النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة الأنعام: الآيات ١٤٥
- أو جَاء في الكتاب - مضمومٌ إليها، وهو (١) زيادةُ حكم من الله عزَّ وجلَّ على لسان
نبيِّه عليه الصلاة والسلام. على هذا أكثرُ أهلِ العلم من أهل النظر والفقهِ والأثرِ.
ونظيره نكاحُ المرأةِ على عمتها وعلى خالتها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ ذَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤] وكحكمِه باليمين مع الشاهد مع قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَتَانِ﴾(٢) [البقرة: ٢٨٢] وقد تقدم (٣).
وقيل(٤): إنها منسوخةٌ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أكْلُ كلِّ ذي ناب من السباع
حرامٌ)) أخرجه مالك(٥)، وهو حديثٌ صحيح.
وقيل: الآية مُحكّمةٌ، ولا يَحرُم إلا ما فيها. وهو قولٌ يُروى عن ابن عباس وابنِ
عمر وعائشة، ورُوي عنهم خلافه(٦).
قال مالك: لا حرامَ بَيِّنٌ إلا ما ذُكر في هذه الآية.
وقال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآيةُ تحليلَ كلِّ شيء من الحيوان وغيره إلا
ما استثنيَ في الآية من الميتة والدم المسفوحِ ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: إنَّ لحومَ(٧)
السِّباع وسائرِ الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباحٌ.
وقال الكِيَا الطبريُّ(٨): وعليها بِنى الشافعيُّ تحليلَ كلِّ مسكوتٍ عنه؛ أخذاً من
هذه الآية، إلا ما دلَّ عليه الدليلُ.
وقيل: إنَّ الآية جوابٌ لمن سأل عن شيء بعينه، فوقع الجوابُ مخصوصاً. وهذا
(١) في (د) و(ز) و(م): فهو، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للتمهيد ١٤٥/١ .
(٢) التمهيد ١٤٥/١ - ١٤٦، والاستذكار ٣١٩/١٥.
(٣) ٤ /٤٤٥ - ٤٤٦ .
(٤) في (خ) و(م): وقد قيل، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ).
(٥) ٤٩٦/٢، وسلف ٢٥١/٧.
(٦) التمهيد ١٤٤/١ - ١٤٥.
(٧) في (خ) و(ز) و(ظ): إن تحريم السباع، والمثبت من (د)، وهامش (ز) و(م).
(٨) في أحكام القرآن ١٢٧/٣ .

٨٢
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
مذهبُ الشافعيّ(١). وقد روى الشافعيُّ عن سعيد بن جُبير أنه قال: في هذه الآية أشياء
سألوا عنها رسولَ الله﴿ فأجابهم عن المحرَّمات من تلك الأشياء(٢).
وقيل: أي: لا أجدُ فيما أُوحيَ إليَّ، أي: في هذه الحال حالَ الوحيٍ ووقت
نزوله(٣)، ثم لا يمتنع حدوثُ وَخْي بعدَ ذلك بتحريم أشياءَ أُخَر.
وزعم ابنُ العربي أنَّ هذه الآيةَ مدنيةٌ مكية (٤) في قول الأكثرين، نزلت على النبيّ ﴾
يوم نزلَ عليه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ولم ينزل بعدها ناسخٌ، فهي
مُحْكَمةٌ(٥)، فلا مُحَرَّمَ إلا ما فيها. وإليه أميل.
قلت: وهذا ما رأيته قاله غيره.
وقد ذكر أبو عمر بنُ عبد البَر (٦) الإجماعَ في أنَّ سورةَ الأنعام مكيةٌ إلا قولَه
تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُكُمْ عَلَكُمْ﴾ الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها
قرآنٌ كثيرٌ وسُنَنٌ جِمّة. فنزل تحريمُ الخمر بالمدينة في ((المائدة)). وأجمعوا على أنَّ نهيَه
عليه الصلاة والسلام عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. قال
إسماعيل بنُ إسحاق: وهذا كلَّه يدلُّ على أنه أمرٌ كان بالمدينة بعدَ نزولٍ قوله: ﴿قُل
لََّ أَِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَزَّمًا﴾؛ لأنَّ ذلك مَكيٍّ.
قلت: وهذا هو مَثارُ الخلافِ بين العلماء. فعدَل جماعةٌ عن ظاهر الأحاديث
الواردةِ بالنهي عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع؛ لأنها متأخرةٌ عنها، والحَصْرُ فيها
ظاهرٌ، فالأخذُ بها أولى؛ لأنها إما ناسخةٌ لما تقدَّمها، أو راجحةٌ على تلك
الأحاديث.
(١) الرسالة للشافعي ص ٢٠٧، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٣٨/٢، ٣٥٠.
(٢) البرهان في علوم القرآن ٢٠٣/٢ .
(٣) الاستذكار ٣١٨/١٥.
(٤) في (م): مدنية فهي مكية.
(٥) أحكام القرآن ٢/ ٧٥٥ .
(٦) في التمهيد ١٤٦/١ .

٨٣
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
وأما القائلون بالتحريم فظهَر لهم، وثبت عندهم أنَّ سورةَ الأنعام مكيةٌ؛ نزلت
قبلَ الهجرة، وأنَّ هذه الآيةَ قُصِد بها الردُّ على الجاهلية في تحريم البَحِيرة والسَّائبة
والوَصِيلة والحامي [ولم يكن في ذلك الوقت محرَّمٌ في الشريعة إلا ما ذكره في
الآية]، ثم بعد ذلك حرَّم أموراً كثيرة كالحُمر الإنسية [والبغال وغيرِها، كما رواه
الترمذيُّ عن جابر قال: حرم رسول اللـه # لحومَ الحمر الأهليّة] ولحوم البغال
وغيرها، وكلّ ذي نابٍ من السباع، وكلّ ذي مِخْلَب من الطير (١).
قال أبو عمر: ويَلزمُ على قول مَن قال: لا محرَّمَ إلا ما فيها: ألا يُحرّمَ ما لم
يُذكر اسمُ الله عليه عمداً، وتُستحلَّ الخَمْرُ المحرمة عندَ جماعة المسلمين. وفي
إجماع المسلمين على تحريم خمرِ العنبِ دليلٌ واضح على أنَّ رسولَ الله {# قد وَجد
فيما أُوحي إليه محرَّماً غيرَ ما في سورة الأنعام مما قد نزل بعدَها من القرآن(٢).
وقد اختلفت الروايةُ عن مالكِ في لحوم السباع والحميرِ والبغال، فقال مرةً: هي
محرَّمةٌ؛ لِما ورد من نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك(٣)، وهو الصحيحُ من قوله
على ما في الموطأ(٤). وقال مَرّة: هي مكروهةٌ، وهو ظاهرُ المدوَّنة(٥)؛ لظاهر الآية؛
ولما رُوي عن ابن عباس وابنٍ عمر وعائشةً من إباحة أكلِها(٦)، وهو قولُ الأوزاعيّ.
روى البخاريُّ من رواية عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أنَّ
رسولَ الله﴾ نهى عن لحوم الحُمُرِ الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بنُ
عمرو الغفاريُّ عندنا بالبصرة؛ ولكنْ أَبَى ذلك البحرُ ابنُ عباسٍ، وقرأ: ﴿قُل لَّ أَهِدُ
(١) المفهم ٢١٥/٥ - ٢١٦، وما بين حاصرتين منه، والحديث في سنن الترمذي (١٤٧٨)، قال الترمذي:
حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد (١٧١٩٣) من حديث المقدام بن معدي كرب بنحوه مختصراً.
(٢) التمهيد ١٤٢/١ - ١٤٣ بنحوه.
(٣) ينظر ما سلف ٤٤٦/٤.
(٤) ٢ / ٤٩٦ - ٤٩٧ .
(٥) ٦٣/٢، وينظر المفهم ٢١٥/٥.
(٦) التمهيد ١٤٥/١، والاستذكار ٣٢٩/١٥.

٨٤
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
فِي مَآ أُوْجِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾(١).
ورُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع، فقال: لا بأسَ بها. فقيل له: حديثُ
أبي ثعلبةَ الخُشَنيّ (٢)؟ فقال: لا نَدَع كتابَ ربِّنا(٣) لحديث (٤) أعرابيٍّ يبولُ على ساقيه(٥).
وسئل الشَّعبيُّ عن لحم الفيل والأسدِ، فَتَلَا هذه الآيةَ(٦).
وقال القاسم: كانت عائشةُ تقول لمَّا سمِعت الناسَ يقولون: حَرُم کلُّ ذي نابٍ
من السباع: ذلك حلالٌ، وتتلو هذه الآيةَ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِي مَآَ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾. ثم
قالت: إن كانت البُرْمةُ لَيكون ماؤها أصفرَ من الدَّم، ثم يراها رسولُ اللـه ◌َ﴾ فلا
يحرّمها(٧).
والصحيحُ في هذا الباب ما بدأنا بذكره، وأنَّ ما ورد من المحرمات بعدَ الآية
مضمومٌ إليها معطوفٌ عليها.
وقد أشار القاضي أبو بكر بنُ العربيّ إلى هذا في قَبسِه(٨) خلافَ ما ذَكَر في
أحكامه(٩)؛ قال: رُوي عن ابن عباس أنَّ هذه الآيةَ من آخر ما نزل، فقال البغداديون
من أصحابنا: إنَّ كلَّ ما عداها حلالٌ، لكنه يُكره أكلُ السِّباع. وعندَ فقهاء الأمصارِ
(١) صحيح البخاري (٥٥٢٩). والحكم بن عمرو هو الصحابي الأمير، نزل البصرة، ولي خراسان، ومات
بها سنة (٥١هـ). السير ٢ /٤٧٤ .
(٢) أخرجه أحمد (١٧٧٣٩)، والبخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢) أنَّ رسول الله # نهى عن أكل كل ذي
ناب من السباع.
(٣) في (د): كتاب الله، وفي (م): كتاب الله ربنا، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ).
(٤) في (خ) و(ظ): لقول.
(٥) ضعَّف ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٤٥ هذه الرواية عن ابن عمر، ولم نقف على قوله: لا ندع.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٦٩)، وليس فيه: والأسد.
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٦٣٥ بنحوه والبُرمة: القِدْرُ من الحجر، والجمع بُرَم، مثل: غرفة وغرف. المصباح
المنير. وسلف بنحوه ٣/ ٣٠ .
(٨) ٦٢١/٢ - ٦٢٢ .
(٩) ٢/ ٧٥٥ و ٧٥٧ .

٨٥
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
منهم مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وعبدُ الملك: أنَّ أكلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع
حرامٌ، وليس يمتنع أنْ تقعَ الزيادةُ بعدَ قوله: ﴿قُل لَّ أَبِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَزَّمَا﴾ بما
يَرِدُ من الدليل فيها؛ كما قال النبيُّ﴾: ((لا يحلُّ دُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث))(١)
فذكر الكفرَ والزنى والقتلَ.
ثم قال علماؤنا: إنَّ أسبابَ القتلِ عشرةٌ بما ورد من الأدلة، إذ النبيُّ # إنما يخبر
عما وَصَلَ(٢) إليه من العلم عن الباري تعالى؛ وهو يَمحُو ما يشاء ويُثبتُ ويَنْسَخُ
ويقدِّر. وقد ثبت عن النبيّ ﴾ أنه قال: ((أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ))(٣)،
ورُوي(٤) أنه نهى عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع، و[كلِّ] ذي مِخْلَبٍ من الطير (٥).
وروى مسلمٌ عن معن، عن مالك(٦): نهى عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع(٧).
والأول أصحُ، وتحريمُ كلِّ ذي ناب من السباع هو صريحُ المذهب، وبه ترجم
مالكٌ في الموطأ (٨) حين قال: تحريمُ أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. ثم ذكر الحديثَ،
وعقَبه بعدَ ذلك بأنْ قال: وهو الأمرُ عندَنا. فأخبر أنَّ العملَ اظَردَ مع الأثر(٩).
قال القشيريُّ: فقولُ مالك: هذه الآية من أواخر ما نزل، لا يمنعُنا من أنْ نقولَ:
(١) سلف ٣/ ٤٣٠.
(٢) في (خ) و(ز) و(م): بما وصل، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق للقبس ٦٢٢/٢ ، والكلام منه.
(٣) هو بهذا اللفظ عند مالك في الموطأ ٤٩٦/٢ من حديث أبي هريرة ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٢٢٤)
ومسلم (١٩٣٣).
(٤) في (خ) وام): وقد رُوي.
(٥) أخرجه بتمامه أحمد (٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس ، وما بين حاصرتين من
المصادر والقبس والكلام منه، وينظر ما سلف ٤٤٦/٤ و٢٥١/٧ .
(٦) كذا في النسخ، ومثله في القبس ٢/ ٦٢٢ والكلام منه، وفي صحيح مسلم (١٩٣٢): (١٤)، حديث
أبي ثعلبة الخُشني من طريق ابن وهب عن مالك. باللفظ الذي سيرد.
(٧) في النسخ: من الطير، ومثله في القبس، وفي (م): كل ذي مخلب من الطير. وما أثبتناه يوافق حديث
أبي ثعلبة عند مسلم من طريق مالك.
(٨) ٢ / ٤٩٦ .
(٩) القبس ٦٢١/٢ - ٦٢٣ .

٨٦
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
ثبت تحريمُ بعضِ هذه الأشياء بعدَ هذه الآية، وقد أحلَّ اللهُ الطيباتِ، وحرَّمَ
الخبائثَ، ونهى رسولُ الله ﴿ عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع، وعن أكل كلِّ ذي
مخلبٍ من الطير، ونهى عن لحوم الحُمرِ الأهليَّةِ عامَ خيبر.
والذي يدلُّ على صحة هذا التأويلِ الإجماعُ على تحريم العَذِرة والبَوْلِ
والحشرات المستقذرة والحُمُر؛ مما ليس مذكوراً في هذه الآية(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿مُحَرَّمًا﴾ قال ابن عطية: لفظةُ التحريم إذا وردت على لسان
رسول الله﴾ فإنها صالحةُ أنَّ تنتهيَ بالشيء المذكورِ [إلى] غايةِ الحَظْرِ والمنع،
وصالحةٌ(٢) بحسب اللغةِ أنْ تَقِفَ دونَ الغايةِ في حَيِّز الكراهةِ ونحوِها؛ فما اقترنت به
قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلِين، وأَجمَعَ [عليه] الكلُّ منهم، ولم تضطربْ فيه
ألفاظُ الأحاديثِ؛ وَجَبَ بالشرع أنْ يكونَ تحريمُه قد وصَل الغايةَ من الحظرِ والمنع،
ولحِق بالخنزيرِ والميتةِ والدَّمِ، وهذه صفةُ تحريم الخمر.
وما اقترنت به قرينة اضطرابٍ ألفاظِ الأحاديث، واختلفت الأئمةُ فيه مع علمِهم
بالأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: ((أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ))(٣). وقد
رُوي نهي (٤) رسولِ الله ﴿ عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع، ثم اختلفت الصحابةُ
ومَن بعدَهم في تحريم ذلك؛ فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أنْ يَحمل لفظً التحريمِ على
المنع الذي هو الکرامةُ ونحوها.
وما اقترنت به قرينةُ التأويل كتحريمه عليه الصلاة والسلام لحومَ الحُمرِ الإنسية؛
فتأوَّل بعضُ الصحابة الحاضرين ذلك لأنها نَجَسٌ(٥)، وتأوَّلَ بعضُهم [أنَّ] ذلك لئلا
(١) التمهيد ١٤٣/١، وتفسير الرازي ١٣/ ٢٢٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٥٧/٢
(٢) بعدها في (م): أيضاً.
(٣) سلف بنحوه ٤٤٦/٤، ٢٥١/٧ .
(٤) في (خ): وقد نهى، وفي (د) و(م): وقد ورد نهي.
(٥) في (د) و(ظ) و(م): لأنه نجس، وفي المحرر الوجيز ٣٥٦/٢: لأنها لم تخمس.

٨٧
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
تفنى حَمولةُ الناس، وتأوَّلَ بعضهم التحريمَ المحضَ. وثبت في الأمة(١) الاختلافُ
في تحريم لحمِها؛ فجائزٌ لمن ينظرُ من العلماء أنْ يحملَ لفظَ التحريم بحسب(٢)
اجتهاده وقياسِه على كراهية أو نحوِها(٣).
قلت: وهذا عقدٌ حَسَنٌ في هذا الباب وفي سبب الخلافِ على ما تقدم(٤).
وقد قيل: إنَّ الحمارَ لا يُؤكل؛ لأنه أبدى جوهرَه الخبيثَ حيثُ نَزَا على ذكرٍ
وتلوَّطَ؛ فسُمِّي رِجْساً. قال محمد بنُ سيرين: ليس شيءٌ من الدَّوابِّ يَعملُ عملَ قومٍ
لوط إلا الخنزير والحمار؛ ذكره الترمذيُّ في نوادر الأصول(٥).
الثالثة: روى عمرو بنُ دينار، عن أبي الشَّعناء، عن ابن عباس قال: كان أهلُ
الجاهليَّة يأكلونَ أشياء، ويتركون أشياء [تقذُّراً]، فبعَثَ اللهُ نبيَّه عليه الصلاة
والسلام، وأنزَلَ كتابَه، وأحلَّ حلالَه، وَحرَّمَ حرامَه؛ فما أحلَّ فهو حلالٌ، وما حَرَّم
فهو حرامٌ، وما سكَتَ عنه فهو عَفْوٌ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا﴾ الآية. يعني ما لم يبيِّنْ تحريمه فهو مباحٌ بظاهر هذه الآية (٦).
وروى الزُّهرِيُّ عن عُبيد الله بنِ عبد الله، عن عبد الله بن عباس أنه قرأ: ﴿قُل لََّ
أَجِدُ فِ مَّا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾، قال: إنما حرَّم من الميتة أكلها؛ ما يؤكل منها، وهو
اللحم؛ فأما الجلدُ والعظم والصُّوف والشَّعَر فحلالٌ(٧). وروى أبو داود(٨) عن مِلْقَام
ابنِ تَلِبُّ، عن أبيه قال: صحبتُ النبيَّ ﴾، فلم أسمعْ لِحَشَرةِ الأرض تحريماً.
(١) في (خ) و(ظ): في الآية.
(٢) في (م): أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها بحسب ...
(٣) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٤) في (د) و(ز) و(ظ): مع ما تقدم.
(٥) ص١٣٢، وقول ابن سيرين أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٤٠١).
(٦) تفسير أبي الليث ١/ ٥٢١، والحديث أخرجه أبو داود (٣٨٠٠)، وما بين حاصرتين منه.
(٧) تفسير أبي الليث ٥٢١/١، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه ابن أبي حاتم (٨٠٠٤) بنحوه.
(٨) برقم (٣٧٩٨).

٨٨
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
الحشرة: صغارُ دوابِ الأرضِ، كاليَرابيع والضِّباب والقنافذ، ونحوِها (١)؛ قال
الشاعر :
أَكْنا الرُّبَى يا أمَّ عمرٍو ومَن يَكُنْ غَرِيباً لَدِيْكُم يأكُلِ الحشراتِ(٢)
أي: ما دَبَّ ودَرَجَ. والرُّبَى جمعُ رُبية، وهي: الفأر(٣).
قال الخطابيُّ: وليس في قوله: لم أسمع لها تحريماً؛ دليلٌ على أنها مباحةٌ؛
لجواز أنْ يكونَ غیرُه قد سمعه.
وقد اختلف الناسُ في الْيَرْبوعِ والوَبْرَ(٤) - والجمع: وِبَارٌ - ونحوِهما من
الحشرات؛ فرخّصَ في الْيَرْبُوع عروةُ وعطاء والشافعيُّ وأبو ثور. قال الشافعيُّ: لا
بأسَ بالوَبْر (٥). وكرهه ابنُ سيرين والحَكّم وحمَّاد وأصحاب الرأي.
وكره أصحابُ الرأي القُنْفذَ. وسئل عنه مالكٌ بن أنس فقال: لا أدري(٦). وحكى
أبو عمر (٧): وقال مالك: لا بأسَ بأكل القنفذ. وکان أبو ثَوْر لا یری به بأساً؛ وحكاه
عن الشافعيِّ. وسئل عنه ابنُ عمر فتلا: ﴿قُل لَّ أَبِدُ فِ مَّا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية؛ فقال
شيخٌ عنده: سمعتُ أبا هريرة يقول: ذُكر عند النَّبي # فقال: ((خبيئةٌ من الخبائث)).
فقال ابن عمر: إنْ كان قالَ رسولُ الله ﴾ هذا، فهو كما قال. ذكره أبو داود(٨). وقال
مالك: لا بأسَ بأكل الضبِّ واليربوع والوَرَل(٩). وجائزٌ عنده أكلُ الحيات إذا ذُكِّيَت؛
(١) معالم السنن ٢٤٧/٤ .
(٢) تهذيب اللغة ١٥/ ٢٧٥، واللسان (ربا) وفيهما: بأرض، بدل: لديكم.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): الفأرة، والمثبت من (ظ)، وينظر تهذيب اللغة ٢٧٥/١٥ .
(٤) دویة کالسنّور. والجمع: وُبُور ووِبار ووِبارة. القاموس (وبر).
(٥) في معالم السنن: وقال مالك: لا بأس بأكل الوبر وكذلك قال الشافعي.
(٦) معالم السنن ٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨، وما بين حاصرتين منه.
(٧) في (د) و(ظ) و(م): أبو عمرو، والمثبت من (خ) و(ز)، وينظر المدونة ٦٢/٢، والكافي ٤٣٦/١.
(٨) برقم (٣٧٩٩).
(٩) هي دابة كالضبّ. القاموس (ورل).

٨٩
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
وهو قولُ ابن أبي ليلى والأوزاعيِّ. وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر والعَظاية(١)
والقُنْفُذ والضِّفْدَعِ. وقال ابنُ القاسم: ولا بأسَ بأكلٍ خَشاشِ الأرض وعقاريِها
ودُودها في قول مالك؛ لأنه قال: موتُه في الماء لا يُفسِدُه. وقال مالك(٢): لا بأسَ
بأكل فراخِ النحل ودود الجبن والتمر ونحوِه (٣). والحجةُ له حديثُ مِلْقام بن تَلِب(٤)،
وقولُ ابنِ عباس وأبي الدَّرداء: ما أحلَّ الله فهو حلالٌ، وما حَرَّم الله فهو حرامٌ(٥)،
وما سکتَ عنه فهو عَفْو.
وقالت عائشةُ في الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت: ﴿قُل لَّ أَبِدُ فِ مَا أُوْحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا﴾ (٦).
ومن علماء أهلِ المدينة جماعةٌ لا يجيزون أكلَ كلِّ شيءٍ من خَشاش الأرضِ
وهَوَامِّها؛ مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه. وكلُّ ما يجوز قتلُه فلا يجوزُ عند
هؤلاء أكلُه، ولا تعمَلُ الذكاة عندَهم فيه. وهو قولُ ابنٍ شهاب وعُروة(٧) والشافعيّ
وأبي حنيفة وأصحابِه وغيرهم.
ولا يؤكلُ عند مالك وأصحابه شيءٌ من سباع الوحش كلِّها، ولا الهِرّ الأهلي ولا
الوحشي؛ لأنه سَبُع. قال: ولا يؤكلُ الضَّبع ولا الثعلبُ، ولا بأسَ بأكلِ سباعِ الطيرِ
(١) هي دويّبة كسام أبرص. وفي لغة: العظاءة. ينظر القاموس وشرحه (عظى). وجاء في المعجم الوسيط
أنها تعرف في مصر بالسحلية.
(٢) كذا في النسخ. وفي التمهيد ١٧٨/١٥، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٣/٣: وقال الليث.
(٣) المدونة ٢/ ٦٢، والكافي ٤٣٧/١، والتمهيد ١٧٧/١٥ - ١٧٨، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٣/٢،
والإشراف ٣٤١/٢ .
(٤) هو الحديث السالف أول هذه المسألة، ومِلْقام، ويقال: هِلْقام التميميُّ البصريّ قال الحافظ ابن حجر
في تقريب التهذيب: مستور.
(٥) في (د) و(م): وما حرم فهو حرام، والكلام من التمهيد ١٧٩/١٥ بنحوه.
(٦) أورده ابن المنذر في الإشراف ٣١٦/٢ .
(٧) في الكافي ٤٣٧/١، والكلام منه بنحوه: وهو قول أشهب وعروة، وينظر التمهيد ١٧٨/١٥ .

٩٠
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
كلِّها: الرَّحَم (١) والنُّسور والعِقْبان وغيرها، ما أَكَل الجِيفَ منها وما لم يأكلْ. وقال
الأوزاعيُّ: الطيرُ كلُّه حلالٌ، إلا أنهم يكرهون الرَّخَم.
وحجةُ مالك أنه لم يجد أحداً من أهل العلم يكره أكلَ سباعِ الطيرِ، وأنكر
الحديثَ عن النبيّ ﴾: أنه نهى عن أَكل كلِّ ذي المخلب(٢) من الطير.
ورُوي عن أشهبُ أنه قال: لا بأسَ بأكل الفيلِ إذا ذُكِّي؛ وهو قولُ الشَّغْبيِّ، ومَنع
منه الشافعيُّ(٣).
وكره النعمانُ وأصحابُه أكلَ الضَّبُع والثعلب. ورَخَّصَ في ذلك الشافعيُّ(٤)،
ورُوي عن سعد بن أبي وَقّاص أنه كان يأكل الضِّباعَ(٥).
وحجةُ مالكِ عمومُ النهي عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباعِ، ولم يخصَّ سَبُعاً من
سَبُع، وليس حديثُ الضَّبع الذي خَرَّجه النّسائيُّ(٦) في إباحة أكلِها مما يُعارَض به
حديث النهي؛ لأنه حديثٌ انفردَ به عبدُ الرحمن بنُ أبي عمَّار، وليس مشهوراً بنقل
العلم، ولا ممن يُخْتَجُّ به إذا خالفه مَن هو أثبتُ منه.
قال أبو عمر (٧): وقد رُويَ النهيُ عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع من طرقٍ
متواترة. ورَوى ذلك جماعةٌ من الأئمة الثقات الأثباتِ، ومُحالٌ أنْ يعارضوا بمثل
(١) جمع رَخّمة - مثل قَصَبة وقَصَب ـ هو طائر يأكل العَذِرَة. (المصباح المنير).
(٢) في (م): كل ذي مخلب، وفي (ظ): كل ذي ناب ومخلب، والمثبت من (خ) و(ز)، وهو الموافق
للتمهيد ١٧٦/١٥ - ١٧٧، والكلام منه بنحوه، وينظر الكافي ١/ ٤٣٧ ، والحديث سلف مراراً.
(٣) التمهيد ١٥٤/١، ١٥٦، والإشراف ٣٢٨/٢.
(٤) الإشراف ٢/ ٣٢٠ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٨٣).
(٦) في المجتبى ١٩١/٥ و٢٠٠/٧، وأخرجه أيضاً الترمذي (٨٥١)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، وهو عند
أحمد (١٤٤٢٥) عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فأمرني
بأكلها، قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعته من رسول الله ﴾؟ قال: نعم. وعبد الرحمن بن
أبي عمار، الملقب بالقَسّ، ثقة عابد. التقريب ص٣٤٤ .
(٧) في التمهيد ١٥٥/١، وما قبله منه بنحوه.

٩١
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
حديث ابن أبي عمار.
قال أبو عمر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكلُ القردِ لنهي رسولِ الله ◌ِ﴾
عن أكله، ولا يجوز بيعُه؛ لأنه لا منفعةً فيه. قال: وما علمتُ أحداً أرخصَ(١) في
أكله(٢) إلا ما ذكرهُ عبدُ الرزاق(٣) عن معمر، عن أيوب: سُئِل مجاهد عن أكل القِرْد،
فقال: ليس من بهيمة الأنعام.
قلت: ذكر ابنُ المنذر أنه قال(٤): روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد: يُقتل في
الحَرَم؟ فقال: يَحْكُم به ذوا عَدْل منكم(٥). قال: فعلى مذهب عطاء يجوزُ أكلُ لحمِه؛
لأنَّ الجزاءَ لا يجبُ على من قتل غيرَ الصَّيد.
وفي ((بحر المذهب)) للرُّويانيّ(٦) على مذهب الإمام الشافعيّ: وقال الشافعيُّ:
يجوز بيعُ القرد؛ لأنه يُعلَّم، ويُنتفعُ به لحفظ المتاع(٧). وحكى الكَشْفُليّ (٨) عن ابن
شريح: يجوز بيعُه؛ لأنه يُنتفع به، فقيل له: وما وجهُ الانتفاع به؟ قال: تفرح به
الصبيان.
قال أبو عمر(٩): والكلب والفيل وذو الناب كلُّه عندي مثلُ القِرد. والحجةُ في
(١) في (خ) و(م): رخص.
(٢) التمهيد ١/ ١٥٧ بنحوه، وحديث النهي عن أكل القرد أورده ابن عبد البر في التمهيد وابن قدامة في
المغني ٣٢٠/١٣ عن الشعبي مرسلاً.
(٣) في المصنف (٨٧٥٤).
(٤) في الإشراف ٣٢٨/٢ .
(٥) قوله: منكم، من (ظ)، ومصنف عبد الرزاق (٨٧٤٦).
(٦) هو أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الطبري الشافعي، برع في الفقه، وكان يقول: لو احترقت
كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، قتلته الملاحدة سنة (٥٠١هـ)، ورُويان: بلدة من أعمال طبرستان.
السير ٢٦٠/١٩.
(٧) ينظر المجموع ٢٥٩/٩، والمغني ٣٦١/٦.
(٨) هو أبو عبد الله الحسين بن محمد الطبري كان فقيهاً موصوفاً بجودة النظر، مات سنة (٤١٤هـ).
وكَشْفل (بفتح الفاء وضمِّها) من قُرى آمل طَبَرستان. الطبقات الكبرى للسبكي ٣٧٢/٤ ، واللباب في
تهذيب الأنساب ٩٩/٣.
(٩) في التمهيد ١/ ١٥٧ .

٩٢
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
قول رسولِ الله ﴿ لا في قول غيرِه. وقد زعم ناسٌ أنه لم يكن في العرب مَن يأكل
لحمَ الكلب إلا قومٌ من نَفْعَس.
وروى أبو داود(١) عن ابن عمر قال: نهى رسولُ الله ◌ِ﴾ عن أكل الجَلَّالةِ
وألبانِها. في رواية(٢): عن الجَلّالة في الإبل أنْ يُركبَ عليها أو يُشرب من ألبانها.
قال الحَلِيميُّ أبو عبد الله: فأمَّا الجَلَّالة(٣) فهي التي تأكلُ العَذِرةَ من الدوابِّ
والدَّجاجِ المُخَلَّة، ونهى النبيُّ﴾ عن لحومها. وقال العلماء: كلُّ ما ظهَر منها ريحُ
العَذِرة في لحمه أو طعمِه فهو حرامٌ، وما لم يظهر فهو حلالٌ.
وقال الخَطّابيُّ(٤): هذا نَهْيُ تَنَزُّهِ وتَتَتُّف، وذلك أنها إذا اغتذت الجِلَّةَ - وهي
العَذِرةُ - وُجِد نتنُ رائحتها في لحومها، وهذا إذا كان غالبُ علفِها منها؛ فأما إذا
رَعَت الكلأ، واعتلفت الحَبَّ، وكانت تنالُ مع ذلك شيئاً من الجِلَّة؛ فليست بجلّالة؛
وإنما هي كالدَّجاج المُخَلّة ونحوها من الحيوان الذي ربما نَالَ الشيءَ منها، وغالبُ
غذائه وعلفه من غيره؛ فلا یکره أكلُها(٥).
وقال أصحاب الرأي والشافعيُّ وأحمد: لا تؤكلُ حتى تُحبس أياماً، وتعلفَ
عَلْفاً غيرها؛ فإذا طاب لحمُها أُكلت. وقد رُوي في حديثٍ ((أنَّ البقر تُعلفُ أربعين
يوماً، ثم يؤكلُ لحمها))(٦). وكان ابن عمر يَحبسُ الدَّجاجَ ثلاثاً، ثم يَذْبح(٧).
وقال إسحاق: لا بأس بأكلها بعدَ أنْ يُغسلَ لحمُها غسلاً جيداً. وكان الحسن لا
(١) في سننه (٣٧٨٥). وأخرجه أيضاً الترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩).
(٢) لأبي داود أيضاً برقم (٣٧٨٧).
(٣) كذا في النسخ، والذي في المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٥٦/٣: وأما الحدأة.
(٤) في معالم السنن ٢٤٤/٤ - ٢٤٥ .
(٥) في معالم السنن: من غيرها فلا يكره أكله.
(٦) أخرجه البيهقي ٩/ ٣٣٣ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: ليس هذا بالقوي.
(٧) الإشراف ٢/ ٣٢٧، وأخرج عبد الرزاق (٨٧١٧) عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة ثلاثة إذا أراد أن
یأ کل بيضها.

٩٣
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
يرى بأساً بأكل لحوم (١) الجلالة؛ وكذلك مالك بن أنس.
ومن هذا الباب نُهي (٢) أنْ تُلقى في الأرض العَذِرةُ. رُوي عن بعضهم قال: كنا
نُكْري أرضَ رسولِ اللهِ﴾، ونشترطُ على من يكريها(٣) ألَّ يلقيَ فيها العَذِرة. وعن
ابن عمر(٤) أنه كان يُكري أرضَه، ويشترطُ ألا تُدْمنَ(٥) بالعذرة.
ورُوي أنَّ رَجلاً كان يزرع أرضَهُ بالعَذِرة، فقال: له عمر: أنت الذي تُطعمُ الناسَ
ما يَخرُجُ منهم (٦).
واختلفوا في أكل الخيل؛ فأباحها الشافعيُّ، وهو الصحيحُ، وكرهها مالك(٧).
وأما البَغْلُ فهو متولِّدٌ من بَيْنِ الحمار والفرس، وأحدُهما مأكولٌ أو مكروه، وهو
الفرسُ، والآخر مُحَرَّمٌ وهو الحمار(٨)؛ فغُلِّب حكمُ التحريم؛ لأنَّ التحليل والتحريمَ
إذا اجتمعا في عين واحدةٍ غُلِّب حكمُ التحريم. وسيأتي بيانُ هذه المسألة في ((النحل))
إنْ شاء الله بأوْعَبَ من هذا(٩). وسيأتي حكمُ الجَرادِ في ((الأعراف))(١٠).
والجمهور من الخَلَفَ والسَّلَف على جواز أكلِ الأرنب. وقد حُكي عن عبد الله
ابن عمرو بن العاص تحريمُه، وعن ابن أبي ليلى كراهته (١١). قال عبدُ الله بن عمرو:
(١) في (د) و(ز) و(م): لحم.
(٢) قوله: نهي، ليس في (خ) و(ظ).
(٣) كذا في النسخ، ولعله: يكتريها، وأخرجه البيهقي ١٣٩/٦ بنحوه. عن ابن عباس.
(٤) في المنهاج للحليمي ٥٦/٣ والكلام منه: عن أبي بكر، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦٩/٧ ، والبيهقي
١٣٩/٦ عن ابن عمر.
(٥) في المنهاج: تُزبل، وهما بمعنى.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٦٩/٧ .
(٧) معالم السنن ٢٤٥/٤، والإشراف ٣٣٦/٢ - ٣٣٧، والاستذكار ٣٣١/١٥.
(٨) المنتقى للباجي ١٣٣/٣.
(٩) عند تفسير الآية (٨) منها.
(١٠) عند تفسير الآية (١٣٣) منها.
(١١) المفهم ٢٣٩/٥ والإشراف ٢/ ٣٤٠، وأخرج أثر عبد الله بن عمرو عبد الرزاق (٨٦٩٦).
:

٩٤
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
جيء بها إلى رسول اللـه﴾ وأنا جالسٌ، فلم يأكلها، ولم يَنْه عن أكلها. وزعم أنها
تحیضُ. ذكره أبو داود(١).
ورَوى النسائيُّ مُرْسلاً عن موسى بن طلحة قال: أُتيَ النبيُّ # بأرنبِ قد شَوَاها
رَجلٌ وقال: يا رسولَ الله، إنِّي رأيت بها دماً؛ فتركها رسولُ الله ◌ِ﴾، فلم(٢) يأكلها،
وقال لمن عندَه: ((كُلُوا؛ فإني لو اشتهيتُها أكلتها))(٣).
قلت: وليس في هذا ما يدلُّ على تحريمه، وإنما هو نحوٌ من قوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّه لم يكن بأرضٍ قومي، فأجِدُني أَعانُه))(٤).
وقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مررنا بمَرِّ الظهران فاسْتَنْفَجْنا
أَرْنَباً، فَسَعَوْا عليه، فَلَغَبُوا(٥). قال: فسعيتُ حتى أدركتُها، فأتيتُ بها أبا طلحة،
فذبحها، فبعث بِوَرِكِها وفخذَيها(٦) إلى رسول اللـه ﴾، فأتيتُ بها رسولَ الله ﴾،
فقَبِلَهُ(٧).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿عَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، أي: آكلِ يأكلُه. ورُوي عن ابن
عامر أنه قرأ: ((أَوْحى)) بفتح الهمزة(٨).
(١) برقم (٣٧٩٢).
(٢) في (م): ولم.
(٣) المجتبى ٢٢٤/٤، والكبرى (٢٧٤٩)، ووصله أحمد (٨٤٣٤) عن أبي هريرة
(٤) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد (٣٠٦٧)، ومسلم (١٩٤٥) (٤٣) عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: أتي رسول الله # بضبين مشويين وعنده خالد بن الوليد، فأهوى النبي # يده ليأكل،
فقيل له: إنه ضب. فأمسك يده، فقال له خالد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنه لا يكون
بأرض ... )).
(٥) في (ظ): فتعبوا.
(٦) في (خ) و(د) و(ظ): فخدها، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لرواية مسلم.
(٧) صحيح مسلم (١٩٥٣). وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٧٤٧)، والبخاري (٢٥٧٢). وقوله: فاستنفجنا أرنباً،
أي: أثرناها. وقوله: فَلَغَبوا أي: تعبوا. النهاية (نفج، لغب). ومَرُّ الظّهران: موضع على مرحلة من
مكة. معجم البلدان ١٠٤/٥ .
(٨) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢، والقراءة المشهورة عنه كقراءة الجماعة.

٩٥
سورة الأنعام: الآية ١٤٥
وقرأ علي بن أبي طالب: ((يَطَّعِمه)) مثقَّل الطاء(١)، أراد: يتطعمه، فأدغم.
وقرأت عائشة ومحمد ابنُ الحنفية: ((على طاعم طَعِمَه)) بفعل ماض(٢).
﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةٌ﴾ قرئ بالياء والتاء، أي: إلا أنْ تكونَ العين أو الجثّة أو
النَّفْسُ ميتةً. وقرئ: ((تكون)) بالتاء، ((ميتةٌ)) بالرفع؛ بمعنى: تقع وتحدث مينةٌ(٣).
والمسفوحُ: الجاري الذي يسيلُ، وهو المحرَّم، وغيرُهُ مَعْفُوٌّ عنه(٤).
وحكى الماورديُّ(٥): أنَّ الدمَ غير المسفوح أنه إنْ كان ذا عروقٍ يَجمُد عليها
كالكبد والطحال فهو حلالٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أحِلّت لنا ميتتان ودمان))
الحديثَ(٦). وإن كان غيرَ ذي عروق يجمدُ عليها، وإنما هو مع اللحم؛ ففي تحريمه
قولان :
أحدُهما أنه حرامٌ؛ لأنه من جملة المسفوح وبعضِه (٧)، وإنما ذكر المسفوح
لاستثناء الكبد والطحال منه.
والثاني: أنه لا يحرم؛ لتخصيص التحريمِ بالمسفوح.
قلت: وهو الصحيح. قال عمران بنُ حُدير: سألت أبا مِجْلَز عمَّا يتلطخُ من
اللحم بالدم، وعن القِدر تعلوها الحُمْرَةُ من الدَّم، فقال: لا بأسَ به، إنما حَرَّم اللهُ
(١) كذا ذكر المصنف، والذي في إعراب القرآن للنحاس ١٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٥٦/٢، والكلام
منه بنحوه، والبحر المحيط ٢٤١/٤ أنها قراءة أبي جعفر محمد بن علي، ولم نقف على من نسبها لعلي
ابن أبي طالب ﴾.
(٢) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢.
(٣) قرأ ابن كثير وحمزة وابن عامر بالتاء، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم والكسائي بالياء، وكلهم نصب
(((ميتةً)) إلا ابن عامر، فإنه قرأها بالرفع. ينظر السبعة ص٢٧٢، والتيسير ص١٠٨.
(٤) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢ .
(٥) في النكت والعيون ٢/ ١٨١ - ١٨٢.
(٦) سلف ٢٤/٣ .
(٧) في (د) و(م): أو بعضه.

٩٦
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٥ - ١٤٦
المسفوحَ. وقالت نحوَه عائشةُ وغيرُها، وعليه إجماعُ العلماء(١). وقال عكرمة: لولا
هذه الآيةُ لاتّبع المسلمون من العروق ما تتبعَ اليهودُ(٢). وقال إبراهيم النَّخَعيُّ: لا
بأسَ بالدَّم في عرقٍ أو مخِّ. وقد تقدّم هذا وحكمُ المضطر في ((البقرة)) (٣)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ
وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا
أَخْتَلَطَ بِعَظِرٍّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
فيه ستُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَتَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ﴾ لَمَّا ذَكَرِ اللهُ
عزَّ وجلَّ ما حَرَّم على أمةٍ محمد ﴿؛ عقَّب ذلك بذِكْر ما حَرَّم على اليهود؛ لِمَا في
ذلك مِن تَكذيبهم في قولهم: إنَّ الله لم يُحرِّم علينا شيئاً، وإنما نحن حَرَّمنا على
أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيلُ على نفسه(٤). وقد تقدَّم في ((البقرة) معنى ((هادوا))(٥).
وهذا التحريمُ على الذين هادوا إنما هو تكليفُ بَلْوَى وعقوبة، فأوَّل ما ذكر من
المحرَّمات عليهم كلُّ ذي ◌ُفر (٦).
وقرأ الحسنُ: ((ُظُفْر)) بإسكان الفاء، وقرأ أبو السمَّال: ((ظِفْر)) بكسر الظاء
وإسكانِ الفاء. وأنكر أبو حاتم كسرَ الظاء وإسكانَ الفاء، ولم يذكرْ هذه القراءةَ(٧)،
(١) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢، وأخرج الأثر الطبري ٩/ ٦٣٤، وأثر عائشة سلف في المسألة الأولى من
الآية قبلها.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٦٣٣ .
(٣) ٣٠/٣ و٣٤.
(٤) المحرر الوجيز ٣٥٧/٢ .
(٥) ١٥٨/٢.
(٦) النكت والعيون ١٨٣/٢.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٠٤، وقراءة الحسن وأبي السمَّال في القراءات الشاذة ص٤١.

٩٧
سورة الأنعام: الآية ١٤٦
وهي لغة. و((ظِفِر)) بكسرهما(١).
والجمع: أَظْفار، وأُظْفُور، وأظافيرُ، قاله الجوهرِيُّ(٢).
وزاد النحاسُ عن الفراء: أظافر، وأظافرة(٣). قال ابن السِّكِّيت: يقال: رجلٌ
أَظْفِرُ بَيِّن الظّفَر: إذا كان طويلَ الأظفار، كما يقال: رجلٌ أشعرُ للطويل الشَّعَر(٤).
قال مجاهد وقتادة: ((ذي ◌ُفُر)) ما ليس بِمُنفَرج الأصابع من البهائم والطير؛ مثل:
الإبل والنَّعام والإوَزِّ والبَطّ. وقال ابنُ زيد: الإبل فقط. وقال ابن عباس: ((ذي ◌ُفُرٍ))
البعير والنَّعَامة؛ لأن النعامة ذاتُ ◌ُفر، كالإبل(٥). وقيل: يعني كلَّ ذي مِخْلَب من
الطير، وذي حافرٍ من الدوابُ. ويُسمَّى الحافر ظُفراً استعارةً (٦).
وقال الترمذِيُّ الحكيم: الحافر ◌ُفرٌ، والمِخْلَب ◌ُفر، إلا أن هذا على قَدْره،
وذاك على قَدْره، وليس هاهنا استعارة، ألا ترى أن كِلَيهما يُقَصُّ ويُؤخَذ منهما،
وكلاهما جنسٌ واحد: عَظْمٌ ليِّن رِخْوٌ؛ أصله من غذاءٍ يَنْبُت، فَيُقَصُّ مثل ◌ُظُفر
الإنسان، وإنما سُمِّي حافراً؛ لأنه يَحفِرُ الأرضَ بِوَقْعه عليها. وسُمِّي مِخْلَباً لأنه
يَخلُبُ الطير برؤوس تلك الإِبَر منها. وسُمِّي ظُفْراً؛ لأنه يأخذ الأشياءَ بِظُفْره، أي:
يظفر به الآ دميُّ والطير.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ قال قتادة:
يعني الثُّرُوب وشحم الكُلْيَتَين، وقاله السديُّ. والتُّرُوب جمع الشَّرْب، وهو الشحم
الرقيق الذي يكون على الكَرِش. قال ابن جريج: حَرَّم عليهم كلَّ شحمٍ غير مُخْتَلِطِ
(١) قرأ بها أبو السمَّال، كما في تفسير الرازي ٢٢٣/١٣ والدر المصون ٢٠١/٥ .
(٢) الصحاح (ظفر).
(٣) بعدها في النسخ الخطية: مثل: ضاربة وضوارب. ولا معنى لها هنا، وسترد عند الكلام على ((الحوايا))
في المسألة الرابعة.
(٤) الصحاح (ظفر).
(٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ٩/ ٦٣٨ - ٦٤١ .
(٦) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص١١٦، وزاد المسير ١٤١/٢ .

٩٨
سورة الأنعام: الآية ١٤٦
بعظم، أو على عَظْم(١)، وأَحَلَّ لهم شحمَ الجَنْب والأَلْية؛ لأنه على العُضْعُص(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا﴾ ((ما)) في موضع نَصْب على
الاستثناء. (ظُهُورُهُما)) رُفع بـ ((حَمَلَتْ)). ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾ في موضع رَفْع عطفٌ على
الظهور(٣)، أي: أو حملت حواياهما. والألف واللام بدلٌ من الإضافة. وعلى هذا
تكون الحوايا من جُملة ما أحلَّ.
﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ ((ما)) في موضع نصب عطفٌ على ((ما حَمَلَتْ)) أيضاً. هذا
أصحُ ما قيل فيه، وهو قول الكسائيِّ والفراء(٤) وأحمد بن يحيى. والنظر يُوجب(٥) أن
يُعطّف الشيء على ما يَليه، إلا أن لا يصحَّ معناه، أو يدلَّ دليلٌ على غير ذلك.
وقيل: إنَّ الاستثناءَ في التحليل إنما هو ما حملت الظهورُ خاصَّةً، وقوله: ﴿أَوِ
الْحَوَابَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظِمْ﴾ معطوفٌ على المحرَّم. والمعنى: حُرِّمتْ عليهم
شحومُهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهورُ؛ فإنه غير محرَّم (٦).
وقد احتجَّ الشافعيُّ بهذه الآية في أنَّ مَن حلَف: لا يأكلُ الشحمَ(٧)، حَنِثَ بأكل
شحم الظُّهور؛ لاستثناء اللهِ عزَّ وجلَّ ما على ظهورها(٨) من جُملة الشحم.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآ﴾: الحوايا: هي المَباعِرُ، عن ابن عباس
وغيره(٩). وهو جمع مَبْعَر، سُمِّي بذلك لاجتماع البَعْرِ فيه، وهو الزِّبل. وواحدٌ
(١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٩/ ٦٤١ - ٦٤٢ .
(٢) النكت والعيون ١٨٣/٢ - ١٨٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٢ .
(٤) معاني القرآن ٣٦٣/١.
(٥) في (ز) و(ظ) وإعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٢ (والكلام منه): يوجبه، وسقطت هذه العبارة من (خ).
(٦) الكلام بنحوه في البيان لأبي البركات ابن الأنباري ص٣٤٨ .
(٧) في (م): من حلف ألا يأكل الشحم.
(٨) في (م): ظهورهما. والكلام في أحكام القرآن للكيا ١٢٨/٣.
(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٦٤٤ - ٦٤٥ .

٩٩
سورة الأنعام: الآية ١٤٦
الحوايا: حاوياء، مثل: قاصِعَاء وقَواصِع. وقيل: حاويةٌ، مثل: ضاربةٍ وضَوارب.
وقيل: حَوِيَّة، مثلُ: سفينة وسفائن(١).
قال أبو عُبيدة: الحوايا ما تَحوَّى من البطن، أي: استدار(٢). وهي مُنْحَوِية، أي:
مُستديرة.
وقيل: الحوايا: خزائنُ اللَّبَن، وهو يتَّصل بالمَباعِر، وهي المصارين. وقيل:
الحَوايا: الأَمْعاء التي عليها الشُّحوم (٣).
والحوايا في غير هذا الموضع: كِساء يُحوَّى حول سَنَام البعير(٤). قال امرؤ
القیس :
جَعلْنَ حَوَايَا واقْتَعَدْنَ قعائداً وحَفَّفن(٥) من حَوْكَ العِراق المُنَمَّقِ(٦)
فأخبر اللهُ سبحانه أنه گتَبَ علیھم تحریم هذا في التوراة ردًّا لِگذِبهم. ونصُّه فيها :
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابَّة ليست مشقوقةَ الحافر، وكلُّ حوتٍ
لیس فيه سفاسق، أي: بیاض.
ثم نَسَخَ اللهُ ذلك كلّه بشريعة محمد ﴾. وأَبَاحَ لهم ما كان محرَّماً علیھم من
الحيوان، وأزال الحرَجَ بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأَلزَمَ الخَلِيقةَ دينَ الإسلام
بحِلُّه وحِرمْه، وأَمْرِهِ ونَهِْهِ(٧).
(١) المحرر الوجيز ٣٥٨/٢.
(٢) لم نقف عليه في مجاز القرآن، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ١٤٣/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٦٠/٢ .
(٤) مجمل اللغة ٢٥٥/١ .
(٥) في (م): وخفّفن.
(٦) ديوان امرئ القيس ص١٦٨ . قوله: الحوايا: جمع حَوِيَّة، وهو مركب من مراكب النساء. وقوله: من
حَوْك، يعني مما يُحاك، والمنمّق: المزيّن. شرح الديوان. والقعائد جمع القعيدة، وهو شيء يُنسج يشبه
العَيْبة، يُجلس عليه. القاموس (قعد).
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٠ .

١٠٠
سورة الأنعام: الآية ١٤٦
الخامسة: لو ذَبحوا أنعامَهم فأكلوا(١) ما أحلَّ اللهُ لهم في التوراة، وتَرَكوا ما
حَرَّم عليهم، فهل يحلُّ لنا؟ قال مالك في كتاب محمد: هي محرَّمة. وقال في سماع
((المبسوط)): هي مُحلَّةٌ. وبه قال ابن نافع. وقال ابن القاسم: أكرهه.
وجه الأول أنهم يَدِينون بتحريمها ولا يقصِدونها عند الذكاة، فكانت محرَّمةً
كالدم. ووجه الثاني - وهو الصحيح - أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رَفَعَ ذلك التحريمَ بالإسلام،
واعتقادُهم فيه لا يُؤْثِّر، لأنه اعتقادٌ فاسد. قاله ابنُ العربي(٢).
قلت: ويَدُّ على صِحَّته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: كنّا
مُحاصِرِين قَصْرَ خَيْبِرَ، فرمَى إنسانٌ بِجِرَابٍ فيه شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَه، فالتفتُّ؛ فإذا
النبيُّ ﴾، فاستحيَيْتُ منه. لفظ البخاريِّ.
ولفظ مسلم: قال عبد الله بن مُغَفَّل: أصبتُ جِراباً من شحم يومَ خَيْبرَ، قال
فالتزمته وقلت: لا أُعطِي اليومَ أحداً من هذا شيئاً. قال: فالتفتُّ فإذا رسولُ اللهِ ◌ِ﴾
مُتَبَسِّماً(٣).
قال علماؤنا: تَبسُّمه عليه الصلاة والسلام إنما كان لما رَأى مِن شدةِ حِرْصِ ابنِ
مُغَفَّل على أَخْذ الجِراب، ومِن ضِنَّتِه به، ولم يأمره بطرحه ولا نَهاه.
وعلى جوازِ الأكل مذهبُ أبي حنيفة والشافعيِّ وعامَّةِ العلماء، غيرَ أنَّ مالكاً
كرهه للخِلاف فيه. وحكى ابنُ المنذر عن مالك تحريمها؛ وإليه ذهبَ كبراءُ أصحاب
مالك. ومُتَمَسَّكُهم ما تقدم (٤)، والحديثُ حُبَّةٌ عليهم.
فلو ذَبَحوا كلَّ ذي ظُفر؛ قال أَصْبَغُ: ما كان محرَّماً في كتاب اللهِ من ذبائحهم
(١) في (خ) و(ظ): فلو ذبحوا أنعامهم وهي الخامسة فأكلوا ...
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٧٦٠ .
(٣) صحيح البخاري (٣١٥٣)، وصحيح مسلم (١٧٧٢)، وهو في مسند أحمد (٢٠٥٥٥).
(٤) في المفهم ٦٠٠/٣ (والكلام منه): ومُتمسَّك هؤلاء: أن ذكاتهم لم تعمل في الشحم كما عملت في
اللحم؛ لأن الذکاة تتبغّض عندهم.