِمَا مِن وَرَقِ اَلْمَّةِ﴾
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَمَا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أي: أكلا منها. وقد مضى في
((البقرة))(٢) الخلافُ في هذه الشجرة، وكيف أكلَ آدمُ منها. ﴿بَدَتْ لَّمَا سَوْءَتُهُمَا﴾ أكلتْ
حوَّاءُ أوَّلاً فلم يُصِبْها شيء، فلما أكل آدمُ حلَّت العقوبةُ؛ لأنَّ النَّهيَ ورد عليهما كما
تقدَّم في ((البقرة))(٣). قال ابنُ عباس: تقلَّص النَّورُ الذي كان لباسَهما، فصار أظفاراً
في الأيدي والأرجل(٤).
الثانية: ﴿وَطَفِقَا﴾ ويجوز إسكانُ الفاء(٥). وحكى الأخفش(٦): طَفَق يَطْفِقِ، مثل
ضَرَبَ يَضْرِب؛ يقال: طَفِقَ، أي: أخذ في الفعل.
﴿يَخْصِفَانِ﴾ قرأ الحسن بكسر الخاء وشدِّ الصاد(٧)، والأصلُ: ((يَخْتَصِفَانٍ))
(١) ينظر تهذيب اللغة ١٤/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥ .
(٣) ١/ ٤٥٧ - ٤٥٨ .
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٣٠٠) عنه قال: لما أسكن الله آدم
الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال، فبقي في أطراف أصابعه. و(٨٣٤٥)
بلفظ: كان لباس آدم عليه السلام الظفر بمنزلة الريش على الطير، فلما عصى سقط عنه لباسه، وتركت
الأظفار زينة ومنافع. في إسناد الأول الحسن بن أبي جعفر الجُفري، قال فيه البخاري: منكر الحديث،
وضعَّفه أحمد والنسائي، كما في تهذيب الكمال ٧٣/٦ . وفي إسناد الثاني النضر بن عبد الرحمن أبو
عمر الخزَّاز، ضعَّفه أحمد وقال: ليس بشيء، وقال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال
البخاري: منكر الحديث، كما في تهذيب التهذيب ٢٢٥/٤ .
(٥) يعني في غير القرآن، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٢، ولعله يريد بجواز إسكان الفاء
طلب الخِفَّة، فقد ذكر نحوه النحاس في إعراب القرآن ٤٩٩/١ في قوله تعالى: ((إلا مَنْ ظُلِم)»
[النساء: ١٤٨] فقال: يجوز إسكان اللام. وسلف نحوه قريباً في الآية (٢٠) في قوله: ((مَلْكَيْن)).
(٦) في معاني القرآن له ٥١٥/٢ .
(٧) المحتسب ٢٤٥/١ .

١٨٠
سورة الأعراف: الآيات ٢٢ - ٢٤
فأدغم، وكُسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابنُ بُريدة ويعقوبُ بفتح الخاء، ألقيا
حركةَ التاء عليها. ويجوز: ((يُخَصِّفانِ)) بضم الياء، من خَصَّف يُخصِّف(١). وقرأ
الزُّهرِيُّ: ((يُخْصِفانٍ)) مِن أَخْصَف(٢)، وكلاهما منقولٌ بالهمز أو التضعيف.
والمعنى: يقطعان الورقَ ويَلزقانِه لِیستترا به، ومنه خَصَّف النَّعل. والخَصَّاف
الذي يُرقِّعها، والمِخْصَف: المِثْقَب(٣).
قال ابن عباس: وهو ورقُ التين(٤). ويُروى أنَّ آدَمَ عليه السلام لما بدتْ سوأتُه
وظهرَتْ عورتُه طاف على أشجار الجنة يَسُلُّ(٥) منها ورقةً يُغطي بها عورتَه؛ فزجرته
أشجارُ الجنَّة حتى رَحِمتْه شجرةُ التِّين فأعطتْه ورقةً. فـ ((طَفِقًا)) يعني: آدم وحواء
(يَخْصِفانِ عليهما مِنْ وَرَقِ الجنَّة))، فكافأ اللهُ التينَ بأنْ سوَّى ظاهره وباطنه في
الحلاوة والمنفعة، وأعطاه ثمرتين في عام واحد، مرتين(٦).
الثالثة: وفي الآية دليلٌ على قُبْحِ كَشْف العورة، وأنَّ الله أوجب عليهما السترَ؛
ولذلك ابتدرا إلى سَتْرها(٧)، ولا يمتنع أنْ يُؤمرا بذلك في الجنة، كما قيل لهما:
﴿وَلَا نَقْرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وقد حكى صاحب ((البيان)(٨) عن الشافعي(٩) أن مَن لم يجد
(١) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٢. وقراءة: ((يَخَصِّفان)) بفتح الخاء ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٤٢، ونسبها للزهري، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢٤٥/١ دون نسبة. وقراءة يعقوب - وهو من
العشرة - المشهورة عنه كقراءة الجماعة.
وقراءة: ((يُخَصِّفان)) بضم الياء، نسبها ابن جني لابن بُريدة والحسن والزهري والأعرج.
(٢) المحتسب ٢٤٥/١، والمحرر الوجيز ٣٨٦/٢.
(٣) تهذيب اللغة ٧/ ١٤٧.
(٤) أخرجه الطبري ١١٣/١٠. وصحَّحه إليه ابن كثير في تفسيره ٣٩٨/٣ .
(٥) في (د) وعرائس المجالس ص٣٣ (والخبر فيه): يسأل.
(٦) لفظ: مرتين، ليس في عرائس المجالس، وسلف نحو هذا الخبر ١/ ٤٦٥، وهو من الإسرائيليات.
(٧) تفسير أبي الليث ٥٣٤/١، وتفسير الرازي ٤٩/١٤ .
(٨) هو يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليماني، توفي سنة (٥٥٨هـ). طبقات الشافعية ٣٣٦/٧.
(٩) الأم ٧٩/١ .