النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
محمد]. أو مفتتحوا(١) باب ضلالةٍ! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا
الخیرَ. قال: وکم من مریدٍ للخیر لن یصیبه!
وعن عمر بنِ عبد العزيز وسأله رجلٌ عن شيءٍ من أهل الأهواءِ والبِدَع؛ فقال:
عليك بدين الأغرابٍ، والغلامِ في الكُتّاب، والْهَ عمّا سِوَى ذلك.
وقال الأوزاعيُّ: قال إبليس لأوليائه: مِن أيِّ شيءٍ تأتون بني آدم؟ فقالوا: من
كلِّ شيءٍ. قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار؟ قالوا: هيهات! ذلك شيءٌ قُرِن
بالتوحيد. قال: لأَبّن فيهم شيئاً لا يستغفرون الله منه. قال: فَبَثّ فيهم الأهواء.
وقال مجاهد: ولا أدري أيُّ النعمتين عليَّ أعظمُ؛ أنْ هداني للإسلام، أو عافاني
من هذه الأهواء.
وقال الشَّعبيُّ: إنما سُمُّوا أصحابَ الأهواءِ؛ لأنهم يهْؤُون في النار. كلُّه عن
الدارميّ(٢).
وسئل سهل بنُ عبد الله عن الصلاة خلفَ المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم،
فقال: لا، ولا كرامةً! هم كفارٌ، كيف يؤمن من يقول: القرآن مخلوقٌ، ولا جنة
مخلوقةٌ ولا نار مخلوقةٌ، ولا لله صراطٌ ولا شفاعةٌ، ولا أحدٌ من المؤمنین يدخل
النارَ، ولا يخرج من النار من مذنبي أمةٍ محمد ﴿، ولا عذابُ القبرِ ولا منكر ولا
نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأنَّ علمَ اللهِ مخلوقٌ، ولا يرون السلطان
ولا جمعة؛ ویکفّرون من یؤمن بهذا.
وقال الفضيل بنُ عِياض: من أحبَّ صاحبَ بدعةٍ؛ أحبط الله عملَه، وأخرج نورَ
الإسلام مِن قلبه(٣). وقد تقدّم هذا من كلامه وزيادة.
وقال سفيان الثّوْرِيّ: البدعةُ أحبُّ إلى إبليس من المعصية؛ المعصيةُ يتابُ منها،
(١) في النسخ: أوْ مفتتحي، والمثبت من سنن الدارمي.
(٢) ١٠٣/١، ١٢١.
(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٦٣)، وسلف ٤١٩/٨.

١٢٢
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
والبدعةُ لا يتابُ منها(١).
وقال ابن عباس: النظرُ إلى الرجل من أهل السنةِ يدعو إلى السُّنّة وينهى عن
البدعة عبادةٌ(٢).
وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأوّلِ الذي كانوا عليه قبلَ أنْ يفترقوا. قال
عاصمٌ الأخْوَلُ: فحدَّثت به الحسنَ، فقال: قد نصحك - واللهِ - وصدَقك(٣). وقد
مضى في ((آل عمران)) معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((تفرّقتْ بنو إسرائيلَ على ثنتين
وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمةَ ستفترقُ على ثلاث وسبعين)). الحديث(٤).
وقد قال بعضُ العلماءِ العارفين: هذه الفرقةُ التي زادت في فرق أمةٍ محمد # هم
قوم يُبغضون العلماءَ ويُعادُون الفقهاء(٥)، ولم يكن ذلك قَطُ في الأمم السالفة(٦). وقد
روى رافع بنُ خَديج أنه سمع رسولَ الله # يقول: ((يكونُ في أمتي قومٌ يكفرون بالله
وبالقرآن وهم لا يشعرون؛ كما كفرت اليهودُ والنصارى)). قال: فقلتُ: جُعلتُ فداك
يا رسولَ الله! كيف ذاك؟ قال: ((يُقرّون ببعض ويكفرون ببعض». قال: قلت: جُعلتُ
فداك يا رسولَ الله! وكيف يقولون؟ قال: ((يَجعلون إبليس عِذْلاً لله في خلقه وقوَّته
ورزقِه، ويقولون: الخيرُ من الله والشرُّ من إبليس)). قال: فيكفرون بالله، ثم يقرؤون
على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعدَ الإيمانِ والمعرفة؟ قال: ((فما تَلقَى أمتي
(١) أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (٩١٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٣٨).
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١١)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس
ص١١ .
(٣) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١١ بهذا اللفظ. وأخرجه أيضاً محمد بن نصر في السنة ٢٦ ،
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بنحوه مطولاً.
(٤) سلف ٢٤١/٥ - ٢٤٢ .
(٥) في (م): هو قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء.
(٦) في (ظ): ولم يكن لهم قط مثيل في الأمم السالفة.

١٢٣
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٥
منهم من العداوة والبغضاء والجدالِ أولئك زنادقةُ هذه الأمة)). وذكر الحديث(١).
ومضى في ((النساء)) وهذه السورةِ النّهْيُ عن مجالسة أهلِ البدع والأهواءِ، وأنَّ من
جالسَهم حكمُه حكمُهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]. ثم
بَيَّن في سورة النساء - وهي مدنيةٌ - عقوبةَ من فعلَ ذلك، وخالفَ ما أمَرَه(٢) الله به،
فقال: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]. فَأَلْحقَ من جالسهم بهم.
وقد ذهب إلى هذا جماعةٌ من أئمة هذه الأمةِ، وحَكَم بموجب هذه الآياتِ في
مُجالِس أهلِ البدعِ على المعاشرة والمخالطةِ؛ منهم أحمد بن حنبل والأوزاعيُّ وابن
المبارك؛ فإنهم قالوا في رجل شأنُه مجالَسةُ أهلِ البدعِ قالوا: يُنْهى عن مجالستهم،
فإن انتهى؛ وإلا أُلْحِقَ بهم، يَعنون في الحكم.
وقد حمل عمر بنُ عبد العزيز الحدَّ على مُجالِس شَرَبةِ الخمرِ، وتلا: «إِنَّكُمْ إِذاً
مِثْلُهُمْ)). قيل له(٣): فإنه يقولُ: إني أجالسُهم لأباينهم وأردَّ عليهم. قال(٤): يُنْهى عن
مجالستهم، فإنْ لم ينته أُلْحِقَ بهم(٥).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ
شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ
١٥٥)
فَتَّبِعُوُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ مفعولان. ﴿تَمَامًا﴾ مفعولٌ من أجله أو
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٥٧، وفي إسناده عطية بن أبي عطية، قال العقيلي: مجهول بالنقل،
وفي حديثه اضطراب، ولا يتابع عليه، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٨٠/٣ : أتى بخبر موضوع
طويل. وينظر لسان الميزان ٤/ ١٧٥ - ١٧٦ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): ما أمر.
(٣) في النسخ الخطية: قيل لهم، والمثبت من (م).
(٤) في النسخ الخطية: قالوا، والمثبت من (م).
(٥) سلف بنحوه مختصراً ٧/ ١٨٥ .

١٢٤
سورة الأنعام: الآيتان ١٥٤ - ١٥٥
مصدر (١). ﴿عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ قرئ بالنصب والرفع؛ فمن رفع - وهي قراءةُ يحيى بنِ
يَعْمَر وابنِ أبي إسحاقَ(٢) - فعلى تقدير: تماماً على الذي هو أحسنُ. قال المهدويُّ:
وفيه بعدٌ من أجل حذفِ المبتدأ العائدِ على ((الذي))(٣). وحكى سيبويه(٤) عن الخليل
أنه سمع: ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئاً(٥). ومن نصب فعلى أنه فعلٌ ماضٍ داخلٌ في
الصِّلة(٦). هذا قولُ البصريين.
وأجاز الكسائيُّ والفرّاءُ أنْ يكون اسماً نعتاً للذي. وأجازا: مررت بالذي أخيك؛
ينعتان ((الذي)) بالمعرفة وما قاربها. قال النحاس (٧): وهذا محالٌ عندَ البصريين؛ لأنه
نعتٌ للاسم قبلَ أنْ يتمّ، والمعنى عندهم: على المحسن.
قال مجاهد: تماماً على المحسن المؤمنِ(٨). وقال الحسنُ في معنى قولِه: ((تَمَاماً
عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)): كان فيهم محسنٌّ وغيرُ محسنٍ؛ فأنزل الله الكتابَ تماماً على
المحسنين. والدليلُ على صحة هذا القولِ أنَّ ابن مسعود قرأ: ((تماماً على الذين(٩)
أحسنوا)).
وقيل: المعنى: أعطينا موسى التوراةَ زيادةً على ما كان يُحسِنُه موسى مما كان
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٠٨/٢.
(٢) المحتسب ٢٣٤/١، ومعاني القرآن للنحاس ٥١٩/٢، وتفسير الطبري ٩/ ٦٧٧، والمحرر الوجيز
٠٣٦٤/٢
(٣) وضعف هذا القول أيضاً ابن جني في المحتسب ٢٣٤/١ .
(٤) في الكتاب ١٠٨/٢ .
(٥) أي: بالذي هو قائل. المحتسب ٢٣٥/١.
(٦) مشكل إعراب القرآن ٢٧٨/١، والبيان لابن الأنباري ٣٥٠/١ .
(٧) في إعراب القرآن ١٠٨/٢، وكلام الكسائي والفراء منه، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٦٥/١ .
(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٦٧٤ .
(٩) في (د) و(ز) و(ظ): الذي، والمثبت من (خ) و(م)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس ٥١٩/٢ ،
والكلام وقول الحسن منه، وينظر تفسير البغوي ١٤٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٤/٢، وقراءة ابن
مسعود وردت في معاني القرآن للفراء ٣٦٥/١، وتفسير الطبري ٦٧٤/٩. والنكت والعيون ١٨٩/٢.

١٢٥
سورة الأنعام: الآيتان ١٥٤ - ١٥٥
علَّمه الله قبلَ نزولِ التوراةِ عليه(١). قال محمد بنُ يزيد: فالمعنى: تماماً على الذي
أحسن، أي: تماماً على الذي أحسنه الله عزَّ وجلَّ إلى موسى عليه الصلاة والسلام
من الرسالة وغيرها(٢).
وقال عبد الله بنُ زيد: معناه: على إحسانِ الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام
من الرسالة وغيرها(٣).
وقال الربيع بنُ أنس: تماماً على إحسانٍ موسى من طاعته لله عزَّ وجلَّ. وقاله
الفرّاء(٤).
ثم قيل: ((ثُمّ)) تدلُّ (٥) على أنَّ الثاني بعدَ الأوّل، وقصةُ موسى ﴾ وإتيانُه الكتابَ
قبلَ هذا؛ فقيل: (ثم)) بمعنى الواو، أي: وآتينا موسى الكتاب؛ لأنهما حرفا عطف.
وقيل: تقديرُ الكلام: ثم كنا قد آتينا موسى الكتابَ قبلَ إنزالِنا القرآن على
محمد﴾(٦). وقيل: المعنى: قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم، ثم أَتلُ ما آتينا
موسى تماماً(٧).
﴿وَنَفْضِيلًا﴾ عطف عليه. وكذا ((وَهُدّى وَرَحْمَةً)).
﴿وَهَذَا كِتَبُ﴾ إبتداء وخبر. ﴿أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ نعت، أي: كثيرُ الخيرات. ويجوز
في غير القرآن: ((مباركاً)) على الحال(٨). ﴿فَأَتَّبِعُوهٌ﴾ أي: اعملوا بما فيه. ﴿وَأَتَّقُواْ﴾،
(١) تفسير أبي الليث ٥٢٥/١، وتفسير البغوي ١٤٣/٢.
(٢) إعراب القرآن ١٠٨/٢ للنحاس. ومحمد بن يزيد: هو المبرّد.
(٣) قوله: من الرسالة وغيرها، من (م)، وأخرجه الطبري ٩/ ٦٧٧ .
(٤) في معاني القرآن له ١/ ٣٦٥، وقول الربيع أخرجه الطبري ٦٧٦/٩ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): يدل. والكلام من معاني القرآن للنحاس ٥٢٠/٢ .
(٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٥٢/٣ عن ابن الأنباري.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٣٠٦/٢ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ١٠٨/٢.

١٢٦
سورة الأنعام: الآيات ١٥٤ - ١٥٧
أي: اتقُوا تحريفه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ﴾، أي: لتكونوا راجين للرحمة، فلا تُعذَّبون(١).
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَ طَايِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ
دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوَ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ
◌َ كُمْ بَيْنَةُ مِّنِ زَّيِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَن كَذَّبَ بِثَابَتِ الَّهِ
وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوّءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ
١٥٧
يَصْدِفُونَ
قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا﴾ في موضع نصب. قال الكوفيون: لئلا تقولوا. وقال
البصريون: أنزلناه كراهيةَ أنْ تقولوا(٢). وقال الفرّاء والكسائي: المعنى: فاتقوا أنْ
تقولوا يا أهلَ مكةَ(٣). ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ﴾، أي: التوراة والإنجيل. ﴿عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن
قَبْلِنَا﴾، أي: على اليهود والنصارى، ولم ينزلْ علينا كتابٌ. ﴿وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ
لَغَفِلِينَ﴾، أي: عن تلاوة كتبِهم وعن لغاتهم. ولم يقل: عن دراستهما؛ لأنَّ كلَّ
طائفةٍ جماعة. ﴿أَوْ تَقُولُواْ﴾ عطف على: ((أَنْ تَقُولُوا)). ﴿فَقَدْ بَكُمْ بَيِّنَّهُ مِّن
زَّبِّكُمْ﴾، أي: قد زال العُذْرُ بمجيء محمد ﴾. والبينةُ والبيانُ واحدٌ؛ والمراد
محمدٌ ﴾(٤)، سماه سبحانه بيِّنةً. ﴿وَهُدَى وَرَحْمَةً﴾ أي: لمن اتبعه. ثم قال: ﴿فَمَنْ
أَظْلَمُ﴾ أي: فإن كَذَّبتم فلا أحدَ أظلمُ منكم(٥). ﴿وَصَدَفَ﴾: أعرض، و﴿يَصْدِفُونَ﴾:
يُعرِضون. وقد تقدّم(٦).
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٠٦/٢، وتفسير البغوي ١٤٣/٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٠٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٨/٢، وتفسير الطبري ٦/١٠.
(٣) قول الفراء في معاني القرآن له ٣٦٦/١، وقول الكسائي ذكره البغوي في تفسيره ١٤٣/٢، والطبرسي
في مجمع البيان ٢٣٩/٨ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٠٨/٢، وتفسير أبي الليث ٥٢٥/١، والوسيط ٣٤٠/٢.
(٥) تفسير أبي الليث ٥٢٥/١ .
(٦) ٣٨٣/٨ - ٣٨٤.

١٢٧
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَتِكَةُ أَوْ بَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ
ءَايَتِ رَيِّكُّ يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَيْكَ لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ
كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْراً قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (03)
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ﴾ معناه: أقمتُ عليهم الحجةَ وأنزلتُ عليهم الكتابَ
فلم يؤمنوا، فماذا ينتظرون؟ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَكَةُ﴾ أي: عندَ الموتِ
لقبض أرواحهم (١). ﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾؛ قال ابن عباس والضحاك: أمْرُ ربِّك فيهم بالقتل
أو غيرِه (٢)، وقد يذكرُ المضافُ إليه، والمراد به المضافُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ
اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ يعني أهل القرية، وقولِه: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾
[البقرة: ٩٣]، أي: حُبَّ العجل. كذلك هنا: يأتي أمرُ ربِّك، أي: عقوبةُ ربِّك وعذابُ
ربِّك.
ويقال: هذا من المتشابه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا الله(٣). وقد تقدّم القولُ في مثله
في ((البقرة)) (٤) وغيرها. ﴿أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكٌ﴾؛ قيل: هو طلوعُ الشمس من
مغربها. بيَّن بهذا أنهم يُمْهَلون في الدنيا، فإذا ظهرت الساعةُ فلا إمهالَ.
وقيل: إتيانُ الله تعالى: مجيتُه لفصل القضاء بينَ خلقه في موقف القيامة؛ كما
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفَا﴾ [الفجر: ٢٢](٥). وليس مجيئه تعالى حركةً
ولا انتقالاً ولا زوالاً؛ لأنَّ ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً (٦).
والذي عليه جمهورُ أئمة أهلِ السُّنَّة أنهم يقولون: يجيءُ وينزلُ ويأتي. ولا يُكَيِّفون؛
لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
(١) تفسير أبي الليث ٥٢٥/١ .
(٢) أورد قول ابن عباس الواحدي في الوسيط ٣٤٠/٢ .
(٣) تفسير أبي الليث ٥٢٦/١ بنحوه، وينظر تفسير الرازي ٦/١٤.
(٤) ٣٩٧/٣ - ٣٩٨.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ١٤٤ .
(٦) رسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص٢٢٧ - ٢٢٨.

١٢٨
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((ثلاثٌ إذا خرجْنَ لا
ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوعُ الشمس من
مغربها، والدّجَّالُ، ودابَّةُ الأرض))(١).
وعن صَفْوانَ بنِ عَسّال المُرَادِيِّ قال: سمعت رسولَ الله # يقول: ((إنَّ بالمغرب
باباً مفتوحاً للتوبة مسيرةَ سبعينَ سنة؛ لا يُغْلَقُ حتى تطلع الشمس من نحوِهِ»(٢).
أخرجه الدَّارَقُظْنِيُّ والتّرمذيُّ وقال: هذا حديث حسن صحيح(٣). وقال سفيان(٤): قِيلَ
الشام، خلقه الله يومَ خلق السماواتِ والأرضَ مفتوحاً - يعني للتوبة - لا يُغلقُ حتى
تطلعَ الشمس منه. قال: حديث حسنٌ صحيح(٥).
قلت: وكذّب بهذا كلِّه الخوارجُ والمعتزلةُ كما تقدم (٦).
وروى ابن عباس قال: سمعت عمر بنَ الخطاب [يخطبُ] فقال: أيها الناس، إنَّ
الرَّجْمَ حقٌّ، فلا تُخْدَعُنَّ عنه، وإنَّ آيَةَ ذلك أنَّ رسول الله ﴾ قد رَجَم، وأنَّ أبا بكر قد
رَجَم، وأنّا قد رَجَمْنا بعدَهما، وسيكون قومٌ من هذه الأمةِ يُكذِّبون بالرَّجْم، ويكذِّبون
بالدّجَّال، ويكذِّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذّبون بعذاب القبر، ويكذِّبون
بالشفاعة، ويُكذِّبون بقومٍ يخرجون من النار بعدَ ما امْتَحَشُوا. ذكره أبو عمر(٧).
وذكر الثعلبيُّ في حديثٍ فيه طولٌ عن أبي هريرةَ عن النبيِ ﴾ ما معناه: أنَّ
(١) صحيح مسلم (١٥٨)، وهو عند أحمد (٩٧٥٢).
(٢) في (ظ): مغربها.
(٣) سنن الدارقطني (٧٦١)، وسنن الترمذي (٣٥٣٥) مطولاً. وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٠٩٥)، والنسائي في
الکبری (١١١١٤)، وابن ماجه (٤٠٧٠).
(٤) هو ابن عيينة؛ وقد روى الترمذيُّ الحديث من طريقه، وأورد كلامه بإثر الحديث.
(٥) كذا وقع في النسخ، وهو تكرار لكلام الترمذي على الحديث.
(٦) ٦٦/١، وينظر التمهيد ٨٤/٩ .
(٧) في التمهيد ٨٣/٩، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً الطيالسي (٢٥) وعبد الرزاق (١٣٣٦٤)،
وأحمد (١٥٦) بنحوه، وهو عند أحمد (٢٧٦)، والبخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١) بنحوه مختصراً
بقصة الرجم.

١٢٩
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
الشمسَ تُحبس عن الناس - حينَ تكثُر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروفُ، فلا
يأمرُ به أحدٌ، ويفشو المنكر فلا يُنْهى عنه - مقدارَ ليلةٍ تحتَ العرش، كلما سجدتْ،
واستأذنت ربّها تعالى من أين تطلع؛ لم يجىء لها (١) جوابٌ حتى يوافيها القمر،
فيسجد معها، ويستأذن من أين يطلعُ، فلا يُجاءُ إليهما جوابٌ(٢) حتى يُحبسا مقدارَ
ثلاثٍ ليالٍ للشمس وليلتين للقمر؛ فلا يَعرِفُ طولَ تلك الليلة إلا المتهجّدون في
الأرض، وهم يومئذٍ عصابةٌ قليلةٌ في كل بلدةٍ من بلاد المسلمين. فإذا تمّ لهما مقدارُ
ثلاث ليالٍ أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام، فيقول: إنَّ الربَّ سبحانه
وتعالى يأمرُكما أنْ ترجعا إلى مغاربكما، فتطلعا منه، وأنه لا ضوءً لكما عندَنا ولا
نور. فيطلعان من مغاربهما أسودَين(٣)، لا ضوءً للشمس ولا نورَ للقمر، مثلُهما في
كسوفهما قبلَ ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]. وقولُه: ﴿إِذَا
الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١]، فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونَين(٤)؛ فإذا ما بلغ
الشمس والقمر سُرَّةَ السماء - وهي مَنْصِفُها - جاءهما جبريل عليه السلام، فأخذ
بقرونهما، وردّهما إلى المغرب، فلا يغربُهما من مغاربهما، ولكن يغربُهما من باب
التوبةِ، ثم يردُّ المصراعين، ثم يلتئم ما بينهما، فيصير كأنه لم يكن بينهما صَدْعٌ. فإذا
أغلق بابُ التوبةِ لم تقبلْ لعبْدٍ بعدَ ذلك توبةٌ، ولم تنفعْه بعدَ ذلك حسنةٌ يعملها؛ إلا
من كان قبلَ ذلك محسناً، فإنه يجري عليه ما كان عليه قبلَ ذلك اليوم؛ فذلك قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَّمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ
إِيَنِهَا خَيْرٌ﴾. ثم إنَّ الشمسَ والقمرَ يُكسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على
الناس ويغربان كما كانا قبلَ ذلك يطلعان ويغربان(٥).
(١) في (ظ): لم يخرج لها.
(٢) في (ظ): فلا يجاب إليهما بجواب.
(٣) في النسخ: أسودان، والمثبت من (م).
(٤) في النسخ: والقرينين، والمثبت من (م).
(٥) أخرجه بنحوه مختصراً الطبري ٢١/١٠ - ٢٢ من حديث ابن عباسٍ، وأورده السيوطي في الدر المنثور =

١٣٠
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
قال العلماء: وإنما لا يَنفعُ نفساً إيمانُها عندَ طلوعِها من مغربها؛ لأنه خلَص إلى
قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلُّ شهوةٍ من شهوات النفس، وتَفْتُر كلُّ قوّةٍ من قوى
البدن؛ فيصير الناس كلَّهم لإيقانهم بدُنُوِّ القيامةِ في حال من حضره الموتُ في انقطاع
الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه
الحالِ لم تُقبل توبتُه كما لا تُقبلُ توبةُ من حضره الموتُ. قال﴾: ((إنَّ الله يقبلُ توبةً
العبد ما لم يُغَرْغر))(١)، أي: تبلغ روحُه رأسَ حلْقِه، وذلك وقتُ المعاينةِ الذي يرى
فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثلُه.
وعلى هذا ينبغي أنْ تكونَ توبةُ كلِّ من شاهد ذلك - أو كان كالمشاهد له - مردودةً ما
عاش؛ لأنَّ علمه بالله تعالى وبنبيِّهِ ﴾ وبوعده قد صار ضرورةً، فإن امتدّت أيامُ(٢)
الدنيا إلى أنْ ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدَّثوا عنه إلا قليلاً،
فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواترُ عنه، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تابَ قُبلَ
منه. والله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: حفظتُ من رسول الله ﴾ حديثاً لم أنْسَه
بعدُ، سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((إنَّ أولَ الآياتِ خروجاً طلوعُ الشمس من
مغربها، وخروجُ الدابة على الناس ضُحًى، وأيُّهما ما كانت قبلَ صاحبتها ؛ فالأخرى
على إثرها قريباً))(٣).
وفيه عن حذيفة [بن أسيد] قال: كان رسول الله # في غرفة ونحن أسفلَ منه،
فاتَّلَعَ إلينا فقال: ((ما تذكرون))؟ قلنا: الساعة. قال: ((إنَّ الساعةَ لا تكون حتى تكونَ
عشرُ آيات: خَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ في جزيرة العرب،
= ٦٠/٣ - ٦١ وقال: أخرجه ابن مردويه بسند واه. وأخرجه أحمد (٦٨٨١) عن عبد الله بن عمرو بنحوه
مختصراً.
(١) سلف ٥/ ١٩٧ .
(٢) في (ظ): مدة.
(٣) صحيح مسلم (٢٩٤١)، وهو عند أحمد (٦٥٣١). وعبد الله: هو ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

١٣١
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
والدُّخَان، والدّجّالُ، ودابَةُ الأرض، ويأجوجُ ومأجوج، وطلوعُ الشمسِ من مغربها،
ونارٌ تخرجُ من قعر عَدَنٍ (١) تَرْحَلُ الناسَ)). قال شعبةُ: وحدّثني عبد العزيز بن رُفَيع عن
أبي الطّفيل، عن أبي سَرِيحَة(٢) مثلَ ذلك، لا يذكر النبيَّ﴾. وقال أحدهما في
العاشرة: ((نزولُ عيسى ابن مريم:﴿)). وقال الآخر: ((ورِيحٌ تُلْقِي الناسَ في البحر))(٣).
قلت: وهذا حديث متقَن(٤) في ترتيب العلامات. وقد وقع بعضُها - وهي
الخسوفاتُ - على ما ذكر أبو الفرج الجَوْزيُّ من وقوعها بعراق العجم والمغرب،
وهلك بسببها خلقٌ كثير؛ ذكره في كتاب ((فهوم الآثار)) وغيره(٥). ويأتي ذكر الدَّابة في
((النمل)). ويأجوجُ ومأجوجُ في ((الكهف))(٦). ويقال: إنَّ الآياتِ تتتابع كالنّظم في
الخيط عاماً فعاماً.
وقيل: إنَّ الحكمةَ في طلوع الشمسِ من مغربها أنَّ إبراهيمَ عليه السلام قال
النمروذ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِدٍ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ﴾
[البقرة: ٢٥٨]، وأنَّ المُلْحدةَ والمُنَجِّمةَ عن آخرهم ينكرون ذلك، ويقولون: هو غیرُ
كائن؛ فَيُطلِعها الله تعالى يوماً من المغرب ليُريَ المنكرين قدرتَه؛ أنَّ الشمس في
مُلْكه، إنْ شاء أطلعها من المشرق، وإن شاء أطلعها من المغرب(٧). وعلى هذا
(١) كذا في النسخ، ومثله في المفهم ٢٣٩/٧ ، وفي صحيح مسلم: فُعْرة عَدَن.
(٢) هي كنية حُذيفة بن أسيد راوي الحديث كما سيأتي في ترجمته.
(٣) صحيح مسلم (٢٩٠١) (٤٠). وأخرجه أيضاً أحمد (١٦١٤٣)، وعنده: قال شعبة: وحدثني بهذا
الحديث رجل عن أبي الطفيل به. وقوله: تَرْحَل الناس؛ قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٨/ ٤٤٢ :
أي: تأخذهم بالرحيل وتزعجهم، أو تجعلهم يرحلون أمامها، وقوله: قعر عَدَن: أقصى أرضها. وقوله:
قال أحدهما ... وقال الآخر، يعني عبد العزيز بن رُفيع المذكور أعلاه، وفُرات القزَّاز، ولم يذكره
المصنف، وقد رَوَى شعبة الحديث عنهما عن أبي الطفيل: وحُذيفة بن أَسِيد أبو سَريحة، مشهور بكنيته،
شهد الحديبية، وذُكر فيمن بايع تحت الشجرة، توفي سنة (٤٢هـ). ينظر الإصابة ٢٢٢/٢.
(٤) في (ظ): متفق.
(٥) المفهم ٢٣٩/٧ دون ذكر اسم الكتاب.
(٦) عند تفسير الآية (٨٢) من النمل، والآية (٩٤) من الكهف.
(٧) زاد المسير ١٥٧/٣.

١٣٢
سورة الأنعام: الآية ١٥٨
يحتملُ أنْ يكونَ ردُّ التوبة والإيمانِ على من آمن وتابَ من المنكرين لذلك؛ المكذِّبين
الخبر النبيِّ﴾ بطلوعها، فأما المصدِّقون (١) لذلك فإنه تُقبلُ توبتهم وينفعُهم إيمانُهم
قبل ذلك.
ورُوي عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا يُقبلُ من كافر عملٌ ولا توبةٌ إذا أسلم
حين يراها، إلا من كان صغيراً يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبل منه(٢). ومن كان
مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب؛ قُبل منه. ورُوي عن عمرانَ بنِ حُصين أنه قال: إنما لم
يُقبل وقتَ الطلوعِ حتَّى تكونَ(٣) صيحةٌ، فيهلكَ فيها كثيرٌ من الناس؛ فمن أسلم أو
تاب في ذلك الوقت، وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت منه. ذكره أبو
الليث السَّمَرْ قَتْدِيُّ في تفسيره(٤).
وقال عبد الله بنُ عمر: يَبقى الناسُ بعدَ طلوع الشمس من مغربها مئةً وعشرين
سنةً حتى يَغْرِسوا النخل. والله بغيبه أعلم.
وقرأ ابن عمر وابن الزبير: ((يوم تأتي)) بالتاء(٥)، مثل: ((تَلْتَقِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ))(٦)
[یوسف: ١٠]. وذهبت بعضُ أصابعِه. وقال جرير(٧):
لمّا أتى خبرُ الزّبيرِ تواضَعتْ سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشْعُ
قال المبرد: التأنيثُ على المجاورة لمؤنَّثٍ، لا على الأصل(٨).
وقرأ ابن سيرين: ((لا تنفع)) بالتاء(٩). قال أبو حاتم: يذكرون أنَّ هذا غلطً من ابن
(١) في النسخ: المصدقين، والمثبت من (م).
(٢) تفسير أبي الليث ٥٢٦/١ .
(٣) في (م): إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون.
(٤) ١/ ٥٢٦ .
(٥) في البحر المحيط ٢٥٩/٤: قرأ بها ابن عمرو وابن سيرين وأبو العالية.
(٦) نسبت للحسن في القراءات الشاذة ص٦٢، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٠٩/٢، وسترد في موضعها.
(٧) في ديوانه ٢/ ٩١٣، وسلف ٢٠٩/٢ .
(٨) الكامل ٦٦٩/٢، والمقتضب ٤/ ١٩٧ .
(٩) القراءات الشاذة ص ٤٢، والمحتسب ٢٣٦/١.

١٣٣
سورة الأنعام: الآيتان ١٥٨ - ١٥٩
سِيرين. قال النحاس(١): في هذا شيءٌ دقيقٌ من النحو ذكره سيبويه(٢)، وذلك أنَّ
الإيمانَ والنفسَ؛ كلُّ واحدٍ منهما مشتملٌ على الآخر، فأنّث الإيمان؛ إذْ هو من
النفس وبها، وأنشد سيبويه:
مَشَيْنَ كما اهتزّتْ رماحٌ تَسفّهتْ أعالِيَهَا مَرُّ الرياح النَّواسِم(٣)
قال المَهْدَوِيّ: وكثيراً ما يؤنّثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى
مؤنّث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أوبه؛ وعليه قول ذِي الرمّة:
مشين ... البيت. فأنث المَرّ لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة، إذ كان المَرُّ من الرياح.
قال النحاس(٤): وفيه قول آخر، وهو أن يؤنّث الإیمان لأنه مصدر کما یذكّر
المصدر المؤنث؛ مثل ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] [لأن موعظة بمعنى
الوعظ] وكما قال:
فقد عَذَرَتْنا في صحابته العُذْرُ(٥)
ففي أحد الأقوال أَنّث العذر لأنه بمعنى المعذرة.
﴿قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنَظِرُونَ﴾ بكم العذاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَاَ أَمْرُهُمْ إِلَى
١٥٩
اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ قرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ((فارقوا)) بالألف(٦)،
(١) في إعراب القرآن ١٠٩/٢ .
(٢) في الكتاب ١/ ٥١ - ٥٢ .
(٣) سلف ٣١١/١.
(٤) في إعراب القرآن ١٠٩/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) عجز بيت للأُبيرد بن المعذّر اليربوعي يرئي أخاه بُریداً في قصيدة طويلة، وصدره: فإن تكن الأيام
فرَّقن بيننا، وهو في الحماسة البصرية ٢٦٨/١، والأغاني ١٣٦/١٣، وفيه: صحابتنا بدل: صحابته،
والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٢٦ .
(٦) السبعة ص٢٧٤، والتيسير ص١٠٨ .

١٣٤
سورة الأنعام: الآية ١٥٩
وهي قراءةُ عليّ بنِ أبي طالب كرَّم اللهُ وجهَه (١)؛ من المُفَارَقة والفِراق. على معنى
أنهم تركوا دينهم وخَرَجوا عنه. وكان عليٌّ يقول: واللهِ ما فَرَّقوه، ولكن فارَقوه(٢).
وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلا النَّخَعيَّ، فإنه قرأ: ((فَرَقوا)» مُخَفَّفاً (٣)؛ أي: آمَنوا
ببعضٍ وكفروا ببعض.
والمراد: اليهودُ والنصارى؛ في قول مجاهد وقتادةَ والسُّدِّيِّ والضحَّاك (٤). وقد
وُصِفُوا بالتفرُّق، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآَ فَهُمُ
الْبَيْنَةُ﴾ [البينة: ٤]. وقال: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠].
وقيل: عَنَى المشركين، عَبَد بعضُهم الصنَم، وبعضُهم الملائكةَ(٥).
وقيل: الآية عامَّةٌ في جميع الكفار، وكلُّ مَن ابتَدعَ وجاء بما لم يأمُرِ اللهُ عزَّ
وجلَّ به فقَد فَرَّق دِينَه(٦).
وروى أبو هريرة عن النبيِّ# في هذه الآية: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ هم أهلُ
البِدَعِ والشُّبهات، وأهلُ الضلالةِ من هذه الأمة))(٧).
وروى بَقِيَّةُ بن الوليد، حدَّثنا شعبة بنُ الحجَّاج، حدَّثنا مُجالدٌ، عن الشَّغْبيِّ، عن
شُريح، عن عمر بنِ الخطاب أن رسولَ الله﴾ قال لعائشة: ((إنَّ الذين فارقوا(٨)
دِينَهم وكانوا شِيَعاً إنما هم أصحابُ البِدَع وأصحابُ الأهواء وأصحابُ الضَّلالة من
(١) أخرجها الطبري ٣٠/١٠، وأوردها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٧/٢.
(٢) أورده الفراء في معاني القرآن ٣٦٦/١.
(٣) القراءات الشاذة ص ٤٢، والمحتسب ٢٣٨/١.
(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٣١ .
(٥) أورده الرازي في تفسيره ١٤/ ٧ ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢.
(٧) أخرجه الطبري ٣٣/١٠. وأورده ابن كثير في تفسيره ٣٧٧/٣، وقال: هذا الإسناد لا يصحّ، فإن عبَّاد
ابن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحدیث، ولکنه وهم في رفعه.
(٨) في (م): فرَّقوا.

١٣٥
سورة الأنعام: الآية ١٥٩
هذه الأُمَّة، يا عائشةُ، إنَّ لكلِّ صاحب ذَنْبِ توبةً غيرَ أصحاب البِدَع وأصحاب
الأهواء، ليس لهم توبةٌ، وأنا بريءٌ منهم، وهم منا بُرَآء))(١).
وروى ليثُ بن أبي سُليم، عن طاوس، عن أبي هريرة أن النبيَّ ﴾ قرأ: ((إِنَّ الذي
فارَقُوا دِينَهم))(٢).
ومعنى ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقاً وأَحزاباً. وكلُّ قوم أَمْرُهم واحد يتَّبع بعضُهم رَأْيَ بعضٍ
فهم شِيَعُ(٣).
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٌ﴾ فأوجَب براءَته منهم، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام:
(مَن غَشَّنا فليس مِنَّا))(٤) أي: نحن بُرَآءُ منه. وقال الشاعر:
إذا حاولتَ في أَسَدٍ فُجوراً فإني لستُ منك ولستَ مِنّي(٥)
أي: أنا أَبْرَأُ منك. وموضع ((في شيء)» نَصْبٌ على الحال من المُضْمر الذي في
الخبر، قاله أبو علي.
وقال الفراء: هو على حَذْف مضاف(٦)، المعنى: لستَ من عِقابهم في شيءٍ،
وإنما عليك الإنذارُ.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اَللَّهِ﴾ تعزيةٌ للنبيّ ◌ِ﴾(٧).
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٣٨/٤، وأورده ابن كثير مختصراً في تفسيره ٣/ ٣٠٧٧، وقال: غريب،
لا يصح رفعه.
(٢) أخرجه حفص الدوري (وهو راوي الكسائي) في ((جزء في قراءات النبي (#) ص٩٦، وقرأ بها حمزة
والكسائي كما سلف.
(٣) النكت والعيون ٢/ ١٩٢ .
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٩٣٩٦)، ومسلم (١٠١) من حديث أبي هريرة ، وسلف ٤/ ٢٤٠ .
(٥) قائله النابغة الذبياني، وسلف ٤/ ٢٤٠ .
(٦) يعني على أن (منهم)) حال مقدّمة، والمعنى: لست في شيء كائن من تفريقهم، فلما قُدِّمت الصفة
نصبت حالاً. كما في الدر المصون ٢٣٦/٥، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٦٦/١ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢.

١٣٦
سورة الأنعام: الآية ١٦٠
قوله تعالى: ﴿مَنْ جََّ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيْئَةِ فَلاَ يُجْزَةٍ إِلَّا
مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْمَسَنَةِ﴾ ابتداءٌ، وهو شرطٌ، والجواب: ﴿فَلَمُ عَشْرُ
أَمْثَالِهًا﴾ أي: فله عشرُ حسناتٍ أمثالِها؛ فحذفت الحسناتُ، وأُقيمت الأمثالُ التي
هي صِفتها مُقامَها، جمع مِثْل. وحكى سيبويه: عندي عشرة نَسَّابات، أي: عندي
عشرةُ رجالٍ نَسَّابات(١).
وقال أبو عليٍّ: حَسُنَ التأنيثُ في ((عَشْرُ أَمْثالِها)) لمَّا كان الأمثالُ مضافاً إلى
مؤنَّث، والإضافة إلى المؤنَّث إذا كان إِيَّاه في المعنى يحسُن فيه ذلك، نحو («تَلْتَقِظُهُ
بعضُ السيارة(٢)) [يوسف: ١٠]، وذهبت بعضُ أصابعِهِ(٣).
وقرأ الحسنُ وسعيد بن جُبير والأعمشُ: ((فله عَشْرٌ أمثالُها))(٤). والتقدير: فله
عشرُ حسناتٍ أمثالُها (٥)، أي: له مِن الجزاء عشرةُ أضعافٍ مما(٦) يجبُ له. ويجوز أن
يكون له مِثل، ويُضاعَف المِثلُ فيصير عشرةً.
والحسنةُ هنا: الإيمانُ، أي: مَن جاء بشهادةٍ أن لا إله إلا الله؛ فَلَه بكلِّ عَمَلٍ
عَمِلَه في الدنيا من الخير عشرةُ أمثاله من الثواب.
﴿وَمَنْ جَآءُ بِاَلسَِّئَةِ﴾ يعني الشرك ﴿فَلَ يُجْزَ إلَّا مِثْلَهَا﴾ وهو الخلودُ في النار؛ لأنَّ
الشركَ أعظمُ الذنوب، والنار أعظمُ العقوبة، فذلك قوله تعالى: ﴿جَزَآءُ وِفَاقًا﴾
[النبأ: ٢٦] يعني جزاءً وَافَقَ العملَ(٧).
(١) الكتاب ٥٦٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢، وتفسير الرازي ٨/١٤.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٢، وستأتي في موضعها.
(٣) البيان لأبي البركات ابن الأنباري ١/ ٣٥١.
(٤) القراءات الشاذة ص٤١، وقرأ بها يعقوب من العشرة. ينظر النشر ٢٦٦/٢ .
(٥) في إعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢، والكلام منه: فله حسناتٌ عشرٌ أمثالُها.
(٦) في (ظ): ما.
(٧) تفسير أبي الليث ١/ ٥٢٧ .

١٣٧
سورة الأنعام: الآيات ١٦٠ - ١٦٣
وأما الحسنةُ فَبِخلاف ذلك؛ لنصِّ الله تعالى على ذلك. وفي الخبر: ((الحسنةُ
بِعَشْرِ أمثالها وأَزِيدُ، والسيئةٌ واحدةٌ وأَغْفِرُ، فالويلُ لمن غلبتْ آحادُه أعشارَه))(١).
وروى الأعمش عن أبي صالح قال: الحسنة: لا إله إلا الله، والسيئةُ:
الشِّركُ(٢).
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا ينقصُ ثوابُ أعمالهم. وقد مضَى في ((البقرة)) بيانُ هذه
الآية(٣)، وأنها مُخالفةٌ للإنفاق في سبيل اللهِ؛ ولهذا قال بعضُ العلماء: العشرُ لسائر
الحسنات؛ والسبع مئة للنفقة في سبيل الله، والخاصُّ والعامُّ فيه سواء.
وقال بعضهم: يكون للعوامٌّ عشرةٌ، وللخواصِّ سبعُ مئة وأكثرُ إلى ما لا
يُحصى (٤). وهذا يحتاج إلى توقيف، والأوّل أصحُ؛ لحديث خُرَيْم بن فاتِك، عن
النبيِّ #، وفيه: ((وأما حسنةٌ بعشر؛ فَمَن عَمِلَ حسنةً فله عشرُ أمثالها، وأما حسنةٌ
بسبع مئة، فالنفقةُ في سبيل الله))(٥).
قوله تعالى: ﴿قُلّ ◌ِنَِّ هَدَنِ رَفْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ دِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِتَزَهِيَمَ حَنِيفًا
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨ قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ وَمَعَاقٍ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لَا شَرِيكَ لَّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِينَ
١٦٢
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّنِ هَلَئِ رَقٍ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لمَّا بَيَّنَ تعالى أنَّ
(١) لم نقف عليه بهذا السياق، وأخرج أحمد (٢١٣٦٠)، ومسلم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذرّ ﴾ قال: قال
رسول الله : ((يقول الله عزَّ وجلّ: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأَزِيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه
سيئة مثلها، أو أَغْفِرُ ... )) لفظ مسلم. وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري (٦٤٩١)،
وعن أبي هريرة * عند مسلم (١٣٠).
(٢) أخرجه الطبري ٤٠/١٠، وهو مقطوع.
(٣) ٣١٧/٤ - ٣٢١ .
(٤) تفسير أبي الليث ١/ ٥٢٧ .
(٥) أخرجه أحمد (١٨٩٠٠) بنحوه.

١٣٨
سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٣
الكفارَ تَفَرَّقوا، بَيَّنَ أنَّ اللهَ هداه إلى الدِّين المستقيم، وهو دين إبراهيم.
﴿دِينًا﴾ نصب على الحال، عن قُظْرُب. وقيل: نصب بـ ((هَدَاني)؛ عن الأخفش.
قال غيرُه: انتصب حملاً على المعنى؛ لأن معنى ((هداني)): عَرَّفني دِيناً. ويجوز أن
يكون بدلاً من الصراط، أي: هداني صراطاً مستقيماً دِيناً، وقيل: منصوبٌ بإضمار
فعل، فكأنه قال: اتَّبعوا ديناً، واعرِفوا ديناً(١).
﴿قِيَّمَا﴾ قرأه الكوفيون وابنُ عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء، مصدرٌ
كالشِّبَعِ، فَوُصِف به. والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدِّها (٢)، وهما لغتان. وأصل
الياء الواو ((قَيْوِم))، ثم أُدغمت الواو في الياء كميِّت، ومعناه: ديناً مستقيماً لا ◌ِوَجَ
فيه(٣).
﴿ِلََّ إَِّهِيَمَ﴾ بدل. ﴿حَنِيفًا﴾ قال الزجاج(٤): هو حالٌ من إبراهيم. وقال عليّ
ابن سليمان: هو نصب بإضمار أعني.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتٍ وَنُسُكِى﴾ قد تقدَّم اشتقاقُ لفظ الصلاة(٥).
وقيل: المرادُ بها هنا صلاة الليل. وقيل: صلاة العيد. والنُّسُك جمع نَسِيكة، وهي
الذَّبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحَّاك وسعيد بن جُبير وغيرهم(٦). والمعنى: ذَبْحي
في الحجّ والعُمرة. وقال الحسن: نُسُكي: دِيني. وقال الزجَّاج: عبادتي، ومنه:
الناسك الذي يتقرَّب إلى الله بالعبادة (٧). وقال قوم: النُّسك في هذه الآية جميع
(١) معاني القرآن للزجاج ٣١١/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٩/٢.
(٢) السبعة ص٢٧٤، والتيسير ص١٠٨ .
(٣) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٥٩/١ .
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٣١١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١١٠/٢ - ١١١.
(٥) ٢٥٨/١ وما بعدها.
(٦) أخرجه الطبري ٤٦/١٠ - ٤٨ .
(٧) معاني القرآن للزجاج ٣١٠/٢، وتفسير الماوردي ١٩٥/٢.

١٣٩
سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٣
أعمال الطاعات؛ من قولك: نَسَكَ فلان فهو ناسك: إذا تعبَّد(١).
﴿وَيَحْيَاىَ﴾ أي: ما أَعملُه في حياتي. ﴿وَمَمَاتٍ﴾ أي: ما أُوصي به بعد وفاتي.
﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: أُفرده بالتقرُّب بها إليه. وقيل: ((ومَحْيَايَ ومَمَاتي لله)) أي:
حياتي وموتي له(٢).
وقرأ الحسن: ((نُسْكي)) بإسكان السين(٣). وأهل المدينة: ((ومَحْيايْ)) بسكون الياء
في الإدراج (٤). والعامَّة بفتحها؛ لأنه يجتمع ساكنان.
قال النحاس(٥): لم يُجِزْهُ أحدٌ من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأنَّ قبلَه
ألفاً، والألف المَدَّة التي فيها تقوم مقامَ الحركة. وأجاز يونس: اضرِبانْ زيداً، وإنما
منعَ النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين، وليس في الثاني إدغامٌ، ومَن قرأً بقراءة
أهل المدينة، وأراد أن يَسْلَم من اللَّحن وقفَ على ((مَحْيايْ))، فيكون غيرَ لاحٍِ عند
جميع النحويين.
وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدرِيّ: ((وَمَحْيِيَّ)) بتشديد الياء
الثانية من غير ألف (٦)، وهي لغةُ عُليا مُضَر؛ يقولون: قَفَيَّ وعَصَيَّ. وأنشد أهلُ اللغة:
سَبَقوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لهواهُمُ
وقد تقدَّم(٧).
(١) المحرر الوجيز ٣٦٩/٢.
(٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ١٩٥/٢ .
(٣) القراءات الشاذة ص٤٢ .
(٤) قرأ بها قالون وورش بخلف عنه وأبو جعفر وصلاً ووقفاً مع المدّ المشبع الساكن. السبعة ص٢٧٤،
والتيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٧/٢ .
(٥) في إعراب القرآن ٢/ ١١١، وما قبله منه.
(٦) القراءات الشاذة ص ٤٢ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١١١/٢، والبيت لأبي ذُؤيب الهُذَلي، وقد سلف بتمامه ٤٨٨/١، وعجزه:
فَتُخُرُّموا ولكل جَتْبٍ مَصْرع.

١٤٠
سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٣
الثالثة: قال الكيا الطبريُ(١): قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِرٍ﴾
إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَحْيَاىَ وَمَمَاِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ استدلَّ به الشافعيُّ على
افتتاح الصلاة بهذا الذّكر، فإن اللهَ أمرَ نبيَّه # [به]، وأنزلَه في كتابه، ثم ذكر حديثَ
عليٍّ﴾: أنَّ النبيَّ* كان إذا افتتحَ الصلاةَ قال: ((وَجَّهتُ وَجْهِيَ للذي فَطَرَ
السَّماواتِ والأرضَ حَنِيفاً وما أنا من المشركين، إِنَّ صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومماتي
للهِ ربِّ العالمِين)) إلى قوله: ((وأنا من المسلمين))(٢).
قلت: روى مسلمٌ في ((صحيحه)) عن عليٍّ بن أبي طالب، عن رسولِ اللهِ ﴿ أنه
كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجَّهتُ وجهي للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حنيفاً
وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومماتي للهِربِّ العالمين، لا
شريكَ له، وبذلك أُمِرتُ، وأنا أَوَّلُ(٣) المسلمين، اللهمَّ أنت المَلِكُ لا إلهَ إلا أنت،
أنت ربِّي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفِرْ لي ذنوبي جميعاً، إنه لا
يغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنت، واهدِني لأحسنِ الأخلاق؛ لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت،
واصرِفْ عِّي سيِّئَها، لا يصرِفُ عني سيَِّها إلا أنت، لَبَّكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كلُّه في
يديك، والشرُّ ليس إليك، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرك وأتوبُ إليك)). الحديث(٤).
وأخرجه الدَّار قطنيُّ(٥)، وقال في آخره: بَلَغَنَا عن النَّضْر بن شُميل - وكان من
العلماء باللغة وغيرها - قال: معنى قولٍ رسول اللهِ﴾: ((والشرُّ ليس إليك)»: الشرُّ
لیس مِمَّا يُتُقرَّبُ به إليك.
قال مالك: ليس التوجيهُ في الصلاة بواجبٍ على الناس، والواجبُ عليهم التكبيرُ
(١) في أحكام القرآن ١٢٩/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) سلفت الإشارة إليه ١/ ١٨٠، وهو الحديث الآتي بعده.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): من، وهما روايتان عند مسلم.
(٤) صحيح مسلم (٧٧١)، وأخرجه أحمد (٧٢٩).
(٥) في سننه (١١٣٧).