النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة الأنعام: الآية ٥٩ الأولى: جاء في الخبر أنَّ هذه الآيةَ لمَّا نزلت، نزل معها اثنا عَشَرَ ألفَ مَلَك(١). وروى البخارِيُّ(٢) عن ابن عمر عن النبيِّ﴾ قال: ((مفاتِحُ الغيب خمسٌ لا يَعْلمُها إلَّا الله: لا يعلمُ ما تَغِيضُ الأرحامُ إلَّا اللهُ، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا اللهُ، ولا يعلم متى يأتي المطرُ إلَّا الله، ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرض تموتُ إلَّا اللهُ، ولا يعلم متى تقوم الساعةُ إلَّا الله». وفي صحيح مسلم (٣) عن عائشة قالت: مَن زَعَم أنَّ رسول اللـه ﴿ يُخبِرُ بما يكون في غدٍ، فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيةَ، واللهُ تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلََّ اَللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. ومفاتح: جمع مِفْتَح، هذه اللغةُ الفصيحة. ويقال: مفتاح، ويُجمع مفاتيح(٤). وهذه قراءةُ ابنِ السمَيْفَعِ: ((مفاتِيح))(٥). والمِفْتَحِ: عبارةٌ عن كلِّ ما يَحُلُّ غَلَقاً، محسوساً كان كالقُفْل على البيت، أو معقولاً كالنظر (٦). وروى ابن ماجه في ((سننه)) وأبو حاتم البُسْتيُّ في ((صحيحه)) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه *: ((إنَّ مِن الناس مفاتيحَ للخير مَغَالِيقَ للشرِّ، وإنَّ من الناس مفاتيحَ للشرِّ مغالِيقَ للخير، فطوبى لمن جَعَلَ الله مفاتیحَ الخیر علی یدیه، وويْلٌ لمن جعل الله مفاتيحَ الشرِّ على يديه))(٧). (١) سلف ص٣١١ من هذا الجزء. (٢) في صحيحه (٤٦٩٧). (٣) برقم (١٧٧)، وهو عند البخاري (٤٨٥٥). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧١ . (٥) البحر المحيط ١٤٤/٤، وأوردها الزمخشري في الكشاف ٢٤/٢ دون نسبة. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٢٧/٢ . (٧) سنن ابن ماجه (٢٣٧) ولم نقف عليه عند ابن حبان. وضعَّف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٧٨/١. وفي الباب عن سهل بن سعد أخرجه ابن ماجه (٢٣٨)، وأبو يعلى (٧٥٢٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٠٠/١ ، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال البخاري: لا يصح حديثه. ٤٠٢ سورة الأنعام: الآية ٥٩ وهو في الآية استعارةٌ عن التوصُّل إلى الغيوب، كما يُتَوَصَّل في الشاهد بالمفتاح إلى المُغيَّب عن الإنسان(١)، ولذلك قال بعضهم: هو مأخوذٌ من قول الناس: افتح عليَّ كذا؛ أي: أعطني، أو علّمني ما أتوصَّل إليه به(٢). فالله تعالى عنده علمُ الغيب، وبيده الظُرُق الموصلةُ إليه، لا يملكها إلا هو، فمَن شاء إطلاعَه عليها أطلعه، ومَن شاء حَجْبَهُ عنها حَجَبَهُ. ولا يكون ذلك من إفاضته(٣) إلّا على رسله؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اَللَّهَ يَهْتَبِ مِن ◌ُسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩](٤). وقال: ﴿عَلِمُ الْغَيْءٍ فَلَا يُظْهِرُ عَلَ غَيْبِهِ أَحَدَا إِلَّا مَنْ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الآيةَ [الجن: ٢٦]. وقيل: المرادُ بالمفاتح: خزائنُ الرزق؛ عن السُّدِّيِّ(٥) والحسن. مُقاتِل والضحَّاك: خزائن الأرض(٦). وهذا مجازٌ، عبَّر عنها بما يُتَوصَّل إليها به. وقيل غيرُ هذا مما یتضمَّنه معنى الحدیث(٧)، أي: عنده الآجالُ ووقتُ انقضائها. وقيل: عواقبُ الأعمار وخواتمُ الأعمال، إلى غير هذا من الأقوال. والأوَّلُ المختار. والله أعلم. الثانية: قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آيةٍ من كتابه، إلا مَن اصطفى من عباده. فمن قال: إنه يَنزِلُ الغَيْثُ غداً وجزم، فهو كافر، أَخبر عنه بأمَارة ادَّعاها أم لا. وكذلك مَن قال: إنه يعلم ما في الرَّحِم فهو كافر(٨). (١) المحرر الوجيز ٢٩٩/٢ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٢٩/٢ . (٣) في (د) و(ز): إفاضة. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٠/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٨٢/٩، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٧٢٩/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٩/٢ ، وهو عندهم بلفظ: خزائن الغيب. (٦) ذكر قولهما البغوي ١٠٢/٢ . (٧) يعني حديث ابن عمر الذي سلف في بداية المسألة. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٠/٢ . ٤٠٣ سورة الأنعام: الآية ٥٩ فإن لم يجزم وقال: إن النَّوْءِ (١) يُنْزِلُ الله به الماءَ عادةً(٢)، وأنه سببُ الماء على ما قدَّره وسَبَقَ في علمه؛ لم يكفُر، إلَّا أنه يستحبُّ له ألَّا يتكلّم به، فإن فيه تشبيهاً بكلمة أهل الكفر، وجهلاً بلطيف حكمته؛ لأنه ينزلُ متى شاء، مرةً بنَوْءِ كذا، ومرة دون النّوءِ(٣)، قال الله تعالى: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافرٌ بالکوکب) على ما يأتي بيانه في ((الواقعة)) إن شاء الله(٤). قال ابن العربيَّ(٥): وكذلك قولُ الطبيب: إذا كان النَّديُ الأيمنُ مُسْوَدَّ الحَلَمة فهو ذكر، وإن كان [ذلك] في الثدي الأيسرِ فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجَنْبَ الأيمن أَثْقَلَ [فهو ذكر، وإن وَجَدت الجنب الأَشْأَم أَثْقَلَ] فالولد أنثى. وادَّعى ذلك عادةً لا واجباً في الخِلقة، لم يُكَفَّر ولم يفسَّق. وأما مَن ادَّعى الكَسْبَ في مستقبل العمر فهو كافر. أو أَخبر عن الكوائن المجمّلة أو المفصَّلة في أنْ تكون قبل أن تكون، فلا رِيبةً في كفره أيضاً. فأمّا مَن أخبر عن كسوف الشمس والقمر، فقد قال علماؤنا: يؤذَّبُ ويُسجن ولا يكفّر(٦). أمَّا عَدَمُ تكفيره فلأنَّ جماعةً قالوا: إنه أمرٌ يُدرَك بالحساب وتقدير المنازل، حَسْبَ ما أخبر الله عنه من قوله: ﴿وَلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾، وأما أَدَبُهم فِلِأنَّهم يُدْخِلون الشكَّ على العامَّة؛ إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره، فيشوِّشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين(٧)، فأُدِّبوا حتى يُسِرُّوا(٨) ذلك إذا عَرَفوه ولا يعلِنوا به. (١) النوء لغة: النهوض، وكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق، وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح، فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم مَن ينسبه إلى الغارب الساقط، نسبة إيجاد واختراع. المفهم ٢٦٠/١ . (٢) بعدها في (م): وأنه سبب الماء عادة، والكلام في التمهيد ٢٨٦/١٦ . (٣) التمهيد ٢٨٦/١٦، وينظر الاستذكار ٧/ ١٥٧، والمفهم ٢٥٩/١. (٤) في تفسير الآية (٨٢) منها، والحديث أخرجه أحمد (١٧٠٦١)، والبخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١). (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣٠ ، وما سیأتي بین حاصرتین منه. (٦) في النسخ: يؤدب ولا يسجن، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٧) في أحكام القرآن: فتُشوَّش عقائدهم في الدين، وتتزلزل قواعدهم في اليقين. (٨) في النسخ الخطية: يستروا، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. ٤٠٤ سورة الأنعام: الآية ٥٩ قلت: ومن هذا الباب أيضاً ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبيِّ ﴾ أن النبيَّ﴾ قال: ((مَن أتى عَرَّافاً [فسأله عن شيءٍ] لم تُقبل له صلاةُ أربعين ليلةً)) (١). والعرَّاف: هو الحازي(٢) والمنجِّم الذي يدَّعي عِلْمَ الغيب(٣). وهي من العِرافة، وصاحبها عَرَّاف، وهو الذي يَستدِلُّ على الأمور بأسبابٍ ومقدِّمات يدَّعي معرفتها. وقد يعتضِد بعضُ أهل هذا الفنِّ في ذلك بالزَّجْر والطَّرْق والنجوم، وأسبابٍ معتادة في ذلك. وهذا الفنُّ هي(٤) العِيَافة؛ بالياء. وكلُّها ينطلقُ عليها اسمُ الكهانة؛ قاله القاضي عِيَاض(٥). والكهانة: ادعاءُ علم الغيب(٦). قال أبو عمر بنُ عبد البر في ((الكافي))(٧): من المكاسِب المجتَمَعِ على تحريمها : الرِّبا، ومهورُ البِغاء، والسُّخْتُ، والرُّشا، وأخذُ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة وادعاءِ الغيب وأخبار السماء، وعلى الزَّمْر واللَّعِب والباطل كلِّه. قال علماؤنا: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجّمين والكُھَّان، لا سِيَّما بالديار المصرية، فقد شاع في رؤسائهم وأَتْباعِهم وأمرائهم اتّخاذُ المنجمین، بل ولقد انخدع كثيرٌ من المنتسبين للفقه والدِّين، فجاؤوا إلى هؤلاء الكَهَنةِ والعرَّافین، فَبَهْرَجوا عليهم بالمُحال، واستخرجوا منهم الأموال، فَحصَلوا من أقوالهم على السَّراب والآل(٨)، ومن أديانهم على الفساد والضلال(٩). وكلُّ ذلك من الكبائر؛ (١) صحيح مسلم (٢٢٣٠) وما سلف بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١٦٦٣٨) بلفظ: ((من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تُقبل منه ... )). (٢) في (م): الحازر. والحازي: الكاهن. اللسان (حزا). (٣) المفهم ٥/ ٦٣٥، والنهاية (عرف). (٤) في (م): هو. (٥) في إكمال المعلم ٧/ ١٥٣، وقاله أبو العباس في المفهم ٦٣٣/٥ . والطرق: ضرب الكاهن بالحصى. القاموس (طرق). (٦) المفهم ٥/ ٦٣٢. (٧) ١/ ٤٤٤ . (٨) الآل: السراب، أو هو آل إلى ارتفاع النهار، ثم هو سرابٌ سائرَ اليوم. معجم متن اللغة (أول). (٩) المفهم ٥/ ٦٣٥ . ٤٠٥ سورة الأنعام: الآية ٥٩ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لم تُقْبل له صلاةُ أربعين ليلةً)). فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمداً على أقوالهم. روى مسلم(١) رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسولَ الله ﴾ أناسٌ عن الكُهَّان، فقال: ((إنهم ليسوا بشيء))، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدِّثون أحياناً بشيء فيكونُ حقًّا؟ فقال رسول الله :﴿: ((تلك الكلمةُ من الحقِّ(٢) يَخْطَفُها(٣) الجِنِيُّ، فَيَقُرُّها في أُذُن ولِيِّه(٤) [قَرَّ الدجاجة]، فيخلطون معها مئةَ كَذْبةٍ». قال الحُمَيْدِيُّ: ليس ليحيى بنِ عروةَ عن أبيه عن عائشةَ في الصحيح غيرُ هذا. وأخرجه البخاريُّ(٥) من حديث أبي الأسود محمد بنِ عبد الرحمن، عن عروةً، عن عائشةً: أنها سمعت رسول اللـه ﴾ يقول: ((إنَّ الملائكةَ تَنْزِل في العَنَان - وهو السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الأمرَ قُضِيَ في السماء، فَتَسْتَرِقُ الشياطينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُه، فَتُؤْحِيهِ إلى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبون معها مئةَ كَذْبةٍ من عِنْد أنفُسِهم)). وسيأتي هذا المعنى في ((سبأ)» إن شاء الله تعالى(٦). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ﴾ خصَّهما بالذِّكر لأنهما أعظمُ المخلوقات المجاورة للبشر(٧)، أي: يعلم ما يَهْلكُ في البر والبحر. ويقال: يعلم ما في البرِّ من النبات والحبِّ والنَّوى، وما في البحر من الدوابِّ، ورِزْقَ ما فيها(٨). (١) في صحيحه (٢٢٢٨): (١٢٣)، وما بين حاصرتين منه وهو عند أحمد (٢٤٥٧٠)، والبخاري (٥٧٦٢). (٢) في مطبوع صحيح مسلم: من الجن، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٣٢٥/١٤ : هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا: الكلمة من الجن، بالجيم والنون، وذكر القاضي في المشارق أنه روي هكذا، وروي أيضاً: من الحق، بالحاء والقاف. اهـ وكذلك لفظه عند أحمد والبخاري: من الحق. (٣) في النسخ الخطية: يحفظها، والمثبت من (م) والمصادر، وينظر إكمال المعلم ١٥٣/٧ . (٤) أي: يضعها في أذنه. المفهم ٦٣٤/٥، وذكر النووي في شرحه لمسلم ٣٢٥/١٤ - ٣٢٦ أن القَرَّ تردید الكلام في أذن المخاطب حتی یفهمه. (٥) في صحيحه (٣٢١٠). (٦) عند تفسير الآية (٢٣) منها، وكذلك الآيات (٨- ١٠) من سورة الصافات. (٧) المحرر الوجيز ٢٩٩/٢ . (٨) تفسير أبي الليث ٤٨٩/١ . ٤٠٦ سورة الأنعام: الآية ٥٩ ﴿وَمَا تَسْقُّطُ مِن وَرَقَدٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ روی یزید بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ # قال: ((ما مِن زَرْعٍ على الأرض، ولا ثمارٍ على الأشجار، ولا حبةٍ في ظلمات الأرض، إلا عليها مكتوبٌ: بسم الله الرحمن الرحيم رِزقُ فلان بن فلان)) وذلك قولُه في مُحْكّم كتابه: ﴿وَمَا تَسْغُّطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ثُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِنَبِ تُِّيرٍ﴾(١). وحكى النّقَّاش عن جعفر بن محمد: أنَّ الورقة يرادُ بها السِّقْطُ من أولاد بني آدم، والحبةً یراد بها الذي ليس بسقط، والرطب یراد به الحيُّ، واليابسَ يراد به الميت. قال ابن عطية (٢): وهذا قولٌ جارٍ على طريقة الرُّموز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمد، ولا ينبغي أن يُلتفت إليه. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ أي: من ورقة الشجر، إلا يعلم متى تسقط، وأين تسقط، وكم تدور في الهواء ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ إلا يعلم متى تُنْبتُ، وكم تُنْبِت، ومَن يأكلها. ﴿فِي كُلُمَتِ الْأَرْضِ﴾: بطونُها، وهذا أصح؛ فإنه موافقٌ للحديث وهو مقتضى الآية، واللهُ الموفّق للهداية. وقيل: ﴿فِ تُلُمَتِ الأَرْضِ﴾: يعني الصخرة التي هي أسفلُ الأَرَضِينَ السابعة(٣). ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ﴾ بالخفض عطفاً على اللفظ. وقرأ ابن السَّمَيْفَع والحسنُ وغيرُهما بالرفع فيهما عطفاً على موضع ﴿مِن وَرَقَةٍ﴾(٤)، فـ ((مِن)) على هذا للتوكيد. (١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٤/ ١٣٠، والواحدي في الوسيط ٢٨١/٢، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٣٠) من طريق حمويه بن الحسين، عن أحمد بن خليل، عن يزيد بن هارون بهذا الإسناد. قال الخطیب: قال ابن نعيم: هذا حديث تفرد به حمویه بن الحسين، وهو غير مقبول منه. (٢) في المحرر الوجيز ٢/ ٣٠٠، وما قبله منه. (٣) تفسير البغوي ٢/ ١٠٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٧١/٢ عن الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق، والقراءات الشاذة ص٣٧ عن ابن أبي إسحاق، والبحر ١٤٦/٤ عن الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق وابن السميفع. وقراءة الجمهور بالخفض. ٤٠٧ سورة الأنعام: الآيتان ٥٩ - ٦٠ ﴿إِلَّا فِي كِتَبِ تُِّيٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ؛ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيانٍ يَلْحقُه، تعالى عن ذلك(١). وقيل: کتبه وهو يَغْلَمه لتعظيم الأمر، أي: اعلموا أنَّ هذا الذي ليس فيه ثوابٌ ولا عقابٌ مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب(٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوّ ◌َلَّذِى يَتَوَِّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَهْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُغْضَىَ أَجَلٌ مُسَنَّىَ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَهُوّ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَِّلِ﴾ أي يُنِیمُكم فيقبضُ نفوسكم التي بها تميِّزون، وليس ذلك موتاً حقيقة، بل هو قبضُ الأرواح عن التصرُّف بالنوم كما يقبضُها بالموت(٣). والتَّوَفِّي: استيفاءُ الشيء. وتُؤُفِّيَ الميت: استوفى عدد أيام عمره، والذي ينام كأنه استوفَى حركاته في اليقظة. والوفاة: الموت. وأوفيتُك المال. وتَوَقَّيْتُ الشيءَ(٤) واستوفيتُه: إذا أخذته أَجْمع(٥). وقال الشاعر: إن بني الأَذرَمِ ليسوا مِن أَحَدْ ولا تَوَنَّاهم قريشٌ في العَدَدْ (٦) ويقال: إنَّ الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياةُ؛ ولهذا تكون فيه الحركةُ والتنفُّس، فإذا انقضى عمره خرج روحُه وتنقطعُ حياته، وصار ميتاً لا يتحركُ ولا يتنفس. وقال بعضهم: لا يخرج منه الروح، ولكن يخرج منه الذُّهن. (١) ينظر تفسير الطبري ٩/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وتفسير الرازي ١١/١٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٣٧/٢. (٣) النكت والعيون ١٢٢/٢، وزاد المسير ٥٥/٣ . (٤) في (د) و(م): توفيته، بدل: توفيت الشيء. (٥) تهذيب اللغة ٥٨٤/١٥ - ٥٨٥ . (٦) الرجز لمنظور الوَبْري كما في مجاز القرآن ١٣٢/٢، وتهذيب اللغة ٥٨٥/١٥، وهو بلا نسبة في المعارف لابن قتيبة ص٦٨ وتفسير الطبري ٩/ ٢٨٥ . قال الأزهري: أي لا تجعلهم قریش تمام عددهم، ولا تستوفي بهم عددهم. وقال ابن قتيبة: بنو الأدرم من أعراب قريش، ليس منهم بمكة أحد. ووقع في (م): بني الأدرد. ٤٠٨ سورة الأنعام: الآيات ٦٠ - ٦٢ ويقال: هذا أمرٌ لا يَعرِفُ حقيقته إلا اللهُ تعالى. وهذا أصحُّ الأقاويل، والله أعلم (١). ﴿فُمَّ يَبْعَثُّكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار؛ ويعني اليقظة. ﴿ليُقْضَى أَجَلُّ نُسَنٌِّ﴾ أي: لیَسْتَوفي كلُّ إنسان أجلاً ضُرب له. وقرأ أبو رَجاء وطلحة بنُ مصرِّف: ((ثم يبعثكم فيه ليقضيَ أجلاً مُسمَّى))(٢) أي: عنده. و﴿جَرَحْتُم﴾: كسبتم: وقد تقدَّم في ((المائدة))(٣). وفي الآية تقديمٌ وتأخير، والتقدير: وهو الذي يتوقّاكم بالليل، ثم يبعثكم بالنهار، ويعلم ما جرحتم فيه. فقدَّم الأهمَّ الذي من أجله وقع البعثُ في النهار. وقال ابن جُريج: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِهِ﴾ أي: في المنام(٤). ومعنى الآية: إنَّ إمهالَه تعالى للكفار ليس لغَفْلةٍ عن كفرهم؛ فإنه أحصى كلَّ شيءٍ عدداً وعَلِمه وأَثبته، ولكنْ ليقضيَ أجلاً مسمَّى من رزق وحياة، ثم يُرجَعون إليه فيجازيهم. وقد دلَّ على الحشر والنَّشْر بالبعث؛ لأنَّ النشأة الثانية منزلتُها بعد الأُولى كمنزلة اليقظة بعد النوم، في أنَّ(٥) مَن قَدَرَ على أحدهما فهو قادرٌ على الآخر. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِهُ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَّجَ إِذَا جَ أَعَدَكُمُ أَلْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّعُونَ * ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَيَّ أَلَا لَهُ ﴾ اْلْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اَلْنَسِينَ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ يعني فوقيةَ المكانة والرتبة، لا فوقيةً (١) تفسير أبي الليث ١/ ٤٩٠ . (٢) القراءات الشاذة ص٣٧، وإعراب القرآن للنحاس ٧١/٢. (٣) ٣٠٠/٧. (٤) أخرجه الطبري ٩/ ٢٨٨ من طريق ابن جريج عن عبد الله بن کثیر. (٥) في (ظ): فإن، بدل: في أن. ٤٠٩ سورة الأنعام: الآيتان ٦١ - ٦٢ المكان والجهة، على ما تقدَّم بيانه أوَّلَ السورة(١). ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة. والإرسالُ حقيقته إطلاق الشيء بما حَمَل من الرسالة، فإرسالُ الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به، كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] أي: ملائكة تحفظ أعمال العباد، وتحفظُهم من الآفات. والحَفَظة جمعُ حافظ، مثل الكَتَبة والكاتب. ويقال: إنهما مَلَكان بالليل ومَلَكان بالنهار، يكتب أحدُهما الخيرَ والآخرُ الشرَّ، وإذا مشى الإنسان يكون أحدُهما بين يديه والآخَرُ وراءَه، وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله؛ لقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِ فَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] الآية. ويقال: لكلِّ إنسان خمسةٌ من الملائكة؛ اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامسُ لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً (٢). والله أعلم. وقال عمر بن عبد العزيز(٣): جاهلَ القلب(٤) غافلَ اليقظَهْ ومِن الناس مَن يعيش شقِيًّا حَذِرَ الموتَ واتَّقى الحفَظَهْ فإذا كان ذا وفاءٍ ورأيٍ (٥) فالذي بَانَ للمقيم عِظَهْ إنما الناس راحلٌ ومقيمٌ قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَلَّ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يريد أسبابَه، كما تقدَّم في ((البقرة))(٦). (١) ص٣٣٦ من هذا الجزء. (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٤٩٠ . (٣) في النسخ: عمر بن الخطاب، والصواب ما أثبتناه، كما في الاشتقاق ٣٤/١، والحلية ٣٢٠/٥، واللسان (يقظ)، ونسبها أبو القاسم النيسابوري في عقلاء المجانين ص٦٩ لسعدون المجنون. (٤) وقع في الاشتقاق والحلية واللسان: جيفة الليل، بدل: جاهل القلب. (٥) في الاشتقاق والحلية واللسان: ذا حياء ودين. (٦) ٤١١/٢ . ٤١٠ سورة الأنعام: الآيتان ٦١ - ٦٢ ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾ على تأنيث الجماعة، كما قال: ﴿فَلَمَّا جَّمَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ [غافر: ٨٣] و﴿كَذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ٣٤]. وقرأ حمزة: (تَوقَّاه رسلُنا)) (١) على تذكير الجمع. وقرأ الأعمش: ((يَتَوقّاه رسلنا)) بزيادة ياءٍ والتذكير(٢). والمراد: أعوان ملك الموت؛ قاله ابن عباس وغيره(٣). ويروى أنهم يَسُلُّون الروح من الجسد؛ حتى إذا كان عند قَبْضِها قَبَضَها ملك الموت. وقال الكَلْبيُّ: يقبِض ملك الموت الروح من الجسد، ثم يُسْلِمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً، أو ملائكة العذاب إن كان كافراً (٤). ويقال: معه سبعةٌ من ملائكة الرحمة، وسبعةٌ من ملائكة العذاب؛ فإذا قبض نفساً مؤمنةً دفعها إلى ملائكة الرحمة، فيبشِّرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء، وإذا قبض نفساً كافرةً دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشِّرونها بالعذاب ويفزِّعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء، ثم تُردُّ إلى سِجِّين، وروحُ المؤمن إلى عِلِّيِين(٥). والتَّوَفِّي تارةً يضاف إلى ملك الموت كما قال: ﴿قُلْ يَنَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وتارةً إلى الملائكة؛ لأنهم يتولَّوْن ذلك كما في هذه الآية وغيرها. وتارةً إلى الله، وهو المُتَوَفِّي على الحقيقة كما قال: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢]، ﴿قُلِ اَللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ يُسِتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦] ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَأَلَيُؤَةَ﴾ (١) يعني ممالة الألف. السبعة ص٣٥٩، والتيسير ص١٠٣ . قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠١/٢: أمال حمزة من حيث خطُّ المصحف بغير ألف، فكأنها إنما كتبت على الإمالة. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٧١/٢، والبحر ١٤٨/٤، وهي قراءة شاذة. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٢/١٣، والطبري ٩/ ٢٩١. عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول جميع أهل التأويل على ما ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠١/٢ . (٤) تفسير الطبري ٩/ ٢٩١ . (٥) تفسير أبي الليث ٤٩٠/١ - ٤٩١، وفيه: معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون من ملائكة العذاب ... وأخرج نحوه مطولاً النسائي في المجتبى ٨/٤ - ٩ من حديث أبي هريرة ﴾. ٤١١ سورة الأنعام: الآيتان ٦١ - ٦٢ [الملك: ٢]. فكلُّ مأمورٍ من الملائكة فإنما يَفْعَل ما يَفعل بأمره (١). ﴿وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ أي: لا يضيِّعون(٢) ولا يقصِّرون، أي: يطيعون أمر الله. وأصلُه من التقدُّم، كما تقدَّم(٣). فمعنى فرَّط: قدَّم العَجْز. وقال أبو عبيدة(٤): لا يتوانَوْن. وقرأ عمرو بن عبيد(٥): ((لا يُفْرِطون)) بالتخفيف(٦)، أي: لا يجاوزون الحدَّ فيما أُمروا به من الإكرام والإهانة(٧). رُدُّوَأْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: ردّهم الله بالبعث للحساب. ﴿مَوْلَهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: خالقهم ورازقهم وباعثهم ومالكهم. ﴿الْحَقِّ﴾ بالخفض قراءةُ الجمهور، على النعت والصفة لاسم الله تعالى. وقرأ الحسن: ((الحقَّ)) بالنصب على إضمار أعني، أو على المصدر (٨)، أي: حقًّا. ﴿أَلَا لَهُ اَلْتَكْمُ﴾ أي: اعلموا وقولوا: له الحكمُ وحدَه يومَ القيامة، أي: القضاءُ والفصل. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ﴾ أي: لا يحتاج إلى فِكرة ورويَّة، ولا عَقْدِ يدٍ. وقد تقدَّم (٩). (١) في (د) و(ز) و(م): فإنما يفعل ما أمر به. (٢) أخرج هذا القول الطبري ٢٩٣/٩ عن ابن عباس والسدي. (٣) ص٣٥٨- ٣٥٩ من هذا الجزء. (٤) في مجاز القرآن ١/ ١٩٤ . (٥) في النسخ: عبيد بن عمير، والتصويب من البحر ١٤٨/٤، والدر المصون ٤/ ٦٦٧ - ٦٦٨ . (٦) البحر ١٤٨/٤، والدر ٦٦٧/٤ - ٦٦٨ عن عمرو بن عبيد والأعرج، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢٢٣/١ عن الأعرج. وقال: يقال: أَفْرطَ في الأمر إذا زاد فيه، وفرَّط فيه إذا قصّر. (٧) المحرر الوجيز ٣٠١/٢ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٢، وذكر قراءة الحسن أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٣٧. (٩) ٣٦٠/٣. ٤١٢ سورة الأنعام: الآيتان ٦٣ - ٦٤ قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ غُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَُّهَا وَخُفْيَّةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ (١٣) قُلِ اللَّهُ يُنَبِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُنَ قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَأَلْبَحٍْ﴾ أي: شدائدِهما، يقال: يومٌ مظلم، أي: شديد. قال النحاس(١): والعرب تقول: يومٌ مظلِم، إذا كان شديداً، فإذا عظّمَتْ ذلك قالت: یوم ذو کواكبَ، وأنشد سيبويه: إذا كان يومٌ ذو كواكِبَ أشْنَعَا (٢) بَني أَسَدٍ هل تعلمون بَلاءنا وجَمَعَ ((الظلمات)) على أنه يعني ظلمةَ البرِّ، وظلمة البحر، وظلمةَ الليل، وظلمةً الغَيْم(٣)، أي: إذا أخطأتم الطريقَ وخِفتم الهلاك؛ دعوتموه ﴿لَيْنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِ﴾ أي: من هذه الشدائد ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ﴾ أي: من الطائعين. فوبَّخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيرَه(٤)، بقوله: ﴿ُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُنَ﴾. وقرأ الأعمش: ((وخِيفَةً))؛ من الخوف(٥). وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((خِفْيةً))؛ بكسر الخاء، والباقون بضمها، لغتان(٦). وزاد الفراء: خُفْوة وخِفْوة. قال: ونظيره: حُبْية وحِبْية؛ وحُبْوة وحِبْوة(٧). وقراءة الأعمش بعيدة؛ لأن معنى ((تضرُّعاً)): أن (١) في معاني القرآن ٤١٩/٢، وقاله الزجاج أيضاً في معاني القرآن له ٢٥٨/٢ . (٢) الكتاب ٤٧/١، ونسبه لعمرو بن شاس، ومعاني القرآن للزجاج ٢٥٩/٢، وللنحاس ٤٤٠/٢، قال الزجاج: یوم ذو کواکب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار کاللیل. (٣) المحرر الوجيز ٣٠٢/٢. قال ابن عطية: وهذا التخصيص كلُّه لا وجة له، وإنما هو لفظ عام لأنواع الشدائد. (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٤٠/٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٢، والمحرر الوجيز ٣٠٢/٢، والبحر ١٥٠/٤، وهي قراءة شاذة. (٦) السبعة ص٢٥٩، والتيسير ص١٠٣ . (٧) معاني القرآن للفراء ٣٣٨/١، وقال: ولا تصلح في القراءة. ٤١٣ سورة الأنعام: الآيات ٦٣ - ٦٥ تُظهروا التذلُّلَ، و«خُفيةً): أن تُبطِنوا مثلَ ذلك(١). وقرأ الكوفيون: ((لئن أنجانا)) واتِّساقُ المعنى بالتاء؛ كما قرأ أهلُ المدينة وأهل الشام(٢). وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنِّكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾؛ قرأ الكوفيون: ﴿يُچِيكُ﴾ بالتشديد، الباقون: بالتخفيف(٣). قيل: معناهما واحد، مثل نجا، وأَنْجيتُه ونجَّيته. وقيل: التشديد للتكثير. و((الكرب)): الغمُ يأخذ بالنفس؛ يقال منه: رجل مكروب. قال عنترة: ومکروپ کشفتُ الگربَ عنه بطعنةٍ فَيْصَلٍ لمَّا دعانِي(٤) والكُزْبة مشتقةٌ من ذلك. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريع وتوبيخ؛ مثل قوله في أوَّل السورة: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ لأنَّ الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلاً منه، وهو الإشراك، فحسُن أن يُقرَّعوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة، وإن كانوا مشركين قبل النجاة. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ لَعَلَهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾﴾ أي: القادرُ على إنجائكم من الكرب، قادرٌ على تعذيبكم. ومعنى ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾: الرجمُ بالحجارة والطوفانُ والصيحةُ والريح، كما فعل بعادٍ وثمودَ وقومٍ شعيبٍ وقومِ (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٢، والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص٢٥٩، والتيسير ص١٠٣ . (٣) السبعة ص٢٥٩، والتيسير ص١٠٣ . (٤) ديوانه ص٧١ . ٤١٤ سورة الأنعام: الآية ٦٥ لوطٍ وقومِ نوحٍ. عن مجاهد وابن جُبير وغيرِهما. ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسْفُ والرجفةُ، كما فعل بقارونَ وأصحابٍ مَذْين. وقيل: ((من فوقكم)) يعني الأمراءَ الظَّلَمةَ، ((ومن تحت أرجلكم)) يعني السَّفِلةَ وعَبيدَ السُّوء. عن ابن عباس ومجاهد أيضاً (١). ﴿أَوْ يَلْيَكُمْ شِيَعًا﴾ وروي عن أبي عبد الله المدنِيِّ: ((أو يُلْبِسَكم)) بضم الياء، أي: يُجِّلكم العذاب ويَعمَّكم به، وهذا من اللَّبس؛ بضم الأوَّل، وقراءة الفتح من اللَّبس. وهو موضعٌ مُشْكِلٌ، والإعرابُ يبيِّنه. أي: يَلْبِس عليكم أمرَكم، فحذف أحدَ المفعولين وحرفَ الجرِّ، كما قال: ﴿وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ﴾ [المطففين: ٣](٢). وهذا اللَّبسُ بأن يَخْلط أمرَهم فيجعلَهم مختلفِي الأهواء. عن ابن عباس(٣). وقيل: معنى (يُلبسكم شيعاً)): يقوِّي عدوًّكم حتى يخالطكم، وإذا خالطكم فقد لَبِسَكُم (٤). ﴿ِيَعًا﴾ معناه فِرَقاً. وقيل: يجعلكم فِرَقاً يقاتل بعضكم بعضاً، وذلك بتخليط أمرِهم، وافتراقٍ أمرائِهم على طلب الدنيا. وهو معنى قوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضُِ﴾ أي: بالحرب والقتل في الفتنة. عن مجاهد(٥). والآية عامَّةٌ في المسلمين والكفار. وقيل: هي في الكفار خاصَّةً. وقال الحسن: هي في أهل الصلاة(٦). (١) تفسير البغوي ١٠٤/٢، وتنظر هذه الأخبار في تفسير الطبري ٢٩٦/٩ - ٢٩٨، والنكت والعيون ١٢٦/٢، والوسيط ٢٨٣/٢ وغيرها. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٣/٢: هذه كلها أمثلة لا أنها هي المقصود؛ إذ هذه وغيرها داخل في عموم اللفظ. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٢، وأبو عبد الله المدني هو أبان بن عثمان، وذكر القراءة عنه أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٣/٢، وأبو حيان في البحر ١٥١/٤، وهي قراءة شاذة. (٣) أخرجه الطبري ٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٩٩/٩ و٣٠١ . (٦) تفسير الطبريُّ ٣٠٨/٩، وزاد المسير ٦٠/٣. ٤١٥ سورة الأنعام: الآية ٦٥ قلت: وهو الصحيح، فإنَّه المشاهَدُ في الوجود، فقد لَبِسَنا العدوُّ في ديارنا، واستولى على أنفسِنا وأموالِنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضِنا بعضاً، واستباحة بعضنا أموالَ بعض. نعوذُ بالله من الفتن ما ظَهَر منها وما بَطَن. وعن الحسن أيضاً أنه تأوَّل ذلك فيما جرى بين الصحابةِ ﴾(١). روى مسلم عن ثَوْبَانَ قال: قال رسولُ اللـه :﴾: إنَّ الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقَها ومغاربَها، وإنَّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِي لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمرَ والأبيضَ، وإني سألت ربي لأمّتي ألا يهلكها بسنَة عامّة، وألّا يسلّط عليهم عدوًّا مِن سِوَى أنفسِهم فيستبيحَ بَيْضَتهم، وإنّ ربي قال: يا محمدُ، إني إذا قضيتُ قضاءً فإنَّه لا يُردُّ، وإني أعطيتُكَ لأمتك ألَّا أُهلكَهم بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا أسلِّط عليهم عدوًّا مِن سِوَى أنفسهم يستبيح بَيْضَتَهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها - أو قال: مَنْ بَيْنَ أقطارِها - حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضاً، ويَسْبِيَ بعضُهم بعضاً(٢). وروى النسائيُّ(٣) عن خبّاب بن الأَرَتِّ - وكان قد شهد بدراً مع رسول الله ﴾ - أنَّه راقبَ رسولَ الله # الليلةَ كلَّها حتى كان مع الفجر، فلمَّا سلَّم رسولُ الله ﴾ مِن صلاته جاءه خَبَّابٌ، فقال: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأمي، لقد صلَّيْتَ الليلةَ صلاةً ما رأيتُك صَليتَ نحوها؟ قال رسولُ اللـه ◌َ﴾: «أجلْ، إنَّها صلاةُ رَغَبٍ وَرَهَب، سألتُ الله عزَّ وجلَّ فيها ثلاثَ خصالٍ، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ ألَّا يُهلكنا بما أهلك به الأمم [قبلنا] فأعطانيها، وسألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ ألَّا يُظهِرَ علينا عدوًّا مِن غيرنا فأعطانيها، وسألتُ ربِّي عزَّ وجلَّ ألَّا يَلِسَنا شِيعَاً فَمنَعَنِيها)). (١) أخرجه الطبري ٣٠٥/٩ - ٣٠٦. وأخرج أحمد (٢١٢٢٧)، والطبري ٣٠٩/٩ من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب أنه تأول الآية فيما جرى بين الصحابة بعد وفاة النبي # بخمس وعشرين سنة. وأخرجه الطبري ٩/ ٣٠١ عن أبي بن العالية قوله، وهو أولى بالصواب من الأول. (٢) صحيح مسلم (٢٨٨٩)، وهو عند أحمد (٢٢٣٩٥). قوله: زوى، أي: جمع، والمراد بالكنزين: الذهب والفضة، والمراد كنزا كسرى وقيصر. شرح صحيح مسلم للنووي ١٧/ ١٣ . (٣) في المجتبى ٢١٧/٣، وهو عند أحمد (٢١٠٥٣)، وما سيأتي بين حاصرتين منهما. ٤١٦ سورة الأنعام: الآية ٦٥ وقد أتينا على هذه الأخبارِ في كتاب ((التذكرة))(١) والحمد لله. وروي أنه لمَّا نزلت هذه الآيةُ؛ قال النبيُّ لجبريلَ: ((يا جبريلُ، ما بقاءُ أمتي على ذلك؟)) فقال له جبريلُ: ((إنَّما أنا عبدٌ مثلُك، فادعُ ربَّك وسَلْهُ لأمَّتك)). فقام رسولُ الله :﴿، فتوضأ وأَسْبِغَ الوضوء، وصلى وأَخْسَن الصلاة، ثم دعا، فنزل جبريل وقال: ((يا محمد إنَّ الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خَصْلتين؛ وهو العذابُ من فوقهم ومن تحت أرجلهم)). فقال: ((يا جبريل، ما بقاءُ أمتي إذا كان فيهم أهواءٌ مختلفة، ويذيقُ بعضُهم بأسَ بعض؟)). فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿الَّ. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَمَنَا﴾ [العنكبوت: ١-٢] الآية(٢). وروى عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال رسول الـلـه ل: ((أعوذ بوجه الله)). فلما نزلت: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: ((هاتان أَهْوَن))(٣). وفي سنن ابن ماجه(٤) عن ابن عمر قال: لم يكن رسول اللـه # يَدَعُ هؤلاءِ الكلمات حين يُمسِي وحين يُصبح: «اللَّهُمَّ إني أسألك العافيةَ في الدنيا والآخرة، اللَّهُمّ إني أسألك العفو والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأهلي ومالي، اللَّهُمّ استُرْ عوراتي، وآمِنْ رَوْعاتي، واحفظني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك أن أُغتالَ مِن تحتي)). قال وكيع: يعني الخَشْف. قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ﴾ أي: نبيِّن لهم الحُجَجَ والدلالات. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يريد بطلانَ ما هم عليه من الشِّرْك والمعاصي. (١) ١/ ٥٥٧ وما بعدها. (٢) تفسير أبي الليث ٤٩١/١، وأخرجه بنحوه مطولاً الطبري ٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦ عن الحسن. وأخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه أحمد (١٤٣١٦)، والبخاري (٤٦٢٨). (٤) برقم (٣٨٧١)، وهو عند أبي داود (٥٠٧٤). ٤١٧ سورة الأنعام: الآيتان ٦٦ - ٦٧ ١ لِكُلِّ نَبكر قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكٍِ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي: بالقرآن. وقرأ ابن أبي عَبْلَة: ((وكذَّبتْ)). بالتاء(١). ﴿وَهُوَ اُلْحَقُّ﴾ أي: القصص الحق. ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ قال الحسن: لست بحافظِ أعمالِكم حتى أُجازيَكم عليها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ وقد بلَّغْت(٢)، نظيره: ﴿وَمَّآ أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، [هود: ٨٦] أي: أحفظُ عليكم أعمالكم. ثم قيل: هذا منسوخٌ بآية القتال(٣). وقيل: ليس بمنسوخ (٤)؛ إذ لم يكن في وُسعه إیمانُهم. ﴿لِكُلِّ نَبَرٍ مُسْتَقَرٌ﴾: لكلِّ خبرٍ حقيقة(٥)، أي: لكلِّ شيءٍ وقتٌ يقع فيه من غير تقدُّمٍ وتأخّر. وقيل: أي: لكلِّ عملٍ جزاءٌ. قال الحسن: هذا وعيدٌ من الله تعالى للكفار [في الآخرة]؛ لأنهم كانوا لا يُقِرُّون بالبعث. الزجَّاج: يجوز أن يكونَ وعيداً بما ينزل بهم في الدنيا(٦). قال السُّدِّي: استقرَّ يومَ بَدْر ما كان يَعِدُهم به من العذاب. وذكر الثَّعْلَبِيُّ أنَّه رأى في بعض التفاسير أنَّ هذه الآيةَ نافعةٌ من وجع الضرس إذا كتبت على كاغَدٍ (٧) ووُضع على السُّنِّ. (١) المحرر الوجيز ٣٠٣/٢، والبحر ١٥٢/٤. (٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٢٨/٢ . (٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٨/٢ من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نَسخ هذا آيةُ السيف: ﴿فَقْتُلُواْ الْعُثْيِكِينَ حَيْثُ وَبَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. (٤) وهو قول النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٨/٢، ومكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٢٨١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٢ . (٦) النكت والعيون ١٢٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٦٠/٢. (٧) الكاغد: القرطاس. المعجم الوسيط (كغد). ٤١٨ سورة الأنعام: الآية ٦٨ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ أَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ ٦٨ غَيْرِّ وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَّقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ النَّلِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَلِنَا فَأَعْرِضْ عَنَهُمْ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ أَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِ ءَايَئِنَا﴾ بالتكذيب والردِّ والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. والخطابُ مجرَّدٌ للنبيّ﴾. وقيل: إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح؛ فإنَّ العلةَ سماعُ الخوض في آيات الله، وذلك يَشْمَلُهم وإياه. وقيل: المراد به النبيُّ ◌َ﴾ وحدَه؛ لأنَّ قيامَه عن المشركين كان يَشُقُّ عليهم، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر أن يُنابِذَهم بالقيام عنهم إذا استهزؤوا وخاضوا؛ ليتأدَّوا بذلك ويَدَعُوا الخوضَ والاستهزاءَ. والخَوْضُ أصلُه في الماء، ثم استُعمل بعدُ في غَمَرات الأشياء التي هي مجاهلٌ، تشبيهاً بغَمَرات الماء(١)، فاستُعير من المحسوس للمعقول(٢). وقيل: هو مأخوذٌ من الخلط. وكلُّ شيءٍ خُضْتَه فقد خلطتَه، ومنه خاض الماءَ بالعسل: خَلَطَه. فأذَّب الله عزَّ وجلَّ نبيَّه ﴾ بهذه الآية؛ لأنه كان يَقْعُد إلى قوم من المشركين يَعِظُهم ويدعوهم، فيستهزؤون بالقرآن، فأمره الله أن يُعرض عنهم إعراضَ مُنْكِر. ودلّ بهذا على أنَّ الرجلَ إذا علم من الآخر منكراً، وعلم أنه لا يَقْبَل منه، فعليه أن يُعرِضَ عنه إعراضَ منكِر، ولا يُقْبِلَ عليه. روى شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَِّنَا﴾ قال: هم الذين يستهزؤون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلسَ معهم إلّا أن ینسی، فإذا ذكر قام. وروى وَزْقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: هم الذين (١) المحرر الوجيز ٣٠٣/٢ - ٣٠٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٣١ . ٤١٩ سورة الأنعام: الآية ٦٨ يقولون في القرآن غيرَ الحق(١). الثانية: في هذه الآية ردّ من كتاب الله عزَّ وجلَّ على مَن زعم أنَّ الأئمةَ الذين هم حُجَجْ وأتباعَهم لهم أن يخالطوا الفاسقين، ويصوِّبوا آراءَهم تَقِيَّة. وذكر الطبريُ(٢) عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ﴾ أنه قال: لا تجالسوا أهلَ الخصومات، فإنَّهم الذين يخوضون في آيات الله. قال ابن العربيّ(٣): وهذا دليلٌ على أنَّ مجالسةَ أهل المنكَرِ(٤) لا تَحِلّ. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: مَن خاض في آيات الله، تُركت مجالستُه وهُجر، مؤمناً كان أو كافراً. قال: ولذلك(٥) مَنع أصحابُنا الدخولَ إلى أرض العدو، ودخولَ كنائسِهم والبِيَع، ومجالسةَ الكفار وأهلِ البِدَع، وألَّا تُعتَقَّدَ مودَّتُهم، ولا يُسمَعَ كلامُهم ولا مناظرتُهم. وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النَّخَعيِّ: اسمعْ مني كلمةً، فَأَعْرَضَ عنه وقال: ولا نصفَ كلمة. ومثلُه عن أيوب السختيانيّ(٦). وقال الفُضيلُ بنُ عِيَاض: مَن أحبَّ صاحب بدعةٍ، أحبط الله عملَه، وأخرج نورَ الإسلام من قلبه، ومَن زوَّج كريمته من مُبْتدِع، فقد قطع رَحِمَها، ومَن جلس مع صاحب بِذْعة، لم يُعْطَ الحكمة، وإذا علم اللهُ عزَّ وجلَّ مِن رجل أنه مُبغِضٌ لصاحب بِذْعة، رجَوْتُ أن يغفِرَ الله له(٧). (١) معاني القرآن للنحاس ٤٤٢/٢، وخبر مجاهد الأول أخرجه الطبري ٩/ ٣١٤ - ٣١٥، والثاني أخرجه ابن أبي حاتم ١٣١٥/٤ (٧٤٣٣) من طريق إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد. (٢) في التفسير ٩/ ٣١٤ . (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٧٣١ . (٤) في (د): أهل الكتاب، وفي باقي النسخ: أهل الكبائر، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) في (د) و(م): وكذلك. (٦) أخرجه الدارمي (٣٩٨)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢٩١)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٥ - ١٦ . ولم نقف على أثر أبي عمران وهو إبراهيم النخعي. (٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٠٣، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٦ - ١٧ . ٤٢٠ سورة الأنعام: الآية ٦٨ وروى أبو عبد الله الحاكمُ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ﴾: (مَن وَقَّر صاحبَ بدعةٍ، فقد أعانَ على هدمِ الإسلام))(١). فَبَطَلَ بهذا كلِّه قولُ مَن زعم أنَّ مجالستَهم جائزةٌ إذا صانوا أسماعَهم. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ اَلَّلِينَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ﴾ ((إما)) شرط، فيَلْزمُها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقد لا تلزم، كما قال(٢): إمّا يُصِبْكَ عدوٍّ في مُناوَأةٍ يوماً فقد كنتَ تَسْتَعْلي وتنتصرُ وقرأ ابن عباس وابن عامر: ((يُنَسِّيَّك)) بتشديد السِّين(٣) على التكثير؛ يقال: نَسَّى وَأَنْسَى بمعنى واحد لغتان(٤)، قال الشاعر: قالتْ سُليمَى أَتَسْرِي اليومَ أم تَقِلُ وقد يُنَسِّيكَ بعضَ الحاجةِ الكسلُ(٥) وقال امرؤُ القيس: ... . تُتَسِّيني إذا قمتُ سِرْبَالِي(٦) (١) لم نقف عليه عند الحاكم، وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢٣٥/١ - ٢٣٦، وابن عدي في الكامل ٧٣٦/٢، وابن الجوزي في الموضوعات (٢٩٨). قال ابن الجوزي: فيه الحسن بن يحيى الخشني، قال ابن حبان: هذا حديث باطل موضوع، يروي الخشني عن الثقات بما لا أصل له، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك. قال ابن الجوزي: وإنما يُروى هذا عن الفضيل ونُظرائه من أهل الخير. (٢) هو أعشى باهلة، والبيت في الكامل ١٤٣٢/٣، والأصمعيات ص ٩٠ ، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٠٤ والكلام منه. (٣) السبعة ص ٢٦٠، والتيسير ص١٠٣ عن ابن عامر، ولم نقف عليها عن ابن عباس عند غير المصنف. (٤) المحرر الوجيز ٣٠٤/٢، قال ابن عطية: إلا أنَّ التشديد أكثرُ مبالغة. (٥) لم نقف على قائله، وذكره الشوكاني في فتح القدير ١٢٨/٢ . (٦) ديوان امرئ القيس ص ٣٠ ، وتمامه: ومثلِك بيضاءِ العوارضِ طَفْلةٍ قال الشنتمري شارح الديوان: الطَّفْلَةُ: الناعمة الرخصة اليدين. والسِّربال: القميص. ...... لعوب تنسيني ... .