النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧
فلا يحلُّ أكلُه؛ لأنهم يَدينون بتحريمها. وقاله أشهب وابنُ القاسم، وأجازه ابن
وهب(١).
وقال ابن حبيب: ما كان محرَّماً عليهم، وعَلِمنا ذلك مِن كتابنا؛ فلا يحلُّ لنا من
ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمَه إلا مِن أقوالهم واجتهادِهم؛ فهو غير مُحرَّم علينا من
ذبائحهم (٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك التحريم. فذلك في موضع رَفْع، أي:
الأمرُ ذلك. ﴿َيْتَهُم بِبَغْيِهِمٌ﴾ أي: بِظُلمهم، عقوبةً لهم لِقَتْلهم الأنبياءَ، وصدِّهم
عن سبيلِ الله، وأَخْذِهم(٣) الرِّبا، واستحلالِهم أموال الناس بالباطل.
وفي هذا دليلٌ على أن التحريمَ إنما يكون بذنب؛ لأنه ضِيْق، فلا يُعْدَل عن السَّعة
إليه إلا عند المُؤاخذة(٤).
﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ في إخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرَّمنا عليهم من اللحوم
والشُّحوم.
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ
الْقَوْمِ الْمُجْرِنَ
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ شرطٌ، والجوابُ: ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ
وَسِعَقِ﴾ أي: مِن سَعَة رحمته حَلُمَ عنكم، فلم يُعاقِبْكم في الدنيا(٥). ثم أخبر بما أعدَّه
لهم في الآخرة من العذاب، فقال: ﴿وَلَا يُرَُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِنَ﴾. وقيل:
المعنى: ولا يُرَدُّ بأسُه عن القوم المجرمين إذا أراد حُلولَه في الدنيا.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٦٠/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٥٨/٢.
(٣) في (ظ): وأكلهم.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٠، وفيه: الموجدة، بدل: المؤاخذة.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٢ .

١٠٢
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا
حَرَّمْنَا مِن شٍَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حََّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ
هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الََّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
تَّخْرُونَ
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَُّواْ﴾، قال مجاهد: يعني كفار قريش؛ قالوا: ﴿لَوْ
شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَمْ﴾ يريد البَحِيرةَ والسَّائبة والوصيلة(١).
أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ بالغيب عمَّا سيقولونه، وظنُّوا أن هذا مُتمسَّكٌ لهم لَمَّا لَزِمتهم
الحُجَّةُ، وتيقَّنوا باطلَ ما كانوا عليه.
والمعنى: لو شاء اللهُ لَأرسلَ إلى آبائنا رسولاً فنهاهم عن الشِّرْك، وعن تحريم ما
أحلَّ لهم فينتهوا، فاتَّبعناهم على ذلك. فردّ اللهُ عليهم ذلك فقال: ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ
عٍِّ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: أعندكم دليلٌ على أن هذا كذا؟ ﴿إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ﴾ في
هذا القول ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ لِتُوهِموا ضَعَفتَكم أنَّ لكم حُجَّةً.
وقوله: ((ولا آبَاؤُنا)) عطفٌ على النون في ((أَشْركنا))، ولم يقل: نحن ولا آباؤنا؛
لأن قوله: ((ولا)) قام مقامَ توكيدِ المُضمر؛ ولهذا حَسُنَ أن يقال: ما قمتُ ولا زيدٌ(٢).
قوله تعالى: ﴿قُلّ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلَّهِ الُْبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ أي: التي تقطع عُذْرَ المَحجُوج، وتُزيل
الشكَّ عمَّن نظَر فيها(٣). فحجَّته البالغةُ على هذا تَبْيينُه أنه الواحد، وإرسالُه الرُّسلَ
والأنبياء، فبيَّن التوحيدَ بالنظر في المخلوقات، وأيَّد الرُّسلَ بالمعجزات، ولَزِمَ أمرُه
كلَّ مُكلَّف. فأما عِلْمه وإرادتُه وكلامُه فغَيْبٌ لا يطَّلع عليه العبد، إلا مَن ارتضَى مِن
رسول. ويكفي في التكليف أن يكون العبدُ بحيث لو أراد أن يفعلَ ما أُمر به لَأَمكنه.
(١) أخرجه الطبري ٩/ ٦٥١ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٢.
(٣) المصدر السابق.

١٠٣
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٩ - ١٥٠
وقد لَبَسَت المعتزلةُ بقوله: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ فقالوا: قد ذمَّ اللهُ هؤلاء
الذين جعلوا شِرْكَهم عن مشيئته. وتعلَّقُهم (١) بذلك باطلٌ؛ لأنَّ الله تعالى إنما ذمَّهم
على تَرْك اجتهادهم في طلب الحقِّ وإنما قالوا ذلك على جهة الهُزء واللَّعب(٢).
نظيره: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. ولو قالوه على جهةِ التعظيم
والإجلال والمعرفة به لَمَا عابَهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾
[الأنعام: ١٠٧]. و﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. ﴿وَلَوْ شَآءَ ◌َدَنكُمْ
أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]. ومثلُه كثير، فالمؤمنون يقولونه لِعلم منهم بالله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَأْ فَإِن شَهِدُواْ
فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَلَءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَأَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِالْآَخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلَُ شُهَدَآءَكُمُ﴾ أي: قُلْ لهؤلاء المشركين: أَحْضِروا شُهداءَكم
على أنَّ اللـه حَرَّم ما حرَّمتم.
و ((هَلُمَّ) كلمة دعوة إلى شيء، ويَستوي فيه الواحدُ والجماعة والذَّكر والأُنثى
عند أهل الحجاز، إلا في لغة نَجْد، فإنهم يقولون: هَلُمّا، هَلُمُّوا، هَلُمِّي، يأتون
بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال(٣). وعلى لغة أهل الحجاز جاء القرآن، قال
الله تعالى: ﴿وَلْقَآَيِلِنَ لِإِخْوَفِهِمْ هَلْمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، يقول: هَلُمَّ، أي:
أُخْضُر أو أُدْنُ. وَهَلُمَّ الطعامَ، أي: هاتِ الطعامَ.
والمعنی هاهنا: هاتوا شُهداءکم، وفُتحت المیم لالتقاء الساکنین، کما تقول: رُدَّ
يا هذا، ولا يجوز ضَمُّها ولا كسرُها (٤).
(١) في (د): وتعللهم.
(٢) المحرر الوجيز ٣٥٩/٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٥١٥/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٢.

١٠٤
سورة الأنعام: الآيات ١٥٠ - ١٥٣
والأصل عند الخليل ((ها))؛ ضُمَّت إليها ((لُمَ)) ثم حُذفت الألف لكثرة
الاستعمال. وقال غيره: الأصل ((هل))؛ زِيدَتْ عليها ((لُمَّ). وقيل: هي على لَفْظِها
تدلُّ على معنى هات(١).
وفي كتاب ((العَيْن)) للخليل(٢): أَضْلُها: هل أَؤُمُّ، أي: هل أَقْصِدُك، ثم كَثُر
استعمالُهم إِيَّها حتى صار المقصودُ يقولها(٣)، كما أن ((تعالَ)) أصلُها أن يقولها
المُتعالي للمتسافل، فَكَثُر استعمالُهم إِيَّاها حتى صار المُتسافل يقول للمتعالي: تعالَ.
قوله تعالى: ﴿فَإِن شَهِدُوا﴾ أي: شَهِدَ بعضُهم لبعض ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي:
فلا تُصَدِّق أداءَ الشهادة إلا مِن كتاب، أو على لسان نبيّ، وليس معهم شيءٌ من ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَقْلُ مَا حَزَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُوّ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ وَلَا
تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ
إِلَّا بِآلْحَّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَغِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ
أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ الَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
فيه أربع عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَثْلُ﴾ أي: تقدّموا أقرأُ(٤) حَقًّا يقيناً كما أوحى
(١) معاني القرآن للنحاس ٥١٤/٢ - ٥١٥ .
(٢) لم نقف عليه في العين. ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٢ - ١٠٦.
(٣) في (د): بقولها، وفي (م): بقولها: احضر، وسقطت العبارة من (ظ)، والمثبت من (خ) و(ز)، وهو
الموافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٤) في النسخ: واقرؤوا، والمثبت يناسب لفظ الآية وما ذكره الطبري في تفسيره ٩/ ٦٥٦ .

١٠٥
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
إليَّ رَبِي، لا ظنًّا ولا كذباً كما زعمتم. ثم بيّن ذلك فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾. يقال
للرجل: تعالَ، أي: تقدّم، وللمرأة: تعالَيْ، وللاثنين والاثنتين: تعاليا، ولجماعة
الرجال: تعالَوْا، ولجماعة النساء: تَعَالَيْن؛ قال الله تعالى: ﴿فَعَالَيْنَ أُمَتِمَكُنَّ﴾
[الأحزاب: ٢٨]. وجعلوا التقدّم ضرباً من التعالي والارتفاع؛ لأنَّ المأمورَ بالتقدُّم في
أصل وضعٍ هذا الفعلِ كأنه كان قاعداً، فقيل له: تعالَ، أي: ارفع شخصَك بالقيام
وتقدَّمْ؛ واتسَعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي؛ قاله ابنُ الشَّجَرِيّ (١).
حَرَّمَ﴾ الوجهُ في ((ما)) أنْ تكونَ خبريةٌ في موضع
(٢) .
الثانية: قوله تعالى
نصب بـ ((أَثْلُ))، والمعنى: تعالَوا أتلُ الذي حرّمه ربُّكم عليكم؛ فإنْ علّقتَ ((عليكم)) بـ
(حرّم)) فهو الوجهُ؛ لأنه الأقربُ، وهو اختيارُ البصريين. وإنْ علقته بـ ((أتل)) فجيّدٌ؛
لأنه الأسبقُ، وهو اختيارُ الكوفيين، فالتقدير في هذا القول: أَتلُ عليكم الذي حرَّم
ربكم (٣). ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾ في موضع نصب بتقدير فعلٍ من لفظ الأوّل، أي: أتلُ عليكم
ألَّ تشركوا؛ أي: أتلُ عليكم تحريمَ الإشراك، ويحتمل أنْ يكونَ منصوباً بما في
((عليكم)) من الإغراء، وتكون ((عليكم)) منقطعةً مما قبلها؛ أي: عليكم تركَ الإشراك،
وعليكم إحساناً بالوالدين، وألّا تقتلوا أولادكم، وألا تَقْرَبوا الفواحش. كما تقول:
عليك شأنَكَ؛ أي: الزم شأنك. وكما قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال
جميعَه ابنُ الشَّجَرِيّ(٤).
وقال النحاس(٥): يجوز أنْ تكونَ (أن)) في موضع نصب بدلاً من ((ما))، أي: أتلُ
عليكم تحريمَ الإشراك. واختار الغرّاء(٦) أنْ تكونَ ((لا)) للنهي؛ لأنَّ بعده:
(١) في الأمالي ١/ ٧١. وسلف نحوه عن غيره قريباً؛ عند كلامه على لفظة ((هلمّ)).
(٢) قوله: قوله تعالى، من (م).
(٣) الأمالي لابن الشجري ١/ ٧٢ .
(٤) في الأمالي ١/ ٧٣ - ٧٤ بنحوه.
(٥) في إعراب القرآن ٢/ ١٠٦ .
(٦) في معاني القرآن ٣٦٤/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٦/٢، وعنه نقل المصنف، وما بين حاصرتين
منه .

١٠٦
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
ولا [تقتلوا].
الثالثة: هذه الآيةُ أمرٌ من الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام بأنْ يَدْعُوَ جميعَ
الخلق إلى سماع تلاوةٍ ما حرّم الله(١). وهكذا يجبُ على مَن بعده من العلماء أنْ
يبلِّغوا الناس، ويبيّنوا لهم ما حرّم الله عليهم مما حلّ. قال الله تعالى: ﴿لَيُبَيْتَّهُ للناسِ
وَلا يَكْتُمُونَهِ﴾(٢) [آل عمران: ١٨٧].
وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر، عن عمرو بن مُرة أنه حدَّثهم قال: قال
ربيع بن خُثيم لجليس له: أيسرُّك أنْ تؤتى(٣) بصحيفة من النبيِّ ﴾ لم يُفَكَّ خاتمُها؟
قال: نعم. قال: فاقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا حَنَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. فقرأ إلى آخر
الثلاثِ الآيات(٤).
وقال كعب الأحبار: هذه الآيةُ مفتتحُ التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم قل
تعالَوا أَتلُ ما حرَّم ربكم عليكم. الآية (٥).
وقال ابن عباس: هذه الآياتُ المحكماتُ التي ذكرها الله في سورة آل عمران(٦)
أجمعت عليها شرائعُ الخلق، ولم تنسخ قط في مِلّة. وقد قيل: إنها العشر كلمات
المنزّلة على موسى (٧).
(١) النكت والعيون ١٨٥/٢ .
(٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم في رواية شعبة، كما سلف في موضعه، ووهم المصنف فيها
ئمة. السبعة ص٢٢١ ، والتيسير ص ٩٣ .
(٣) في (د) و(ز) و(ظ): تأتي.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١) - بزوائد نعيم بن حماد - وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات
١٨٦/٦ - ١٨٧ من طريق آخر عن الربيع بنحوه.
(٥) أخرجه ابن الضّريس في فضائل القرآن (١٩٨)، والطبراني في الأوائل (٤٤)، وسلف ٣٨٢/٦ عن
كعب أيضاً أن الأنعام فاتحةُ التوراة ...
(٦) يعني في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ مَايَتٌّ مُحْكَمَكُ ... ﴾. [آل عمران: ٧].
(٧) المحرر الوجيز ٣٦١/٢، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ١٩٣/٥، وابن أبي حاتم (٨٠٥٧)
مختصراً، وأورده الطبرسي في مجمع البيان ٩/ ٢٣٥ بنحوه.

١٠٧
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإحسانُ إلى الوالدين بِرُّهما، وحِفِظُهما،
وصيانتُهما، وامتثالُ أمرِهما، وإزالة الرِّقِّ عنهما، وتركُ السَّلطنة عليهما(١).
و((إحساناً)) نصب على المصدر، وناصبه فعلٌ مضمر من لفظه؛ تقديره: وأحسنوا
بالوالدين إحساناً(٢).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ الإملاق: الفقرُ، أي:
لا تَئِدوا - من الموؤودة - بناتِكم خشيةَ العَيْلة، فإني رازقُكم وإيّاهم (٣). وقد كان منهم
من يفعلُ ذلك بالإناث والذكورِ خشيةً الفقر، كما هو ظاهرُ الآية(٤).
أَملقَ، أي: افتقر. وأملَقه، أي: أفقره؛ فهو لازمٌ ومتعدٌّ (٥).
وحكى النقَّاش عن مُؤَرِّج(٦) أنه قال: الإملاقُ: الجوعُ بلغة لَخْم. وذكر منذر بنُ
سعيد(٧) أنَّ الإملاقَ: الإنفاقُ؛ يقال: أملَقَ ماله بمعنى أنفقَه. وذُكر أنَّ عليًّا ﴾ قال
لامرأته: أَمْلِقِي من مالك ما شئت(٨). ورجلٌ مَلِقٌ: يُعطِي بلسانه ما ليس في قلبه (٩).
فالمَلَق لفظٌ مشتركٌ يأتي بيانه في موضعه (١٠).
(١) النكت والعيون ١٨٥/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٦١/٢ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ١٤١ .
(٤) المفهم ٤ / ١٦٧ .
(٥) تهذيب اللغة ٩/ ١٨٢ .
(٦) هو ابن عمرو أبو فيد السدوسي. السير ٣٠٩/٩ .
(٧) هو القاضي البلوطي الأندلسي. السير ١٦/ ١٧٣ .
(٨) المحرر الوجيز ٣٦٢/٢، وأثر علي أورده الأزهري في تهذيب اللغة ٩/ ١٨٢، والزمخشري في الفائق
٣٨٦/٣، وابن الأثير في النهاية وابن منظور في اللسان (ملق) عن ابن عباس أنَّ امرأة سألته: أأنفقُ من
مالي ما شئتُ؟ قال: نعم، أملقي ....
(٩) الصحاح (ملق).
(١٠) عند تفسير الآية (٣١) من الإسراء.

١٠٨
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
السادسة: وقد يَستدلُّ بهذا من يمنع العَزْلَ؛ لأنَّ الوَأْدَ رفعُ(١) الموجودِ والنَّسْلِ،
والعزلُ منعُ أصلِ النَّسلِ، فتشابها، إلا أنَّ قتلَ النفس أعظمُ وِزراً وأقبحُ فعلاً؛ ولذلك
قال بعض علمائنا: إنه يُفهم من قوله عليه الصلاة والسّلام في العزل: «ذلك الوادُ
الخفيُّ)» (٢) الكراهةُ لا التحريمُ. وقال به جماعةٌ من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته
أيضاً جماعةٌ من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا عليكم
ألّا تفعلوا، فإنما هو القَدَرُ))(٣)، أي: ليس عليكم جناحٌ في ألّا تفعلوا. وقد فَهِم منه
الحسن ومحمد بنُ المُثَّى النَّهْيَ والزّجْرَ عن العزل.
والتأويلُ الأوّل أوْلى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((وإذا أراد الله خلقَ شيءٍ لم
يمنعْه شيءٌ)» (٤).
قال مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرّة إلا بإذنها. وكأنهم رأوا الإنزالَ
من تمام لذَّتها، ومن حقِّها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين؛ إذْ له
أنْ يعزلَ عنها بغير إذنها، إذْ لا حقَّ لها في شيءٍ مما ذُكر(٥) .
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ◌َهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَرَبٌ﴾ نظيرُه:
﴿وَذَرُواْ ◌َهِرَ الْإِثْمِ وَبَاِنَهٌُ﴾ [الأنعام: ١٢٠](٦). فقوله: ((مَاظَهَرَ)): نهيّ عن جميع
أنواعِ الفواحشِ، وهي المعاصي. ((وَمَا بَطَنَ)) ما عقد عليه القلب من المخالفة.
و(ظَهر)): و(بَطَن)) حالتان تستوفيان(٧) أقسامَ ما جعلتَ له من الأشياء.
(١) في (خ) و(م): يرفع، والكلام في المفهم ٤/ ١٦٧.
(٢) قطعة من حديث جُذامة بنت وهب؛ أخرجه أحمد (٢٧٤٤٧)، ومسلم (١٤٤٢): (١٤١).
(٣) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري؛ أخرجه أحمد (١١٦٤٥) ومسلم (١٤٣٨): (١٢٨)، وأخرجه
أيضاً البخاري (٢٢٢٩) بنحوه.
(٤) هي رواية أخرى لحديث أبي سعيد الخدري السالف؛ أخرجه مسلم (١٤٣٨): (١٣٣).
(٥) المفهم ٤/ ١٦٦ - ١٦٧ .
(٦) الكشاف ٢/ ٦١ .
(٧) في النسخ الخطية: يستوفيان، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣٦٢/٢، والكلام منه.

١٠٩
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
و((ما ظهر)) نصبٌ على البدل من ((الفواحش)). ((وما بطن)) عطفٌ عليه (١).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقِّ﴾ الألف واللام
في ((النفس)) لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك الناسَ حُبُّ الدرهم والدينار. ومثله:
﴿إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. ألا ترى قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾؟ وكذلك
قوله: ﴿وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ لأنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾.
وهذه الآيةُ نهيّ عن قتل النفسِ المحرّمةِ - مؤمنةً كانت أو معاهدةً - إلا بالحقِّ
الذي يوجبُ قتلَها. قال رسول اللـه ﴾: ((أمِرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَمَ مالَه ونفْسَه إلا بحقّه، وحسابُهم على
الله)) (٢).
وهذا الحقُّ أمورٌ: منها منعُ الزكاة، وتركُ الصَّلاة. وقد قاتل الصدّيقُ مانِعِي
الزكاة(٣). وفي التنزيل: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥]. وهذا بيّنٌ.
وقال﴾: ((لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيِّب الزاني، والنفسُ
بالنفس، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعةَ(٤).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا بُويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخِرَ منهما)). أخرجه
(٥)
مسلم(٥).
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﴾: ((من وجدتُموه يعملُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٠٦/٢ .
(٢) سلف ١/ ٢٠٤ .
(٣) أخرجه أحمد (١٠٨٤٠)، والبخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٤) أخرجه أحمد (٣٦٢١)، والبخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود ﴾، وسلف
مختصراً ٢٧٩/٢ .
(٥) برقم (١٨٥٣)، وسلف ١/ ٤٠٧ .

١١٠
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
عملَ قومٍ لوطِ، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به))(١). وسيأتي بيانُ هذا في ((الأعراف))(٢).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن
يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. وقال: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ﴾ الآية
[الحجرات: ٩]. وكذلك من شقَّ عصا المسلمين، وخالف إمامَ جماعتِهم، وفَرّق
كلمتَهم، وسعى في الأرض فساداً؛ بانتهاب الأهلِ والمالِ، والبَغْي على السلطان،
والامتناع من حكمه؛ يُقْتَلُ. فهذا معنى قوله: ((إلَّا بِالْحَقِّ)). وقال عليه الصلاة
والسلام: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، لا يُقتلُ مسلمٌ بكافر،
ولا ذُو عهدٍ في عهده، ولا يتوارثُ أهل ملّتين))(٣).
وروى أبو داود والنَّسائيُّ عن أبي بَكْرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((مَنْ
قَتَلَ مُعاهَداً في غير كُنْهِهِ حَرّم الله عليه الجنة))(٤). وفي رواية أخرى لأبي داود قال:
(مَن قَتلَ رجلاً من أهل الذِّمَّةِ لم يَجدْ رِيحَ الجنة، وإنَّ ريحها ليوجَدُ من مسيرة سبعينَ
عاماً)(٥). في البخاري في هذا الحديث: ((وإنَّ ريحها ليوجَدُ من مسيرة أربعينَ عاماً)).
خرّجه من حديث عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص(٦).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى هذه المحرّمات. والكافُ والميمُ
(١) سنن أبي داود (٤٤٦٢)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (٧٣٠٠)، وابن ماجه
(٢٥٦١). وهو عند أحمد (٢٧٣٢).
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ... ﴾ [الآية: ٨٠].
(٣) سلف تخريجه ٦٨/٣ دون قوله: ((لا يتوارث أهل ملتين))، فقد أخرجه أحمد (٦٦٦٤)، وأبو داود
(٢٩١١)، والنسائي في الكبرى (٦٣٤٨)، وابن ماجه (٢٧٣١) من حديث عبد الله بن عمرو ﴾،
وأخرجه الترمذي (٢١٠٨) من حديث جابر ﴾.
(٤) سنن أبي داود (٢٧٦٠)، والمجتبى ٢٤/٨ - ٢٥، وهو عند أحمد (٢٠٣٧٧)، وقوله: كنهه؛ كنه
الأمر: حقيقته، وقيل: وقته وقدْرُه، وقيل: غايته. يعني: من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز
فيه قتله. النهاية (کنه).
(٥) لم نقف عليه في سنن أبي داود، وأخرجه أحمد (١٨٠٧٢)، والنسائي في المجتبى ٢٥/٨، والكبرى
(٦٩٢٥) عن رجل من أصحاب النبي 9.
(٦) صحيح البخاري (٦٩١٤)، وهو عند أحمد (٦٧٤٥).

١١١
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
للخطاب، ولا حظّ لهما من الإعراب. ﴿وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾ الوصِيّة: الأمرُ المؤكَّدُ
المقدور(١). والكاف والميم محله النصب؛ لأنه ضميرٌ موضوع للمخاطبة. وفي
(وَصّی) ضمیرُ فاعل يعودُ على الله.
وروى مطر الورّاق عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ عثمان بن عفان ﴾ أشرف على
أصحابه فقال: عَلَام تقتلوني؟! فإني سمعت رسولَ الله # يقول: ((لا يحلُّ دَمُ امرئٍ
مسلم (٢) إلا بإحدى ثلاث؛ رجلٌ زنى بعدَ إحصائِه(٣)؛ فعليه الرجمُ، أو قَتل عمداً؛
فعليه القوَد، أو ارتد بعد إسلامِه؛ فعليه القتلُ))، فوالله ما زنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلام،
ولا قتلتُ أحداً فأقيدَ نفسي به، ولا ارتددتُ منذ أسلمتُ، إني أشهد أن لا إله إلا الله،
وأنَّ محمداً عبده ورسولُه، ذلكم الذي ذكرتُ لكم وصّاكم به لعلكم تعقلون (٤).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَ نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِبِ إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾، أي: بما فيه
صلاحُه وتثميرُهُ(٥)، وذلك بحفظ أصولِه وتثميرٍ فروعِه (٦). وهذا أحسنُ الأقوالِ في
هذا، فإنه جامعٌ. قال مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: التجارةُ
فيه(٧)، ولا تشتري منه ولا تستقرض.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ يعني قوَّته، وقد تكونُ في البدن،
(١) المحرر الوجيز ٣٦٢/٢.
(٢) في (خ): دم رجل مسلم، وفي (ز) و(ظ): دم امرئ رجل مسلم.
(٣) في (م): حصانة.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٤٥٢)، وفي فضائل الصحابة (٧٥٢)، والضياء في المختارة (٣٦٨) من
طريق مطر الورّاق به دون قوله: ذلكم الذي ذكرت لكم ... ، وأخرجه النسائي ١٠٣/٧ دون قصة عثمان.
وأخرجه أيضاً أحمد (٤٣٧)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٨)، والنسائي ٧/ ٩١ - ٩٢ ، وابن
ماجه (٢٥٣٣) بنحوه من طريق آخر عن عثمان، ودون قوله: ذلكم الذي ذكرت لكم ... وسلف المرفوع
منه في المسألة الثامنة من حديث ابن مسعود ـ
(٥) في (ظ): تنميته.
(٦) تفسير البغوي ٢/ ١٤١، والنكت والعيون ١٨٧/٢.
(٧) في (م): بالتجارة فيه، وأخرجه الطبري ٩/ ٦٦٢ .

١١٢
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
وقد تكونُ في المعرفة بالتجربة، ولابُدَّ من حصول الوجهين، فإنَّ الأَشُدَّ وقعت هنا
مطلقة. وقد جاء بيانُ حالِ اليتيم في سورة النساء [الآية: ٦] مقيدةً، فقال: ﴿وَأْثَلُواْ الْيَ
حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنَهُمْ رُشْدًا﴾، فجمعَ بين قوّة البدنِ، وهو بلوغُ النكاحِ،
وبين قوّة المعرفةِ، وهو إيناسُ الرشد (١). فلو مُكِّنَ اليتيمُ من ماله قبلَ حصولِ المعرفةِ
وبعدَ حصول القوّةِ؛ لأذهبه في شهواته، وبَقيَ صُعْلوكاً لا مالَ له.
وخصّ اليتيم بهذا الشرط؛ لغفلة الناسِ عنه، وافتقاد الآباء لأبنائهم، فكان
الاهتبالُ(٢) بفقيد الأبِ أوْلى. وليس بلوغُ الأَشُدِّ مما يُبيحُ قُرْبَ مالِه بغير الأحسن(٣)؛
لأنَّ الحرمةَ في حقِّ البالغ ثابتةٌ. وخصّ اليتيم بالذكر؛ لأنَّ خصمَه الله. والمعنى: ولا
تقربوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسنُ على الأبد حتى يبلغَ أشدَّه(٤). وفي الكلام
حذفٌ؛ فإذا بلغ أشدَّه، وأُونس منه الرشدُ؛ فادفعوا إليه ماله(٥).
واختلف العلماء في أشُدّ اليتيم؛ فقال ابن زيد: بلوغُه. وقال أهل المدينة: بلوغُه
وإيناسُ رُشْدِه. وعندَ أبي حنيفةً: خمس وعشرون سنة(٦). قال ابن العربيّ(٧): وعجباً
من أبي حنيفة، فإنه يرى أنَّ المقدَّرات لا تثبتُ قياساً ولا نظراً، وإنما تثبت نقلاً،
وهو يُثبتُها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضَّرْبِ، فكثر عندَه المُدَلَّس، ولو
سكن المعدن(٨) كما قيض الله لمالك؛ لما صدَر عنه إلا إبريزُ الدِّين.
وقد قيل: إنَّ انتهاءَ الكهولةِ فيها مُجْتَمع الأَشُدّ؛ كما قال سُحيم بنُ وَثيل:
(١) في النسخ: وبين قوة المعرفة بإيناس الرشد، والمثبت من (م).
(٢) أي: الاغتنام. ينظر اللسان (هبل).
(٣) مجمع البيان ٩/ ٢٣٤ .
(٤) تفسير البغوي ٢/ ١٤١ .
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٦٦٥ .
(٦) أحكام القرآن للكيا ١٢٨/٣، وزاد المسير ١٥٠/٣، والمحرر الوجيز ٣٦٣/٢.
(٧) في أحكام القرآن له ٢/ ٧٦١ .
(٨) يريد بقوله: دار الضرب: دار الخلافة بغداد، إذ فيها تضرب النقود، ويريد بالمعدن المدينة المنورة.

١١٣
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
ونَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ(١)
أخُو خمسينَ مُجْتَمِعٌ أشدِّي
يروى ((نجَّدَني)) بالدال والذال. والأشُدُّ واحدٌ لا جمعَ له؛ بمنزلة الآنُك؛ وهو
الرَّصاص(٢). وقيل: واحدُه: شدِّ؛ كفَلْس وأقْلُس. وأصله من: شدَّ النهار، أي:
ارتفع؛ يقال: أتيته شَدَّ النهارِ ومدَّ النهارِ(٣). وكان محمد بنُ محمد الضَّبيُّ ينشدُ(٤)
بیت عنترة:
عَهْدِي بِه شَدَّ النهارِ كأنما
خُضِبَ اللَّبانُ ورأسُه بالعِظْلِم(٥)
وقال آخر:
تُطيف به شَدَّ النهارِ ظَعينةٌ طويلةُ أنقاءِ اليدَيْنِ سَحُوقُ(٦)
وكان سيبويه يقول: واحدُه شِدّة. قال الجوهري(٧): وهو حَسَنٌّ في المعنى؛ لأنه
يقال: بلغ الغلامُ شِدَّتَه، ولكن لا تُجمعُ فِعْلٌ على أفْعُل، وأما أنْعُم؛ فإنما هو جمعُ
نُعْم؛ من قولهم: يوم بُؤْس ويوم نُعْم. وأما قولُ من قال: واحدُه شَدّ؛ مثلُ: كَلْب
وأكلَب، وشِدٌّ: مثل: ذِئب وأذوب؛ فإنما هو قياسٌ. كما يقولون في واحد الأبابيل:
إيَّوْل، قياساً على عِجَّوْل، وليس هو شيئاً سُمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني
(١) الأصمعيات ص١٩، والحماسة البصرية ١٠٢/١، والكامل ٦٣٤/٢، والخزانة ١٦٢/١، ووقع
في الحماسة: معاودة، بدل: مداورة، وقوله: نجَّذني: حتَّكني وعرَّفني الأشياء، وقوله: مداورة:
معالجة، الشؤون: الأمور. شرح الأصمعيات.
(٢) تفسير الطبري ٩/ ٦٦٤، والصحاح (شدد)، والأضداد للأنباري ص٢٢٣ .
(٣) تفسير الطبري ٩/ ٦٦٣، والأضداد للأنباري ص ٢٢٣ .
(٤) كما في تفسير الطبري ٩/ ٦٦٣ .
(٥) ديوان عنترة ص٢٧، وفيه: مَدَّ، بدل: شدَّ، والبنان، بدل: اللبان. وقوله: اللَّبَان: الصدر، أو
وسطه، أو ما بين الثديين، وقوله: العِظْلِم؛ كزبْرِج: عُصارةُ شجر، أو نبت يصبغ به. القاموس (عظلم،
لبن).
(٦) تفسير الطبري ٦٦٣/٩، والأضداد لابن الأنباري ص٢٢٣، واللسان (سحق)، وقوله: سحوق؛ يريد
المرأة الطويلة. اللسان (سحق).
(٧) في الصحاح (شدد)، وكلام سيبويه منه.

١١٤
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
شُدَّى، على فُعْلى، أي: شِدَّةٌ، وأشَدَّ الرجل: إذا كانت معه دابَّةٌ شديدةٌ.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالاعتدال
في الأخذ والعطاءِ عندَ البيعِ والشّراء. والقِسط: العدلُ.
﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، أي: طاقتَها في إيفاء الكيل والوزن(١). وهذا
يقتضي أنَّ هذه الأوامرَ إنما هي فيما يقع تحت قُدرةِ البشرِ من التحقُّظ والتحرُّز. وما
لا يمكن الاحترازُ عنه من تفاوتٍ ما بين الکَیْلَین، ولا يَدخلُ تحت قُدرةِ البشرِ ؛
فمعفوٌّ عنه(٢).
وقيل: الكيلُ بمعنى المِکْيَال؛ يقال: هذا كذا وكذا کَيْلاً، ولهذا عطف عليه
بالميزان.
وقال بعض العلماء: لمَّا عَلِم الله سبحانه من عباده أنَّ كثيراً منهم تَضيق نفسُه عن
أنْ تَطِيبَ للغير بما لا يجبُ عليها له؛ أَمَرِ المعطيّ بإيفاء ربِّ الحقِّ حقَّه الذي هو له،
ولم يكلِّفه الزيادةَ؛ لِما في الزيادة عليه من ضيق نفسِه بها. وأَمر صاحبَ الحقّ بأخذ
حقِّه، ولم يكلِّفُه الرضا بأقلَّ منه؛ لِمَا في النقصان من ضيق نفسِهِ (٣).
وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما
ظهر الغُلُول في قومٍ قظُ إلا أُلقي (٤) في قلوبهم الرّعبُ، ولا فشا الزنى في قوم إلا كَثُر
فيهم الموتُ، ولا نَقص قومٌ المِكيالَ والميزانَ إلا قُطع عنهم الرزقُ، ولا حَكم قومٌ
بغير الحقِّ إلا فشا فيهم الدَّمُ، ولا ختر قومٌ بالعهد إلا سلَّط الله عليهم العدوّ (٥).
وقال ابن عباس أيضاً: إنكم - معشرَ الأعاجم - قد وُليتم أمرين؛ بهما هلك من
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٥٢٤ .
(٢) تفسير الرازي ٢٣٥/١٣، والنكت والعيون ١٨٨/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٣/٢.
(٣) الوسيط ٣٣٨/٢، وتفسير البغوي ٢/ ١٤٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): ألقى الله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للموطأ.
(٥) الموطأ ٤٦٠/٢، وقوله: ختر، أي: غدر وخدع، والخَتْر أقبحُ الغدر. ينظر القاموس (ختر).

١١٥
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
كان قبلكم: الكيل والميزان(١).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُوا﴾ يتضمن الأحكامَ والشَّهادات(٢).
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾، أي: ولو كان الحقُّ على مثل قراباتِكم؛ كما تقدّم في ((النساء))(٣).
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ عامٌّ في جميع ما عَهِدَه الله إلى عباده. ويَحتملُ أنْ يرادَ به
جميع [ذلك مع جميع] ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهدُ إلى الله من حیثُ
أَمر بحفظه والوفاء به (٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾: تتّعظون.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ﴾ هذه آيَةٌ عظيمةٌ
عطفَها على ما تقدّم، فإنه لمَّا نَهى وأمر، حذَّر هنا عن اتباع غيرٍ سبيلِه، فأمر فيها
باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحةِ وأقاويلِ السَّلَف.
((أنّ) في موضع نصب، أي: وأَتلُ أنَّ هذا صراطي. عن الفراء والكسائيّ.
قال الفراء: ويجوزُ أنْ يكونَ خفضاً، أي: وصّاكم(٥) به وبأنَّ هذا صراطي(٦).
وتقديرُها عند الخليلِ وسيبويه: ولأنَّ هذا صراطي؛ كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسِدَ
لِلَّهِ﴾ (٧) [الجن: ١٨].
وقرأ الأعمش وحمزة والكسائيُّ: ((وإنَّ هذا))؛ بكسر الهمزة على الاستئناف(٨)؛
(١) قوله: الكيل والميزان، من (م)، وأخرجه هناد في الزهد (٦٨١).
(٢) المحرر الوجيز ٣٦٣/٢ .
(٣) ١٧٢/٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٦٣/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٥) في النسخ: أوصيكم، والمثبت من (م).
(٦) معاني القرآن للفراء ٣٦٤/١، وإعراب القرآن ١٠٧/٢، ومعاني القرآن كلاهما للنحاس ٥١٨/٢.
(٧) الكتاب ١٢٦/٣ - ١٢٧، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٧/٢، وعنه نقل المصنف.
(٨) السبعة ص٢٧٣، والتيسير ص١٠٨، وقراءة الأعمش ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٠٧ ،
والكلام منه.

١١٦
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
أي: الذي ذكر في هذه الآياتِ صراطي مستقيماً.
وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوبُ: ((وأنْ هذا)) بالتخفيف(١). والمخفّفةُ مثلُ
المشدَّدة، إلا أنَّ فيه ضميرَ القصةِ والشأن، أي: وأنه هذا، فهي في موضع رفع.
ويجوز النصب. ويجوز أنْ تكونَ زائدةً للتوكيد؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ
الْبَشِيرُ﴾ (٢) [يوسف: ٩٦].
والصراط: الطريقُ الذي هو دينُ الإسلام . ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نصب على الحال،
ومعناه: مستوِياً قَويماً لا اعوجاجَ فيه. فأمرَ باتباع طريقِه الذي طرّقه على لسان نبيِّه
محمدٍ ﴿ وشرعَه، ونهايتُه الجنة، وتشعّبت منه طرقٌ؛ فمن سلك الجادّةَ نجا، ومن
خرج إلى تلك الطرق أفضَتْ به إلى النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَغَرَّقَ
پگم عَن سَچِلٍ﴾، أي: تميل.
روى الدّارميُّ أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عقَّانُ، حدثنا حماد بنُ
زيد، حدّثنا عاصم بنُ بَهْدَلَة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا
رسولُ الله ◌ِ﴾ يوماً خطًّا، ثم قال: ((هذا سبيلُ الله))، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن
شماله(٣)، ثم قال: ((هذه سُبُلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليها))، ثم قرأ هذه
الآ يةَ(٤).
وأخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله قال: كنَّا عندَ النبيِّ ﴾، فخطّ
خطًّا، وخطَّ خطَّين عن يمينه، وخطَّ خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخطّ
الأوسط، فقال: ((هذا سبيل الله))، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِى مُسْتَقِيمًا
(١) يعقوب من العشرة، وقرأ بها أيضاً ابن عامر. السبعة ص٢٧٣، والتيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢ .
وقراءة ابن أبي إسحاق ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٠٧، والطبري في تفسيره ٩/ ٦٧٣ .
(٢) إعراب القرآن ٢/ ١٠٧ ومعاني القرآن؛ كلاهما للنحاس ٥١٨/٢ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): وخطوطاً عن يساره، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لسنن الدارمي.
(٤) سنن الدارمي ٧٨/١. وأخرجه أيضاً أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في الكبرى (١١١٠٩).

١١٧
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
فَأَتَِّعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلٍِ﴾(١).
وهذه السُّبُلُ تَعُمُّ اليهوديَّةَ والنَّصرانيَّةَ والمجوسيَّةَ، وسائرَ أهلِ المللِ وأهلِ البدعِ
والضَّلالاتِ من أهل الأهواءِ والشذوذِ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمُّق في
الجَدَل والخوضِ في الكلام. هذه كلُّها عُرْضةٌ للزَّلَل، ومظِنَّة لسوء المعتقَد. قاله ابنُ
عطيّة(٢).
قلت: وهو الصحيحُ؛ ذكر الطبري في كتاب آدابِ النفوس: حدّثنا محمد بن عبد
الأعلى الصَّنعاني قال: حدّثنا محمد بن ثَور، عن مَعْمَر، عن أبَان، أنَّ رجلاً قال
لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تَرَكَنا محمد﴿ في أدناه، وطرفُه في
الجنة، وعن يمينه جَوَادُ، وعن يساره جوادُ، وَثَمَّ رجالٌ يَدْعُون مَن مَرّ بهم؛ فمن أخذ
في تلك الجوادِّ؛ انتهت به إلى النار، ومن أَخذ على الصراط؛ انتهى به إلى الجنة. ثم
قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ الآية(٣).
وقال عبد الله بنُ مسعود: تعلَّموا العلمَ قبلَ أنْ يُقبض، وقبضُه أنْ يذهبَ أهلُه،
ألا وإياكم والتّنَظُّعَ والتعمُّقَ والبِدَعَ، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدَّارِمِيّ(٤).
وقال مجاهد في قوله: ((وَلَا تَشَِّعُوا السُّبُلَ)) قال: البِدَع(٥).
قال ابن شِهاب: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ الآية.
[الأنعام: ١٥٩]. فالهَرَبَ الهربَ، والنَّجاةَ النجاةَ! والتمسُّكَ بالطريق المستقيمِ والسّننِ
القويم، الذي سلكه السّلفُ الصالحُ، وفيه المتْجَرُ الرابحُ.
روى الأئمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((ما أمرتُكم به فخُذُوه، وما
(١) سنن ابن ماجه (١١)، وهو عند أحمد (١٥٢٧٧).
(٢) في المحرر الوجيز ٣٦٤/٢ .
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٦٧١ .
(٤) في سننه ٦٦/١، وقوله: العتيق، أي: القديم الأول. النهاية (عتق).
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٦٧٠ .

١١٨
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
نهيتُكم عنه فانتهُوا))(١).
وروى ابنُ ماجه وغيره عن العِرْباض بن سَارِيةً قال: وعَظَنا رسول الله ﴾ موعظةً
ذَرَفت منها العيونُ؛ ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إنَّ هذه الموعظةُ
مودِّع، فما تَعْهَدُ إلينا؟ فقال: ((قد تركتم على البيضاء؛ ليلُها كنهارها؛ لا يزيغ عنها
بعدي إلا هالكٌ. من يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتُم من سنتي
وسنة الخلفاءِ الراشدين المهديِّين بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم والأمورَ
المُحْدَثاتِ؛ فإنَّ كلَّ بِدْعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بالطاعة وإنْ عبداً حبشيًّا، فإنما المؤمنُ
كالجَمَلِ الأَنِفِ، حيثما قِيد انقاد)» أخرجه الترمذي بمعناه وصححه(٢).
وروى أبو داود قال: حدّثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان قال: كتب رجلٌ إلى
عمرَ بنِ عبد العزيز يسأله عن القَدَر، فكتب إليه(٣): أما بعدُ، أوصيك(٤) بتقوى الله
والاقتصادِ في أمره، واتباعٍ سنةِ رسولِ الله ﴾، وتَرْكِ ما أحدثَ المحدِثون بعدَ ما
جرت به سنّته، وكُفُوا مؤونتَه، فعليك بلزوم الجماعةِ، فإنها لك بإذن الله عصمةٌ، ثم
اعلم أنه لم يبتدع الناسُ بدعةً إلا قد مضى قبلَها ما هو دليلٌ عليها أو عبرةٌ فيها؛ فإنَّ
السنةَ إنما سنّها مَنْ قد عَلم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمقِ والتعمُّقِ؛
فارضَ لنفسك ما رضيَ به القومُ لأنفسهم؛ فإنهم على (٥) علم وقَفوا، وببصرِ نافذٍ
گفُوا، ولهم(٦) علی کشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (١) من حديث أبي هريرة، وسلف بنحوه ٦/ ٤٣٤.
(٢) سنن ابن ماجه (٤٢) (٤٣)، وسنن الترمذي (٢٦٧٦). وهو عند أحمد (١٧١٤٢)، وأبي داود (٧٦٠٧).
وقوله: بيضاء: صفة الملَّة، وقوله: كالجمل الأنْفٍ، أي: الجمل المجروح الأنف، فهو لا يمتنعُ على
قائده للوجع الذي به، وقيل: الأنِفُ: الذَّلُول. ينظر حاشية السندي على المسند والنهاية (أنف).
(٣) قوله: إليه، من (م).
(٤) في (د) و(ز) و(م): فإني أوصيك.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): عن.
(٦) في (د) و(ز) و(م): وإنهم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لسنن أبي داود.

١١٩
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
الهُدَى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم، ما (١) أحدثه
إلا من اتَّبِع غيرَ سبيلِهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلّموا فيه بما
يُكْفِي، ووصفوا ما يَشْفِي؛ فما دونَهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر(٢)، وقد قصّر
:
قومٌ دونهم فجَفَوْا، وطمَح عنهم أقوام فغَلَوْا، وإنهم بينَ ذلك(٣) لَعَلَى هُدّى مستقيم.
وذكر الحديث(٤).
وقال سهل بنُ عبد الله التُّسْتَريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسُّنةِ، فإني أخاف أنه
سيأتي(٥) عن قليل زمانٌ إذا ذَكر إنسانٌ النبيَّ # والاقتداءَ به في جميع أحوالِه؛ ذَمّوه
ونَفَروا عنه، وتبرؤوا منه، وأذلُّوه وأهانوه.
قال سهل: إنما ظهرت البدعةُ على يدي أهلِ السنة؛ لأنهم ظاهروهم وقاولوهم؛
فظهرت أقاويلُهم، وفَشَت في العامّة، فَسمِعَه من لم يكنْ يسمعُه، فلو تركوهم ولم
يكلموهم لمات كلُّ واحدٍ منهم(٦) على ما في صدره، ولم يظهر منه شيءٌ، وحمَلَه
معه إلى قبره.
وقال سهل: لا يُحْدِثُ أحدُكم بدعةً حتى يُحدِثَ له إبليسُ عبادةً، فيتعبّد بها، ثم
يُحدِثُ له بدعةً، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها، نزع منه تلك الْخَذْمة(٧).
قال سهل: لا أعلم حديثاً جاء في المبتدعة أشدَّ من هذا الحديث: ((حجب الله
(١) في (م): فما.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): مجسر، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمصادر.
(٣) في النسخ: مع ذلك، والمثبت من سنن أبي داود.
(٤) سنن أبي داود (٤٦١٢)، وأخرجه أيضاً أحمد في الزهد ص ٣٦٠ بنحوه، وابن وضاح في البدع
ص٣٠-٣١ . وقوله: الاقتصاد، أي: الاعتدال الذي لا ميل فيه إلى أحد طرفي التفريط والإفراط،
وقوله: مَحْسَر؛ يقال: حَسَرتُ العمامة عن رأسي؛ أي: كشفتها. ينظر النهاية (حسر، قصد).
(٥) في (د): أن يأتي.
(٦) لفظة: منهم، من (خ) و(م).
(٧) كذا في (خ) و(م)، ولم نتبينها، وفي (د) و(ظ): الخدمة، وفي (ز): الحدمة.

١٢٠
سورة الأنعام: الآيات ١٥١ - ١٥٣
الجنةَ عن صاحب [كلِّ] بدعةٍ)) (١). قال: فاليهوديُّ والنّصرانيُّ أزْجى منهم.
قال سهل: من أراد أنْ يكرم دينَه فلا يدخلُ على السلطان، ولا يَخلُوَنَّ بالنسوان،
ولا يخاصِمنَّ أهل الأهواء. وقال أيضاً: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم.
وفي مسند الدّارِمِيّ(٢): أنَّ أبا موسى الأشعريَّ جاء إلى عبد الله بن مسعود
فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيتُ في المسجد آنفاً شيئاً أنكرتُه، ولم أَرَ والحمدُ لله
إلا خيراً! قال: فما هو؟ قال: إنْ عشتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قوماً حِلَقاً
حِلَقاً جلوساً ينتظرون الصلاة؛ في كل حَلْقةٍ رجلٌ، وفي أيديهم حَصّى (٣)، فيقول لهم
كَبِّروا مئةً؛ فيكبرون مئة، فيقول: هَلِّلُوا مئةً؛ فيهللّون مئة. ويقول: سبحوا مئة؛
فيسبحون مئة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً؛ انتظارَ رأيك وانتظارَ
أمرٍك. قال: أفلا أمرتَهم أنْ يَعُدُّوا سيئاتِهم، وضَمِنتَ لهم ألَّ يضيع من حسناتهم. ثم
مضى ومضينا معه حتى أتى حَلْقةً من تلك الحِلَقِ؛ فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي
أراكم (٤) تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حَصّى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ
والتسبيحَ(٥). قال: فعُدُّوا سيئاتِكم وأنا ضامنٌ(٦) ألّا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ،
ويحكم يا أمةً محمد! ما أسرعَ هَلْكَتَكم! [هؤلاء صحابة نبيكم # متوافرن، وهذه
ثيابه لم تُبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده! إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة
(١) في (م): البدعة، وما بين حاصرتين من المصادر، والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٢١٤)،
والبيهقي في الشعب (٩٤٥٧) عن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ: ((إن الله حجب التوبة عن صاحب كل
بدعة ... )). قال المنذري في الترغيب والترهيب ١٠٧/١: إسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع
١٨٩/١٠: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن هارون، وهو ثقة. اهـ. غير أن ابن
الجوزي قال في العلل المتناهية (٢١٦): هذا حديث لا يصح.
(٢) (٢٠٤)، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) في النسخ: حصاة، والمثبت من (م).
(٤) قوله: أراكم، من (م)، وسنن الدارمي.
(٥) قوله: والتسبيح من (خ) و(م)، وسنن الدارمي.
(٦) بعدها في (د) و(ز) و(م): لكم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لسنن الدارمي.