النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة الأنعام: الآية ٦٨
المعنى: يا محمدُ إن أنساك الشيطانُ أن تقومَ عنهم، فجالسْتَهم بعد النَّهْي ﴿فَلَا
نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ أي: إذا ذكرتَ فلا تقعد ﴿مَعَ الْقَوْمِ اَللَّلِينَ﴾ يعني المشركين.
والذّكْرَى اسم للتذكير.
الثانية: قيل: هذا خطابٌ للنبيِّ :﴿ والمرادُ أمتُه، ذهبوا إلى تبرئته عليه الصلاة
والسلام(١) من النسيان. وقيل: هو خاصٌّ به، والنسيانُ جائزٌ عليه؛ قال ابن
العربيّ(٢): وإن عذَرْنا أصحابنا في [قولهم: إن] قوله تعالى: ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
◌َمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] خطابٌ للأمة باسم النبيِّ ﴾؛ لاستحالة الشِّرْك عليه، فلا عُذْرَ لهم
في هذا؛ لجَواز النسيان عليه. قال عليه الصلاة والسلام: ((نَسِيَ آدمُ فَنسِيتْ ذَرِّيَّتُه)).
خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه(٣).
وقال مُخْبِراً عن نفسه: ((إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم أَنْسَى كما تَنسَوْن، فإذا نسيتُ
فذكِّروني)). خرَّجه في الصحيح(٤)، فأضاف النسيانَ إليه.
وقال وقد سمع قراءةَ رجل: ((لقد أَذْكَرني آيةَ كذا وكذا كنتُ أُنْسِيتُها))(٥).
واختلفوا بعد جواز النسيان عليه؛ هل يكون فيما طريقُه البلاغُ من الأفعال
وأحكام الشرع أم لا؟ فذهب إلى الأوّل ــ فيما ذكره القاضي عياض(٦) - عامَّةُ العلماء
والأئمةُ النُّظَّار، كما هو ظاهرُ القرآن والأحاديثِ، لكنْ شَرَطَ الأئمةُ أن الله تعالى
ينبّهه على ذلك، ولا يُقِرُّه عليه.
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ٧٣١/٢ (والكلام منه): ذهبوا إلى تنزيه النبي *...
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣١ ، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) سنن الترمذي (٣٠٧٦) من حديث أبي هريرة ، وسلف ٢٩٤/١ .
(٤) صحيح البخاري (٤٠١)، وصحيح مسلم (٥٧٢)، وهو عند أحمد (٣٥٦٦) وهو من حديث عبد الله بن
مسعود ﴾.
(٥) أخرجه البخاري (٥٠٣٨)، ومسلم (٧٨٨)، وهو عند أحمد (٢٤٣٣٥) وهو من حديث عائشة رضي الله
عنها.
(٦) في إكمال المعلم ٢/ ٥١٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ٢/ ١٨٥ .

٤٢٢
سورة الأنعام: الآيتان ٦٨ - ٦٩
ثم اختلفوا هل مِن شرط التنبيه اتصالُه بالحادثة على الفَوْر، وهو مذهب القاضي
أبي بكر(١) والأكثرِ من العلماء. أو يجوز في ذلك التَّراخِي، ما لم يَنخرِم عمرُه،
وينقطعْ تبليغُه، وإليه نحا أبو المَعالِي(٢).
ومنعت طائفة من العلماء السَّهوَ عليه في الأفعال البلاغية، والعبادات الشَّرعية،
كما منعوه اتفاقاً في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه
مال الأستاذُ أبو إسحاق(٣).
وشذَّت الباطِنِيّةُ وطائفةٌ من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز النسيانُ عليه،
وإنَّما يَنْسَى قصداً ويتعمَّد صورةَ النسيان لِيَسُنَّ. ونَحًا إلى هذا عظيمٌ من أئمة التحقيق،
وهو أبو المظفَّر الإسفراينيُّ(٤) في كتابه (الأوسط)). وهو منحی غیرُ سديد، وجمعُ
الضِّدِّ مع الضدِّ مستحيلٌ بعيد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى
لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ()
قال ابن عباس: لمَّا نزل: لا تقعدوا مع المشركين - وهو المراد بقوله: ((فَأَغْرِضْ
عَنْهُمْ)) - قال المسلمون: لا يمكننا دخولُ المسجد والطّوافُ؛ فنزلت هذه الآية(٥).
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: فإن قعدوا - يعني المؤمنين - فليذكِّروهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾
اللهَ في تَّرْك ما هم فيه (٦).
(١) هو الباقلاني، وقد ذكر في التقريب والإرشاد ٤٣٨/١ أنه تقصى الكلام فيما يتعلق بأحكام الرسل في
كتابه: ((الفرق بين معجزات الرسل وكرامات الأولياء)).
(٢) في البرهان ٣٢٠/١ .
(٣) هو الإسفراييني. ينظر البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ٤/ ١٧٣.
(٤) هو شاهفور، طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي، له التفسير الكبير، توفي سنة
(٤٧١ هـ). السير ٤٠١/١٨ .
(٥) أورده الواحدي في الوسيط ٤٨٥/٢ - ٤٨٦، والبغوي ١٠٥/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٠٤/٢. وقال البغوي ١٠٥/٢: فرخص في مجالستهم على الوعظ، لعله يمنعهم
ذلك من الخوض.

٤٢٣
سورة الأنعام: الآيتان ٦٩ - ٧٠
ثم قيل: نُسِخَ هذا بقوله: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْهُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَّرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِيِّةٌ﴾ [النساء: ١٤٠](١)، وإنما
كانت الرُّخْصةُ قبل الفتح، وكان الوقت وقت تَقِيَّة. وأشار بقوله: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى
الْكِتَبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا﴾.
قال القُشَيْريُّ: والأظهرُ أنَّ الآيةَ ليست منسوخةً. والمعنى: ما عليكم شيءٌ من
حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزَجْرِهم، فإن أَبَوْا فحسابُهم على الله.
و((ذِكْرَى)) في موضع نصبٍ على المصدر، ويجوز أن تكونَ في موضع رفع؛ أي:
ولكن الذي يفعلونه ذكرى، أي: ولكنْ عليهم ذكرى. وقال الكِسائيُّ: المعنى: ولكن
هذه ذکری(٢).
قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنّاً
وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبَسَلَ نَفْسُلْ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ
وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ
مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
أي: لا تعلّق قلبك بهم فإنهم أهلُ تَعنّتٍ، وإن كنت مأموراً بوَعْظِهم. قال قتادة:
هذا منسوخ، نسخه: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٥].
ومعنى ﴿لَعِبًا وَلَهَوَا﴾ أي: استهزاءً بالدين الذي دعوتهم إليه. وقيل: استهزؤوا
بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به. والاستهزاء ليس مُسَوَّغاً في دين. وقيل: ((لعِباً
ولَهْواً)): باطلاً وفَرَحاً، وقد تقدَّم هذا (٤).
(١) أخرجه الطبري ٣١٥/٩ - ٣١٦ عن مجاهد والسدي، وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٩/٢
من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال النحاس: هذا خبر ومحال نسخه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٣/٢ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢١٢/٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٢١/٢.
(٤) ص ٣٦٠-٣٦١ من هذا الجزء.

٤٢٤
سورة الأنعام: الآية ٧٠
وجاء اللعب مقدَّماً في أربعة مواضع، وقد نُظِمَتْ:
وكم من موضعٍ هو في القُرآنِ
إذا أتى لعبٌ ولهوٌ
وفي الأنعام منها مَوْضِعانٍ(١)
فحرفٌ في الحديد وفي القتال
وقيل: المراد بالدِّين هنا العِيدُ؛ قال الكلبيُّ: إنَّ الله تعالى جعل لكلِّ قوم عيداً
يعظّمونه ويصلُّون فيه لله تعالى، وكلُّ قوم اتَّخذوا عيدَهم لعباً ولهواً إلا أمةَ محمد﴾،
فإنَّهم اتخذوه صلاةً وذكراً وحضوراً بالصدقة، مثل الجمعة والفِظْرِ والنَّحْر(٢).
قوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنياً﴾ أي: لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بالحساب ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا
كَسَبَتْ﴾ أي: تُرْتَهن وتُسْلَم لِلْهَلَكة؛ عن مجاهد وقتادةَ والحسن وعِكْرمةَ والسُّدِّي(٣).
والإبسال: تسليم المرء للهلاك. هذا هو المعروف في اللغة؛ أَبْسلتُ ولدي:
أزهنته(٤). قال عَوْف بن الأحوص بنِ جعفر :
بَعَوْناه ولا بِدَمِ مُرَاقٍ(٥)
وإنْسالي بَنِيَّ بغيْر ◌ُجُزْمٍ
(بَعَوْناه)) بالعين المهملة، معناه: جنيْناه. والبَعْوُ: الجِناية. وكان حَمَل عن غَنيٍّ
لبني قُشَيْرٍ دَمَ ابني السَّجَفِيَّة، فقالوا: لا نرضى بك، فرهنَهم بَنِيهِ طلباً للصلح(٦).
وأنشد النابغة الجعديُّ:
(١) لم نقف على قائلهما، ولعل صدره: ((إذا ما قد أتى .. )) كي يستقيم الوزن. وينظر البرهان في علوم
القرآن ١٢١/١ للزركشي.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ٤٩٣، وتفسير البغوي ١٠٦/٢ .
(٣) ينظر مجاز القرآن ١٩٤/١، والوسيط ٢٨٦/٢، وتفسير البغوي ١٠٦/٢، وأخرج قولهم الطبري
٣٢٠/٩- ٣٢١، وابن أبي حاتم ١٣١٨/٤. وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٣٠٥ أن المعنى:
لئلا تُبسل، أو كراهية أن تُیسل.
(٤) مجمل اللغة ١٢٥/١.
(٥) مجاز القرآن ١٩٥/١، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١١١٤/٢، ومجمل اللغة ١٢٥/١، والصحاح
(بسل).
(٦) مجاز القرآن ١٩٥/١، والصحاح (بسل).

٤٢٥
سورة الأنعام: الآية ٧٠
بما كان في الدَّرْدَاء رَهْناً فأُبْسِلَا(١)
ونحن رهَنَّا بالأُفاقة عامراً
الدرداء: كتيبة كانت لهم(٢).
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ تقدَّم معناه(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤَخَذْ مِنْهَاً﴾ الآية. العدل: الفِدْية، وقد
تقدم في ((البقرة)) (٤). والحَمِيم: الماء الحارّ(٥)، وفي التنزيل: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ
اٌلْحَمِيمٌ﴾ [الحج: ١٩] الآية، ﴿يَطُوفُونَ بَيِنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ◌َانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
والآية منسوخة بآية القتال. وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأن قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ دِيَهُمْ﴾ تهديد، كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: ٣](٦). ومعناه: لا
تحزن عليهم، فإنما عليك التبليغُ والتذكيرُ بإبسال النفوس. فمَن أُبْسِل فقد أُسْلِم
وارتُهن.
وقيل: أصله التحريم، من قولهم: هذا بَسْلٌ عليك، أي: حرام(٧)، فكأنهم
حُرِموا الجنةَ وحُرِّمت عليهم الجنةُ. قال الشاعر(٨):
أجارتُكُم بَسْلٌ علينا مُحَرَّمٌ وجارتُنا حِلٌّ لكم وحَلِيلُها
والإبسال: التحريم(٩).
(١) ديوان النابغة ص١٢١، ومجاز القرآن ١٩٥/١. والأُفاقة بضم الهمزة: موضع من أرض الحزن قرب
الكوفة، وقيل: هو ماء لبني يربوع. معجم البلدان ٢٢٦/١ .
(٢) الصحاح (بسل).
(٣) ٧٦/٢ و٢٨٥/٤ .
(٤) ٧٩/٢ .
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٣٢٥، وقال الطبري: وإنما هو مفعول صُرف إلى فعيل.
(٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٢١/٢، والإيضاح في ناسخ القرآن ومنسوخه ص٢٨٣ ، وسلف ص٤٢٣
من هذا الجزء من قول قتادة.
(٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٦٢، والنكت والعيون ١٣١/٢.
(٨) هو الأعشی میمون بن قيس، والبيت في ديوانه ص٢٢٥.
(٩) الصحاح (بسل)، وتفسير الطبري ٣٢٢/٩ .

٤٢٦
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
قوله تعالى: ﴿قُلٌ أَنَدْعُواْ مِن دُونٍ اَللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَ يَغُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَاِنَا.
بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ كَلَّذِى أَسْتَهْوَتَّهُ الشَّيَاطِينُ فِ اَلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ:
إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَأُ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَثَّقُوهُ وَهُوَ اَلَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (١٨) وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بَلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ قَوْلُهُ أَلْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ
يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ لَلَكِيمُ الْخَيرُ
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ أَّهِ مَا لَا يَنَفَعُنَا﴾ أي: ما لا ينفعنا إن دَعَوْناه.
﴿وَلَا يَضُّنَا﴾ إن تركناه، يريد الأصنام. ﴿وَثُرَدُّ عَلَ أَعْفَايِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ أي:
نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحدُ الأعقاب: عَقِب، وهو مؤنَّثٌ، وتصغيره
عُقَيْبةُ(١). يقال: رجع فلان على عقبيه: إذا أَدْبَر.
قال أبو عبيدة(٢): يقال لمن رُدَّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد رُدَّ على عقبيه. وقال
المبرّد: معناه: تُعُقِّبَ بالشرِّ بعد الخير، وأصله من العاقبة والعُقبى، وهما ما كان تالياً
للشيء واجباً أن يتبعه، ومنه: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ومنه عَقِب
الرّجل. ومنه العقوبة؛ لأنها تاليةٌ للذنب، وعنه تكون.
قوله تعالى: ﴿كَالَّذِى﴾ الكاف في موضع نصبٍ نعتٍ لمصدرٍ محذوف(٣).
﴿أَسْتَهْوَتُهُ اُلشَّيَِّينُ فِي الأَرْضِ حتَّانَ﴾ أي: استغوته وزيَّنت له هواه ودعته إليه. يقال:
هَوَى يَهْوِي إلى الشيءِ: أَسْرَعَ إليه (٤).
وقال الزجاج: هو من هَوِيَ يَهْوَى؛ مِن هَوَى النفس، أي: زَيَّن له الشيطانُ
هواه(٥).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢ .
(٢) في مجاز القرآن ١٩٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٤٥/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢، والمحرر الوجيز ٣٠٦/٢، قال ابن عطية: تقديره: ردًّا كردِّ الذي.
(٤) كذا جعله ابن قتيبة من هوى يهوي، بمعنى: هوت به الشياطين وأذهبته. تفسير غريب القرآن ص١٥٥ ،
وتهذيب اللغة ٦ / ٤٩١ .
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٦٢، وتهذيب اللغة ٤٩١/٦.

٤٢٧
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
وقراءة الجماعة: ﴿اَسْتَهْوَتّهُ﴾ أي: هوت به، على تأنيث الجماعة. وقرأ حمزة:
((استهواه الشياطين)) على تذكير الجمع(١).
ورُوي عن ابن مسعود: ((استهواه الشيطان))(٢). ورُوي عن الحسن، وهو كذلك
في حرف أُبيّ.
ومعنى ((ائتنا)): تابِعْنا. وفي قراءة عبد الله أيضاً: ((يَدْعُونِه إلى الهُدَى بَيِّناً))(٣).
وعن الحسن أيضاً: ((استهوته الشياطون))(٤).
﴿عَيْرَنَ﴾ نصب على الحال، ولم ينصرف؛ لأن أُنثاه حَيْرَى(٥)، کسَكْرانَ
وسَكْرَى، وغضبان وغَضْبَى.
والحَيْرانُ: هو الذي لا يهتدِي لجهة أمره. وقد حار يَحار حَيْراً وحَيْرَة وحَيْرُورة،
أي: تردَّد. وبه سُمِّي الماء المستنقِعُ الذي لا منفذَ له حائراً، والجمع حُوْرَان.
والحائر: الموضع الذي يتحيَّر فيه الماء(٦). قال الشاعر:
تَخْطُو على بَرْدِيَّتينِ غَذَاهما غَدِقٌ بساحة حائرٍ يَعْبُوبٍ(٧)
قال ابن عباس: أي: مَثَلُ عابِد الصنم مثلُ من دعاه الغُول فيتبعه، فيُصبح وقد
ألقته(٨) في مَضَلَّةٍ ومَهْلَكة، فهو حائر في تلك المَهَامِهِ (٩).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢، والقراءتان في السبعة ص ٢٦٠، والتيسير ص١٠٣، وأمال حمزة
الألف في ((استهواه)).
(٢) القراءات الشاذة ص٣٨، وإعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٨، وأخرجها أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٧١، والطبري ٩/ ٣٣٢.
(٤) القراءات الشاذة ص٣٨، وإعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢، والمحرر الوجيز ٣٠٧/٢. قال النحاس:
وهو لحن. وقال ابن عطية: بل هو شاذ قبيح.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٧٤/٢ .
(٦) ينظر تفسير الرازي ٣٠/١٣، وتهذيب اللغة ٢٣١/٥ .
(٧) قائله قيس بن الخّطيم، وهو في ديوانه ص٥٩ . قال شارح الديوان: يعني ساقين كأنهما في بياضهما
واستوائهما بزدیتان. والبردي نبت. غدق: كثير الماء. يعبوب: طويل.
(٨) في (ظ): ألقاه.
(٩) أخرجه الطبري مطولاً ٣٢٩/٩ - ٣٣٠.

٤٢٨
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
وقال في رواية أبي صالح: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، كان
يدعو أباه إلى الكفر، وأبواه يدعُوَانِه إلى الإسلام والمسلمون، وهو معنى قوله: ﴿
أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى أَلْهُدَى﴾ فيأبى(١).
قال أبو عمر(٢): أمُّه أمُ رُومانَ بنتُ الحارث بنِ غَنْم الكنانية؛ فهو شقيق عائشة.
وشهِد عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر بَدْراً وأُحُداً مع قومه كافراً، ودعا إلى البِرَاز، فقام إليه
أبوه ليبارزه. فذَكَر أنَّ رسولَ الله ﴾ قال له: ((مَتِّعْنِي بنفسك))(٣). ثم أسلم وحَسُنَ
إسلامه، وصحب النبيَّ ﴾ في هُذْنَة الحُدَيْبِيةَ. هذا قولُ أهل السِّيَر. قالوا: كان اسمه
عبدَ الكعبة، فغيَّر رسول الله # اسمَه [وسماه] عبد الرحمن، وكان أَسَنَّ ولدٍ أبي
بكر، ويقال: إنه لم يدرك النبيَّ # أربعةٌ ولاءً: أبٌ وبنوه، إلا أبا قُحافة، وابنَه أبا
بكر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنَه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن. والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأُمِّنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ. وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَنَّقُوهُ﴾ اللام لام
كي، أي: أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة؛ لأنَّ حروف الإضافة يُعطف بعضُها
على بعض.
قال الفَرّاء: المعنى: أمرنا بأن نسلم؛ لأن العربَ تقول: أمرتك لتذهبَ، وبأن
تذهبَ، بمعنّى (٤).
قال النحاس: سمعت أبا الحسن ابنَ كَيْسان يقول: هي لام الخفض، واللامات
كلُّها ثلاث: لامُ خفضٍ، ولامُ أمرٍ، ولامُ توكيد، لا يخرج شيءٌ عنها (٥).
(١) تفسير أبي الليث ٤٩٤/١، والنكت والعيون ١٣٢/٢.
(٢) في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٢٩/٦ - ٣٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٧٤/٣ - ٤٧٥ - وعنه البيهقي في السنن ١٨٦/٨ - من طريق الواقدي،
عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وينظر التلخيص الحبير ١٠١/٤ .
(٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٣٩/١، وللزجاج ٢٦٢/٢ - ٢٦٣، ومشكل إعراب القرآن ٢٥٦/١.
(٥) إعراب القرآن ٢/ ٧٤. وابن كيسان: من جِلَّة النحويين، توفي سنة (٢٨٢هـ). السير ٣٢٩/١٦.

٤٢٩
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
والإسلام: الإخلاص. وإقامة الصلاة: الإتيانُ بها، والدَّوامُ عليها.
ويجوز أن يكونَ ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ﴾ عطفاً على المعنى، أي: يَدْعونه إلى
الهدى، ويدعونه أن أقيموا الصلاة؛ لأن معنى ائتنا: أنِ ائتنا (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ إِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ﴾ ابتداء وخبر، وكذا ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ
السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: فهو الذي يجب أن يُعبدَ لا الأصنامُ. ومعنى ﴿ بِالْحَقِّ﴾ أي:
بكلمة الحق. یعني قوله: ((گُنْ)).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونٌ﴾ أي: واذكر يوم يقول: كن. أو: اتّقوا
يوم يقول: كن. أو: قَدِّرْ يوم يقول: كن. وقيل: هو عطفٌ على الهاء في قوله:
«واتقوه))(٢).
قال الفراء(٣): ((كن فيكون)) يقال: إنه للصُّور خاصَّةً؛ أي: ويومَ يقول للصُّور:
کن، فیکون.
وقيل: المعنى: فيكونُ جميعُ ما أراد من موت الناس وحياتهم. وعلى هذين
التأويلين يكون ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ ابتداءاً وخبراً (٤).
وقيل: إن قولَه تعالى: («قَوْلُهُ)) رفع بـ (يكون))، أي: فيكون ما يأمر به. و((الْحَقُّ»
من نَعْتِه. ويكون التمامُ على هذا: ((فيكونُ قولُه الحق)»(٥).
وقرأ ابن عامر: ((فيكونَ)) بالنصب(٦). وهو إشارةٌ إلى سرعة الحساب والبعث.
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٦٣/٢، وللنحاس ٤٤٦/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٥٦/١ .
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٣٤٠ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٥ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٤٧/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٥٧/١.
(٦) قراءة الجمهور بالرفع، ولم يقرأ ابن عامر بالنصب في هذا الموضع، ولا في ((آل عمران)) الآية: ٥٩،
إنما قرأ به في باقي القرآن. ينظر التيسير ص٧٦ ، وتفسير أبي الليث ٤٩٤/١ وذكر ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٣٨ القراءة بالنصب عن الحسن.

٤٣٠
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
وقد تقدَّم في ((البقرة)) القولُ فيه مستوفّى(١).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ أي: وله المُلْك يومَ ينفخ في الصُّور، أو:
وله الحقُّ يوم ينفخ في الصور. وقيل: هو بدلٌ من ((يوم يقول)(٢).
والصُّور: قَرْن من نُور يُنفخ فيه، النفخة الأولى للفَناء، والثانية للإنشاء(٣). وليس
جَمْعَ صُورة كما زعم بعضُهم؛ أي: ينفخ في صُوَر الموتى(٤)، على ما نبيِّته.
روى مُسْلم من حديث عبد الله بن عمرو: (( ... ثم يُنفخ في الصُّور، فلا يسمعه
أحدٌ إلا أَضْغَى لِيتاً ورَفَعَ ليتاً. قال: وأَوَّلُ مَن يسمعُه رجلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِه. قال:
فَيَصْعَقِ ويَصْعَق الناس، ثم يرسل الله - أو قال: ينزل الله - مطراً كأنه الظَّلُّ، فَتَنْبُتُ
منه أجسادُ الناس، ثم يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون)). وذكر الحديث(٥).
وكذا في التنزيل: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُغْرَى﴾ [الزمر: ٦٨]، ولم يقُل: فيها؛ فعلم أنه ليس
جمعَ الصُّورة.
والأمم مُجْمِعة على أنَّ الذي يَنفخ في الصُّور إسرافيلُ عليه السلام؛ قال أبو
الهَيْئم: مَن أَنْكَر أن يكونَ الصُّور قَرْناً، فهو كمن يُنكر العرشَ والميزانَ والصراطَ،
وطَلَبَ لها تأويلات(٦).
(١) ٣٣٩/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٥ .
(٣) النكت والعيون ١٣٣/٢، دون كلمة: نور. وقد أخرج الإمام أحمد (٦٥٠٧)، والترمذي (٣٢٤٤) عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: ((قرنّ ينفخ فيه)).
وصححه ابن حبان (٧٣١٢)، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٤) ذكر هذا القول الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٤٠، وأبو عبيدة في مجاز القرآن ١٩٦/١. وقال أبو
الليث ٤٩٤/١ : وهذا خلافُ أقاويل جميع المفسرين.
(٥) صحيح مسلم (٢٩٤٠)، وهو عند أحمد (٦٥٥٥). أصغى: أمال. واللَّيت: صفحة العنق، وهو جانبه.
يلوط حوض إبله: يطينه ويصلحه. المفهم ٣٠٢/٧، والنهاية (لوط).
(٦) تهذيب اللغة (صور)، وأبو الهيثم هو الرازي، اشتهر بكنيته، وسلف ذكره ١٣٦/٥.

٤٣١
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٣
قال ابن فارس(١): الصُّور الذي في الحديث كالقَرْن يُنفَخ فيه، والصُّور جمعُ
صورَة.
وقال الجوهري(٢): الصُّور: القَرْن. قال الراجز:
لقد نَطحناهم غَدَاةَ الْجَمْعَينْ نَظْحاً شديداً لا كَنَظْح الصُّورَيْن(٣)
ومنه قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ اُلُّورِ﴾ [النمل: ٨٧]. قال الكَلْبيّ: لا أدري ما هو
الصُّور! ويقال: هو جمع صُورة، مثلُ بُسْرَة ويُسْر؛ أي: يُنفخ في صُوَر الموتى
(٤)
والأرواح(٤).
وقرأ الحسن: ((يومَ يُنْفخُ في الصُّوَر))(٥).
والصِّوَر - بكسر الصاد - لغة في الصُّوَر جمع صُورة(٦)، والصيران جمع صِوار،
وصِیار ۔ بالياء - لغة فيه.
وقال عمرو بن عبيد: قرأ عِياض: ((يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّوَر)) فهذا يعني به الخلقَ(٧).
والله أعلم.
قلت: وممن قال إنَّ المرادَ بالصُّور في هذه الآية جمعُ صُورة أبو عبيدة(٨). وهذا
وإن كان محتملاً، فهو مردودٌ بما ذكرناه من الكتاب والسُّنّة. وأيضاً لا يُنْفخ في الصور
(١) مجمل اللغة ٥٤٥/٢ . قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ١٩٦/١: هو بمنزلة قولهم: سور المدينة،
واحدتها: سورة.
(٢) في الصحاح (صور).
(٣) هو في أمالي القالي ٣٦/١، والصحاح (صور). ولم نقف على قائله.
(٤) الصحاح (صور).
(٥) القراءات الشاذة ص٣٨، والصحاح (صور).
(٦) بعدها في النسخ: والجمع صوار، والمثبت من الصحاح (صور)، والكلام منه، وهو الموافق لما في
كتب اللغة، والصِّوار: القطيع من البقر، والصوار أيضاً: وعاء المسك.
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٤٨/٢، وقراءة عمرو بن عبيد عن عياض ذكرها أبوحيان في البحر ٤/ ١٦١ .
(٨) في مجاز القرآن ١٩٦/١.

٤٣٢
سورة الأنعام: الآيات ٧١ - ٧٤
للبعث مرتين، بل يُنفخ فيه مرةً واحدة، فإسرافيل عليه السلام يَنفخ في الصُّور الذي
هو القَرْن، والله عزَّ وجلَّ يُحيي الصُّوَر. وفي التنزيل: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾
[التحريم: ١٢].
قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيّبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ برفع ((عالم)) صفة لـ ((الذِي))، أي: وهو
الذي خلق السماواتِ والأرضَ عالمُ الغيب، ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ(١).
وقد رُوي عن بعضهم أنه قرأ: ((يَنْفُخ))، فيجوز أن يكون الفاعلُ: ((عَالِمُ الغَيْبِ))؛
لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله عزَّ وجلَّ كان منسوباً إلى الله تعالى.
ويجوز أن يكون ارتفع ﴿عَالِمُ﴾ حملاً على المعنى(٢)، كما أنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لخصُومةٍ(٣)
وقرأ الحسن والأعمش: ((عالِم)) بالخفض على البدل من الهاء التي في ((له))(٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنَّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ
فِي ضَلَلٍ تُبِينٍ (9َ﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ مَاذَرَ﴾ تكلَّم العلماء في هذا، فقال أبو بكرٍ
محمد بنُ محمد بنِ الحسن الجُوَيْنِيُّ الشافعيُّ الأشعريُّ في النكت من التفسير له(٥):
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٥/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٥/٢، والمقصود: أنه مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف يدل عليه الفعل
المبني للمفعول؛ لأنه لما قال: ((يُنفخ في الصور)) سأل سائل: مَن الذي ينفخ؟ فقيل: عالم الغيب، أي:
يأمر بالنفخ فيه. الدر المصون ٤/ ٦٩٤ .
(٣) الكتاب ٢٨٨/١ و٣٦٦ ونسبه سيبويه الحارث بن نهيك، ونسبه البصري في الحماسة البصرية ٢٦٩/١
الحارث بن ضرار النهشلي، ونسب أيضاً لغيرهما، قال البغدادي: والصواب أنها لنهشل بن حَرِّيٍّ. ينظر
الخزانة ٣٠٣/١ - ٣١٣ . وعجزه: ومختبطٌ مما تطيح الطوائحُ. والشاهد فيه، قال سيبويه: لما قال:
لییك یزید، کان فيه معنی: لَيْك یزیدَ ضارعٌ.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٧٥/٢، والقراءات الشاذة ص٣٨ .
(٥) لم نقف عليه، ولعله يريد أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد النقاش صاحب تفسير شفاء الصدور. ينظر
السير ٥٧٣/١٥ . وما سينقله المصنف عنه قاله الزجاج بتمامه في معاني القرآن ٢٦٥/٢.

٤٣٣
سورة الأنعام: الآية ٧٤
وليس بين الناس(١) اختلافٌ في أنَّ اسمَ والد إبراهيم تَارَح(٢). والذي في القرآن يدلُّ
على أنَّ اسمَه آزَر.
وقيل: آزَرُ عندهم ذَمٌّ في لغتهم، كأنه قال: وإذ قال لأبيه: يا مخطئ ﴿أَتَتَّخِذُ
أَصْنَامًا ءَالِهَةٌّ﴾، وإذا كان كذلك فالاختيارُ الرفعُ.
وقيل: آزرُ اسم صنم. وإذا كان كذلك، فموضعُه نصبٌ على إضمار الفعل، كأنه
قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه: أتتخذُ آزَرَ إلهاً، أتتخذ أصناماً آلهة؟
قلت: ما ادَّعاه من الاتفاق ليس عليه وِفاقٌ؛ فقد قال محمد بنُ إسحاق والكلبيُّ
والضحاكُ: إنَّ آزر أبو إبراهيم عليه السلام، وهو تارَح، مثل إسرائيل ويعقوب(٣).
قلت: فیکون له اسمان كما تقدَّم.
وقال مقاتل: آزرُ لقب، وتارَح اسم(٤). وحكاه الثعلبيُّ عن ابن إسحاق(٥).
القُشَيْريّ(٦). ويجوز أن يكون على العكس؛ قال الحسن: كان اسم أبيه آزر(٧).
وقال سليمانُ التَّيْمِيُّ: هو سَبٍّ وعَيْب، ومعناه في كلامهم: المُعْوَجُ(٨). وروى
المُعْتَمِرِ بنُ سليمان، عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، وهي أشدُّ كلمة قالها إبراهيمُ
لأبيه(٩).
وقال الضحّاك: معنى آزر: الشيخُ الهِمُّ بالفارسية (١٠).
(١) في معاني القرآن للزجاج: وليس بين النسابين.
(٢) بتاء مثناة فوقية، وألف بعدها راء مهملة، وحاء مهملة، ويروى بالخاء المعجمة. روح المعاني ٧/ ١٩٤.
(٣) تفسير البغوي ١٠٨/٢، وينظر سيرة ابن هشام ٢/١ و٣.
(٤) تفسير البغوي ١٠٨/٢ .
(٥) عرائس المجالس ص٧٤ .
(٦) كذا في النسخ، ولعل ما بعده من قوله. ولم نقف عليه.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٢، وأخرجه الطبري ٩/ ٣٤٣ عن السدي.
(٨) تفسير البغوي ١٠٨/٢ .
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢٥ (٧٤٩٣)، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٧٦/٢ .
(١٠) إعراب القرآن ٧٦/٢، وذكره البغوي ١٠٨/٢ ولم ينسبه، وقوله: الهم بالفارسية، ليس في إعراب
القرآن، ووقع عند البغوي: الهرم، بدل: الهم. والهِمُّ بالكسر: الشيخ الكبير البالي. اللسان (همم).

٤٣٤
سورة الأنعام: الآية ٧٤
وقال الفرَّاء: هي صفة ذَمِّ بلغتهم، كأنه قال: يا مخطئُ، فيمن رَفَعه. أو كأنه
قال: وإذ قال إبراهيمُ لأبيه المخطئ، فيمن خَفَض (١).
ولا ينصرف؛ لأنه على أفعل؛ قاله النحاس(٢). وقال الجوهري (٣): آزرُ اسم
أعجمي، وهو مشتقّ من آزَرَ فلانٌ فلاناً: إذا عاونَه، فهو مُؤازِرٌ قومَه على عبادة
الأصنام.
وقيل: هو مشتقٌّ من القوَّة. والأَزْر: القوَّة. عن ابن فارس(٤).
وقال مجاهد ويَمان: آزر اسم صنم(٥). وهو في هذا التأويل في موضع نصب،
التقدير: أتتخذ آزرَ إلهاً، أتتخذ أصناماً (٦).
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: أتتخذ آزر أصناماً(٧).
قلت: فعلى هذا آزرُ اسمُ جنس. والله أعلم.
وقال الثعلبيُّ في كتاب ((العرائس))(٨): إنَّ اسم أبي إبراهيم الذي سمَّاه به أبوه:
تارَح، فلما صار مع النُّمروذ قَيِّماً على خِزانة آلهتِهِ سمَّاه آزر. وقال مجاهد: إنَّ آزر
ليس باسم أبيه، وإنما هو اسمُ صنم. وهو إبراهيم بن تارَخ بن ناحور بن ساروغ بن
(١) هذا الكلام ليس للفراء، وإنما هو للزجاج في معاني القرآن له ٢/ ٢٦٥، وقد سلف بعضه في بداية
تفسير الآية. وقول الفراء في معاني القرآن له ١/ ٣٤٠: وقد بلغني أن معنى ((آزر) في كلامهم معوج،
کأنه عابه بزیغه وبعوجه عن الحق.
(٢) في إعراب القرآن ٧٦/٢ .
(٣) في الصحاح (صور).
(٤) في مجمل اللغة ٩٥/١ .
(٥) أخرجه عن مجاهد الطبري ٩/ ٣٤٤، ويمان - ولعله ابن رئاب - لم نقف على قوله.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٦٥/٢، وقد سلف هذا الكلام في بداية تفسير الآية، وأخرجه عن مجاهد
الطبري ٩/ ٣٤٤ .
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٣٤٤ عن السدي، وقال: والعرب لا تنصب اسماً بفعل بعد حرف الاستفهام؛ لا
تقول: أخاك أكلمت.
(٨) ص٧٤، وهو المعروف بقصص الأنبياء، وما سيرد بين حاصرتين منه.

٤٣٥
سورة الأنعام: الآيتان ٧٤ - ٧٥
أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ [بن فينان] بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
و(آزر)) فيه قراءات: ((أإِزْراً)) بهمزتين، الأولى مفتوحةٌ والثانيةُ مكسورة؛ عن ابن
عباس(١). وعنه ((أأزْراً)) بهمزتين مفتوحتين(٢). وقرئ بالرفع، وروي ذلك عن ابن
عباس(٣). وعلى القراءتين الأوليين عنه ((تَّخذ)) بغير همزة.
قال المَهْدَوِيّ: أازراً؟ فقيل: إنه اسم صنم، فهو منصوب على تقدير: أتتخذ
إزراً؟ وكذلك أأزراً.
ويجوز أن يُجعل ((أإِزراً))(٤) على أنه مشتقٍّ من الأَزْر، وهو الظهر، فيكون مفعولاً
من أجله، كأنه قال: أللقوةٍ تتخذ أصناماً. ويجوز أن يكون إِزر بمعنى وِزر، أُبدلتِ
الواوُ همزةً.
قال القُشيرِيُّ: ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم وردِّه على أبيه في
عبادة الأصنام. وأوْلَى الناس باتباع إبراهيم العربُ؛ فإنَّهم ذريتُه. أي: واذكر إذ قال
إبراهيم. أو: ((وذكِّرْ به أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بما كَسَبَتْ)) وذَكِّر إذ قال إبراهيم.
وقرئ: ((آزرُ)) أي: يا آزرُ، على النداء المفْرَدِ، وهي قراءة أُبَيِّ ويعقوبَ
وغيرِهما(٥). وهو يقوِّي قول من يقول: إنَّ آزرَ اسمُ أب إبراهيم.
((أَتَّخِذُ أَضْنَاماً آلِهَةً)) مفعولان لـ ((تتخذ))، وهو استفهام فيه معنى الإنكار(٦).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
اُلْمُوقِنِينَ
٧٥)
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مُلْك، وزيدت
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٢، والقراءات الشاذة ص٣٨، والمحتسب ٢٢٣/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٢، والمحتسب ٢٢٣/١.
(٣) المحتسب ٢٢٣/١ . وهي قراءة يعقوب على ما يأتي.
(٤) كذا قيَّدها النحاس في إعراب القرآن ٧٦/٢ بفتح الهمزة الأولى، وكسر الهمزة الثانية، وهي القراءة
المروية عن ابن عباس كما سلف.
(٥) النشر ٢٥٩/٢ عن يعقوب، وهو من العشرة. والمحتسب ٢٢٣/١ عن أبيٍّ وغيره.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٢ .

٤٣٦
سورة الأنعام: الآية ٧٥
الواو والتاء للمبالغة في الصفة، ومثلُه: الرَّغَبُوت والرَّهَبُوت والجَبَروت(١).
وقرأ أبو السَّمَّال العدويُّ: ((مَلْكوت» بإسكان اللام. ولا يجوز عند سيبويه حذفُ
الفتحة لخفَّتها، ولعلَّها لغة(٢).
و(«نُرِي)) بمعنى: أَرَيْنا؛ فهو بمعنى المُضِيِّ. فقيل: أراد به ما في السماوات من
عبادة الملائكة والعجائبٍ، وما في الأرض من عصيان بني آدم، فكان يدعو على مَن
يَراه يَعصي فيُهلِكُه الله، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم أَمْسِكْ عن عبادي، أما علمتَ أنَّ
من أسمائي الصَّبور(٣). رَوَى معناه عليٍّ عن النبيِّ ﴾(٤).
وقيل: كشف الله له عن السماوات والأرض حتى العرشِ وأسفلِ الأَرَضين.
وروى ابن ◌ُريح عن القاسم، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ قال: فُرِجت له السماوات السبع،
فنظر إليهنَّ حتى انتهى إلى العرش، وفُرجت له الأرضونَ، فنظر إليهنَّ(٥). ورأى مكانَه
في الجنة، فذلك قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَؤُ فِ الذُّنيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ عن السُّدِّي(٦).
وقال الضخَّاك: أراه مِن مَلكوت السماء ما قصَّه من الكواكب، ومِن ملكوت
الأرض البحارَ والجبالَ والأشجارَ، ونحو ذلك مما استدلَّ به. وقال بنحوه ابنُ
عباس(٧).
وقال: جُعل حين وُلد في سَرَب، وجُعل رزقُه في أطراف أصابعه، فكان يَمَصُّها،
وكان نُمْروذُ اللَّعينُ رأى رؤيا، فعبِّرت له أنه يَذهبُ ملكُه على يدَيْ مولودٍ يُولد؛ فأمر
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٦٥/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٢، والقراءة ذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١١/٢.
(٣) أخرج الطبري ٩/ ٣٥٠ - ٣٥١ أخباراً بهذا المعنى عن سلمان وعطاء وغيرهما.
(٤) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٤/٣، وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٠٠) عن معاذ. قال
ابن كثير عند تفسير هذه الآية: لا يصح إسنادهما.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٤٩/٢، وأخرجه الطبري ٣٤٩/٩ و٣٥٠ عن مجاهد.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور (٨٨٣ - تفسير)، والطبري ٣٤٩/٩ - ٣٥٠.
(٧) أخرجه الطبري عنهما ٣٥٢/٩، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٣١٢) عن ابن عباس.

٤٣٧
سورة الأنعام: الآية ٧٥
بعّزْل الرجال عن النساء. وقيل: أمر بقتل كلِّ مولود ذَكَر. وكان آزر من المقرَّبين عند
الملك نُمْروذ، فأرسله يوماً في بعض حوائجه، فواقَعَ امرأته فحملت بإبراهيم. وقيل:
بل واقعها في بيت الأصنام فحملت. وخرَّت الأصنام على وجوهها حينئذ، فحملها
إلى بعض الشِعاب حتى ولدت إبراهيم، وحَفَر لإبراهيمَ سَرَباً في الأرض، ووضع
على بابه صخرةً لئلا تفترسَه السباعُ، وكانت أُمُّه تختلف إليه فتُرضعه، وكانت تجدُه
يَمصُّ أصابعَه، من أحدها عسلٌ، ومن الآخر ماءٌ، ومن الآخر لبنٌّ، وشَبَّ فكان على
سَنةٍ مثلَ ابنِ ثلاثٍ سنين. فلما أخرجه من السَّرَب توهّمه الناسُ أنه وُلد منذ سنين،
فقال لأمِّه: مَن ربِّي؟ فقالت: أنا. فقال: ومَن ربُّك؟ قالت: أبوك. قال: ومَن ربُّه؟
قالت: نُمروذ. قال: ومَن ربُّه؟ فلَطَمته، وعلمت أنه الذي يذهب مُلْكُهم على يديه.
والقصَصُ في هذا تأمُّ في ((قصص الأنبياء)) للكسائي(١)، وهو كتابٌ حسنٌ نظيف
مما يُفْتَرَى(٢).
وقال بعضهم: كان مولدُه بحرَّان، ولكنْ أبوه نَقَله إلى أرض بابل. وقال عامةُ
السَّلَف من أهل العلم: وُلد إبراهيم في زمن النمروذ بن كنعان بن سنجاریب بن کوش
ابن سام بن نوح. وقد مضى ذكره في ((البقرة))(٣). وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيمَ
ألفٌ ومئتا سنة وثلاثٌ وستون سنة؛ وذلك بعد خلق آدمَ بثلاث آلاف سنة وثلاث مئة
سنةٍ وثلاثين سنة (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ أي: وليكون من الموقنين أَرَیْناه ذلك، أي:
المَلَكوت.
(١) ص٢٠٠ وما بعدها، والكسائي صاحب هذا الكتاب هو محمد بن عبد الله أبو الحسن. ينظر الإعلان
والتوبيخ للسخاوي ص ١٦٠ . وذكر هذه القصص أيضاً الثعلبي في العرائس ص٧٤ - ٧٦ .
(٢) في (م): وهو كتاب مما يقتدى به. وفي (خ): لطيف. اهـ. والكتاب بجملته حافلٌ بالإسرائيليات.
(٣) ٢٨٧/٤، وينظر عرائس المجالس ص٧٤ .
(٤) عرائس المجالس ص٧٤ ، ووقع فيه : ... وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف وسبع وثلاثين سنة.

٤٣٨
سورة الأنعام: الآية ٧٦
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَقْلَ قَالَ لَّ أُحِبُّ
آلَفِلِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَيْلُ﴾ أي: سَتَره بظُلْمته، ومنه: الجَنَّة والجِنَّة
والجُنَّة، والجَنين والمِجَنُّ والجِنُّ، كلُّه بمعنى السِّتْر. وجَنان الليل: ادْلِهِمامُه وسَتره.
قال الشاعر:
ولولا جَنانُ الليل أدركَ رَكْضُنَا بِذِي الرِّمْثِ والأَرْطَى عِيَاضَ بنَ ناشِبٍ(١)
ويقال: جُنون الليل أيضاً. ويقال: جَنَّهُ الليلُ، وأجَنَّه الليلُ، لغتان(٢).
﴿رَءَا كَوَكَبٌ﴾ هذه قصَّة أخرى، غيرُ قصَّةِ عرض المَلَكوت عليه. فقيل: رأى ذلك
من شقِّ الصخرة الموضوعة على رأس السَّرَب.
وقيل: لمَّا أخرجه أبوه من السَّرَب، وكان وقتَ غيبوبة الشمسِ، فرأى الإبلَ
والخيلَ والغَنم، فقال: لا بدَّ لها من رَبِّ. ورأى المُشْتَرِيَ - أو الزُّهَرةَ - ثم القمرَ، ثم
الشمسَ، وكان هذا في آخِر الشهر(٣).
قال محمد بنُّ إسحاق: وكان ابنَ خمسَ عَشْرةَ سنة. وقيل: ابنَ سبع سنين.
وقيل: لمَّا حاجَّ نمروذاً كان ابنَ سبعَ عشرةَ سنة.
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ اختلف في معناه على أقوال، فقيل: كان هذا منه في
مُهْلةِ النَّظر وحال الطفُولِيَّة وقبل قيام الحجة؛ وفي تلك الحال لا يكون كفرٌ ولا
إيمانٌ(٤). فاستدلَّ قائلو هذه المقالةِ بما روي عن عليٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابن عباس
(١) نسبه الجوهري في الصحاح (جنن) لخفاف بن ندبة، ونسبه ابن السكيت في إصلاح المنطق ص٣٢٦
لدريد بن الصمة، وهو في ديوان دريد ص٢٩ . الرمث: واد لبني أسد. معجم البلدان ٦٨/٣،
والأرطى: اسم مكان. ينظر الاختيارين ص٥١٦ .
(٢) الصحاح (جنن).
(٣) عرائس المجالس ص٧٦، وتفسير البغوي ١١٠/٢.
(٤) تفسير الطبري ٩/ ٣٦٠، والنكت والعيون ١٣٦/٢.

٤٣٩
سورة الأنعام: الآية ٧٦
قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبٌَّ قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ فعبده حتى غاب عنه(١)، وكذلك
الشمس والقمر، فلما تَمَّ نظرُه قال: ﴿إِّ بَرِىٌّ مَِّّا تُشْرِكُونَ﴾. واستَدَلَّ بالأُفول؛ لأنَّه
أُظھرُ الآيات على الحدوث.
وقال قومٌ: هذا لا يصحُّ، وقالوا: غيرُ جائز أن يكونَ لِله تعالى رسولٌ يأتي عليه
وقتٌّ من الأوقات إلا وهو لِله تعالى مُؤَخِّدٌ، وبه عارِفٌ، ومِن كلِّ معبود سواه بريءٌ.
قالوا: وكيف يصحُّ أن يُتوهّم هذا على مَن عَصَمه الله وآتاه رُشْدَه من قبلُ، وأَراه
مَلكوتَه ليكون من المُوقِنِينَ(٢)؟! ولا يجوز أن يُوصفَ بالخُلوِّ عن المعرفة، بل عَرَف
الربَّ أَوَّلَ النظر.
قال الزجَّاج (٣): هذا الجوابُ عندي خطأً وغلطٌ ممن قاله، وقد أخبر الله تعالى
عن إبراهيمَ أنَّه قال: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَفِىَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال جلَّ وعزَّ:
﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] أي: لم يُشرك به قَطُ.
قال: والجوابُ عندي أنه قال: ((هذا ربِّي)) على قولكم؛ لأنَّهم كانوا يعبدون
الأصنامَ والشمسَ والقمرَ، ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَلِىَ﴾ [النحل: ٢٧] وهو
جلَّ وعلا واحدٌ لا شريكَ له. والمعنى: أين شركائي على قولكم.
وقيل: لمَّا خرج إبراهيم من السَّرَب رأى ضوءَ الكوكب، وهو طالبٌ لربِّه، فظنَّ
أنه ضوءُه فقال: ((هذا ربي)) أي: بأنه يتراءى لي نورُه، ﴿فَلَمَّا أَقْلَ﴾ علم أنه ليس بربِّه،
﴿فَلَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِفًا﴾ ونظر إلى ضوئه ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ قَلَمَّا أَقْلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِ رَقِّ
لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الَّآلِينَ. فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِعَةً قَالَ هَذَا رَبِ﴾ وليس هذا شِرْكاً. إنما
نَسب ذلك الضوءَ إلى ربِّه، فلما رآه زائلاً دَلَّه العلمُ على أنه غيرُ مستحِقٌّ لذلك، فتفاه
بقلبه، وعَلِم أنَّ هذا مربوبٌ ولیس بربّ.
(١) أخرجه الطبري ٣٥٦/٩.
(٢) تفسير الطبري ٣٥٩/٩، وتفسير البغوي ١١٠/٢.
(٣) في معاني القرآن ٢٦٦/٢ - ٢٦٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٢/ ٤٥٠-٤٥١.

٤٤٠
سورة الأنعام: الآية ٧٦
وقيل: إنَّما قال: ((هذا ربي)) لتقرير الحجَّة على قومه، فَأَظْهَر موافقتهم، فلما أفَلَ
النَّجمُ قرَّر الحجةَ وقال: ما تَغيَّر لا يجوز أن يكونَ رَبًّا. وكانوا يعظّمون النجومَ
ويعبدونها ویحکمون بها.
وقال النحاس(١): ومِن أحسن ما قيل في هذا، ما صحَّ عن ابن عباسٍ أنَّه قال:
في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿نُورٌّ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] قال: كذا(٢) قلبُ المؤمن يعرِف الله
عزَّ وجلَّ ويستدلُّ عليه بقلبه، فإذا عَرَفه ازداد نوراً على نور. وكذا إبراهيمُ عليه
السلام، عَرَف الله عزَّ وجلَّ بقلبه، واستدلَّ عليه بدلائله، فعلم أنَّ له رَبًّا وخالقاً. فلما
عرَّفه الله عزَّ وجلَّ بنفسه، ازداد معرفةً فقال: ﴿أَتُمَُّّوْنٍ فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ﴾.
وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، مُنْكِراً لفعلهم. والمعنى: أهذا ربي؟
أو: مثلُ هذا يكون ربًّا؟ فحذف الهمزة. وفي التنزيل: ﴿أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِّدُونَ﴾
[الأنبياء: ٣٤] أي: أَفَهُم الخالدون(٣). وقال الهُذَليُ(٤):
فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ
رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلِدُ لَا تُرَغْ(٥)
آخر (٦):
بسبع رَمَيْنَ الجَمْرَ أُمْ بِثَمانِ
لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كنتُ دارِياً
وقيل: المعنى: هذا ربِّي على زعمكم، كما قال تعالى: ﴿أَنَ شُرَكَآِىَ الَّذِينَ كُرْ
تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢، ٧٤]. وقال: ﴿ذُقْ إِنََّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]
أي: عند نفسك. وقيل: المعنى أي: وأنتم تقولون هذا ربِّي، فأَضمر القولَ،
(١) في إعراب القرآن ٢/ ٧٧ .
(٢) في (د) و(م): كذلك.
(٣) تفسير الطبري ٣٦٠/٩، والنكت والعيون ١٣٧/٢، وتفسير البغوي ١١٠/٢.
(٤) هو أبو خراش، والبيت في ديوان الهذليين ١٤٤/٢، وسلف ٤٦٩/٦.
(٥) في (د) و(خ): لم ترع، وهو رواية أخرى في البيت.
(٦) هو عمر بن أبي ربيعة، والبيت في ديوانه ص٢٠٩، والكتاب ١٧٥/٣، والكامل ٧٩٣/٢، والخزانة
بسبع ...
١٢٢/١١، ورواية الديوان: فوالله ما أدري وإني لحاسب