النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة الأنعام: الآية ٩٣
عنهما، وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية. وقيل: إنه تُؤُنِّي بإفرِيقِيّة.
والصحيحُ أنه تُوُفِّي بِعَسْقلانَ سنةً ستٍّ أو سبع وثلاثين. وقيل: سنةَ ستٍّ وثلاثين(١).
وروى حفص بنُ عمر، عن الحكّم بن أبَانَ، عن عكرمةَ: أنَّ هذه الآية نزلت في
النَّضْر بنِ الحارث؛ لأنه عارض القرآن فقال: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً،
فالخابزات خَبْزاً، فاللاقمات لَقْماً (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَكَةُ إِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ آَلَوْتٍ﴾ أي: شدائدِه وسكراتِه.
والغَمْرةُ: الشِّدَّة، وأصلُها: الشيء الذي يَغْمُر الأشياء فيُغطّيها، ومنه: غَمَره(٣)
الماء، ثم وُضعت في معنى الشدائد والمكاره، ومنه غَمْرة الحرب (٤).
قال الجوهري(٥): والغَمْرة: الشِّدة، والجمع غُمَر، مثل نَوْبة ونُوَب. قال
القُطَاميُّ يصف سفينة نوح عليه السلام:
وحَانَ لِتالِكَ الغُمَرِ انْحِسَارُ (٦)
وَغَمَراتٌ الموت: شدائدُه.
﴿وَالْمَلَكَةُ بَاسِعُوْاْ أَيْدِيهِمْ﴾ ابتداء وخبر. والأصل باسطون. قيل: بالعذاب
ومَطارقٍ الحديد؛ عن الحسن والضحاك. وقيل: لقبض أرواحهم(٧)، وفي التنزيل:
﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]،
فجمعت هذه الآية القولين. يقال: بسط إليه يده بالمكروه.
(١) كذا في النسخ، ولم يقع هذا التكرار في الاستيعاب، والكلام منه، كما سلف.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٥٩/٢ .
(٣) في (خ) و(د) و(ظ): غمرة.
(٤) في (د) و(م): غمرات الحرب، وينظر تفسير الرازي ٨٥/١٣، وتفسير البغوي ١١٦/٢.
(٥) في الصحاح (غمر).
(٦) وصدره: إلى الجودي حتى صار حجراً، والقطامي هو عُمَّيْر بن شُيَيْم، والبيت في ديوانه ص١٤٤ ،
قوله: تالك بكسر اللام، لغة في تلك. الخزانة ٩/ ١٣٠.
(٧) أورد هذين القولين الماوردي في النكت والعيون ١٤٤/٢ .

٤٦٢
سورة الأنعام: الآيتان ٩٣ - ٩٤
﴿أَغْرِجُوَاْ أَنْفُسَكُمٌّ﴾ أي: خلِّصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ.
وقيل: أَخرِ جوها كُرْهاً؛ لأنَّ نفس(١) المؤمن تَنْشَط للخروج للقاء ربه، وروحَ
الكافر تُنْتَزِع انتزاعاً شديداً، ويقال: أيتها النفسُ الخبيثةُ اخرجي ساخطةً مسخوطاً
عليك إلى عذاب الله وهَوَانه؛ كذا جاء في حديث أبي هريرة(٢) وغيرِه. وقد أتينا عليه
في كتاب ((التذكرة))(٣) والحمد لله.
وقيل: هو بمنزلة قول القائل لمن يعذِّبُه: لَأُذيقنَّك العذاب ولَأُخرجنّ نَفْسَك،
وذلك لأنهم لا يُخرجون أنفسهم بل يَقِضها مَلَك الموت وأعوانُه. وقيل: يقال هذا
للكفار وهم في النار.
والجواب محذوف لعظم الأمر، أي: ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت
عذاباً عظيماً. والهُون والهَوان سواء. و﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: تتعّمون وتَأْنَفون عن قبول
آیاته(٤)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَزَّوٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءُ
◌ُهُورِكُمٌّ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَكَوْ لَقَد نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
وَضَلَ عَنكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٩٤
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَى﴾ هذه عبارةٌ عن الحشر. ((وَفُرَادَى)) في موضع
نصب على الحال، ولم ينصرف لأن فيه ألفَ تأنيث. وقرأ أبو حَيْوة: ((فُراداً))
بالتنوين، وهي لغةُ تميم، وهؤلاء(٥) يقولون في موضع الرفع: فُرَادٌ. وحكى أحمد بنُ
(١) في (د) و(م): روح.
(٢) أخرجه مطولاً أحمد (٨٧٦٩) و(٢٥٠٩٠)، وابن ماجه (٤٢٦٢)، والنسائي في المجتبى ٨/٤ - ٩.
(٣) ص٥٠ .
(٤) ينظر تفسير البغوي ١١٦/٢ .
(٥) في النسخ: ولا يقولون، بدل: وهؤلاء يقولون، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٢، والكلام
منه، وينظر الدر المصون ٤٥/٥ . وقراءة أبي حيوة ذكرها أيضاً مكي في مشكل إعراب القرآن ٢١٦/١
وأبو حيان في البحر ٤/ ١٨٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٨ لعيسى بن عمر.

٤٦٣
سورة الأنعام: الآية ٩٤
يحيى: ((فُرَادَ)) بلا تنوين، قال: مِثل ثُلاث ورُباع(١).
و«قُرادی) جمع فَرْدان، کسُکاری جمع سكران، وکُسالی جمع كسلان(٢).
وقيل: واحدُه فَرْد؛ بجزم الراء، وفَرِد؛ بكسرها، وفَرَد؛ بفتحها، وفرِيد(٣).
والمعنى: جئتمونا واحداً واحداً، كلٌّ واحد منكم مُنفرداً، بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا ولدٍ
ولا ناصرٍ ممن كان يصاحبُكم في الغَيِّ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله.
وقرأ الأعرج: ((فَرْدَى)) مثل: سَكْرى وكَسْلى بغير ألف(٤).
﴿ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ أي: منفردين كما خُلقتم. وقيل: عُراةً كما خرجتم من
بطون أمهاتكم حُفاةً غُرْلاً بُهْماً ليس معهم شيءٍ(٥). وقال العلماء: يُحشر العبدُ غداً
وله من الأعضاء ما كان له يومَ وُلد، فَمَن قُطع منه عضو يُردُّ في القيامة عليه. وهذا
معنى قوله: ((غُرْلاً)) أي: غيرَ مختونين، أي: يُردُّ عليهم ما قُطع منه عند الختان.
قوله تعالى: ﴿وَكَُّ مَّا خَوَّلْتَلِكُمْ﴾ أي: أعطيناكم وملَّكنَاكم. والخَوَل: ما أعطاه
الله للإنسان من العبيد والنَّعَم(٦). ﴿وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: خلفَكم. ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَكُمٌ﴾ أي: الذين عبدتُموهم وجعلتموهم شركاءَ - يريد الأصنام - أي: شركائي.
وكان المشركون يقولون: الأصنام شركاءُ الله وشفعاؤنا عنده.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٢، وأحمد بن يحيى: هو ثعلب. وقد قُرئ في الشواذ: فُرادً؛ كما في
الكشاف ٣٦/٢، والبحر ١٨٢/٤.
(٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٥٧، وتفسير البغوي ١١٦/٢ .
(٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٤٥/١، وتفسير الطبري ٤١٤/٩، وتفسير غريب القرآن لابن عُزيز
ص٣٥٩ .
(٤) تفسير البغوي ١١٦/٢، وذكرها أبو حيان في البحر ١٨٢/٤ عن أبي عمرو ونافع من رواية خارجة.
وقراءة الجمهور فُرادى، وكل ما ذكر غيرها فمن الشواذ. الدر المصون ٤٥/٥ .
(٥) یشیر المصنف إلی حدیث عبد الله بن أنيس ﴾ الذي أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) وسلف ٤١٣/٥ . قوله:
بُهماً، أي: ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا، كالعمى والعور والعرج
وغيرها. النهاية (بهم). وأخرجه أحمد (٢٤٢٦٥)، والبخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) من حديث
عائشة رضي الله عنها دون قوله: ((بهماً).
(٦) في (خ) و(ظ): والغنم.

٤٦٤
سورة الأنعام: الآية ٩٤
﴿لَقَد ◌َّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافع والكسائيُّ وحَفْص بالنصب على الظّرف(١)، على
معنى: لقد تقطّع وصلُكم بينكم. ودلَّ على حذف الوصل قولُه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَلَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ فدلَّ هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم؛ إذ تبرؤوا
منهم ولم يكونوا معهم. ومقاطعتُهم لهم هو تركُهم وصلَهم لهم، فحسُن إضمار
الوصل بعد ((تقطّع)) لدلالة الكلام عليه. وفي حرف ابن مسعود ما يدلُّ على النصب
فيه: ((لقد تقطّع ما بينكم))، وهذا لا يجوز فيه إلا النصبُ؛ لأنك ذكرت المتقطّع(٢)،
وهو ((ما))، كأنه قال: لقد تقطّع الوصل بينكم. وقيل: المعنى: لقد تقطّع الأمر بينكم.
والمعنى متقارب.
وقرأ الباقون: (بَيْنُكُمْ)) بالرفع(٣) على أنه اسمٌ غيرُ ظرف، فأُسنِد الفعل إليه فرُفع.
ويقوِّي جَعْلَ ((بين)) اسماً من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنُّ بَيْنَا
وَبَيْنِكَ رِحِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، و﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى قراءة(٤) الرفع، وإنما نُصب لكثرة
استعماله ظرفاً منصوباً، [ففُتح] وهو في موضعٍ رَفْعٍ، وهو مذهب الأخفش،
فالقراءتان على هذا بمعنى واحدٍ، فاقرأ بأيّهما شئت.
﴿وَضَلَ عَنكُمْ﴾ أي: ذهب. ﴿مَا كُتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تُكذِّبون به في الدنيا.
رُوي أن الآية نزلت في النَّضر بنِ الحارث(٥).
ورُوي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىُ كَمَا
(١) السبعة ص٢٦٣ ، والتيسير ص ١٠٥ .
(٢) في النسخ الخطية: المنقطع، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الكشف عن وجوه القراءات
٤٤١/١، والكلام منه، وقراءة ابن مسعود ه في القراءات الشاذة ص٣٩.
(٣) السبعة ص٢٦٣، والتيسير ص ١٠٥.
(٤) قوله: قراءة، من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في الكشف عن وجوه القراءات ٤٤١/١، والكلام وما
سیرد بین حاصرتین منه.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٤١٧ عن عكرمة.

٤٦٥
سورة الأنعام: الآيتان ٩٤ - ٩٥
خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّوْ﴾، فقالت: يا رسول الله، وَاسَوْءتاه! إنَّ الرجال والنساء يُحشرون
جميعاً، ينظر بعضُهم إلى سَوْءةِ بعض؟ فقال رسول اللـه﴾: ((لكلِّ امرئ منهم يومئذٍ
شأنٌ يُغْنِيه، لا ينظرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجال، شُغِلَ بعضُهم عن
بعض)). وهذا حديث ثابت صحيح(١) أخرجه مسلم(٢) بمعناه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اَلْمَةٍّ وَالنَّىَّ يُخْرِجُ الْمَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ
الْحَيَّ ◌َلِكُمُ اللهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اَلَْبٍّ وَالنَّوَّ﴾ عَدَّ من عجائب صُنْعه ما يَعجز عن أدنى
شيء منه آلهتُهم. والفَلْق: الشَّق؛ أي: يَشُقُّ النواةَ الميتةَ، فيُخرِج منها ورقاً أخضرَ،
وكذلك الحبَّة. ويُخرج من الورق الأخضر نواةً ميتةً وحبَّة، وهذا معنى: يُخرِج الحيّ
من الميِّت، ويخرج الميِّت من الحيّ (٣). عن الحسن وقتادة (٤).
وقال ابن عباس والضحاك: معنى فالق: خالق. وقال مجاهد: عنى بالفَلْق:
الشَّقَّ الذي في الحبِّ وفي النَّوَى(٥).
والنَّوَى جمعُ نواة، ويجري في كلِّ ما له عَجَمٌ؛ كالمشمش والخوخ.
﴿يُخْرِجُ أَلَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيَّ﴾ يُخرِجِ البَشر الحيَّ من النُّظفة الميتة،
والنطفةَ الميتةَ من البشر الحيّ؛ عن ابن عباس(٦). وقد تقدَّم قول قتادة والحسن. وقد
مضى ذلك في ((آل عمران))(٧).
(١) في (د) و(ز) و(م): ثابت في الصحيح.
(٢) في صحيحه (٢٨٥٩)، وهو عند أحمد (٢٤٢٦٥)، والبخاري (٦٥٢٧)، واللفظ للطبري ٩/ ٤١٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٢ .
(٤) ذكره عنهما بنحوه الماوردي في النكت والعيون ١٤٦/٢، وأخرجه الطبري ٩/ ٤٢٠ عن قتادة.
(٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ٩/ ٤٢١ - ٤٢٢ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٢، وأخرجه الطبري ٤٢٣/٩ - ٤٢٤ .
(٧) ٨٥/٥ - ٨٦ .

٤٦٦
سورة الأنعام: الآيتان ٩٥ - ٩٦
وفي ((صحيح مسلم))(١) عن عليٍّ: والذي فَلَق الحبَّ وبَرأ النَّسَمة، إنه لَعَهْدُ النبيِّ
الأميّ ﴾ إليَّ أن لا يحبَّني إلا مؤمنٌ، ولا يبغضَني إلا منافقٌ.
﴿وَلِكُمُ الَّهُ﴾ ابتداء وخبر. ﴿فَنَّ تُؤْقَكُونَ﴾: فمن أين تُصرَفون عن الحق مع
ما تَرَون من قدرة الله جلَّ وعزَّ(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ أَلَيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْغَيِزِ اَلْعَلِيمِ (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَالِقُ اْإِصْبَاحِ﴾ نعتٌ لاسم الله تعالى، أي: ذلكم اللهُ ربُّكم فالقُ
الإصباح. وقيل: المعنى: إن الله فالقُ الإصباح. والصُّبح والصَّباح: أوَّلُ النهار،
وكذلك الإصباح، أي: فالقُ الصُّبح كلَّ يوم، يريد الفجر. والإصباحُ مصدرُ أَصبح.
والمعنى: شاقُّ الضياءِ عن الظلام وكاشفُه. وقال الضحاك: فالقُ الإصباح: خالقُ
النهار(٣).
وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النخويين [إلا عند الكسائي].
وقرأ الحسن وعيسى بنُ عمر: ((فالق الأَصْبَاحِ)) بفتح الهمزة، وهو جمعُ صبح(4).
وروى الأعمش عن إبراهيم النَّخَعيِّ أنه قرأ: ((فَلَقَ الإصباحَ)) على فَعَل، والهمزة
مكسورةٌ والحاءُ منصوبة(٥). وقرأ الحسن وعيسى بنُ عمر وحمزةُ والكسائيُّ: ((وجعَلَ
اللَّيْلَ سَكَناً» بغير ألف ونَصْبٍ ((الليل))(٦)، حملاً على معنى ((فالق)) في الموضعين؛
(١) برقم (٧٨).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٦/٩ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وذكر ابن خالويه هذه القراءة في
القراءات الشاذة ص٣٩ عن الحسن وحده.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢، وهي قراءة عاصم أيضاً. السبعة ص٢٦٣، والتيسير ص١٠٥ .

٤٦٧
سورة الأنعام: الآية ٩٦
لأنه بمعنى فَلَق؛ لأنه أمْرٌ قد كان، فحُمِل [((جعل))] على المعنى. وأيضاً فإنَّ بعده
أفعالاً ماضيةً، وهو قولُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُومَ﴾ [الآية: ٩٧]. ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءُ﴾
[الآية: ٩٩]. فَحُمِل أوَّل الكلام على آخره. يقوِّي ذلك إجماعُهم على نصب الشمس
والقمر على إضمارٍ فعل، ولم يحملوه على فاعل فيَخْفِضوه. قاله مكِّيّ رحمه الله(١).
وقال النحاس: وقد قرأ يزيد بنُ قُطَيْب السَّكوني: ((وجاعِلُ الليلِ سكناً والشمسِ
والقمرِ حُسباناً) بالخفض عطفاً على اللفظ (٢).
قلت: فيريد مكِّيّ والمَهْدويُّ وغيرُهما إجماعَ القُرَّاء السبع. والله أعلم.
وقرأ يعقوبُ في رواية رُوَيْس عنه: ((وجاعِلُ الليل ساكِناً))(٣). وأهلُ المدينة:
﴿وجاعِلُ اللَّيلِ سَكَناً﴾(٤) أي: مَحلًا للسكون.
وفي ((الموّأ)) عن يحيى بن سعيد: أنه بلغه أنَّ رسول الله ﴾ كان يدعو فيقول:
((اللهمَّ فالقَ الإصباح، وجاعلَ الليلِ سَكّناً، والشمسَ والقمرَ حُسباناً، اقضٍ عني
الدَّيْن، وأغْنِي من الفقر، وأَمْتِعني بسَمْعي وبصرِي وقوَّتي في سبيلك))(٥).
فإن قيل: كيف قال: ((وأمتعني بسمعي وبصري))، وفي كتاب النَّسائيِّ والترمذيِّ
وغيرِهما: ((واجْعَلْه الوارثَ مِنِّي))(٦)، وذلك يفنَى مع البدن؟
(١) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٤١/١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢، والقراءة في القراءات الشاذة ص٣٩. قال النحاس: والخفض بعيد؛
لضعف الخافض، وأنك قد فرَّقت. ويزيد بن قطيب السَّكوني الحمصي، من رجال التهذيب ٤٢٦/٤ .
(٣) وقال أبو عمرو الداني: ولا يصح ذلك عنه. المحرر الوجيز ٣٢٦/٢، والبحر ١٨٦/٤. وانظر ما
بعده .
(٤) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. السبعة ص ٢٦٣ ، والتيسير
ص١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.
(٥) الموطأ ٢١٢/١ - ٢١٣. قال ابن عبد البر في التمهيد ٥٠/٢٤ : ومعنى هذا الحديث يتصل من وجوه.
ثم أخرجه من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما.
(٦) لم نقف عليه عند النسائي، وذكره المزي في التحفة ٢٣٥/١٢ وعزاه للترمذي فقط، وهو في سننه
(٢٤٨٠) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة عن النبي 38. قال الترمذي: هذا حديث
حسن غريب - وفي التحفة: هذا حديث غريب - قال: سمعت محمداً (يعني البخاري) يقول: حبيب بن
أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئاً.

٤٦٨
سورة الأنعام: الآية ٩٦
قيل له: في الكلام تجوُّزٌ، والمعنى: اللهم لا تُعْدِمْه قَبلي. وقد قيل: إن المراد
بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيهما: ((هما السمعُ
والبصر). وهذا تأويلٌ بعيد، إنما المراد بهما الجارِ حتان (١).
ومعنى ﴿حُسْبَانً﴾ أي: بحساب يتعلَّق به مصالحُ العباد. وقال ابن عباس في قوله
جلَّ وعزَّ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِمُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، أي: بحساب(٢).
الأخفش(٣): حُسْبانٌ جمع حساب، مثل: شِهاب وشُهبان. وقال يعقوب(٤):
حُسبان مصدرُ حَسَبْتُ الشيءَ أَخْسُبه حَسْباً(٥) وحُسْباناً وحِساباً وحِسْبة، والحسابُ
الاسم.
وقال غيره: جعل الله تعالى سَيْر الشمس والقمر بحسابٍ لا يَزِيدُ ولا يَنقص،
فدلَّهم الله عزَّ وجلَّ بذلك على قدرته ووحدانيته(٦).
وقيل: ((حُسْباناً) أي: ضياءً(٧)، والحُسبان: النار في لغة؛ وقد قال الله تعالى:
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ [الكهف: ٤٠]. قال ابن عباس: ناراً (٨). والحُسْبانة:
الوسادة الصغيرة(٩).
(١) القبس ٤١٣/٢، وقوله # في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ((هما السمع والبصر)) أخرجه الترمذي
(٣٦٧١) من حديث عبد الله بن حنطب عن النبي. قال الترمذي: هذا حديث مرسل، وعبد الله بن
حنطب لم يدرك النبي . وأخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢٥٠٧) من حديث جابر ﴾. وينظر
مجمع الزوائد ٩/ ٥٢ ، وفيض القدير ٨٩/١ - ٩٠ .
(٢) أخرجه الطبري ١٧٠/٢٢، وذكره النحاس في معاني القرآن ٤٦١/٢، ووقع في (د) و(م): ﴿وَالشّمْسَ
وَالْقَمَرَ حُسْبَانً﴾.
(٣) في معاني القرآن له ٤٩٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٨٤ .
(٤) هو ابن السكيت، وكلامه في إصلاح المنطق ص ٢٦٣ .
(٥) قوله: حسباً، من (خ) و(ظ).
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٤/٢ .
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٤٣٠ عن قتادة .
(٨) أخرجه الطبري ٢٦٦/١٥ .
(٩) تفسير الطبري ٤٣١/٩، ومجمل اللغة ٢٣٣/١، والصحاح (حسب).

٤٦٩
سورة الأنعام: الآيتان ٩٧ - ٩٨
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوَمَ لِبْتَدُواْ بِهَا فِ خُلُمَتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ
فَصَّلْنَا اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُومَ﴾ بَيَّن كمالَ قدرته. وفي النجوم منافعُ
جَمَّةٌ، ذكر في هذه الآية بعض منافعها، وهي التي نَدَب الشرعُ إلى معرفتها، وفي
التنزيل: ﴿وَحِفْظًّا مِنِ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. ﴿وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِّ﴾
[الملك: ٥]. و((جعل)) هنا بمعنى خلق. ﴿قَّ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ﴾ أي: بيَّنَّاها مفصّلةً لتكون
أبلغَ في الاعتبار . ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خصَّهم لأنهم المنتفعون بها.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىّ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْرٌَ قَدْ فَصَّلْنَا
اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِن ◌َّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يريد آدمَ عليه السلام. وقد تقدَّم
في أول السورة (١). ﴿فَسْتَقَرٌ﴾ قرأ ابن عباس وسعيدُ بنُ جُبير والحسن وأبو عمرو
وعيسى والأعرجُ وشَيْبةُ والنَّخَعِيُّ بكسر القاف(٢)، والباقون بفتحها.
وهي في موضع رفع بالابتداء، إلّا أنَّ التقدير فيمَن كَسَر القافَ: فمنها مستَقِرّ،
والفتح بمعنى: فلها مستَقَرّ.
قال عبد الله بنُ مسعود: فلها مستقَرُّ في الرَّحِم، ومستودَعٌ في الأرض التي
تموت فيها. وهذا التفسير يدلُّ على الفتح. وقال الحسن: فمستقَر في القبر (٣).
وأكثر أهلِ التفسير يقولون: المستقَرُّ ما كان في الرَّحِم، والمستودَع ما كان في
الصُّلْب(٤)؛ رواه سعيد بنُ جُبير عن ابن عباس، وقاله النَّخَعي(٥).
(١) ص٣١٨ من هذا الجزء.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٥/٢، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير. السبعة ص٢٦٣، والتيسير ص١٠٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٨٥/٢، وأخرج الأثرين الطبري ٩/ ٤٣٣، ٤٤٢.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٥/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٤٣٦/٩ - ٤٤٢ عنهما وعن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والضحاك وابن زيد.

٤٧٠
سورة الأنعام: الآيتان ٩٨ - ٩٩
وعن ابن عباس أيضاً: مستقَرٍّ في الأرض، ومستودَع في الأصلاب(١). قال سعيد
ابن جبير: قال لي ابن عباس: هل تزوَّجت؟ فقلت: لا، فقال: إن الله عزَّ وجلَّ
يَستخرج من ظهرك ما استَوْدَعه فيه(٢).
وروي عن ابن عباس أيضاً أن المستقرَّ مَن خُلق، والمستودَعَ مَن لم يُخلق؛ ذكره
الْمَاوَزْدِي(٣). وعن ابن عباس أيضاً: ومستودّع عند الله (٤).
قلت: وفي التنزيل ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَفَرٌ وَمَتَعُ إِلَى حِزٍ﴾ [البقرة: ٣٦]. والاستبداع
إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يُبعثوا للحساب؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥).
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَّهُونَ﴾ قال قتادة: ((فصَّلنا)): بيَّنَّا وقرَّرنا(٦). والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَكَ مَ فَأَخْجْنَا بِهِ نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ
فَأَخَرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنَّهُ حَبَّا مُتَرَاحِكِبًا وَمِنَ النَّغْلِ مِن ◌َلِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
وَجَّتٍ مِنْ أَعْتَبٍ وَالَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ أَنْظُرُوَاْ إِلَى نَمَرِ إِذَا أَثْمَرَ
وَيَنْجِدَّةَ إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فیه سبعُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَلِ مَاءُ﴾ أي: المطر. ﴿فَلَزَجْنَا بِهِ.
نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: كلَّ صِنفٍ من النبات. وقيل: رِزْقَ كلِّ حيوان. ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنَّهُ
خَضِرًا﴾ قال الأخفش: أي: أَخضَرَ؛ كما تقول العرب: أَرِنِيها نَمِرةً أُرِكَها مَطِرةٍ(٧).
(١) أخرجه الطبري ٩/ ٤٣٥.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٥٨١)، وسعيد بن منصور (٨٩٣ - تفسير)، والطبري ٩/ ٤٣٧ و٤٤١ .
(٣) في النكت والعيون ١٤٩/٢، وفيه: ما خلق ... ما لم يخلق، بدل: من خلق ... من لم يخلق.
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٣٥ .
(٥) ١/ ٤٧٧ .
(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٤٤٤ .
(٧) معاني القرآن للأخفش ٤٩٨/٢، وهذا المثل في جمهرة الأمثال ٥٤/١، ومجمع الأمثال ٢٩٤/١، =

٤٧١
سورة الأنعام: الآية ٩٩
والخَضِر: رَظْبُ البقول. وقال ابن عباس: يريد القمحَ والشعير والسُّلْتَ والذُّرةَ
والأَرُزَّ وسائرَ الحبوب(١). ﴿الُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي: يَرْكَب بعضُه على بعض
کالسُّنبلة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن ◌َلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ ابتداء وخبر. وأجاز
الفرّاء (٢) في غير القرآن: قِنْواناً دانيةً، على العطف على ما قَبْلَه. قال سيبويه: ومن
العرب من يقول: قُنوان. قال الفرّاء: هذه لغةُ قيس، وأهل الحجاز يقولون: قِنْوان،
وتميمٌ يقولون: قُنْيان. ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قِنْوٌ وقُنْوٌ.
والطّلْع: الكُفُرَّى قبل أن ينشقَّ عن الإغريض(٣). والإغريضُ يُسمَّى طَلْعاً أيضاً.
والطّلْع: ما يُرى من عِذْق النخلة. والقِنوان: جمعُ قِنو، وتثنيتُهُ قِنْوان، كصِنو وصِنوانٍ
بكسر النون. وجاء الجمع على لفظ الاثنين (٤).
قال الجوهري(٥) وغيرُه: الاثنان صِنوانٍ، والجمعُ صِنوانٌ برفع النون. والقِنْو:
العِذْق، والجمع: القِنوان والأَقْنَاء؛ قال:
طويلةُ الأَقْنَاءِ والأَثاكِلِ(٦)
غيره: ((أقناء)) جمع القلة(٧).
= والمستقصى ١٤٤/١، ونسبه صاحب اللسان (نمر) لأبي ذؤيب. والهاء في أرنيها عائدة إلى السحابة،
ونمرة: أي فيها سواد وبياض، ويضرب هذا المثل لأمر يتيقن وقوعه إذا لاحت مخايله وتباشيره.
(١) ذكره الرازي ١٠٨/١٣. السُّلْت: الشعير، أو ضّرْبٌ منه، أو الحامضُ منه. القاموس (سلت).
(٢) في معاني القرآن ١/ ٣٤٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨٧/٢ .
(٣) الإغريض: ما ينشق عنه الطلع، ويقال: كل أبيض طري. والكُفُرَّى: وعاء طلع النخل. اللسان. (غرض)
و(كفر).
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٧٥، وتفسير الطبري ٩/ ٤٤٥.
(٥) في الصحاح (قنا) و(صنا).
(٦) وقبله: قد أَبْصَرتْ سُعْدى بها كَتَائلي، وهو في إصلاح المنطق ص٣٩٤، والصحاح (قنا). الأثاكل
جمع الإثكال والأنكول - لغة في العثكال والعُشكول - وهو العذق الذي تكون فيه الشماريخ. والكتائل:
جمع كتيلة، وهي النخلة الطويلة. اللسان (ثكل) و(كتل).
(٧) تفسير الطبري ٩/ ٤٤٥ .

٤٧٢
سورة الأنعام: الآية ٩٩
قال المهدوِيُّ: قرأ ابن هُرْمز: ((قَنوان)) بفتح القاف(١)، ورُوي عنه ضمُّها(٢).
فعلى الفتح: هو اسمٌ للجمع غیرُ مُگَسَّر، بمنزلة ((رَكْب)» عند سيبويه، وبمنزلة
الباقِرِ والجَامِل؛ لأنَّ فَعلان ليس من أمثلة الجمع(٣).
وضمُّ القاف على أنه جمعُ قُنو(٤)، وهو العِذق؛ بكسر العين، وهي الكِباسة،
وهي عُنقود النخلة. والعَذْق - بفتح العين - النَّخلةُ نفسُها(٥). وقيل: القِنوان الجُمَّار(٦).
﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبة، ينالُها القائم والقاعد؛ عن ابن عباس والبَرَاءِ بنِ عازب
وغيرِهما (٧). قال الزَّجَّاج(٨): منها دانِيةٌ ومنها بعيدة، فحذف، ومثلُه: ﴿مَرَبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وخَصَّ الدانيةَ بالذكر؛ لأنَّ مِن الغرض في الآية ذكرَ
القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنانُ فیما يقربُ متناوَلُه أکثر.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَجَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ﴾ أي: وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بنُ
عبد الرحمن بنِ أبي ليلى والأعمشُ، وهو الصحيح من قراءة عاصم: ((وجناتٌ))
بالرفع(4). وأنكر هذه القراءةَ أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: هي مُحالٌ؛
(١) القراءات الشاذة ص٣٩، والمحتسب ٢٢٣/١.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٨/٢، والبحر ١٨٩/٤، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة لأبي عمرو من
رواية عبد الوهّاب، وللأعمش، ولعلي من رواية السلمي عنه.
(٣) المحتسب ٢٢٣/١ . والجامل: قطيع من الإبل معها رعيانها وأربابها، كالبقر والباقر. اللسان (جمل).
(٤) بضم القاف، والكسر أشهر عند العرب. المحرر الوجيز ٣٢٨/٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٢ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤٦٤/٢، والجمَّار: قلب النخلة وشحمها الذي في قمة رأسها، واحدها مُجُمَّارة.
معجم متن اللغة (جمر).
(٧) أخرج قولهما الطبري ٩/ ٤٤٦ - ٤٤٧ .
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٢٧٥ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٨٦/٢ وما بعده منه. وقوله: هو الصحيح من قراءة عاصم، فيه نظر، فهي
رواية عن شعبة كما ذكر ابن زنجلة في حجة القراءات ص٢٦٤، وأبو حيان في البحر ٤/ ١٩٠،
والراوية المشهورة عنه وعن حفص (وهما راويا عاصم) هي رواية الجمهور.
:

٤٧٣
سورة الأنعام: الآية ٩٩
لأنَّ الجناتِ لا تكون من النخل.
قال النحاس(١): والقراءة جائزةٌ، وليس التأويل على هذا، ولكنه رُفِع بالابتداء
والخبرُ محذوف، أي: ولهم جنات. كما قرأ جماعة من القُرَّاء: ﴿وَحُورُ عِيرٌ﴾(٢).
وأجاز مثلَ هذا سيبويه(٣) والكِسائيُّ والفرّاء(٤)، ومثلُه كثير. وعلى هذا أيضاً: ((وحُوراً
عِیناً، حكاه سيبويه(٥)، وأنشد:
جِثْني بمثلٍ بِنِي بَذْرٍ لقومهمُ أو مِثلَ أُسْرَةِ مَنْظُورٍ بِنِ سَيَّارِ (٦)
وقيل: التقدير: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، كقولك: أكرمتُ عبدَ الله وأخوه،
أي: وأخوه أكرمتُ أيضاً(٧). فأمَّا الزيتونُ والرمَّان؛ فليس فيه إلا النصبُ للإجماع
علی ذلك(٨).
وقيل: ((وجناتٌ)) بالرفع، عطف على ((قِنوان)) لفظاً، وإن لم تكن في المعنى من
جنسها(٩).
(١) في إعراب القرآن ٨٦/٢، وما قبله منه.
(٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم، وقرأ حمزة والكسائي: ((وحورٍ عينٍ))
بخفضهما. السبعة ص٦٢٢ ، والتيسير ص٢٠٧ .
(٣) في الكتاب ١/ ١٧٢ .
(٤) في معاني القرآن ٣٤٦/١ و١٢٣/٣.
(٥) في الكتاب ١/ ٩٥ عن أبيٍّ بن كعب ، وذكرها عن أبيّ أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥١،
وزاد نسبتها ابن جني في المحتسب ٣٠٩/٢ لابن مسعود، وقال: أي: ويؤتَوْن أو يزوَّجون حوراً عيناً.
(٦) الكتاب ٩٤/١ و١٧٠، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٣٧/٢. والشاهد فيه: أنه نصب ((مثل))
الثانية حملاً على موضع الباء وما عملت فيه؛ لأن معنى قوله ((جئني بمثل): هاتني مثلَهم، فكأنه قال:
هات مثلَ بني بدر أو مثلَ أسرة منظور. شرح الشواهد للشنتمري ص١٠٨ .
(٧) الوسيط ٢/ ٣٠٥ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٨٦/٢ .
(٩) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٤٦/١، والدر المصون ٧٧/٥. وقال السمين: هو كقوله: وزجّجن
الحواجب والعيونا، نسق العيون على الحواجب تغليباً للمجاورة، والعيون لا تزجَّج.

٤٧٤
سورة الأنعام: الآية ٩٩
﴿وَالَّيْتُونَ وَالرُّمَّنَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَتَنِهُ﴾ أي: متشابهاً في الأوراق؛ أي: ورقُ
الزيتون يُشبه ورق الرمان في اشتماله على جميع الغُضْن، وفي حجم الورق، وغيرَ
متشابهٍ في الذَّوَاق. عن قتادةً وغيرِه(١).
قال ابن جُريج: ((مُتَشَابِهاً)) في النظر ((وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ)) في الطَّعم (٢)؛ مثلَ الرمَّانتين
لونُهما واحد وطعمُهما مختلف.
وَخَصَّ الرُّمَّان والزيتون بالذِّكرِ لقُرْبهما منهم ومكانِهما عندهم. وهو كقوله: ﴿أَفَلَا
يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. ردَّهم إلى الإبل؛ لأنها أغلبُ ما يعرفونه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَنْظُرُوَاْ إِلَى ثَمَرِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أي: نظرَ الاعتبار، لا نظرَ
الإبصار المجرَّد عن التفكّر. والثَّمر في اللغة جَنَى الشجر. وقرأ حمزة والكسائيُّ:
(ثُمُرِه)؛ بضم الثاء والميم. والباقون بالفتح فيهما(٣) جمع ثَمَرة، مثل بَقَرة وبَقَر،
وشجرة وشجر.
قال مجاهد: الثُّمُر: أصنافُ المال، والثَّمَر: ثمرُ النخل(٤). وكأنَّ المعنى على
قول مجاهد: انظروا إلى الأموال التي تتحصّل منه(٥).
فالثُّمُر بضمتين جمعُ ثِمار، وهو المال المُثَمَّر. وروي عن الأعمش: ((ثُمْره)) بضم
الثاء وسكون الميم؛ حُذِفت الضمة لثقلها طلباً للخفة. ويجوز أن يكون ثُمْر جمعَ
ثَمَرة، مثل بَدَنة ويُذْن(٦).
ويجوز أن يكون ثُمُر جَمْعَ جَمْع، فتقول: ثَمَرة وثمار وثُمُر، مثل حمار وحُمُر.
(١) أخرجه الطبري مختصراً ٤٤٩/٩ .
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٥٩٤ في تفسير الآية (١٤١) من هذه السورة، واللفظ فيها: ((متشابهاً)).
(٣) السبعة ص٢٦٤، والتيسير ص ١٠٥ .
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٥٠ .
(٥) في (م): التي يتحصل منه الثمر، وفي باقي النسخ: التي يتحصل منه الثمرة، والمثبت من المحرر
الوجيز ٣٢٨/٢، والكلام منه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢، وذكرها أبو علي الفارسي في الحجة ٣٦٩/٣ عن أبي عمرو.

٤٧٥
سورة الأنعام: الآية ٩٩
ويجوز أن يكون جمعَ ثمرة، كخشبة وخُشُب لا جمعَ الجمع(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَيَنْوٌَّ﴾ قرأ محمد بن السَّمَيْفَعِ: ((ويانِعِه))(٢). وابن
مُحَيْصِن وابنُ أبي إسحاق: ((ويُنْعِه))؛ بضم الياء. قال الفرَّاء: هي لغةُ بعضٍ أهل
نجد(٣).
يقال: يَنَع الثمر يَيْنَع، والثمر يانع. وأينع يُونِع، والثمر مُونِع (٤). والمعنى:
ونُضْجِه. يَنَع وأینع: إذلنضج وأدرك. وقال الحجاج في خطبته: أری رؤوساً قد
أَيْنَعَتْ وحان قِطافُها(٥).
قال ابن الأنباريِّ: البَنْع جمع يانِع، كراكب ورَكْب، وتاجر وتَجْر، وهو المدرُِ
البالغ. وقال الفرَّاء: أيْنَع أكثرُ من يَنَع، ومعناه: احمرّ، ومنه ما رويَ في حدیث
المُلَاعَنة: ((إن وَلَدتْه أحمرَ مثلَ اليَنَعة)) وهي خرزةٌ حمراءُ، يقال: إنَّه العقيقُ أو نوعٌ
منه(٦).
فدلَّت الآية لمن تدبَّر ونظر ببصره وقلبه نَظَرَ مَن تَفكّر(٧)، أن المتغيّراتِ لا بدَّ لها
من مغيِّر؛ وذلك أنه تعالى قال: ﴿أَنْظُرُوّاْ إِلَى ثَمَرِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْجِهِ﴾. فتراه أولاً طَلْعاً،
ثم إِغْرِيضاً إذا انشقَّ عنه الطَّلْعُ - والإغريضُ يُسَمّى ضَحْكاً أيضاً - ثم بَلَحاً، ثم سَيَاباً،
(١) المحرر الوجيز ٣٢٨/٢، وينظر الدر المصون ٨٠/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٩ لابن محيصن.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢، والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٩ عن مجاهد
وابن أبي إسحاق.
(٤) تهذيب اللغة ٢٢١/٣ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٤٦٤ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٣/٢، والحديث بهذا اللفظ ذكره الخطابي في غريب الحديث ٢٢٥/١ ،
والزمخشري في الفائق ١٢٩/٤، وابن الجوزي في غريب الحديث ٥١٢/٢ ، وابن الأثير في النهاية
(ینع).
(٧) في (ظ): يتفكر.

٤٧٦
سورة الأنعام: الآية ٩٩
ثم جَدَالاً إذا اخضرَّ واستدار قبل أن يشتدَّ، ثم بُسْراً إذا عَظُم، ثم زَهْواً إذا احمرَّ؛
يقال: أزهى يُزهي، ثم مُوَكِّتاً إذا بدت فيه نقطً من الإرطاب. فإن كان ذلك من قِبَل
الذَّنَب فهي مُذَنَّبة، وهو التَّذْنُوب، فإذا لانت فهي ثَعْدة، فإذا بلغ الإرطابُ نصفَها
فهي مُجَزَّعة، فإذا بلغ ثُلُثَيها فهي حُلْقانة، فإذا عَمَّها الإرطابُ فهي مُنْسيِتة (١)، يقال:
رُطَبٌّ مُنْسَبِت، ثم بيبس فيصير تمراً.
فنبّه الله تعالى بانتقالها من حالٍ إلى حال، وتغيُّرِها ووجودِها بعد أن لم تكن،
على وحدانيته وكمالٍ قدرته، وأنَّ لها صانعاً قادراً عالماً. ودلَّ على جواز البعث؛
لإيجاد النبات بعد الجفاف. قال الجَوْهَرِيُّ(٢): يَنَع الثمر يَبْنَعِ وتَبْنِعِ يَنْعاً ويُنْعاً ويُنُوعاً،
أي : نَضِجَ.
السادسة: قال ابن العربيّ(٣): قال مالك(٤): الإيناع: الطَّيْبُ بغير فسادٍ ولا
نَقْشٍ. قال مالك: والنَّقْش أن يُنقَش أسفلُ البُسْرة حتى تُرْطِب(٥)؛ يريد: يُثقب فيه
بحيث يُسرُ دخولُ الهواء إليه، فيُرْطِب معجَّلاً. فليس ذلك اليَنْع المراد في القرآن،
ولا هو الذي ربط به رسولُ الله # البيعَ، وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة.
وفي بعض بلاد النِّين(٦)، وهي البلاد الباردة، لا يَنْضُج حتى يُدخَل في فمه عُودٌّ قد
دُهن زيتاً، فإذا طاب حلَّ بيعُه؛ لأنَّ ذلك ضرورةُ الهواء وعادةُ البلاد، ولولا ذلك ما
طاب في وقت الطيب.
(١) أدب الكاتب لابن قتيبة ص ١٠١ - ١٠٢.
(٢) في الصحاح (ينع).
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣٤ .
(٤) قوله: قال مالك، ليس في أحكام القرآن.
(٥) في (ز): أن ينقش أصل الثمر حتى يرطب، وفي باقي النسخ: أن ينقش أهل البصرة الثمر حتى يرطب.
والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٤/٢ و ١٢٤١/٣، وكذا سيذكره المصنف في تفسير الآية
(٢٥) من سورة مريم.
(٦) وفي هامش أحكام القرآن لابن العربي: اليمن. (نسخة).

٤٧٧
سورة الأنعام: الآية ٩٩
قلت: وهذا اليَنْع الذي يقف عليه جوازُ بيع التمر، وبه يطيب أكلُها ويأمَن من
العاهة، هو عند طلوع الثُّرَيّا، بما أَجْرَى الله سبحانه من العادة، وأحكمه من العلم
والقدرة؛ ذكر المُعَلَّى بنُ أسد، عن وُهَيْبٍ، عن عِسْل بن سفيان، عن عطاء، عن أبي
هريرة قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إذا طَلَعت التُّريًّا صباحاً، رُفعت العاهةُ عن أهل
البلد)». والثريا: النجم، لا خلافَ في ذلك. وطلوعُها صباحاً لاثنتي عَشْرةً ليلةً تمضي
من شهر أيار، وهو شهر مايه(١). وفي البخاريِّ: وأخبرني خارجةُ بنُ زيد بن ثابت أنَّ
زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمارَ أرضه حتى تطلع الثُّريًّا، فيتبيَّن الأصفرُ من الأحمر(٢).
السابعة: وقد استدلَّ مَن أَسْقَط الجوائحَ في الثمار بهذه الآثار، وما كان مثلها من
نَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمرة حتى يَبْدُوَ صلاحُها، وعن بيع الثمار حتى
تذهب العاهةُ؛ قال عثمان بن سُراقة(٣): فسألت ابنَ عمر: متى هذا؟ فقال: طلوع
الثريا (٤).
قال الشافعيُّ: لم يثبت عندي أنَّ رسولَ الله # أمر بوَضْع الجوائح، ولو ثبت
عندي لم أعْدُه، والأصل المجتمعَ عليه أنَّ كلَّ مَن ابتاع ما يجوز بيعُه وقبضُه؛ كانت
المصيبةُ منه، قال: ولو كنتُ قائلاً بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير. وهو
قول الثَّوْرِيِّ والكوفيين(٥).
(١) التمهيد ١٩٢/٢، والحديث أخرجه أحمد (٨٤٩٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٨٧)
و(٢٢٨٢).
(٢) صحيح البخاري تعليقاً بإثر الحديث (٢١٩٣) والقائل: أخبرني، هو أبو الزناد. الفتح ٣٩٥/٤. ورواه
مالك في الموطأ ٦١٩/٢ عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد به.
(٣) هو عثمان بن عبد الله بن سراقة القرشي العدوي، أبو عبد الله المدني، أمه زينب بنت عمر بن
الخطاب، وكان والي مكة، توفي سنة (١١٨هـ). التهذيب ٦٧/٣.
(٤) أخرجه أحمد (٥٠١٢)، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١٩٢، والكلام منه. وأخرجه البخاري (١٤٨٦)،
ومسلم (١٥٢٤): (٥٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو
صلاحه» فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته.
(٥) التمهيد ٢/ ١٩٣ - ١٩٥ .

٤٧٨
سورة الأنعام: الآية ٩٩
وذهب مالك وأكثرُ أهل المدينة إلى وَضْعِها؛ لحديث جابر: أنَّ رسولَ الله ﴾
أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم(١). وبه كان يقضي عمرُ بنُ عبد العزيز، وهو قول
أحمدَ بنِ حنبل وسائرٍ أصحاب الحديث وأهلِ الظاهر؛ وضعوها عن المبتاع في
القليل والكثير على عموم الحديث. إلا أنَّ مالكاً وأصحابَه اعتبروا أن تبلغَ الجائحةُ
ثلثَ الثمرة فصاعداً، وما كان دون الثلث ألغَوْه وجعلوه تَبَعاً (٢)؛ إذ لا تخلو ثمرة من
أن يتعذّر القليل من طِيبها، وأن يلحقها في اليسير منها فساد. وكان أصْبَغُ وأَشْهَبُ لا
ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت القيمةُ الثلثَ فصاعداً؛ وضع عنه(٣).
والجائحة ما لا يمكن دَفْعُه عند ابن القاسم. وعليه فلا تكون السرقة جائحةً،
وكذا في كتاب محمد. وفي ((الكتاب)): أنه(٤) جائحة، وروي عن ابن القاسم،
وخالفه أصحابه والناس(٥). وقال مُطَرِّف وابنُ الماجشون: ما أصاب الثمرةَ من
السماء من عَفَن أو برد، أو عطش أو حرِّ، أو كسرِ الشجر بما ليس بصنعٍ آدميٍّ، فهو
جائحة. واختلف في العسكر(٦)؛ ففي رواية ابن القاسم: هو جائحة. والصحيح في
البقول أنها كالثمرة(٧).
ومَن باع ثمراً قبل بُدُوِّ صلاحه بشرط التّبقية فُسخ بيعُه ورُدَّ؛ للنهي عنه، ولأنه مِنْ
أكلِ المالِ بالباطل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (أرأيتَ إن مَنَعَ اللهُ الثمرةَ، فبِم
يأخذ أحدُكم مالَ أخيه بغير حقٌّ؟)). هذا قولُ الجمهور. وصححه أبو حنيفة
(١) في صحيحه (١٥٥٤): (١٧)، وهو عند أحمد (١٤٣٢٠).
(٢) العبارة في التمهيد: وما كان دون الثلث ألغَوْه، وكانت المصيبة عندهم فيه من المبتاع، وجعلوا ما دون
الثلث تبعاً لا يلتفت إليه.
(٣) التمهيد ١٩٥/٢ - ١٩٧.
(٤) يعني: السارق.
(٥) ينظر المدونة ٣٨/٥، والتمهيد ١٩٧/٢، والمفهم ٤٢٦/٤ .
(٦) في (د) و(ظ) و(م): العطش، ووقع في المفهم ٤٢٦/٤ (والكلام منه): الجيش، بدل: العسكر. وكذا
وقع في المدونة ٣٨/٥ : الجيش.
(٧) في (م): أنها فيها جائحة كالثمرة.

٤٧٩
سورة الأنعام: الآيتان ٩٩ - ١٠٠
وأصحابُه، وحملوا النهيّ على الكراهة(١).
وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع. ومنعه الثَّورِيُّ
وابنُ أبي لَيْلَى تمسُّكاً بالنهي الوارد في ذلك. وخصَّصه الجمهورُ بالقياس الجليّ؛ لأنَّه
مبيعٌ معلومٌ يصحُّ قَبْضُه حالةَ العقد؛ فصحَّ بيعه كسائر المبيعات(٢).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَِِّّ شُرَكَآءَ اَلِنَّ وَخَلَقَهُمّ وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَتِ بِغَيْرٍ عِ
سُبْحَكِنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَةُ المِنَّ﴾ هذا ذِكر نوعٍ آخَرَ من جهالاتهم، أي: فيهم
مَن اعتقد لله شركاءَ من الجِنّ. قال النحاس(٣): ((الجنّ)) مفعولٌ أول، و((شركاء)) مفعول
ثانٍ، مثل: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا تَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]،
وهو في القرآن كثير. والتقدير: وجعلوا لله الجنَّ شركاء. ويجوز أن يكون ((الجنّ)) بدلاً
من ((شركاء)) والمفعول الثاني: (الله). وأجاز الكسائيُّ رفعَ ((الجن) بمعنى: هم الجنّ.
﴾ كذا قراءة الجماعة، أي: خلق الجاعلين له شركاء. وقيل: خلق الجنَّ
الشركاء.
وقرأ ابن مسعود: ((وهو خَلَقهم)»(٤) بزيادة ((هو)). وقرأ يحيى بن يَعْمَر: ((وخَلْقَهم))
بسكون اللام، وقال: أي: وجعلوا خَلْقَهم لله شركاء؛ لأنَّهم كانوا يخلقون الشيء ثم
يعبدونه(٥).
والآية نزلت في مشركي العرب. ومعنى إشراكهم بالجنّ: أنَّهم أطاعوهم كطاعة
(١) المفهم ٣٨٨/٤، وأخرج الحديث البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥) عن أنس ﴾. دون قوله: بغير
حق.
(٢) المفهم ٣٨٩/٤ .
(٣) في إعراب القرآن ٢/ ٨٧ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢، والمحرر الوجيز ٣٢٩/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٢، وقراءة يحيى ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٩،
وابن جني في المحتسب ٢٢٤/١ .

٤٨٠
سورة الأنعام: الآية ١٠٠
الله عزَّ وجلَّ؛ رُوي ذلك عن الحسن وغيره. قال قتادة والسُّدّيّ: هم الذين قالوا:
الملائكةُ بناتُ الله(١).
وقال الكلبيُّ: نزلت في الزنادقة؛ قالوا: إن الله وإبليس أخوان؛ فالله خالق
الناس والدوابِّ، وإبليس خالق الحيّات(٢) والسباع والعقارب(٣).
ويقرب من هذا قول المجوس، فإنَّهم قالوا: للعالَم صانعان: إله قديم، والثاني
شيطانٌ حادث من فكرة الإله القديم؛ وزعموا أنَّ صانع الشر حادث.
وكذا الخابطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن خابط(٤)، زعموا أنَّ للعالَم
صانعين: الإله القديم، والآخر مُحْدَثٌ، خلقه الله عزَّ وجلَّ أولاً، ثم فوَّض إليه تدبيرَ
العالم، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. تعالى الله عما يقول الظالمون
والجاحدون عُلُوًّا كبيراً.
﴿وخرَّقوا﴾ قراءة نافع بالتشديد(٥) على التكثير؛ لأن المشركين ادَّعَوْا أنَّ لله
بناتٍ؛ وهم الملائكة، وسَمَّوْهم جِنَّا لاجتنانهم(٦). والنصارى ادَّعتِ المسيحَ ابنَ الله.
واليهود قالت: عزير ابن الله، فكثُر ذلك من كفرهم؛ فشُدِّد الفعل لمطابقة المعنى.
تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل(٧).
(١) زاد المسير ٩٦/٣، وأخرج قولهما الطبري ٩/ ٤٥٥.
(٢) في (م): الجانّ.
(٣) تفسير أبي الليث ٥٠٤/١، وتفسير البغوي ١١٩/٢.
(٤) في (م): الحائطية ... حائط، وفي النسخ الخطية: الحابطية ... حابط، والمثبت من اللباب في تهذيب
الأنساب ٤٠٨/١ فقد قيدها ابن الأثير بفتح الخاء المعجمة وكسر الباء الموحدة. وأحمد بن خابط كان
هو والفضل الحَدَثي من أصحاب النظام، وطالعا كتب الفلاسفة، ومزجا كلام التناسخية والفلاسفة
والمعتزلة بعضها ببعض. الملل والنحل ١/ ٦٠، وينظر فيه تفصيل ما سيذكره المصنف عنهم، وغيره
من ضلالاتهم وجحودهم.
(٥) السبعة ص٢٦٤ ، والتيسير ص ١٠٥ .
(٦) أي: لاستتارهم. اللسان (جنن).
(٧) الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٣/١، ووقعت العبارة الأخيرة فيه: وقرأ الباقون بالتخفيف؛ لأن
التخفيف يدل على القليل والكثير.