النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٠ - ١٠١
وسئل الحسن البصريُّ عن معنى ((وخرَّقوا له)) بالتشديد فقال: إنَّما هو ((وخَرَقوا))
بالتخفيف، كلمةٌ عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خَرَقها وربّ الكعبة.
وقال أهل اللغة: معنى ((خرَقوا)): اختلقوا وافتعلوا، ((وخرَّقوا)) على التكثير(١). قال
مجاهد وقتادة وابنُ زيد وابنُ جُريج: ((خرقوا)): كذبوا(٢). ويقال: إنَّ معنى خرق
واخترق واختلق سواء؛ أي: أحدث(٣).
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ أُلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَّ يَكُونُ لَهْ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَدِبَةٌ وَخَلَقَ
كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (َا﴾
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: مُبْدِعُها(٤)؛ فكيف يجوز أن يكونَ له
ولد؟! و((بَدِيعُ)) خبرُ ابتداءٍ مضمَرٍ، أي: هو بديع. وأجاز الكِسائيُّ خَفْضَه على النعت
لِله عزَّ وجلّ، ونصبَه بمعنى: بديعاً السماوات(٥) والأرض. وذا خطأ عند البصريين؛
لأنه لِمَا مضى(٦).
﴿أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَهٌ﴾ أي: من أين يكون له ولد؟! وولدُ كلِّ شيءٍ شبيهُه، ولا شبية
له (٧). ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّمُ صَدِمَةٌ﴾ أي: زوجة. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَْرْ﴾ عمومٌ معناه الخصوص،
أي: خَلَق العالم. ولا يدخل في ذلك كلامه ولا غيره من صفات ذاته، ومثلُه:
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٌ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ولم تَسَعْ إبليسَ ولا مَن مات كافراً،
ومثلُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَتْرٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمِّر السماواتِ والأرض.
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٦٦/٢ .
(٢) أخرج قولهم الطبري ٩/ ٤٥٤ - ٤٥٦ .
(٣) الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٣/١ .
(٤) في (م): مبدعهما.
(٥) في (د) و(ز): للسماوات.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢ .
(٧) المصدر السابق.

٤٨٢
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٢ - ١٠٣
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ لَاّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَكِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ ((ذلكم) في موضع رفعٍ
بالابتداء. ((اللهُ رَبُّكُمْ)) على البدل. ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ خبر الابتداء. ويجوز أن
يكون ((ربكم) الخبر، و((خالق)) خبراً ثانياً، أو على إضمار مبتدأ، أي: هو خالق.
وأجاز الكسائيُّ والفرَّاءُ فيه النصبَ(١).
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ اَلَْبِيرُ
قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ بيَّن سبحانه أنه منزَّهُ عن سِمات الحدوث،
ومنها الإدراك بمعنى الإحاطةِ والتحديد، كما تدرَكُ سائر المخلوقات، والرؤيةُ ثابتة.
فقال الزجاج (٢): أي: لا يبلغ كُنْهَ حقيقته، كما تقول: أدركت كذا وكذا؛ لأنه قد
صحَّ عن النبيِّ # الأحاديثُ في الرؤية يوم القيامة.
وقال ابن عباس: لا تدركه الأبصار في الدنيا. ويراه المؤمنون في الآخرة؛
لإخبار الله بها في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيَذٍ نَاضِرَةً إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣](٣) وقاله
السُّدِّيّ. وهو أحسن ما قيل؛ لدلالة التنزيلِ، والأخبارِ الواردة برؤية الله في الجنة.
وسيأتي بيانه في ((يونس))(٤).
وقيل: ((لا تدركه الأبصار)): لا تحيط به، وهو يحيط بها. عن ابن عباس أيضاً (٥).
وقيل: المعنى: لا تدركه أبصارُ القلوب، أي: لا تدركه العقول فتتوهَّمَه؛ إذ
﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
(١) إعراب القرآن للنحاس ٨٨/٢.
(٢) في معاني القرآن له ٢٧٨/٢ - ٢٧٩، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٢/ ٤٦٧ .
(٣) ينظر الوسيط ٢/ ٣٠٧.
(٤) عند تفسير الآية (٢٦) منها.
(٥) أخرجه الطبري ٤٥٩/٩، وذكره القاضي عياض في الشفا ٣٨٣/٢.

٤٨٣
سورة الأنعام: الآية ١٠٣
وقيل: المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا، لكنه يخلق لمن يريد كرامته
بصراً وإدراكاً يراه به كمحمد عليه الصلاة والسلام؛ إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزةٌ
عقلاً؛ إذ لو لم تكن جائزةً لكان سؤالُ موسى عليه السلام مستحيلاً، ومحالٌ أن
يجهل نبيٌّ ما يجوز على الله وما لا يجوز، بل لم يَسأل إلا جائزاً غيرَ مستحيل(١).
واختلف السلف في رؤية نبيِّنا عليه الصلاة والسلام ربَّه، ففي ((صحيح)) مسلم عن
مسروق قال: كنتُ متَّكئاً عند عائشةَ، فقالت: يا أبا عائشة! ثلاثٌ مَن تكلّم بواحدة
منهنَّ فقد أَعْظَمَ على اللـه الفِرْيَةَ. قلتُ: ما هنَّ؟ قالت: مَنْ زعم أنَّ محمداً رأى ربَّه فقد
أعظم على الله الفِرْيَةَ. قال: وكنت متَّكئاً فجلست، فقلت: يا أمَّ المؤمنين، أنْظِرِيني
ولا تَعْجَليني، ألم يَقُلِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ بِْأُمُىِّ الُِْينِ﴾ [التكوير: ٢٣]. ﴿وَلَقَدْ
رَوَاهُ نَزْلَةً أُغْرَى﴾ [النجم: ١٣]؟ فقالت: أنا أوّلُ هذه الأمةِ سأل عن ذلك رسولَ الله ◌ِ﴾،
فقال: ((إنَّما هو جبريلُ، لم أَرَهُ على صورته التي خُلق عليها غيرَ هاتين المرتين، رأيته
مُنْهَبِطاً من السماءِ، سادًّا عِظَمُ خلقِه ما بين السَّماءِ والأرض)). فقالت: أوَ لَمْ تسمعْ أنَّ
الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَدِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟
أَوَ لَمْ تسمعْ أنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَّا أَوْ مِن وَرَآعٍ
حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]؟ قالتْ:
ومَنْ زعم أنَّ رسولَ الله ﴿ كَتَمَ شيئاً من كتاب الله، فقد أعظمَ على الله الفِرْیةَ،
واللهُ تعالى يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَّيٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَّغْتَ
رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ومَن زَعم أنه يُخبر بما يكون في غدٍ، فقد أعظمَ على
الله الفِرْيةَ، واللهُ تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهَّ﴾
[النمل: ٦٥](٢).
وإلى ما ذهبت إليه عائشةُ رضي الله عنها من عدم الرؤية، وأنه إنما رأى جبريل:
(١) الشفا ١/ ٣٨٢.
(٢) صحيح مسلم (١٧٧)، وأخرجه أحمد مختصراً (٢٥٩٩٣).

٤٨٤
سورة الأنعام: الآية ١٠٣
ابنُ مسعود، ومثلُه عن أبي هريرة ﴾، وأنه إنما رأى جبريل، واختُلف عنهما. وقال
بإنكار هذا وامتناعِ رؤيته جماعةٌ من المحدِّثين والفقهاءِ والمتكلِّمين.
وعن ابن عباس: أنه رآه بعينيه؛ هذا هو المشهور عنه، وحجته قولُه تعالى: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]. وقال عبد الله بن الحارث: اجتمع ابنُ عباس
وكعب(١)، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول: إنَّ محمداً رأی ربَّه مرتين. ثم
قال ابن عباس: أتعجبون أنَّ الخَلَّة تكون لإبراهيم، والكلامَ لموسى، والرؤيةً لمحمد
صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال: فكبَّر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم
قال: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامَه بين محمد وموسى عليهما السلام، فكلّم موسى ورآه
محمد #
وحكى عبدُ الرزّاق(٢) أنَّ الحسن کان یحلف بالله لقد رأی محمدٌ ربّه. وحكاه أبو
عمر الطَّلَمَنْكيّ(٣) عن عكرمة، وحكاه بعضُ المتكلمين عن ابن مسعود، والأوّلُ عنه
أشهر. وحكى ابنُ إسحاقَ أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربَّه؟ فقال: نعم.
وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه
رآه رآه .. حتى انقطع نَفّسُه، يعني نَفَسَ أحمد.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ وجماعةٌ من أصحابه: أنَّ محمداً ﴾
رأى الله ببصره وعينَيْ رأسه. وقاله أنسٌ وابن عباس وعكرمة والربيع والحسن. وكان
الحسن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمدٌ ربّه.
وقال جماعة منهم أبو العاليةِ والقُرَِيُّ(٤) والربيعُ بن أنس: إنه إنَّما رأى ربَّه بقلبه
(١) في النسخ: وأبي بن كعب، والصواب ما أثبتناه، والخبر أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٥٢،
وبنحوه الترمذي (٣٢٧٨)، وذكره القاضي عياض في الشفا ٣٧٨/١، والكلام منه. وكعب المذكور هو
كعب الأحبار. ينظر المستدرك ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦ .
(٢) في التفسير ٣٧٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة القاضي عياض في الشفا ٣٧٩/١ .
(٣) أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري، المقرئ المحدث، نزيل قرطبة، توفي سنة (٤٢٩هـ). طبقات
القراء الكبار ٣٨٥/١ - ٣٨٦. والطلمنكي نسبة إلى طلمنكة مدينة بالأندلس. معجم البلدان ٣٩/٤.
(٤) هو محمد بن كعب. الشفا ٣٧٨/١ .
١

٤٨٥
سورة الأنعام: الآية ١٠٣
وفؤاده. وحُكي عن ابن عباس أيضاً وعكرمة.
وقال أبو عمر(١): قال أحمد بن حنبل: رآه بقلبه، وجَبُنَ عن القول برؤيته في
الدنيا بالأبصار. وعن مالك بن أنس قال: لم يُرَ في الدنيا؛ لأنه باقٍ، ولا یُرَی الباقي
بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورُزقوا أبصاراً باقية، رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي
عِياض (٢): وهذا كلام حسن مَليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث
ضعفُ القدرة، فإذا قوَّى الله تعالى مَن شاء من عباده وأَقْدَره على حمل أعباء الرؤية،
لم تمتنع في حقِّه. وسيأتي شيءٌ من هذا في حقِّ موسى عليه السلام في ((الأعراف)»
إن شاء الله(٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه.
وإنَّما خصَّ الأبصار لتجنيس الكلام. وقال الزجَّاج (٤): وفي هذا الكلام دليلٌ على أنَّ
الخلقَ لا يُدركون الأبصار، أي: لا يعرفون كيفية حقيقةِ البصر، وما الشيءُ الذي
صار به الإنسان يُبصر من عينيه دون أن يبصرَ من غيرهما من سائر أعضائه.
ثم قال: ﴿وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أي: الرفيق بعباده، يقال: لَطَف فلان بفلان
يَلْطُف، أي: رَفَق به. واللطف في العمل(٥): الرفْقُ فيه. واللُّطف من الله تعالى:
التوفيقُ والعِصمةُ. وألطفه بكذا، أي: بَرَّه به. والاسم: اللَّطَفُ بالتحريك. يقال:
جاءتنا من فلان لَطَفةٌ، أي: هَدِيَّة. والملاطفة: المبارَّة؛ عن الجوهريِّ وابنٍ فارس(٦).
قال أبو العالية: المعنى: لطيفٌ باستخراج الأشياء؛ خبيرٌ بمكانها(٧). وقال
(١) قال الملا علي القاري في شرح الشفا ١/ ٤٢٢: الظاهر أنه أراد به ابن عبد البر، خلافاً لمن قال: إنه
أبو عمر المتقدم، يعني الطلمنكي. اهـ. ولم نقف عليه من كلام ابن عبد البر.
(٢) في الشفا ١/ ٣٨٤ .
(٣) عند تفسير الآية (١٢٣) منها.
(٤) في معاني القرآن ٢٧٨/٢ .
(٥) في (خ) و(م): الفعل.
(٦) الصحاح (لطف)، والمجمل ٨٠٨/٣ .
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٤٦٩ .

٤٨٦
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٣ - ١٠٤
الجُنَيد: اللّطيف مَّن نوَّر قلبك بالهدى، ورَبَّ جسمَك بالغِذا، وجعل لك الولاية في
البَلْوَى، ويحرسُك وأنت في لظى، ويُدخلك جنة المأوى. وقيل غيرُ هذا، مما معناه
راجع إلى معنى الرفق وغيرِه. وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في ((الشُّورَى)) (١)
إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَأْ
وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ
قوله تعالى: ﴿قَدّ جَاءَكُمْ بَصَِّرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أي: آياتٌ وبراهينُ يُبْصَر بها
ويُستدَلُّ(٢)، جمع بصيرة، وهي الدلالة؛ قال الشاعر:
وبصيرتي يَعْدُو بها عَتَدٌ وَأَى(٣)
جاؤوا بصائرُهُم على أكتافهم
يعني بالبصيرة: الحجة البينة الظاهرة.
ووصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها؛ إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقَّع حضورُه
للنفس، كما يقال: جاءت العافية وقد انصرف المرض، وأقبل السُّعود وأدبر النحوس.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ.﴾ الإبصار: هو الإدراكُ بحاسة البصر، أي: فمن استدلَّ
وتعرَّف؛ فنَفْسَه نَفَع. ﴿وَمَنْ عَيِىَ﴾ لم يستدلَّ، فصار بمنزلة الأعمى؛ فعلى نَفْسِه يعود
ضرر عماه.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ﴾ أي: لم أومر بحفظكم عن (٤) أن تُهلكوا أنفسكم.
(١) عند تفسير الآية (١٩) منها.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٨/٢.
(٣) البيت للأسعر بن حمران الجُعْفي، والبيت في الأصمعيات ص١٤١، والمعاني الكبير ١٠١٣/٢،
وتهذيب اللغة ١٧٦/١٢، وشرح الحماسة المرزوقي ١٣٤/١. قوله: عند؛ بفتح التاء وكسرها: هو
الفرس الشديد التامُّ الخلق المُعَدُّ للجري. والوأى: الفرس السريع المقتدر الخَلْقِ. تهذيب اللغة
١٩٦/٢ و٦٥٢/١٥. ووقع في المصادر: راحوا، بدل: جاؤوا. ومعنى البيت كما ذكر المرزوقي:
أنهم خلَّفوا آراءهم وطرحوها، أما هو فإن رأيه نافذ مستمر. وذكر الأزهري أن البصائر: الديات، يعني
أخذوا الدیات فصارت عاراً، وحملت ثأري على فرسي لأطالب به.
(٤) في النسخ: على، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٨٨/٢، والكلام منه.

٤٨٧
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٤ - ١٠٥
وقيل: أي: لا أحفظكم من عذاب الله.
وقيل: (بِحَفِيظِ)): برقيب؛ أحصِي عليكم أعمالكم، وإنَّما أنا رسولٌ أبلِّغكم
رسالات ربي، وهو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيءٌ من أفعالكم(١). قال
الزجاج(٢): نزل هذا قبل فرض القتال، ثم أُمر أن يمنعَهم بالسيف من عبادة الأوثان.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُّبِيِّنَهُمْ لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ
١١٠٥
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ آلآَيَتِ﴾ الكاف في ((كذلك))(٣) في موضع نصب؛
أي: نصرِّف الآيات مثلَ ما تَلَوْنا عليك(٤). أي: كما صرَّفنا الآيات في الوعد والوعيد
والوعظ والتنبيه في هذه السورة نُصرِّف في غيرها.
﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ الواو للعطف على مضمَر؛ أي: نصرِّف الآيات لتقوم الحجة
وليقولوا درست.
وقيل: أي: وليقولوا درست صرَّفناها، فهي لام الصيرورة. وقال الزجاج(٥):
هذا كما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لحتفه؛ أي: آل أمره إلى ذلك. وكذا لمّا
صُرِّفت الآيات؛ آلَ أمرهم إِلى أن قالوا: درستَ وتعلمت من جَبْر ويَسَار، وكانا
غلامين نصرانيين بمكة، فقال أهل مكة: إنَّما يتعلم منهما (٦).
قال النحاس(٧): وفي المعنى قولٌ آخَرُ حسن، وهو أن يكون معنى «نُصَرِّفُ
(١) تفسير الطبري ٩/ ٤٧٠ - ٤٧١ .
(٢) في معاني القرآن ٢٧٩/٢ .
(٣) قوله: في كذلك، من (م).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٨/٢.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٢٨٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨٨/٢ . وما قبله
منه.
(٦) ذكر هذا الخبر أبو الليث ٥٠٥/١، ووقع فيه: عبرانيين، بدل: نصرانيين.
(٧) في إعراب القرآن ٨٨/٢ .

٤٨٨
سورة الأنعام: الآية ١٠٥
الآيَاتِ)): نأتي بها آيةً بعد آيةٍ ليقولوا: درستَ علينا، فيذكرون الأوّلَ بالآخِر. فهذا
حقيقة، والذي قاله أبو إسحاقَ مجاز.
وفي ((دَرَسْت)) سبعُ قراءاتٍ. قرأ أبو عمرو وابن كثير: ((دارسْتَ)) بالألف بين
الدال والراء، كفاعَلْت. وهي قراءة عليٍّ وابنِ عباس وسعيدِ بن جبير ومجاهدٍ وعكرمةً
وأهلٍ مكة. قال ابن عباس: معنى ((دَارَسْت)): تالَيْت(١).
وقرأ ابنُ عامر: ((دَرَسَتْ)) بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف، كخَرَجَتْ.
وهي قراءة الحسن(٢).
وقرأ الباقون: ((دَرَسْتَ)) كخَرِجْت(٣).
فعلى الأولى: دارسْتَ أهلَ الكتاب ودارَسوك، أي: ذاكَرْتَهم وذاكروك. قاله
سعيد بن جبير(٤). ودلَّ على هذا المعنى قولُه تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَأَمَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ
ءَآخَرُونٌ﴾ [الفرقان: ٤]، أي: أعان اليهودُ النبيَّ ﴾ على القرآن وذاكروه فيه. وهذا كلُّه
قولُ المشركين. ومثلُه قولُهم: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُمْلَ عَلَيْهِ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُم مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
[النحل: ٢٤](٥).
وقيل: المعنى: دارَسْتَنا، فيكون معناه كمعنى دَرَسْتَ. ذكره النحاس واختاره.
والأوّلُ ذكره مكيّ؛ وزعم النحاس أنه مجاز(٦)، كما قال:
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٢، وأخرجها عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير الطبري ٤٧٣/٩-٤٧٦ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٢، وأخرجها الطبري ٩/ ٤٧٧ عن ابن مسعود وابن الزبير والحسن.
(٣) السبعة ص٢٦٤، والتيسير ص ١٠٥ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٢ .
(٥) الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٤/١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢، والكشف عن وجوه القراءات ٤٤٤/١ .

٤٨٩
سورة الأنعام: الآية ١٠٥
فلِلْموتِ ما تَلِدُ الوالِدَةُ (١)
ومن قرأ: (دَرَسَتْ)) فأَحْسَنُ ما قيل في قراءته أنَّ المعنى: ولئلا يقولوا انقطعَتْ
وامَّحتْ، وليس يأتي محمدٌ ﴾ بغيرها(٢).
وقرأ قتادة: ((دُرِسَتْ)) أي: قُرِئَت(٣).
وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه قرأ: (دارَسَتْ))(٤).
وكان أبو حاتم يذهب إلى أنَّ هذه القراءةَ لا تجوز؛ قال: لأن الآياتِ لا تُدارِس.
وقال غيره: القراءة بهذا تجوزُ، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم، ولكن
معناه: دارسَتْ أمّتُك؛ أي: دارسَتْكَ أمّتُك، وإن كان لم يتقدّم لهذا ذكر، مثل قوله:
﴿حَّ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وحكى الأخفش: ((وَلِيَقُولُوا دَرُسَتْ))(٥)، وهو بمعنى ((دَرَسَتْ)) إلا أنه أَبْلَغُ.
وحكى أبو العباس أنه قرئ: ((وليقولوا دَرَسْتَ)) بإسكان اللام على الأمر. وفيه
معنى التهديد؛ أي: فليقولوا بما شاؤوا فإن الحقَّ بيِّن، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَيَضْحَكُواْ
قَلِلًا وَلْيَكُوا كِرًا﴾ [التوبة: ٨٢]. فأمَّا مَن كَسَر اللام، فإنها عنده لام كي. وهذه القراءات
كلّها يرجع اشتقاقُها إلى شيءٍ واحد، إلى التليين والتذليل(٦).
و((دَرَسْتَ)) مِن دَرَس يدرُس دراسة، وهي القراءة على الغير. وقيل: دَرَسْتُه، أي:
ذَلَّلته بكثرة القراءة، وأصله: دَرَسَ الطعامَ، أي: داسَه. والدِّيَاس: الدِّرَاس بلغة أهل
(١) سلف ٤٩/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٢، وأخرجها الطبري ٤٧٦/٩، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢٢٥/١.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٠ .
(٥) بضم الراء، وهي في معاني القرآن للأخفش ٤٩٩/٢، ونقلها المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني
القرآن ٤٦٩/٢، والكلام منه، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣١/٢، وأبو حيان في البحر
١٩٧/٤ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤٦٩/٢ - ٤٧٠ .

٤٩٠
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٥ - ١٠٦
الشام. وقيل: أصله من دَرَسْتُ الثوبَ أَدرُسه درساً، أي: أَخْلَقته(١). وقد دَرَس الثوبُ
دَرْساً، أي: أَخْلَقَ. ويرجع هذا إلى التذلُّل أيضاً. ويقال: سُمِّيَ إدريس؛ لكثرة دراسته
لكتاب الله. ودارَسْتُ الكتب وتَدَارَسْتُها وادَّارَسْتُها، أي: دَرَسْتُها. ودرستُ الكتاب
دَرْساً ودراسةٍ(٢). ودَرَسَتِ المرأة دَرْساً أي: حاضت. ويقال: إنَّ فرج المرأة يُكْنَى أبا
أدْراس(٣)، وهو من الحيض. والدَّرْسُ أيضاً: الطريق الخَفِيّ. وحكى الأصمعيُّ: بَعير
لم يُدرَس، أي: لم يُركَب، ودَرَسَتْ من دَرَسَ المنزلُ إذا عَفَا.
وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأُبَيٌّ وطلحةُ والأعمش: ((وليقولوا دَرَس)» (٤) أي:
دَرَس محمد الآيات.
﴿وَلُنِيِّنَّهُ﴾ يعني القول والتصريف، أو القرآن(٥) ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَِّعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيَّكْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْمُشْرِكِينَ
قوله تعالى: ﴿أَلَّعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكٌ﴾ يعني القرآن؛ أي: لا تشغل قلبك
وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله . ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّا هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾
(٦)
منسوخ(٦).
(١) تهذيب اللغة ٣٥٨/١٢ - ٣٦٠.
(٢) الصحاح (درس).
(٣) نقل المصنف عن ابن فارس في المجمل ٣٢٢/٢. وفي الصحاح واللسان (درس): أبو درّاس.
(٤) القراءات الشاذة ص٤٠ عن ابن مسعود، والمحتسب ٢٢٥/١ عن ابن مسعود وأُبي، وأخرجها عنهما
الطبري ٤٧٨/٩ ، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا غريب فقد روي عن أبي بن كعب خلاف
هذا. ثم ذكر ما أخرجه ابن مردويه، والحاكم في المستدرك ٢٣٨/٢، وصححه: أن النبي # أقرأه:
(درَسْتَ)).
(٥) في (ظ): والقرائن.
(٦) ذكره مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٢٨٦ عن ابن عباس أنه قال: نسختها آية السيف
﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] قال مكي: وأكثر الناس على أنها محكمة.

٤٩١
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٧ - ١٠٨
قوله تعالى: ﴿وَلَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم
31
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾ نصٌّ على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطالٌ
لمذهب القدرية كما تقدّم(١). ﴿وَمَا جَمَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظَاً﴾ أي: لا يمكنك حفظُهم من
عذاب الله . ﴿وَمَآ أَنتَ عليهم بوكيلٍ﴾ أي: قيِّم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم
حتى تلطُفَ لهم في تناول ما يجب لهم؛ فلست بحفيظٍ في ذلك ولا وكيل في هذا،
إنما أنت مُبلِّغ. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ
عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَاً لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم تَّرْجِعُهُمْ فَيُكَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾ نهي. ﴿فَيَسُبُّوا
اللَّهَ﴾ جوابُ النهي. فنهى سبحانه المؤمنين أنْ يَسُبُّوا أوثانهم؛ لأنَّه عَلِم [أنهم] إذا
سبُّوها نَفَر الكفار وازدادوا كُفرا(٢).
قال ابن عباس: قالت كفارُ قريشٍ لأبي طالب: إِمَّا أنْ تنهى محمداً وأصحابه عن
سبِّ آلهتنا والغضِّ منها، وإمَّا أنْ نَسُبَّ إلهه ونهجُوَه؛ فنزلت الآية(٣).
الثانية: قال العلماء: حُكمها باقٍ في هذه الأمة على كلِّ حال؛ فمتى كان الكافر
في مَنَعة، وخِيف أن يَسُبَّ الإسلام، أو النبيَّ عليه الصلاة والسلام، أو الله عزَّ
وجلَّ، فلا يَحِلُّ لمسلم أن يَسُبَّ صُلْبانهم ولا دیْنَهم ولا كنائسهم، ولا يتعرَّضَ إلى ما
يؤدِّي إلى ذلك؛ لأنَّه بمنزلة البعثِ على المعصية. وعبَّر عن الأصنام - وهي لا تَعْقِل -
(١) ٢٣٠/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٥/٢، وأخرجه الطبري ٩/ ٤٨٠ .

٤٩٢
سورة الأنعام: الآية ١٠٨
بـ ((الذين)) على مُعْتَقَدِ الكَفَرة فيها(١).
الثالثة: في هذه الآية أيضاً ضَرْبٌ من الموادعة، ودليلٌ على وجوب الحكم بسدٍ
الذرائع، حَسْب ما تقدَّم في ((البقرة))(٢). وفيها دليلٌ على أنَّ المُحِقَّ قد يَكُفُّ عن حقِّ
له إذا أدَّى إلى ضررٍ يكون في الدِّين(٣). ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن
الخطاب أنَّه قال: لا تبثُّوا الحُكْم بين ذوي القَرابات مخافةَ القطيعة (٤). قال ابن
العربي(٥): إن كان الحقُّ واجباً فيأخذُه بكلِّ حال، وإنْ كان جائزاً ففيه يكون هذا
القول.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿عَدْوًا﴾ أي: جهلاً واعتداءً. وروي عن أهل مكة أنَّهم
قرؤوا: ((عُدُوًّا)) بضمُّ العين والدَّال وتشديدِ الواو، وهي قراءةُ الحسن وأبي رجاء
وقَتَادة(٦)، وهي راجعةٌ إلى القراءةِ الأولى، وهما جميعاً بمعنى الظلم.
وقرأ أهلُ مكّة أيضاً: ((عَدُوًّا)) بفتح العين وضمِّ الدَّال بمعنى عدوّ. وهو واحدٌ
يؤدِّي عن جَمْع، كما قال: ﴿وَّهُمْ عَدُوٌّ ◌ِيَّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ (٧) [الشعراء: ٧٧]. وقال
تعالى: ﴿هُ الْعَدُوُ﴾ [المنافقون: ٤] وهو منصوبٌ على المصدر، أو على المفعول من
أجله(٨).
(١) المحرر الوجيز ٣٠٥/٢ .
(٢) ٢/ ٢٩٤.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٥/٢ .
(٤) أخرجه البيهقي ٦٦/٦ بلفظ: ردُّوا الخصوم إذا كان بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن،
وذكر معه أخباراً أخرى عن عمر بمعناه في غير القرابات، ثم قال: هذه الروايات عن عمر منقطعة،
والله أعلم.
(٥) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣٥ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢، والمحتسب ٢٢٦/١ وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٠ عن بعض
المكبين. والطبري ٤٨٣/٩ عن بعض البصريين.
(٨) يعني في قراءة الجمهور ((عَدْواً)) وقراءة يعقوب: ((عُدُوًّا))، أما قراءة: ((عَدُوًّا)) فهو في محل نصب على
الحال. إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٢ .

٤٩٣
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٨ - ١٠٩
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيََّّا لِكُلِّ أُمَّدٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: كما زيَّنًّا لهؤلاء
أعمالَهم، كذلك زيًَّّا لكلِّ أُمَّةٍ عملهم. قال ابن عباس: زيَّنًا لأهلِ الطاعةِ الطاعةَ،
ولأهل الكفرِ الكفرَ(١)؛ وهو كقوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وفي هذا ردٌّ على القدرية.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ لَبِن ◌َّتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ قُلْ إِنَّمَا
اُلَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَيِنِ جَتْهُمْ ءَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَاَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي: حلفوا. وجَهْدُ اليمين: أَشدُّها، وهو بالله.
فقوله: ((جَهْدَ أيمانهم)) أي: غايةَ أيمانهم التي بلغَها علمهم، وانتهت إليها قدرتُهم.
وذلك أنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الله هو الإله الأعظم، وأنَّ هذه الآلهةَ إنما يعبدونها ظنًّا
منهم أنَّها تقرّبُهم إلى الله زُلْفَى (٢)، كما أخبرَ عنهم بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اَللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا
يحلفون بالله تعالى، وكانوا يُسمُّونه جهْد الیمین إذا كانت الیمین بالله.
و((جَهْدَ)) منصوبٌ على المصدر، والعامل فيه ((أقسموا)) على مذهب سيبويه؛ لأنَّه
في معناه(٣).
والجَهْدُ؛ بفتح الجيم: المشقّة؛ يقال: فعلتُ ذلك بجَهْد. والجُهْد؛ بضمِّها:
الطاقةُ؛ يقال: هذا جُهْدي، أي: طاقتي. ومنهم مَن يجعلُهما واحداً، ويحتجُّ بقوله:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهٌمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وقُرئ: (جَهْدهم) بالفتح؛ عن ابن
-(٤)
قتيبة(
.
(١) أورده الواحدي في الوسيط ٣١٠/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٦/٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٣/٢.
(٤) في أدب الكاتب ص٣٠٨، والقراءة نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٤ للأعرج وعطاء
ومجاهد، والقراءة المتواترة: ﴿جُهْدَهُم﴾ بضم الجيم.

٤٩٤
سورة الأنعام: الآية ١٠٩
وسببُ الآية - فيما ذكر المفسرون: القُرَظِيُّ والكَلْبيُّ وغيرهما - أنَّ قريشاً قالت:
يا محمد، تُخبِرنا بأنَّ موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عَشْرَة عَيْناً، وأنَّ
عيسى كان يُحيي الموتى، وأنَّ ثمودَ كانت لهم ناقةٌ؛ فأُتِنا ببعض هذه الآيات حتى
نُصدِّقك. فقال: ((أيَّ شيءٍ تُحبُّون؟)) قالوا: اجعل لنا الصَّفَا ذهباً، فَواللهِ إنْ فعلته
الشَّبعنَّك أجمعون. فقام رسول اللـه # يدعو، فجاءه جبريلُ عليه السلام، فقال: ((إِنْ
شئتَ أصبحَ الصفا ذهباً، ولَئِن أرسلَ الله آيةً ولم يصدِّقوا عندها ليعذبنَّهم، فاتركهم
حتى يتوبَ تائبُهم)). فقال رسولُ الله #: ((بل يتوب تائبهم)) فنزلت هذه الآية(١). وبيَّن
الربُّ بأنَّ مَن سَبَقَ العلمُ الأزَليُّ بأنه لا يؤمن، فإنَّه لا يؤمن؛ وإِنْ أقسمَ ليؤمنَنّ.
الثانية: قوله تعالى: ﴿جَهْدَ أَيْمَنِمُ﴾ قيل: معناه: بأغلظ الأيمان عندهم.
وتَعرِضُ هنا مسألةٌ مِن الأحكام عُظْمَى؛ وهي قولُ الرجل: الأيمانُ تَلْزَمُه إن كان كذا
و کذا.
قال ابن العربي(٢): وقد كانت هذه اليمينُ في صدر الإسلام معروفةً بغيرِ هذه
الصورة، كانوا يقولون: عليَّ أشدُّ ما أَخَذَه أحدٌ على أحدٍ؛ فقال مالك: تَطْلُق نساؤُه.
ثم تكاثرت الصُّوَر حتى آلَتْ بين الناس إلى صورةٍ هذه أمُّها. وكان شيخنا الفِهْرِيُّ
الظُّرْطوشيُّ (٣) يقول: يَلزمه إطعام ثلاثين مسكيناً إذا حَنِث فيها؛ لأنَّ قوله: الأيمانُ،
جمعُ يمين، وهو لو قال: عليَّ يمين، وحنِث ألزمناه كفارةً. ولو قال: عليَّ يمينان
للزمَتْه (٤) كفارتان إذا حَيْث. والأيمانُ جمعُ يمين؛ فيلزمُه فيها ثلاثُ كفارات.
قلت: وذكر أحمدُ بن محمد بن مُغيثٍ في ((وثائقه)): اختلف شيوخُ القَيْرَوان فيها؛
(١) تفسير البغوي ١٢٢/٢ . وأخرجه الطبري ٤٨٥/٩ ، والواحدي في أسباب النزول ص٢١٨ عن محمد
ابن كعب القرظي؛ قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا مرسل، وله شواهد من وجوه أُخر.
(٢) في أحكام القرآن ٧٣٦/٢ .
(٣) محمد بن الوليد بن خلف أبو بكر الفهري الأندلسي.
(٤) في النسخ الخطية: ألزمناه، والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي.

٤٩٥
سورة الأنعام: الآية ١٠٩
فقال أبو محمد بنُ أبي زيد: يلزمه في زوجته ثلاثُ تطليقات، والمشيُّ إلى مكة،
وتفريقُ ثلثِ ماله، وكفارةُ يمين، وعِتقُ رقبة. قال ابن مغيث: وبه قال ابنُ أرفع
رأسَه(١) وابنُ بدر(٢) من فقهاءِ طُلَيْطلة.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسيُّ(٣) وأبو الحسن القابِسِيُّ وأبو بكر بنُ عبد الرحمن
القَرَوِيُّ: تلزمه طلقةٌ واحدةٌ إذا لم تكن له نيَّة. ومن حُجتهم في ذلك رواية ابنِ الحسن
في سماعه من ابن وهبٍ في قوله: وأشدُّ ما أَخَذه أحدٌ على أحد، أنَّ عليه في ذلك
كفارةَ يمين(٤). قال ابن مغيث: فجعل مَن سَمَّيناه على القائل: الأيمانُ تلزمُهُ: طلقةً
واحدة؛ لأنَّه لا يكونُ أسوأ حالاً من قوله: أشدُّ ما أخذه أحدٌ على أحدٍ، أَنَّ عليه
کفارةً یمین، قال: وبه نقول.
قال: واحتجَّ الأوّلون بقول ابن القاسم فيمن قال: عليَّ عهدُ الله وغليظُ ميثاقِه
وكفالتُه وأشدُّ ما أخذَه أحدٌ على أحدٍ، على أمرٍ ألَّ يفعلَه، ثمَّ فَعَله، فقال: إِنْ لم يُرِد
الطلاق ولا العتاقَ وعزلهما عن ذلك فلتکن ثلاثُ كفارات. فإن لم تكن له نِيَّة حین
حَلَف فلْيكفِّر كفارتين في قوله: عليَّ عهدُ الله وغليظُ ميثاقه. ويعتقُ رقيقُه(٥)، وتَظْلُق
نساؤه، ويمشي إلى مكّة، ويتصدَّقُ بثلث ماله في قوله: وأشدُّ ما أخَذَه أحدٌ على أحد.
قال ابن العربيّ(٦): أَمَّا طريقُ الأدلَّة: فإنَّ الألف واللام في الأيمان لا تخلو أَنْ
يُراد بها الجنسُ، أو العهد. فإنْ دخلت للعهد، فالمعهودُ قولك: بالله، فيكون ما قاله
(١) أحمد بن قاسم، أبو جعفر، كأن حافظاً مفتياً، وتفقه به ابن مغيث. ترتيب المدارك ٨١٩/٤ .
(٢) هو أحمد بن محمد بن بدر، من المشاورين الكبار في وقته، ولي قضاء مالقة، وهو ممن تفقه بهم ابن
مغيث. ترتيب المدارك ٤/ ٧٩٠ و٨١٩ .
(٣) موسى بن عيسى بن أبي حاج الفاسي المالكي، عالم القيروان، تفقه بأبي الحسن القابسي وغيره، وأخذ
علم العقليات عن القاضي أبي بكر بن الباقلاني، توفي سنة (٤٣٠هـ). السير ١٧/ ٥٤٥ .
(٤) النوادر والزيادات ١٢/٤، والبيان والتحصيل ١٨١/٣، وابن الحسن هو عبد الملك.
(٥) في النسخ: رقبة، والمثبت من النوادر والزيادات ١١/٤، والبيان والتحصيل ١٨٠/٣، والكلام
فيهما.
(٦) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣٧ .

٤٩٦
سورة الأنعام: الآية ١٠٩
الفِهْرِيُّ. وإن دخلت للجنس فالطَّلاقُ جنس، فيدخلُ فيها ولا يُستوفَى عددُه، فإنَّ
الذي يكفي أَنْ يدخل مِن(١) كلِّ جنسٍ معنًى واحدٌ؛ فإنه لو دخل في الجنس المعنى
كُلُّه للزمَه أنْ يتصدَّق بجميع ماله؛ إذْ قد تكونُ الصدقةُ بالمال يميناً. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا آَلَيَتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: قل يا محمد: الله القادرُ على
الإتيانِ بِها، وإنَّما يأتي بها إذا شاء. ﴿وَمَا يُثْعِزَّكُمْ﴾ أي: وما يُدريكم إيمانهم(٢)؛
فحذفَ المفعولَ. ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّها إذا جاءت لا يُؤْمِنون﴾ بكسر إنَّ، وهي
قراءةُ مجاهدٍ وأبي عمرو وابنٍ كثير(٣). ويشهد لهذا قراءةُ ابنٍ مسعود: ((وما يشعركم
إذا جاءت لا يؤمنون)) (٤).
وقال مجاهدٌ وابن زيد: المخاطَبُ بهذا المشركون(٥)، وتمَّ الكلام، حَگم عليهم
بأنَّهم لا يؤمنون، وقد أعلَمَنا في الآية بعد هذه أنَّهم لا يؤمنون. وهذا التأويلُ يشبه
قراءةَ مَن قرأ: ((تؤمنون)) بالتاء(٦).
وقال الفرَّاء(٧) وغيره: الخطابُ للمؤمنين؛ لأنَّ المؤمنين قالوا للنبيِّ#: يا
رسول الله، لو نزلت الآيةُ لعلَّهم يؤمنون، فقال الله تعالى: ((وَمَا يُشْعِرُكُمْ)) أي:
يُعْلِمُكم ويُذْريكم أيها المؤمنون. ((أَنَّها)) بالفتح، وهي قراءةُ أهلِ المدينة والأعمش
(١) في (خ) و(م): في.
(٢) في (خ) و(ظ): ايمانكم، والكلام في الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٥/١، والحجة للفارسي
٣٧٧/٣ .
(٣) السبعة ص ٢٦٥، والتيسير ص ١٠٦ عن أبي عمرو وابن كثير، وأبي بكر بخلاف عنه، وقرأ الباقون
بفتح الهمزة كما سيرد، وقراءة مجاهد في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٠ .
(٤) كذا ذكرها المصنف، ونقلها عنه الشوكاني في فتح القدير ٢/ ١٥٢، وذكرها الفراء في معاني القرآن
١/ ٣٥٠ بلفظ: ((وما يشعركم إذا جاءتهم انهم لا يؤمنون))، وهي في القراءات الشاذة ص ٤٠ بلفظ:
((وما يشعرهم إذا جاءتهم لا يؤمنون)) دون نسبة، وينظر المحرر الوجيز ٣٣٤/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٣٣٣/٢، وأخرجه عن مجاهد الطبري ٤٨٦/٩ - ٤٨٧.
(٦) هي قراءة ابن عامر وحمزة. السبعة ص ٢٦٥، والتيسير ص١٠٦ .
(٧) في معاني القرآن ١/ ٣٥٠.

٤٩٧
سورة الأنعام: الآية ١٠٩
وحمزة، أي: لعلَّها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الخليل: ((أنها)) بمعنى لعلَّها؛ حكاه
عنه سيبويه(١). وفي التنزيل: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَُّ يَزََّّهُ﴾ أي: أنَّه يزَّكَّى. وحُكي عن العرب:
ايتِ السوقَ أنكَ تشتري لنا شيئاً، أي: لعلك. وقال أبو النَّجْم:
أَنَّا نُغَدِّي القومَ مِن شِوَائِهِ(٢)
قلتُ لشَيْبَانَ ادْنُ من لقائِهِ
وقال عدِيُّ بن زيد:
إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحَى الغَدِ(٣)
أعاذِلَ ما يُدريكِ أنَّ منيَّتِي
أي: لعلَّ. وقال دُرَيد بن الصِّمَّة:
أَريني جواداً ماتَ هَزْلاً لَأَنَّني
أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّدًا(٤)
أي: لعلني. وهو في كلام العربِ كثيرٌ؛ ((أنَّ)) بمعنى ((لَعلَّ)). وحكى الكِسائيُّ أنه
كذلك في مصحفٍ أُبَيِّ بن كعب: ((وما أدراكم لعلها))(٥).
وقال الكسائيُّ والفَرّاءُ(٦): أنَّ ((لا)) زائدةٌ، والمعنى: وما يُشعرُكم أنَّها - أي
الآيات - إذا جاءت المشركين يؤمنون، فزيدت ((لا))؛ كما زِيدَت ((لا)) في قوله تعالى:
﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]؛ لأن المعنى: وحرامٌ
على قرية مُهْلَكةٍ رجُوعُهم. وفي قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. والمعنى:
ما منعكَ أنْ تسجد.
وضغَّف الزَّجَّاجُ والنخَّاسُ(٧) وغيرُهما زيادة ((لا)) وقالوا: هو غلطٌ وخطأ؛ لأنَّها
(١) في الكتاب ١٢٣/٣، وينظر الحجة للفارسي ٣٧٦/٣ - ٣٨٠.
(٢) تفسير الطبري ٤٨٩/٩، والحجة للفارسي ٣٧٩/٣، والمحرر الوجيز ٣٣٤/٢. وهو في الكتاب
٣١٦/٣، والخزانة ٥٠١/٨ برواية: كما نغدِّي، بدل: أنا نغدي.
(٣) الشعر والشعراء ٢٢٦/١، وتفسير الطبري ٤٨٨/٩، والحجة للفارسي ٣/ ٣٨٠، وجمهرة أشعار
العرب ٤٩٩/١ .
(٤) سلف ٣٩٨/٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٣٣/٢، وذكرها الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٥٠، والطبري ٤٨٨/٩.
(٦) في معاني القرآن ١/ ٣٥٠، وقول الكسائي في إعراب القرآن للنحاس ٩٠/٢.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٩٠/٢ .

٤٩٨
سورة الأنعام: الآيتان ١٠٩ - ١١٠
إنَّما تُزادَ فيما لا يُشْكِل.
وقيل: في الكلام حذفٌ، والمعنى: وما يشعرُكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو
يؤمنون، ثمَّ حذفَ هذا لِعِلْم السامع؛ ذكره النحاس(١) وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي
◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
هذه آيةٌ مُشْكِلة، ولا سِيَّما وفيها: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُفْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قيل: المعنى:
ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم(٢) يومَ القيامة على لهبِ النارِ وحرٌ الجمر، كما لم يؤمنوا
في الدُّنيا. ونَذَرُهم في الدنيا، أي: نمهِلُهم ولا نعاقبُهم. فبعضُ الآيةِ في الآخرةِ،
وبعضُها في الدُّنيا. ونظيرُها: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيْدٍ خَشِعَةُ﴾ [الغاشية: ٢] فهذا في الآخرة.
﴿عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] في الدنيا(٣).
وقيل: ((ونقلِّبُ)) في الدنيا، أي: نَحُول بينَهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيةٌ،
كما حُلْنا بينهم وبينَ الإيمان أوَّل مرَّةٍ(٤) لمَّا دعوتَهم وأظهرْتَ المعجزة، وفي
التنزيل: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللّهَ يَهُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْيِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. والمعنى: كان
ينبغي أَنْ يؤمنوا إذا جاءتهم الآيةُ، فرأَوْها بأبصارهم وعرفُوها بقلوبهم. فإذا لم يؤمنوا
كان ذلك بتقليب اللهِ قلوبَهم وأبصارَهم ﴿كَمَا لَ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّقَ﴾ ودخلَت الكافُ
على محذوف، أي: فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة؛ أي: أول مرةٍ أتتهم
الآياتُ التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره.
وقيل: ونقلِّبُ أفئدةَ هؤلاء كيلا يؤمنوا، كما لم تؤمنْ كفارُ الأمم السالفة لمَّا رَأَوْا
(١) في معاني القرآن ٤٧٤/٢. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٤/٢: هذا قول ضعيف لا يعضده
لفظ الآية ولا يقتضيه.
(٢) في (م): وأنظارهم.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٩٠/٢ .
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٩٠ عن مجاهد.

٤٩٩
سورة الأنعام: الآيتان ١١٠ - ١١١
ما اقترحوا من الآيات.
وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا
أوَّلَ مرةٍ، ونقلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيَّرون. وقد
مضى في ((البقرة))(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَتَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ وَكَلَّمُهُمُ اٌلْوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ
قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنََّ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ﴾ فرأوْهم عِياناً ﴿وَلَّمَهُمُ المَوْقَ﴾ بإحيائنا
إِيَّاهم. ﴿وَحَتَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ سألوه من الآيات. ﴿قِبَلاً﴾ مُقابلةً؛ عن ابن عباسٍ
وقَتادةَ وابنٍ زيد، وهي قراءةُ نافعٍ وابنٍ عامر (٢) - وقيل: معاينةً(٣) - لَمَا آمنوا.
وقال محمدُ بن يزيد: يكون ((قِبَلاً)) بمعنى: ناحيةً؛ كما تقول: لي قِبَل فلانٍ مالٌ؛
فـ ((قِبَلاً)) نصب على الظرف (٤).
وقرأ الباقون: ﴿قُلًا﴾ بضمِّ القاف والباء، ومعناه: ضُمَناء؛ فيكون جَمْعَ قَبِيل،
بمعنى: كفيل، نحو: رغيف ورُغُف، كما قال: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِلَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾
[الإسراء: ٩٢] أي: يضمّنون ذلك؛ عن الفرّاء(٥).
وقال الأخفش(٦): هو بمعنى: قَبِيل قَبيل؛ أي: جماعة جماعة؛ وقاله مجاهد(٧).
وهو نصبٌ على الحال على القولين.
وقال محمد بن يزيد: ((قُبُلاً)) أي: مقابلاً(٨)، ومنه: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ فُدَّ مِن
(١) ٣١٧/١.
(٢) وقرأ الباقون: ((قُبَلا)) بضم القاف والباء كما سيرد. السبعة ص٢٦٦، والتيسير ص١٠٦.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٤٩٥ عن ابن عباس وقتادة.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٢، والمحرر الوجيز ٣٣٥/٢.
(٥) في معاني القرآن له ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٦) في معاني القرآن له ٢/ ٥٠١ .
(٧) أخرجه الطبري ٤٩٦/٩ .
(٨) في (د) و(ز) و(م): مقابلة، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩١

٥٠٠
سورة الأنعام: الآيتان ١١١ - ١١٢
قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]. ومنه: قُبُل الرجلِ ودُبُره؛ لِمَا كان مِن بين يديه ومِن ورائه. ومنه
قُبُل الحيض.
حكى أبو زيد: لِقِيت فلاناً قِبَلاً ومقابلةً وقَبَلاً وقُبُلاً، كلُّه بمعنى المواجهة؛
فيكونُ الضمُّ كالكسر في المعنى، وتستوي القراءتان؛ قاله مَكِّيّ(١). وقرأ الحسنُ:
((قُبْلاً)) حَذَف الضمَّةَ من الباء لثقلها(٢).
وعلى قول الفَرَّاء يكونُ فيه نُطْقُ ما لا ينطق، وفي كفالة ما لا يعقلُ آيةٌ عظيمةٌ
لهم. وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماعُ الأجناسِ الذي ليس بمعهود. والحشرُ
الجمع(٣).
﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ((أَنْ)) في موضع استثناءٍ ليس من الأول(٤)،
أي: لكنْ إنْ شاء ذلك لهم. وقيل: الاستثناءُ لأهل السعادة الذين سَبَقَ لهم في علم
الله الإيمانُ. وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ ﴾. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أي: يجهلون الحقّ.
وقيل: يجهلون أنَّه لا يجوزُ اقتراحُ الآياتِ بعد أن رأوا آيةً واحدة.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اَلْإِنِسِ وَاَلْجِنَّ يُوحِى بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ﴾ يُعَزِّي نبيَّه ويُسلِّيه؛ أي: كما ابتليناك
بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكلِّ نبيِّ قَبْلك عَدُوًّا، أي: أعداء. ثمَّ نعتهم فقال:
﴿شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ (٥).
(١) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٧/١ . وقول أبي زيد في النوادر في اللغة ص٢٣٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٢. قال الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٢٨٣: وكل ما كان على هذا المثال
فتخفيفه جائز، نحو: الصحُف والصحْف، والكتُب والكتْب، والرسُل والرسْل.
(٣) ينظر الحجة للفارسي ٣٨٥/٣ - ٣٨٦.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٢ .
(٥) تفسير البغوي ١٢٤/٢ .