النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة الأنعام: الآيات ٧٦ - ٧٨ وإضمارُه في القرآن كثيرٌ(١). وقيل: المعنى في: هذا ربي؛ أي: هذا دليلٌ على ربِّي. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَزِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْن ◌َّمْ يَهْدِنِ رَِ لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَزِغًا﴾ أي: طالعاً. يقال: بَزَغْ القمرُ: إذا ابتدأ في الطلوع، والبَزْغُ: الشَّقُّ؛ كأنه يشقُّ بنوره الظلمةَ، ومنه بَزَعْ البَيْطارُ الدابةَ: إذا أسال دمَها(٢). ﴿لپن گَّمْ يهدِنِ ريّ﴾ أي: لم يُثبّتني علی الهداية، وقد كان مهتدياً، فیکون جری هذا في مُهلة النَّظر. أو سأل التثبيتَ لإمكان الجوازِ العقليِّ، كما قال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَثَآَ أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وفي التنزيل: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي: ثبّتْنا على الهداية. وقد تقدَّم(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَزِغَةً قَالَ هَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ نصب على الحال؛ لأنَّ هذا من رؤية العين (٤). بَزَغْ يَبْزُعْ بُزوغاً: إذا طلع، وأفَل يأفِلُ أُفولاً: إذا غاب. وقال: ((هذا)) والشمسُ مؤنثٌ؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. فقيل: إنَّ تأنيثَ الشمسِ التفخيمها وعِظَمها، فهو كقولهم: رجلٌ نَسَّابة وعلَّامة. وإنَّما قال: ((هَذَا رَبِّي)) على معنى: هذا الطالِعُ ربِّي. قاله الكسائيُّ والأخفشُ(٥). وقال غيرُهما: أي: هذا الضوءُ. (١) تفسير البغوي ٢/ ١١٠ - ١١١، وتفسير الرازي ٤٩/١٣ - ٥٠. (٢) ينظر تهذيب اللغة ٥٤/٨، ومفردات الراغب ص١٢٢ . (٣) ٢٢٦/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٧ . (٥) في معاني القرآن له ٤٩٦/١، ونقله عنه المصنف مع قول الكسائي بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٧٧ . ٤٤٢ سورة الأنعام: الآيتان ٧٨ - ٧٩ قال أبو الحسن عليّ بنُ سليمان: أي: هذا الشخصُ(١)، كما قال الأعشى: مَن لِيَّ مِن بعدِك يا عامِرُ قامتْ تُبكِّيه على قبرِهِ قد ذَلَّ مَن ليس له ناصِرُ(٢) تَركْتَني في الدار ذا غُرْبةٍ قوله تعالى: ﴿إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمَّوَنِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ أي: قصدتُ بعبادتي وتوحيدي لله عزَّ وجلَّ وحدَه. وذَكَر الوجه؛ لأنَّه أظهرُ ما يُعرفُ به صاحبُه. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً إلى الحق. ﴿وَمَّا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ اسم ((ما)) وخبرُها. وإذا وقفتَ قلتَ: ((أنا)) زدتَ الألفَ لبيان الحركة(٣)، وهي اللُّغة الفصيحةُ. وقال الأخفشُ: ومِن العرب مَن يقول: (أنَ))(٤). وقال الكسائيُّ: ومن العرب مَن يقول: ((أنَّهْ)). ثلاثُ لغات. وفي الوصل أيضاً ثلاثُ لغاتٍ: أنْ تُحذَفَ الألفُ في الإدراج؛ لأنَّها زائدةٌ لبيان الحركة في الوقف. ومن العرب مَن يُثبِت الألفَ في الوصل، كما قال الشاعر: أَنَا سَيْفُ العشِيرةِ فاعرٍفوني(٥) وهي لغةُ بعضٍ بني قيسٍ وربيعةً؛ عن الفرَّاء. ومن العرب مَن يقول في الوصل: آن فعلت، مثل: عان فعلت. حكاه الكِسائيُّ عن بعض قُضَّاعة(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٧٧/٢ ، وعلي بن سليمان هو الأخفش الأصغر. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٧/٢، وهما في الإنصاف ٥٠٧/٢ و ٧٦٣ بلا نسبة. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٨/٢. وهذا على القول بأن الألف زائدة، وهو قول البصريين. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٣٠٦/١، وقد سلف الكلام في هذه المسألة ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣. (٤) وهذا في غير المصحف، فأما في القراءة فقد قال مكي في الكشف عن وجوه القراءات ٣٠٦/١: ولا اختلاف في الوقف أنه بالألف. (٥) سلف ٢٩٣/٤، وينظر المنصف لابن جني ٩/١ - ١٠. (٦) تهذيب اللغة ٥٦٩/١٥، دون نسبته للكسائي. ٤٤٣ سورة الأنعام: الآية ٨٠ قوله تعالى: ﴿وَحَلَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُّحَجُّوَّنِي فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُنَ ٨٥ بِ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِي شَيْئاً وَسِعَ رَبٍ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَّا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿وَحََّهُ قَوْمُهُ﴾ دليلٌ على الحِجَاج والجِدال؛ حاجُّوه في توحيد الله . ﴿قَالَ أَتُّحَجُونٍ فِىِ اَللَّهِ﴾ قرأ نافعٌ بتخفيف النُّون، وشدَّد النُّونَ الباقون. وفيه عن ابن عامر من رواية هشامٍ عنه خلاف (١). فمن شدَّد قال: الأصلُ فيه نونان؛ الأولى علامةُ الرفع، والثانيةُ فاصلةٌ بين الفعل والياء، فلما اجتمع مِثلان في فعلٍ، وذلك ثقيل، أدغم النون في الأخرى، فوقع التشديد، ولا بدَّ من مدِّ الواو لئلا يلتقيّ الساكنان؛ الواوُ وأوّلُ المشدَّد، فصارت المَدَّةُ فاصلةٌ بين الساكِنَين. ومَن خفَّف حَذَف النونَ الثانيةَ استخفافاً لاجتماع المِثْلَين [متحرِّكَيْن، وللتضعيف الذي في الفعل في الجيم] ولم تُحذف الأولى؛ لأنها علامةٌ الرفع، فلو حُذفت لا شتَبَه المرفوعُ بالمجزوم والمنصوب(٢). وحُكي عن أبي عمرو بن العَلَاء أنَّ هذه القراءةَ لَخْنٌ، وأجاز سيبويهِ(٣) ذلك وقال: استثقلوا التضعيف، وأنشد: تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً يَسوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي(٤) قوله تعالى: ﴿وَلَاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لأنَّه لا ينفع ولا يضرُّ - وكانوا خَوفوه بكثرة آلهتهم - إلا أن يُحییَه اللهُ ویُقدِره، فیخاف ضرره حينئذٍ، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءُ رَتٍِ شَيْئًا﴾ أي: إِلا أن يشاءَ أنْ يَلْحَقني شيءٌ من المكروه بذنبٍ (١) السبعة ص٢٦١، والتيسير ص١٠٤ . (٢) الكشف عن وجوه القراءات ٤٣٦/١ - ٤٣٧، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في الكتاب ٥٢٠/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٧٨/٢ . (٤) قائله عمرو بن معدي كرب، وهو في ديوانه ص ١٨٠، والخزانة ٣٧١/٥. وفيه: قوله: تراه؛ الضمير المستتر لحليلة الشاعر المذكورة في البيت الذي سبقه، يعني: ترى شعر رأسه كالثّغام. والثغام: نبتٌ له نَوْر أبيضُ يشبَّه به الشيب. يُعَل: يُطَيَّب شيئاً بعد شيء. والفالية هي التي تفلي الشعر، أي: تُخرج القمل منه. یرید: إذا فلينني. ٤٤٤ سورة الأنعام: الآيات ٨٠ - ٨٢ عمِلتُه فتتمَّ مشيئتُه، وهذا استثناءٌ ليس من الأوَّل(١). والهاءُ في ((بِهِ) يَحتمِلُ أن تكون لِله عزَّ وجلَّ، ويجوز أن تكونَ للمعبود(٢). وقال: ((إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي)) يعني أنَّ الله تعالى لا يشاءُ أن أخافَهم. ثم قال: ﴿وَمِعَ رَّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ أي: وسع علمُه كلَّ شيءٍ. وقد تقدَّم(٣). قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانَأَ فَأَتِىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ ◌ِلْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَمُ الْأَمْنُّ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ معنى ((كيف)) الإنكار(٤)، أَنكر عليهم تخويفَهم إِيَّه بالأصنام وهم لا يخافون الله عزَّ وجلَّ، أي: كيف أخاف مَوَاتاً وأنتم لا تخافون الله القادرَ على كلِّ شيء. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُأَطَنًا﴾ أي: حجة، وقد تقدّم(٥). ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِّ﴾ أي: من عذاب الله؛ الموَحِّدُ أم المشركُ؟ فقال الله قاضياً بينهم: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك. قاله أبو بكر الصدِّيق وعليٍّ وسَلْمانُ وحُذيفةُ، ﴾(٦). وقال ابن عباس: هو من قول إبراهيمَ (٧)، كما يَسأل العالِمُ ويجيبُ نفسَه. وقيل: هو من قول قوم إبراهيمَ، أي: أجابوا بما هو حجَّةٌ عليهم. قاله ابن (٨) ◌ُريج(٨). (١) معاني القرآن للنحاس ٧٨/٢ . (٢) المحرر الوجيز ٣١٥/٢ . (٣) ٣٣٢/٢. (٤) في (م): ففي كيف معنى الإنكار. (٥) ٣٥٧/٥ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٤٥٤/٢، وأخرج قولهم الطبري (عدا قول علي) ٩/ ٣٧٢ - ٣٧٣ . (٧) لم نقف عليه عن ابن عباس، وذكره أبو الليث ٤٩٨/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٥/٢ دون نسبة. (٨) أخرجه الطبري ٣٦٩/٩، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٥/٢. ٤٤٥ سورة الأنعام: الآيات ٨١ - ٨٣ وفي الصحيحين(١) عن ابن مسعود: لمَّا نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحابٍ رسول الله # وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسولُ الله ◌ِ﴾. ((ليس هو كما تظنُّون، إنَّما هو كما قال لقمانُ لابنه: ﴿يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلٌْ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])). ﴿وَهُمْ تُهْتَدُونَ﴾ أي: في الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِنَّهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن ثَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَقِلْكَ حُجَّتُنَّاَ ءَاتَيْنَهَا إَِّهِيمَ﴾ تلك إشارةٌ إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمَهُم وغلبَهُم بالحجة. وقال مجاهد: هي قولُه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾(٢). وقيل: حجتُه عليهم أنَّهم لمَّا قالوا له: أما تخاف أن تَخْبِلك آلهتنا لسَبِّك إِيَّاها؟ قال لهم: أفلا تخافون أنتم منها إذ سؤَّيتم بين الصغير والكبير في العبادة والتَّعظيم، فيغضب الکبیر فیخپلكم(٣)؟ ﴿فَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن ◌َّثَةٌ﴾ أي: بالعلمِ والفهم، والإمامة والملك. وقرأ الكوفيون: ((درجاتٍ)) بالتنوين. ومثلُه في ((يوسف))(٤)، أَوقعوا الفعلَ على (مَن)) لأنَّه المرفوعُ في الحقيقة(٥)، التقدير: ونرفع مَن نشاءُ إلى درجاتٍ، ثم حُذفت (إلى))(٦). وقرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة، والفعل واقعٌ على (١) صحيح البخاري (٦٩٣٧)، وصحيح مسلم (١٢٤)، وهو عند أحمد (٤٢٤٠). (٢) أخرجه الطبري ٣٧٩/٩، وذكره البغوي ١١٢/٢. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٤١/١، ونسبه أبو الليث ١/ ٤٩٧ للكلبي ومقاتل. (٤) السبعة ص ٢٦٢، والتيسير ص١٠٤ . والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي. (٥) الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٣٧ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٢ . ٤٤٦ سورة الأنعام: الآيات ٨٣ - ٨٦ الدرجات، وإذا رُفعت فقد رُفع صاحبُها. يقوِّي هذه القراءةَ قولُه تعالى: ﴿رَفِیعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥] وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهُمَّ ارفَعْ دَرَجتَه))(١). فأضاف الرفعَ إلى الدرجات. وهو لا إله إلا هو الرفيعُ المتعالي في شرفه وفضلِهِ. فالقراءتان متقاربتان؛ لأنَّ مَن رُفعت درجاتُه فقد رُفع، ومَن رُفع فقد رُفعت درجاتُه(٢)، فاعلم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾ يضع كلَّ شيءٍ موضعَه. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُوَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَبُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَزَكَرِيَا وَيَخَْ وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلٌّ مِّنَ الصَّلِينَ وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَاً وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَ اَلْعَلَمِينَ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُهُ إِسْحَقَ وَيَمْقُوبِّ﴾ أي: جزاءً له على الاحتجاج في الدِّين وبذلِ النفس فيه. ﴿كُلَّ مَدَيْنَاً﴾ أي: كلَّ واحد منهم مهتدٍ. و(كُلَّا)) نصب بـ ((هدينا)) ﴿وَتًُا﴾ نصب بـ ((هدينا)) الثاني(٣). ﴿وَمِنْ ذُرِيَّنِهِ﴾ أي: ذرِّيةِ إبراهيم. وقيل: من ذرِّية نوح. قاله الفرَّاء، واختاره الطَّبَرِيُّ وغيرُ واحد من المفسرين، كالقُشيرِيِّ وابنِ عطيةً وغيرِهما. والأوّلُ قالَه الزجَّاج(٤). واعتُرض بأنَّه عُدَّ من هذه الذرِّية يونسُ ولوطٌ، وما كانا من ذرِّية إبراهيم. وكان لوطُ ابنَ أخيه. وقيل: ابنَ أخته(٥). (١) قطعة من حديث أم سلمة، أخرجه أحمد (٢٦٥٤٣)، ومسلم (٩٢٠)، وسلف ١١١/٥. (٢) الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٢ . (٤) ذكر القولين في معاني القرآن له ٢٦٩/٢، وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٢، وتفسير الطبري ٣٨١/٩ - ٣٨٢، والمحرر الوجيز ٣١٦/٢. (٥) المحرر الوجيز ٣١٦/٢، وتفسير الطبري ٣٨١/٩ - ٣٨٢. ٤٤٧ سورة الأنعام: الآيات ٨٤ - ٨٦ وقال ابنُ عباس: هؤلاء الأنبياءُ جميعاً مضافون إلى ذرِّية إِبراهيمَ، وإن كان فيهم مَن لم تلحقُه ولادةٌ من جهته من قبل(١) أبٍ ولا أم؛ لأنَّ لوطاً ابنُ أخي إبراهيم. والعربُ تجعل العَمَّ أباً كما أخبر اللهُ عن ولدِ يعقوبَ أنَّهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْخَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل عُّ يعقوب(٢). وعدَّ عيسى من ذرّية إِبراهيم، وإنَّما هو ابن البنت. فأولادُ فاطمةَ رضي الله عنها ذرّيةُ النبيِّ﴾(٣). وبهذا تمسَّك مَن رأى أنَّ ولدَ البناتِ يدخلون في اسم الولد (٤) وهي : الثانية: قال أبو حنيفة والشافعيُّ: مَن وَقَفَ وَقْفاً على ولده وولدٍ ولدِه أنَّه يدخل فيه ولدُ ولدِهِ وولدُ بناتِهِ ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولدُ البنات. والقرابةُ عند أبي حنيفةً كلُّ ذي رَحِمِ مَحْرَم. ويسقطُ عنده ابنُ العمِّ والعمَّة، وابنُ الخال والخالة؛ لأنَّهم ليسوا بمَحْرَمین. وقال الشافعيُّ: القرابة كلُّ ذي رَحِمٍ مَحْرَمِ وغيرِهِ. فلم يسقط عندَه ابنُ العمّ ولا غيرُه. وقال مالك: لا يَدخل في ذلك ولدُ البنات. وقوله: لقرابتي وعقبي، كقوله: لولدي وولد ولدي؛ يدخل في ذلك ولد البنينَ ومَن يرجع إلى عَصَبة الأب وصُلْبِهِ، ولا يدخل في ذلك ولدُ البنات(٥). وقد تقدَّم نحوُ هذا عن الشافعيّ في ((آل عمران)» (٦). والحجةُ لهما قولُه سبحانه: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فلم يَعْقِل (١) في (م): من جهة. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/١، وينظر ما سلف ٤١٢/٢، وأثر ابن عباس ذكره أبو حيان في البحر ١٧٣/٤ ٠ (٣) تفسير الرازي ٦٦/١٣، وقال الرازي: ويقال إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف. (٤) المحرر الوجيز ٣١٧/٢. (٥) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٤٤/٥ - ٤٥، والكافي ١٠١٨/٢، والمغني ٢٠٢/٨ و٥٣٠. (٦) ١٦٠/٥ . ٤٤٨ سورة الأنعام: الآيات ٨٤ - ٨٥ المسلمون من ظاهر الآية إلا ولدَ الصُّلْب وولدَ الابن خاصَّةً. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]. فأعطى عليه الصلاة والسلام القرابة منهم من أعمامه دون بني أخواله(١). فكذلك ولدُ البنات لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب. قال ابن القصَّار: وحجةُ مَن أَدْخَل البناتِ في الأقارب قولُه عليه الصلاة والسلام للحسن بن عليٍّ: ((إنَّ ابني هذا سيِّد))(٢). ولا نعلم أحداً يمتنع أن يقولَ في ولد البنات إنَّهم ولد لأبي أمِّهم. والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الولدَ مشتقٌّ من التولُّد، وهم متولِّدون عن أبي أمّهم لا محالةَ، والتولُّدُ من جهة الأمّ كالتولّدِ من جهة الأب. وقد دلَّ القرآن على ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿مِّنَ الضَلِحِينَ﴾ فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته(٣). الثالثة: قد تقدَّم في ((النِّساء))(٤) بيانُ ما لا ينصرفُ من هذه الأسماءِ. ولم ينصرف داودُ لأنه اسمٌ أعجمِيٌّ، وكلُّ ما كان(٥) على فاعول لا يَحْسُن فيه الألف واللام لم ينصرف. وإلياسُ أعجمِيٍّ. قال الضحاكُ: كان إلياسُ من ولد إسماعيلَ. وذكر القُتَبيُّ قال: كان من سِبط يُوشع بن نون (٦). وقرأ الأعرجُ والحسنُ وقَتادةُ: ((والياس)) بوصل الألف(٧). وقرأ أهل الحَرَمَين وأبو عمرو وعاصم: ((والْيَسع)) بلام مخففة، وقرأ الكوفيون إلا عاصماً: ((واللَّيْسع)) (٨). وكذا قرأ الكسائِيّ، وردَّ قراءةً مَن قرأ: ((والْيَسع))، قال: (١) ينظر الكافي ١٠١٨/٢، والمغني ٥٣٠/٨. (٢) سلف ١١٦/٥، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٤٦/٥، والمغني ٢٠٣/٨. (٣) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٤٥/٣. (٤) ٧/ ٢٢٢. (٥) في النسخ: ولما كان، بدل: وكل ما كان، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٢، والكلام منه. (٦) تفسير أبي الليث ٤٩٩/١، وقول القتبي في المعارف ص٥١ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٨٠/٢ . (٨) يعني قراءة حمزة والكسائي. السبعة ص ٢٦٢، والتيسير ص ١٠٤، ورسمُها في المصحف بلام واحدة. ٤٤٩ سورة الأنعام: الآيات ٨٤ - ٨٦ لأنه لا يقال: الْيَفْعَل مثل الْيَحيَى؛ قال النَّحاس(١): وهذا الردُّ لا يَلزم، والعرب تقول: الَْعْمَل والْيَخْمَد، ولو نگّرت یحیی، لقلت: اليحيى. وردّ أبو حاتم على مَن قرأ: ((اللَّيْسع))، وقال: لا يوجد لَّيْسع؛ وقال النحاس: وهذا الردُّ لا يلزم، فقد جاء في كلام العرب حَيْدَر وَزَيْنب، والحَقُّ في هذا أنَّه اسم أعجمِيٌّ، والعُجْمةُ لا تؤخذ بالقياس، إنَّما تؤدَّى(٢) سماعاً، والعرب تُغيِّرها كثيراً، فلا يُنگر أن يأتي الاسمُ بلغتين. قال مَكِّي(٣): مَن قرأ بلامَيْن، فأَصلُ الاسم: لَيْسَع، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. ولو كان أصله يَسَع؛ ما دخلته الألف واللام؛ إذ لا يدخلان على يزيدَ ويَشْكُرَ، اسمان(٤) لرجلين؛ لأنَّهما معرفتان علَمان. فأما ((ليسع)) نكرةً، فَتَدخلُه الألفُ واللامُ للتعريف، والقراءةُ بلامٍ واحدة أحبُّ إليَّ؛ لأنَّ أكثرَ القرَّاء عليه. وقال المَهْدَوِيُّ: مَن قرأ: ((اليسع)) بلامٍ واحدةٍ فالاسم يَسَع، ودخلت الألفُ واللامُ زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر، وفي نحو قوله: وجَدْنا الوليدَ بنَ اليزيدِ مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهِلُة(٥) وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله: فيَستخرجُ اليَرْبُوعَ من نافِقَائه ومن بيته بالشِّيخةِ الْيَتَقَصَّعُ(٦) (١) في إعراب القرآن ٢/ ٨٠، وما قبله وما بعده منه. (٢) في (خ)، و(م): تؤخذ. (٣) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٣٨/١ . (٤) في (م): اسمين. (٥) قائله ابن ميادة، وهو في الديوان ص١٩٢، والخزانة ٢٢٦/٢، ووقع في النسخ: اليزيد بن الوليد، والصواب ما أثبتناه. ورواية الديوان: بأحناء، بدل: بأعباء. (٦) قائله ذو الخِرَق الطُّهَوي، كما في النوادر في اللغة لأبي زيد ص٦٧، والخزانة ٣٤/١ - ٣٥ . ووقع في (خ) و(ظ): ذي الشيخة، وذكر البغدادي أنه روي: كذلك. والشيخة بالخاء المعجمة: هي رملة بيضاء في بلاد بني أسد وحنظلة. ولليربوع جحران؛ القاصعاء: هو الذي يدخل فيه، والنافقاء: هو الذي يكتمه ويظهر غيره. واليتقصع روي بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول. يقال: تقصع اليربوع: دخل في قاصعائه. ينظر الخزانة ١/ ٤٠ - ٤١ . ٤٥٠ سورة الأنعام: الآيات ٨٤ - ٨٧ یرید: الذي يتقصَّع. قال القُشَيْريُّ: قُرئ بتخفيف اللام والتشديد، والمعنى واحدٌ في أنَّه اسمٌ لنبيِّ معروف، مثل إسماعيلَ وإبراهيمَ، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجميةُ بإدخال الألف واللام. وتوهّم قومٌ أنَّ اليسعَ هو إلياس، وليس كذلك؛ لأنَّ الله تعالى أفرد كلَّ واحد بالذّكر. وقال وهب: الیسُ هو صاحبُ إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى(١). وقيل: إلياسُ هو إدريسُ. وهذا غير صحيح؛ لأنَّ إدريسَ جدُّ نوح، وإلياس من ذرِّيته(٢). وقيل: إلياسُ هو الخضرُ (٣). وقيل: لا، بل الْيَسعُ هو الخضر. ((ولوطاً) اسم أعجميٍّ انصرف لخفّته(٤). وسيأتي اشتقاقه في ((الأعراف))(٥). قوله تعالى: ﴿وَ مِنْ ءَبَِّهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ وَأَجْبَيْتَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَابَآَيْهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ ((من)) للتبعيض، أي: هدينا بعضَ آبائهم وذرياتهم وإخوانهم. ﴿وَأَجْبَيْتَهُ﴾ قال مجاهد: خلَّصناهم(٦)، وهو عند أهل اللغة بمعنى: اخترناهم؛ مشتقٌّ من جَبَيتُ الماءَ في الحوض، أي: جمعته(٧). فالاجتباء: (١) ينظر المعارف لابن قتيبة ص ٥٢، والعرائس ص٢٦١ - ٢٦٥. (٢) القول بأن إلياس هو إدريس رواه الطبري ٣٨٣/٩ عن ابن مسعود ، وردَّه، وينظر المعارف ص٢١، وتفسير البغوي ١١٣/٢، والمحرر الوجيز ٣١٧/٢. (٣) مجمع البيان ٢/ ١٢٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٨١/٢ . (٥) عند تفسير الآية (٨٠) منها. (٦) تفسير مجاهد ٢١٩/١، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٨٦/٩، وذكره النحاس في معاني القرآن ٤٥٥/٢، وهو عندهم بلفظ : أخلصناهم. (٧) معاني القرآن للزجاج ٢٦٩/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٨١/٢ . ٤٥١ سورة الأنعام، الآيات ٨٧ - ٨٩ ضمُّ الذي تجتبيه إلى خاصَّتك. قال الكسائيُّ: وجَبَيْتُ الماءَ في الحوض جَبِّى، مقصور(١). والجابية: الحوض؛ قال: كَجابِيَةِ الشَّيخِ العِرَاقيِّ تَفْهَقُ(٢) وقد تقدم معنى الاصطفاء والهداية(٣) قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ M عَنْهُمِ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَِّ يَبْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي: لو عبدوا غيري لَحبِطتْ أعمالهم، ولكنِّ عصمتهم. والحبوط: البُظْلان، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٤). قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ وَلْتَكَّ وَالْتُّبْرَّةُ فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَّكْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ وَالَآرَ وآنُهُرَةَ﴾ ابتداء وخبر، ((والحكم)): العلم والفقه ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بآياتنا ﴿هَؤُلَاءٍ﴾ أي: كفارُ عَصْرِك يا محمد ﴿فَقَدْ وَكُلْنَا بِهَا﴾ جواب الشرط، أي: وكلنا بالإيمان بها ﴿قَوْمَا لَّيْسُواْ بِهَا پِگَفِينَ﴾ یرید الأنصارَ من أهل المدينة، والمهاجرين من أهل مكةً. وقال قتادة: يعني النبيين الذين قصَّ الله عزَّ وجلَّ. قال النحاس(٥): وهذا القولُ (١) تهذيب اللغة ٢١٤/١١ . (٢) وصدره: نفَى الذمَّ عن آل المحلَّق جفنةٌ. وقائله الأعشى، وهو في ديوانه ص٢٧٥، والخزانة ١٤٥/٧ . وفيه: الجفنة: قصعة الطعام. وتفهق من قولهم: نَهَق الغدیر إذا امتلأ ماء فلم یکن فیه موضع مزید، المعنى: أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته.ووقع في (د): السيح، وهي رواية، وهو النهر الذي يجري على جابيته، فماؤها لا ينقطع. والمحلَّق الممدوح اسمه: عبد العزى بن حتتم. : (٣) ٢٢٦/١ و٤٠٦/٢ . (٤) ٤٢٨/٣ . (٥) في معاني القرآن ٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦، وأثر قتادة أخرجه الطبري ٩/ ٣٩٠. ٤٥٢ سورة الأنعام: الآيتان ٨٩ - ٩٠ أشبهُ بالمعنى؛ لأنَّه قال بعدُ: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾. وقال أبو رجاء: هم الملائكة(١). وقيل: هو عامٌّ في كلِّ مؤمنٍ من الجنِّ والإنس والملائكة. والباء في ((بكافرين)) زائدةٌ على جهة التأکید. قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ ابتداءٌ وخبر(٢) ﴿فَيَهُدَهُمُ أَقْتَدِؤُ﴾ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ الاقتداء: طلبُ موافقة الغير في فعله. فقيل: المعنى: اصبروا كما صبروا(٣). وقيل: معنى ((فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)): التوحيد، والشرائعُ مختلفة. وقد احتجَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على وجوب اتِّباع شرائع الأنبياء فيما عُدِم فيه النصُّ(٤)، كما في ((صحيح مُسْلم))(٥) وغيره: أنَّ أختَ الرُّبَيِّع أمّ حارثةَ جَرحتْ إنساناً، فاختصمُوا إلى النبيِّ﴾، فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((القِصاصَ القِصاصَ)). فقالتْ أمُّ الرَّبِيع: يا رسولَ الله، أَيُقْتَصُّ من فُلانةَ؟! واللهِ لا يُقْتَصُّ منها. فقال النبيُّ ﴾: ((سبحانَ الله يا أمَّ الرَّبيع! القِصاصُ كتابُ الله)) قالتْ: والله لا يُقْتَصُّ منها أبداً. قال: فما زالتْ حتى قبلوا الدِّيَةَ. فقال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ مِنْ عبادِ الله مَنْ لو أقسمَ على الله (١) أخرجه الطبري ٣٨٩/٩، والنحاس في معاني القرآن ٢/ ٤٥٦ . (٢) قوله: ابتداء وخبر، ليس في (ظ) و(م). (٣) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٧٠ . (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٨١/٢، وتفسير أبي الليث ٤٩٩/١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١٢٤/٣ والمفهم ٣٦/٥ . (٥) برقم (١٦٧٥)، وسلف الكلام عليه ص٢١ من هذا الجزء. ٤٥٣ سورة الأنعام: الآية ٩٠ لِأَبَرَّهُ)). فأحال رسولُ اللـه﴿ على قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وليس في كتاب الله تعالى نصّ على القصاص في السِّنّ إلا في هذه الآية، وهي خبرٌ عن شرع التوراة، ومع ذلك فحَكّم بها وأَحال عليها (١). وإلى هذا ذهب مُعْظَمُ أصحاب مالكِ وأصحابِ الشافعيِّ، وأنه يجب العملُ بما وُجد منها. قال ابن بكير: وهو الذي تقتضيه أصول مالك(٢). وخالف في ذلك كثيرٌ من أصحاب مالكٍ وأصحابِ الشافعيِّ والمعتزلةُ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. وهذا لا حَجَّةَ فيه؛ لأنه يَحتمِلُ التقييد: إلا فيما قُصَّ(٣) عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم. وفي (صحيح البخاري)) عن العوَّام(٤) قال: سألتُ مجاهداً عن سجدة ((صّ))، فقال: سألت ابنَ عباسٍ عن سجدة ((صّ))، فقال: أَوَ تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهٌ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾؟ وكان داودُ عليه السلام ممن أُمر نبيكم # أن يقتدي به(٥). الثانية: قرأ حمزةُ والكسائِيُّ: ((اقتدِ قل)) بغير هاءٍ في الوصل(٦). وقرأ ابنُ عامر: ((اقْتَدْهِي قُلْ)(٧). قال النحاس (٨): وهذا لَحْنٌ؛ لأنَّ الهاء لبيان الحركة في الوقف، (١) المفهم ٣٦/٥ - ٣٧ . (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٣/١، وقال ابن العربي: الصحيح القول بلزوم شرع من قبلنا لنا مما أخبرنا به نبينا # عنهم، دون ما وصل إلينا من غيره، لفساد الطرق إليهم، وهذا هو صريح مذهب مالك في أصوله كلها. (٣) في (د) و(ز): إلا ما نص، وفي (خ) و(ظ). إلا فيما نص، والمثبت من (م). (٤) صحيح البخاري (٤٦٣٢)، وهو عند أحمد (٣٣٨٨)، والعوام هو ابن حَوْشَب. (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): بالاقتداء به، والمثبت من (ظ) والمصادر. (٦) ويقفان بالهاء. السبعة ص٢٦٢، والتيسير ص ١٠٥ . (٧) يعني بإشباع الياء بعد الهاء، وهي من رواية ابن ذكوان عنه. التيسير ص ١٠٥ . (٨) في إعراب القرآن ٢/ ٨١، وما قبله منه. ٤٥٤ سورة الأنعام: الآيتان ٩٠ - ٩١ وليست بهاءِ إضمار، ولا بعدها واوٌ ولا ياء، وكذلك أيضاً لا يجوز: ((فبهداهم اقتد قل). ومَن اجتنب اللّحنَ واتَّبع السَّوادَ قرأ: ((فبهداهم اقْتَدِه) فوقف ولم يَصِل؛ لأنَّه إن وصل بالهاء لَحَن، وإن حذفها خالفَ السَّواد. وقرأ الجمهورُ بالهاء في الوصل على نية الوقف لا على (١) نية الإدراج اتِّباعاً لثباتها في الخطّ. وقرأ ابن عباس(٢) وهشام: ((اقْتَدهِ قُلْ)) بكسر الهاءِ(٣)، وهو غلطٌ لا يجوز في العربية (٤). قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْثَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: جُعْلاً على القرآن. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلَّ ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ أي: موعظةٌ للخلق. وأضاف الهدايةَ إليهم فقال: (فِبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه)) لوقوع الهداية بهم. وقال: ((ذَلِكَ هُدَى اللهِ))؛ لأنَّه الخالقُ للهداية. قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَعُْ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى سَجَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ فَرَاِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَ تَعْلُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَآبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِمْ يَلْعَبُونَ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِه»﴾ أي: فيما وجب له واستحال عليه وجاز. قال ابن عباس: ما آمنوا أنَّه على كلِّ شيء قديرٌ. وقال الحسن: ما عظّموه حقَّ عَظَمته(٥). وهذا يكون من قولهم: لفلانٍ قَدْر. وشرحُ هذا أنَّهم لمَّا قالوا: ﴿مَا أَنَزَّلَ اللهُ (١) في النسخ: وعلى، بدل لا على، والمثبت من الكشف عن وجوه القراءات ٤٣٩/١، والكلام منه، والقراءة في السبعة ص ٢٦٢، والتيسير ص ١٠٥ . (٢) في (د) و(م): ابن عياش، ولم تجود في (ز)، والمثبت من (خ) و(ظ). (٣) السبعة ص ٢٦٢، والتيسير ص ١٠٥ عن هشام. (٤) السبعة ص٢٦٢، قال ابن مجاهد: لأن هذه الهاء ههُ وَقْف لا تُعرَب في حال من الأحوال، وإنما تدخل لتبين بها حركةٌ ما قبلها. قال أبو حيان في البحر ١٧٦/٤: وتغليط ابن مجاهد قراءة الكسر غلط. وينظر الدر المصون ٣٢/٥ - ٣٣ . (٥) النكت والعيون ١٤١/٢، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٩/ ٣٩٧. ٤٥٥ سورة الأنعام: الآية ٩١ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٌ﴾ نسَبُوا الله عزَّ وجلَّ إلى أنه لا يقيم الحجةَ على عباده، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصَّلاح، فلم يعظّموه حقَّ عظمته، ولا عَرَفوه حقَّ معرفته(١). وقال أبو عبيدة(٢): أي: ما عرفوا اللهَ حقَّ معرفتِه. قال النحاس(٣): وهذا معنّى حسن؛ لأنَّ معنى قَدَرْتُ الشيء وقدَّرته: عرفتُ مقدارَه. ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذ قَالُواْ مَآ أَنَزَّلَ الَهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٌ﴾ أي: لم يعرفوه حقَّ معرفته؛ إذْ أنكروا أن يرسلَ رسولاً. والمعنیان متقاربان. وقد قيل: وما قَدَروا نِعمَ الله حقَّ تقدیرها. وقرأ أبو حَيْوَة: ((وما قدروا الله حقَّ قَدَره)) بفتح الدال، وهي لغة (٤). ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني مشركي قريش(٥). وقال الحسن وسعيد بن جبير: الذي قاله أحدُ اليهود، قال: لم يُنزل الله كتاباً من السماء. قال السُّدِّي: اسمه فنحاص(٦). وعن سعيد بن جُبير أيضاً قال: هو مالك بن الصَّيف؛ جاء يخاصمُ النبيَّ #، فقال له النبيُّ ﴾: ((أَنْشُدُكَ بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجدُ في التوراة أنَّ الله يبغض الحَبْرَ السَّمين))؟ وكان حَبْراً سميناً، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشرٍ من شيء. فقال له أصحابُه الذين معه: ويحك! ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بَشَرِ من شيء؛ فنزلت الآيةُ(٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٨٢ . (٢) في مجاز القرآن ٢٠٠/١ . (٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٥٦ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٢/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٣٩٦/٩ - ٣٩٧ عن الحسن ومجاهد، ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٦) أخرجه الطبري ٣٩٤/٩ . (٧) أسباب النزول للواحدي ص ٢١٥، وأخرجه الطبري ٩/ ٣٩٤ . ٤٥٦ سورة الأنعام: الآية ٩١ ثم قال نقضاً لقولهم وردًّا عليهم: ﴿قل مَن أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاءَ به موسی نورًا وهُدّى للنَّاسِ يَجْعَلُونَه قَراطيسَ﴾ أي: في قراطيس ﴿يُبْدُونَها ويُخْفُون كثيرًا﴾ هذا لليهود الذين أخفَوْا صفة النبيِّ # وغيرها من الأحكام. وقال مجاهد: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ إِ، مُوسَى﴾ خطاب للمشركين، وقوله: ﴿يجعلونه قراطيس﴾ لليهود، وقولُه: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلُواْ أَنْتُمْ وَلَّ ءَابَاؤُكُمْ﴾ للمسلمين(١). وهذا يصحُّ على قراءةٍ مَن قرأ: ﴿يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون﴾ بالياء. والوجه على قراءة التاء أن يكونَ كلُّه لليهود(٢)، ويكون معنى (وَعُلَّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا)) أي: وعُلِّمتم ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على وجه المَنِّ عليهم بإنزال التوراة. وجُعلت التوراة صُحُفاً؛ فلذلك قال: ((قراطيسَ تُبدونها)) أي: تبدون القراطيس. وهذا ذَمِّ لهم؛ ولذلك كره العلماءُ كَتْبَ القرآن أجزاء. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمد: اللهُ الذي أنزل ذلك الكتابَ على موسى وهذا الكتابَ عليَّ. أو قل: اللهُ علَّمكم الكتابَ. ﴿ثُمَّ ذَّرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُنَ﴾ أي: لاعبين، ولو كان جواباً للأمر لَقال: يلعبوا. ومعنى الكلام التهديدُ. وقيل: هو من المنسوخ بالقتال(٣). ثم قيل: ((يجعلونه)) في موضع الصِّفة لقوله: (نُوراً وَهُدَى))(٤) فيكونُ في الصلة، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مستأنَفاً (٥). والتقدير: يجعلونه ذا قراطيس(٦). (١) أخرجه الطبري ٣٩٦/٩. (٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء، والباقون بالتاء. السبعة ص٢٦٢ - ٢٦٣، والتيسير ص١٠٥ . (٣) ينظر المحرر الوجيز ٣٢١/٢، قال ابن عطية: هذه الآية منسوخة بآية القتال إن تأولت موادعة، وقد يَحتّل أن لا يدخلها النسخ إذا جُعلت تتضمن تهديداً ووعيداً مجرَّداً من موادعة. (٤) لم نقف على هذا الإعراب، والذي في المصادر: أنَّ (تجعلونه)) في محل نصبٍ على الحال؛ إما من ((الكتاب))، وإما من الهاء في ((به)). ينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٦٠، والدر المصون ٣٥/٥، وفتح القدير ١٣٨/٢ . (٥) الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٥٩١/٢. (٦) المحرر الوجيز ٣٢١/٢. ٤٥٧ سورة الأنعام: الآيات ٩١ - ٩٣ وقوله: ((يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كثيراً)) يَحتَمِلُ أن يكونَ صفةً لقراطيس؛ لأنَّ النكرةَ تُوصف بالجُمل. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مستأنفاً(١) حسبما تقدم. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُّبَارَكٌ مُصَدِّقُ اَلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ، وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ تُحَافِقُونَ قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ﴾ يعني القرآن ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ صفة ﴿مُبَرَّةٌ﴾ أي: بُورك فيه، والبركةُ: الزيادة، ويجوز نصبُه في غير القرآن على الحال. وكذا ﴿مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَّهِ﴾ (٢) أي: من الكتب المُنزلة قبلَه، فإنَّه يوافقها في نفي الشِّرك وإثباتِ التوحيد. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يريد مكةَ - وقد تقدَّم معنى تسميتها بذلك(٣) - والمرادُ أهلُها، فحذف المضافَ، أي: أنزلناه للبركة والإنذار. ﴿وَمَنْ حَوْلَمًا﴾ يعني جميعَ الآفاق. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلَّخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بٍِ﴾ يريد أتباعَ محمد﴾، بدليل قوله: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاِهِمْ بُهَافِظُونَ﴾. وإيمانُ مَن آمنَ بالآخرة ولم يؤمن بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام ولا بکتابه غیرُ معتدٍّ به. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَّهِ شَئٌِّ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْمَلَكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيِهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَِكُمِّ أَلْيُوْمَ تُجْزَّوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ابتداء وخبر، أي: لا أحدَ أَظْلمُ. ﴿مِنَّنِ افْتَ﴾ أي: اختلق. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَ﴾ فَزَعم أنه نبيٌّ ﴿وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾. نزلت في (١) يعني قوله تعالى: ((ويخفون كثيراً))، أما قوله: ((يبدونها)) فلم يُذكر فيه سوى وجهٍ واحد، وهو النصب على الصفة لقراطيس. ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٦٠/١، والدر المصون ٣٥/٥ - ٣٦. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٨٢/٢ . (٣) ٢٠٨/٥. ٤٥٨ سورة الأنعام: الآية ٩٣ رحمانِ اليمامة والأسودِ العَنْسِيِّ وسَجَاح زوجٍ مُسيْلِمَة(١)؛ كلُّهم تنبّأ وزعم أن الله قد أَوْحَى إليه. قال قتادة: بلغنا أن هذا أُنزل(٢) في مُسيْلِمة. وقاله ابن عباس. قلت: ومِن هذا النَّمط مَن أَغْرَضَ عن الفقه والسُّنَن، وما كان عليه السَّلَف من السَّنّن، فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكُمون بما يقع في قلوبهم ويَغْلِبُ عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها عن(٣) الأكدار، وخُلُوِّها عن الأغيار، فتتجلَّى لهم العلوم الإلهيةُ والحقائقُ الربَّانية، فيقفون على أسرار الكائنات(٤)، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنُون بها عن أحكام الشرائع الكلِّيات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعيةُ العامَّةُ إنما يُحكم بها على الأغبياء والعامة، وأمَّا الأولياءُ وأهلُ الخصوص فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتُون(٥)؛ ويستدلُّون على هذا بالخَضِر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عمَّا كان عند موسى من تلك الفُهوم. وهذا القولُ زَنْدَقَةٌ وكفر، يُقتل قائلُه ولا يُستتاب، ولا يُحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ (١) ينظر تفسير الطبري ٤٠٧/٩، والنكت والعيون ١٤٣/٢، وأسباب النزول للواحدي ٢١٥/١ . ورحمان اليمامة هو مسيلمة الكذاب، قال ابن الجوزي في المنتظم ٢١/٤: تَسمَّى بذلك لأنه كان يقول: الذي يأتيني اسمه رحمان. وقال الحافظ في الفتح ٨٩/٩: كان يقال له رحمان اليمامة لعظم قدره في قومه. والأسود العنسي هو عَبْهَلة بن كعب، ادعى النبوة في حياة النبي 18، ثم قتله فيروز الديلمي. ينظر المنتظم ١٨/٤ - ٢٠، والمفهم ٦/ ٤٤ . وسجاح هي بنت الحارث التميمية، ادعت النبوة في الردة، وتزوجت مسيلمة، ثم بعد قتله عادت إلى الإسلام، وعاشت إلى خلافة معاوية. الإصابة ٣٢٦/١٢. قال الطبري: وقد دخل في هذه الآية كلُّ مَن كان مختلفاً على الله كذباً. (٢) في (د) و(م): أن الله أنزل هذا، والمثبت من باقي النسخ ومعاني القرآن للنحاس ٤٥٨/٢، والكلام منه، وأخرج الخبر عبد الرزاق في التفسير ٢١٣/١، والطبري ٩/ ٤٠٦ - ٤٠٧ . (٣) في (م): من. (٤) في النسخ: الكليات، والمثبت من المفهم ٢١٨/٥، والكلام منه. (٥) أخرج نحوه أحمد (١٧٧٤٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني عن النبي - قال: ((البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون)). : ٤٥٩ سورة الأنعام: الآية ٩٣ فإنه يلزم منه هدُّ الأحكام، وإثباتُ أنبياءً بعد نبيِّنا﴾. وسيأتي لهذا المعنى في «الکھف»(١) مزیدُ بیان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُّلُ مِثْلَ مَآ أَزَلَ اَلَّهُ﴾ (مَن)) في موضع خفض، أي: ومَن أظلمُ ممن قال سأُنزل(٣)، والمراد عبدُ الله بنُ أبي سَرْح الذي كان يكتب الوَحْيَ لرسول الله ﴾، ثم ارتدَّ ولَحِق بالمشرکین(٣). وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون: أنه لمَّا نزلت الآية [١٢] التي في ((المؤمنون)): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتْرٍ مِّن طِينٍ﴾، دعاه النبيُّ # فأملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْتَهُ خَلْقَا مَاخَرْ﴾، عَجِبَ عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فقال رسول الله﴾: ((هكذا أُنزلت علي)). فشكَّ عبد الله حينئذٍ وقال: لئن كان محمدٌ صادقاً لقد أوحِيَ إليَّ كما أُوحِي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلتُ كما قال. فارتدَّ عن الإسلام ولحِق بالمشركين، فذلك قوله: ﴿وَمَن قَالَ سَأُلُ مِثْلَ مَآَ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ رواه الكلبيُّ عن ابن عباس(٤). وذكره محمد بنُ إسحاقَ قال: حدَّثني شُرَخْبِيل قال: نزلت في عبد الله بنِ سعد ابنِ أبي سرح: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُلُ مِثْلَ مَآ أَزَلَ اللَّهُ﴾؛ ارتدَّ عن الإسلام، فلمَّا دخل رسول الله # مكّةَ أَمر بقتله وقتلٍ عبد الله بنِ خَطَل(٥) ومِقْيسَ بنِ صُبَابة(٦) ولو وُجدوا (١) عند تفسير الآية (٨٢) منها. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٨٢. (٣) أخرجه الطبري ٩/ ٤٠٥ - ٤٠٦ عن عكرمة والسدي. (٤) أسباب النزول للواحدي ص٢١٦؛ وقال الطبري ٩/ ٤٠٧: ولا تَمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح کان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد. (٥) من بني تيم بن غالب، بعثه النبي # بعد أن أسلم مصدّقاً - أي جامعاً للصدقات - وكان معه مولّی له يخدمه وكان مسلماً، فعدا على المولى فقتله ثم ارتد مشركاً، قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. تاريخ الطبري ٥٩/٢ - ٦٠ ٠ (٦) أسلم ثم ارتد، وقتله عبد الله بن نميلة بعد أن أهدر النبي # دمه. تاريخ الطبري ٥٩/٢ - ٦٠. ٤٦٠ سورة الأنعام: الآية ٩٣ تحت أستار الكعبة. ففرَّ عبد الله بنُ أبي سَرْح إلى عثمان ﴾، وكان أخاه من الرضاعة، أَرضعت أمُّه عثمانَ، فغيَّيه عثمان حتى أتى به رسولَ الله :﴿ بعد ما اطمأنَّ أهلُ مكةَ، فاستأمنه له، فصمَت رسول الله # طويلاً، ثم قال: ((نعم)). فلمَّا انصرف عثمان قال رسول الله# لمن حوله(١): ((ما صَمَتُ إلا ليقوم إليه بعضُكم فيضربَ عُنُقَه)). فقال رجل من الأنصار: فهلَّا أوْمَأْتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال: ((إنَّ النبيَّ لا ينبغي أن تكون له خائنةُ الأعين))(٢). قال أبو عمر(٣): وأسلم عبد الله بنُ سعد بنِ أبي سَرْح أيامَ الفتح، فحسُن إسلامه ولم يَظهر منه ما يُنكَر عليه بعد ذلك. وهو أحد النُّجَباء العقلاء الكُرماءِ من قريش، وفارسُ بني عامر بنِ لُؤيُّ المعدودُ فیھم، ثم ولَّاه عثمان بعد ذلك مصرّ سنةً خمس وعشرين. وفُتح على يديه إفرِيقِيَّةُ سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأَسَاوِدَ من أرض النُّوبَة سنة إحدى وثلاثين، وهو [الذي] هادَنهم الهُدْنَ الباقية إلى اليوم. وغزا الصَّوارِي [في البحر] من أرض الرُّوم سنة أربع وثلاثين، فلمَّا رجع من وفاداته منعه ابن أبي حُذيفةً(٤) من دخول الفُسطاط، فمضى إلى عَسْقلان، فأقام فيها حتى قُتل عثمان ﴾. وقيل: بل أقام بالرَّمْلة حتى مات فارًّا من الفتنة. ودعا ربَّه فقال: اللَّهُمّ اجعل خاتمةَ عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلَّى، فقرأ في الركعة الأولى بأمّ القرآن والعاديات، وفي الثانية بأمّ القرآن وسورة، ثم سلَّم عن يمينه، وذهب يسلّم عن يساره فقبض الله روحه؛ ذكر ذلك كلَّه يزيدُ بنُ أبي حبيب وغيرُه. ولم يُبايع لعليٍّ ولا لمعاويةَ رضي الله (١) قوله: لمن حوله، ليس في (م). (٢) أسباب النزول للواحدي ص٢١٦، والاستيعاب ٢٢١/٦. وأخرجه أبو داود (٢٦٨٣) والنسائي مطولاً في المجتبی ٧/ ١٠٥ - ١٠٦ من حديث سعد بن أبي وقاص ﴾. (٣) في الاستيعاب ٦/ ٢٢٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) هو محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ولد في أرض الحبشة في الهجرة الأولى، وكان أبوه من السابقين الأولين البدريين، استولى على مصر بعد أن غادرها ابن أبي سرح لما وفد على عثمان، وقتل بفلسطين سنة (٣٦هـ). السير ٤٧٩/٣ .