النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة الأنعام: الآيات ٤٣ - ٤٥
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ المُبْلِس: الباهت الحزينُ الآيسُ من الخير، الذي
لا يُحِيرُ جواباً؛ لشدَّة ما نزل به من سوء الحال(١)؛ قال العجَّاج:
يا صاحِ هل تَعرفُ رَسْماً مُكْرَساً قال نَعَمْ أعرفُه وَأَبْلَسَا (٢)
أي: تحيَّر لهول ما رأى. ومن ذلك اشتُقَّ اسمُ إبليس(٣)؛ أَبْلَس الرجلُ: سَكّت،
وأَبْلَسَتِ الناقةُ وهي مِبْلَاسٌ: إذا لم تَرُْ (٤) من شدَّة الضَّبَعة؛ ضَبِعت الناقةُ تَضْبَع ضَبَعَةً
وضَبْعاً: إذا أرادت الفحل(٥).
قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ الدابِرُ: الآخِر؛ يقال: دَبَر القومَ
يَذْبُرُهم دَبْراً [ودُبوراً] إذا كان آخرَهم في المجيء(٦). وفي الحديث عن عبد الله بنِ
مسعود: ((من الناس مَن لا يأتي الصلاة إلا دَبْرِيًّا))(٧) أي: في آخِر الوقت؛ والمعنى
هنا: قَطع خَلَفَهم مِن نَسْلِهم وغيّرهم، فلم تَبْقَ لهم باقيةٌ. قال قُظْرُب: يعني أنهم
استُؤْصِلوا وأُهلكوا. قال أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلْت:
فأُملِكُوا بعذابٍ حَصَّ دابِرَهم فما استطاعوا له صَرْفاً ولا انْتَصرُوا(٨)
ومنه التدبير؛ لأنه إحكامُ عواقبٍ الأمور.
(١) المحرر الوجيز ٢٩٢/٢.
(٢) ديوان العجاج ص١٥٦، قال الأصمعي شارح الديوان: المُكْرَس: الذي قد تلبّد من آثار الأبوال
والأبعار. وأبلس: سکت.
(٣) يعني من الإبلاس بمعنى اليأس، وهو معنى قوله: ((مبلسون)) فيما ذكر ابن فارس في مجمل اللغة
١٣٥/١، والكلام منه.
(٤) من الرُّغاء: وهو صوت الناقة. مجمل اللغة ٢/ ٣٨٧ .
(٥) مجمل اللغة ٢/ ٥٧٢ .
(٦) تفسير الطبري ٩/ ٢٥٠، والوسيط ٢٧١/٢ - ٢٧٢، وتفسير البغوي ٢/ ٩٧، وما بين حاصرتين منها.
(٧) أورده النحاس في معاني القرآن ٤٢٥/٢. قوله: دَبريًّا، قال ابن الأثير في النهاية (دبر): يروى بفتح
الباء وسكونها، منسوب إلى الدَّبْر: آخِر الشيء، وانتصابه على الحال من فاعل يأتي.
(٨) ديوان أمية ص٨٠، وحَصَّ الشَّعر: حَلَقه، والحاصَّة: هي العلة التي تَحصُّ الشَّعر وتُذهبه. اللسان
(حص).

٣٨٢
سورة الأنعام: الآيات ٤٣ - ٤٧
﴿وَاَلْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قيل: على هلاكهم، وقيل: تعليمٌ للمؤمنين كيف
يحمدونه. وتضمَّنت هذه الآية الحجةَ على وجوب ترك الظلم؛ لِمَا يُعْقِب من قَطْعِ
الدابر إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطعِ الحمدَ(١) من كلِّ حامِد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنَّ إِلَهُ
غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ
إِنْ أَلَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ النَّالِمُونَ ()﴾
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْمَكُمْ وَأَبْصَرَكُمْ﴾ أي: أَذْهبَ وانتزع. ووحَّد
(سَمْعَكم))؛ لأنه مصدر [مفرداً يدلُّ على الجمع(٢). ﴿وَخَلَمْ﴾ أي: طبع، وقد تقدَّم في
((البقرة))(٣).
وجوابُ (إِنْ)) محذوف؛ تقديرُه: فمن يأتيكم به، وموضعُه نَصْبٍ؛ لأنها في
موضع الحال(٤)، كقولك: اضربه إن خرج، أي: خارجاً.
ثم قيل: المرادُ: المعاني القائمةُ بهذه الجوارح. وقد يُذهب الله الجوارح
والأعراضَ جميعاً، فلا يُبقي شيئاً، قال الله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا﴾
[النساء: ٤٧]. والآيةُ احتجاج على الكفار.
﴿َّنَّ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِيَكُمْ يُؤْ﴾ ((مَن) رفع بالابتداء، وخبرُها ((إله))، وغيرُه: صفةٌ له،
وكذلك ((يأتيكم)) موضعُه رفعٌ بأنه صفةٌ ((إله))، ومخرجُها مَخرجُ الاستفهام، والجملةُ
التي هي منها في موضع مفعولَيْ رأيتم(٥).
(١) في (ظ): للحمد.
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٣/٢ ، وما بین حاصرتین منه.
(٣) ٢٨٤/١ .
(٤) أي: جملة الشرط وجوابه في موضع نصب على الحال. وأغنى عن جواب الشرط قولُه: ((مَن إله))
مجمع البيان ٦٦/٧ .
(٥) مجمع البيان ٦٦/٧. وقال السمين في الدر ٦٣٥/٤: المفعول الأول محذوف، تقديره: أرأيتم
سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله، والجملة الاستفهامية في موضع الثاني.

٣٨٣
سورة الأنعام: الآيتان ٤٦ - ٤٧
ومعنى ((أَرَأَيْتُمْ)): عَلِمتم، ووحَّد الضمير في ((به)) - وقد تقدَّم الذِّكْر بالجمع - لأن
المعنى، أي: بالمأخوذ، فالهاء راجعة إلى المذكور.
وقيل: على السمع بالتصريح، مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
[التوبة: ٦٢]، ودخلت الأبصارُ والقلوب بدلالة التضمين(١).
وقيل: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِيَكُم﴾ بأحد هذه المذكورات.
وقيل: على الهدى الذي يتضمَّنه المعنى(٢).
وقرأ عبد الرحمن الأعرجُ: ((بِهُ انْظُرْ)) بضمِّ الهاء على الأصل؛ لأنَّ الأصل أن
تكون الهاء مضمومةً، كما تقول: جئتُ معهُ(٣).
قال النّقَّاش: في هذه الآية دليلٌ على تفضيل السمع على البصر؛ لتَقْدِمَتِه هنا وفي
غير آية، وقد مضى هذا في أوّل ((البقرة)»(٤) مستوفَّى. وتصريفُ الآيات: الإتيانُ بها
من جهات؛ من إعذارٍ وإنذار، وترغيبٍ وترهيب، ونحو ذلك.
﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: يُعرِضون. عن ابن عباس والحسن ومجاهدٍ وقتادةَ
والسُّدِّي(٥)؛ يقال: صَدَف عن الشيء: إذا أَعرضَ عنه، صَدْفاً وصُدُوفاً (٦)، فهو
صادِفٌ. وصادفتُه مُصادفةً، أي: لقيته عن إعراضٍ عن جهته؛ قال ابن الرِّقاع(٧):
إِذَا ذَكَرْنَ حديثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ وهُنَّ عن كلِّ سوءٍ يُثَّقَى صُدُفُ
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٩/٢، وللنحاس ٤٢٦/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٩٧ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٣/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٦٧/٢ وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٨ . عن أبي قرة عن نافع.
وينظر السبعة ص٢٥٧، والبحر ٤/ ١٣٢. وقراءة الجمهور بكسر الهاء. الدر المصون ٤/ ٦٣٧ .
(٤) ٢٨٩/١ . وقول النقاش ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٣/٢.
(٥) أخرجها الطبري ٩/ ٢٥٣ عدا أثر الحسن، وذكره عن الحسن الواحدي في الوسيط ٢/ ٢٧٢ .
(٦) تفسير الطبري ٩/ ٢٥٢ .
(٧) هو عدي بن زيد بن مالك، من عامِلَةً، حيٍّ من قضاعة، ونُسب إلى الرقاع وهو جدُّ جدِّه لشهرته، وكان
ابن الرقاع ينزل الشام. الشعر والشعراء ٦١٨/٢، والأغاني ٣٠٧/٩ . والبيت في ديوانه ص٢٣٦.

٣٨٤
سورة الأنعام: الآيات ٤٦ - ٤٨
والصَّدَف في البعير: أن يميل خُفُّه من اليد أو الرِّجل إلى الجانب الوَحْشيّ(١).
فهم مائلون(٢) مُعْرِضون عن الحُجج والدِّلالات.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَلَكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ بَغْتَةٌ أَوْ جَهْرَةٌ﴾ الحسن: ((بغتةً))
ليلاً، ((أو جهرةً)»: نهاراً(٣). وقيل: بغتةً: فجأة. قال الكسائيُّ: يقال: بَغَتهم الأمرُ
يَبِغَتُهم بَغْتاً وبغتة: إذا أتاهم فجأة، وقد تقدّم(٤).
﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ الَّالِمُونَ﴾ نظيرُه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْفَسِقُونَ﴾
[الأحقاف: ٣٥] أي: هل يهلكُ إلا أنتم لشِرْككم. والظّلم هنا بمعنى الشِّرك، كما قال
لقمان لابنه: ﴿يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا
٤٨
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِِّينَ وَمُنذِرِينٌ﴾ أي: بالترغيب والترهيب.
قال الحسن: مبشِّرين بسعة الرِّزق في الدنيا، والثوابٍ في الآخرة؛ يدلُّ على ذلك
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَبِّ ءَامَنُواْ وَأَنَّقَوْ لَغَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَاِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأعراف: ٩٦]. ومعنى ((منذرين)): مُخوِّفين عقابَ الله. فالمعنى: إنما أرسلنا المرسلين
لهذا(٥)، لا لِمَا يُقترح عليهم من الآيات، وإنما يأتون من الآيات بما تَظْهَر معه
براهينُهم وصدقُهم(٦). وقولُه: ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَسْلَحَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ﴾. تقدَّم
القول فيه(٧).
(١) مجمل اللغة ٢/ ٥٥٢ .
(٢) في (م): فهم يصدفون أي مائلون.
(٣) ذكره البغوي ٩٨/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٣/٢ .
(٤) ص٣٥٧ من هذا الجزء، وقول الكسائي ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٦٧ .
(٥) قوله: لهذا، ليس في (ظ).
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٥٠، وللنحاس ٤٢٧/٢ .
(٧) ٤٨٨/١ - ٤٨٩ .
٠

٣٨٥
سورة الأنعام: الآيتان ٤٩ - ٥٠
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَّايَدِنَا يَمَنُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾ أي: بالقرآن والمعجزات. وقيل: بمحمد
عليه الصلاة والسلام. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: يصيبهم ﴿يَمَا كَانُوا يَفْسُقُّونَ﴾ أي:
یکفرون.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَيِنُ اللَّهِ وَلَّا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَّآ أَقُولُ
لَكُمْ إِنَّ مَكٌ إِنْ أَتَِّعُ إِلَّ مَا يُوحَىَ إِلَىَّ قُلْ هَلْ بَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَهِّ أَفَلَ
تَنَّفَّثَّرُونَ
٥٠
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآَيْنُ اللَّهِ﴾ هذا جوابٌ لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ
عَلَيْهِ مَايَّةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فالمعنى: ليس عندي خزائنُ قدرته فأُنزِلَ ما
اقترحتُموه من الآيات، ولا أَعلمُ الغيب فأخبرَكم به.
والخزانةُ: ما يُخزنُ فيه الشيءُ؛ ومنه الحديث: ((فإنما تَخْزُنُ لهم ضُروعُ مواشيهم
أطعماتهم، أَيُحبُّ أحدُكم أن تُؤْتَى مَشْرَبَتُه فتُكسَرَ خِزانتُه))(١).
وخزائنُ الله: مقدوراتُهُ(٢). أي: لا أملك أن أفعل كلَّ ما أُريد(٣) ممَّا تَقترحون
﴿وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أيضاً.
﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكٌ﴾ وكان القوم يتوهَّمون أن الملائكة أفضل، أي: لست
بملَك فأُشاهِدَ من أمور الله ما لا يشهدُه البشر (٤). واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة
أفضلُ من الأنبياء(٥). وقد مضى في ((البقرة))(٦) القولُ فيه، فتأمَّلْه هناك.
(١) أخرجه أحمد (٤٥٠٥)، والبخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما،
وأوله: ((لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ... )). والمشربة: سقيفة يختزن فيها الطعام. المفهم ١٩٦/٥.
(٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٦٨/٧ عن الجبائي، ونقل عن ابن عباس قال: يريد خزائن رحمة الله.
(٣) في (د): كما أريد.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٥٠، وللنحاس ٤٢٧/٢ .
(٥) مجمع البيان ٦٩/٧، وذكره الرازي ١٢/ ٢٣١ عن الجبائي.
(٦) ٤٣٠/١ و ٤٣٥ .

٣٨٦
سورة الأنعام: الآيتان ٥٠ - ٥١
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَِّعُ إِلَّا مَا يُوحَىَ إِلَىَّ﴾ ظاهرُه أنه لا يقطع أمراً إلا إذا كان فيه
وحي. والصحيحُ أنَّ الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياسُ على المنصوص،
والقياسُ أحدُ أدلة الشرع. وسيأتي بيان هذا في ((الأعراف))(١)، وجوازُ اجتهاد الأنبياء
في ((الأنبياء))(٢) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قُلُّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الكافر والمؤمن؛ عن مجاهد
وغيرِه (٣). وقيل: الجاهل والعالم(٤). ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنهما لا يستويان.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَيْهِمْ لَيْسَ لَّهُم مِّن دُونِ
وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَعُ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن(٥). والإنذار: الإعلام، وقد تقدَّم في
((البقرة))(٦). وقيل: «په))، أي: بالله(٧). وقيل: باليوم الآخر.
وخصّ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُخْشَرُوا﴾ لأن الحجة عليهم أوجبُ، فهم خائفون(٨) من
عذابه، لا أنهم يتردّدون في الحشر؛ فالمعنى ((يخافون)): يتوقَّعون عذاب الحشر.
وقيل: (يَخَافُونَ)): يعلمون(٩). فإن كان مسلماً أُنذِر ليترك المعاصي، وإن كان من أهل
الكتاب أُنذر ليتَبع الحق(١٠).
(١) في تفسير الآية (١٢) منها.
(٢) في تفسير الآية (٧٩) منها.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٢٨/٢ عن مجاهد، والوسيط ٢٧٤/٢، وتفسير البغوي ٩٨/٢ عن قتادة.
(٤) النكت والعيون ٢/ ١١٧، وتفسير البغوي ٩٨/٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٢، ونسبه الواحدي ٢/ ٢٧٤ لابن عباس.
(٦) ١/ ٢٨١.
(٧) أورده الرازي ١٢/ ٢٣٢ عن الضحاك.
(٨) في (د) و(ز): يخافون.
(٩) ذكره الطبري ٢٥٨/٩، ونسبه الطبرسي في مجمع البيان ٩/ ٧٠ للضحاك.
(١٠) معاني القرآن للنحاس ٤٢٨/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٢.

٣٨٧
سورة الأنعام: الآيتان ٥١ - ٥٢
وقال الحسن: المراد المؤمنون(١).
قال الزجاج: كلُّ مَن أقرَّ بالبعث من مؤمن وكافر(٢).
وقيل: الآية في المشركين، أي: أَنذِرهم بيوم القيامة. والأوّل أظهر.
﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ﴾ أي: من غير الله ﴿شَفِيعُ﴾ هذا ردٌّ على اليهود والنصارى
في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا: ﴿غَعْنُ أَبْكُوْ اللَّهِ وَأَحِبَّهُمْ﴾
[المائدة: ١٨](٣)، والمشركين(٤) حيث جعلوا أصنامهم شفعاءً لهم عند الله، فَأَعْلَم الله
أن الشفاعة لا تكون للكفار.
ومَن قال: الآيةُ في المؤمنين، قال: شفاعةُ الرسول لهم تكون بإذن الله، فهو
الشفيع حقيقةً إذن؛ وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]،
وَلَا
تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِّ﴾
[البقرة: ٢٥٥](٥). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: في المستقبل، وهو الثباتُ على الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌّ مَا
عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطُرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الَّالِمِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَظُرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيةَ. قال المشركون: لا نرضى
بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سَلْمانَ وصُهَيباً ويِلالاً وخَبَّاباً - فاطردهم عنك؛ وطلبوا
(١) مجمع البيان ٧/ ٧٠ عنه وعن ابن عباس قالا: يريد المؤمنين؛ يخافون يوم القيامة وما فيها من شدة
الأهوال.
(٢) كذا ذكر المصنف، والصحيح: من مؤمن وكتابي، فقول الزجاج في معاني القرآن ٢٥١/٢: فهم أحد
رجلين؛ إما رجل مسلم فيؤدي حق الله في إسلامه، وإما رجل من أهل الكتاب، فأهل الكتاب أجمعون
معترفون بأن الله جل ثناؤه خالقهم، وأنهم مبعوثون. وقد ذكر المصنف هذا المعنى قبل قول الحسن.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٢.
(٤) في (خ) و(د) و(م): والمشركون. والمثبت من (ز) و(ظ).
(٥) تفسير الرازي ٢٣٣/١٢ .

٣٨٨
سورة الأنعام: الآية ٥٢
أن يَكتب لهم بذلك، فهمَّ النبيُّ # بذلك، ودعا عليًّا ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا
ناحيةً؛ فأنزل الله الآية. ولهذا أشار سعدٌ بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس
رسول الله # ما شاء الله أن يقع، وسيأتي ذكره(١).
وكان النبيُّ # إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم، ورأى أن
ذلك لا يفوّت أصحابَه شيئاً، ولا يُنقِص لهم قَدْراً، فمال إليه، فأنزل الله الآية، فنهاه
عما هَّ به من الطَّرد، لا أنَّه أوقع الطرد(٢).
روى مسلم(٣) عن سعد بن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبيِّ # ستةَ نَفَرٍ، فقال
المشركون للنبيِّ ﴾: اطرد هؤلاءِ عنك لا يجترئون علينا، قال: وكنتُ أنا، وابنُ مسعود،
ورجلٌ من هُذَيل، وبلالٌ، ورجلان لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله # ما شاء
الله أن يقع، فحدَّث نفسَه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ ﴿وَلَا تَظُرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
يُرِدُونَ وَجْهَمٌ﴾.
قيل: المراد بالدعاء: المحافظةُ على الصلاة المكتوبة في الجماعة؛ قاله ابن
عباس ومجاهد والحسن(٤).
وقيل: الذكرُ وقراءةُ القرآن(٥). ويَحتمِل أن يريد الدعاءَ في أوّل النهار وآخرِهِ؛
ليستفتحوا يومَهم بالدعاء رغبةً في التوفيق. ويختموه(٦) بالدعاء طلباً للمغفرة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ أي: طاعتَه والإخلاصَ فيها، أي: يُخلِصون في عبادتهم
وأعمالهم لله، ويتوجَّهون بذلك إليه لا لغيره(٧).
(١) سيأتي قريباً هو والذي قبله.
(٢) المفهم ٢٨٤/٦ - ٢٨٥ .
(٣) في صحيحه (٢٤١٣): (٤٦).
(٤) أخرج قولهم الطبري ٩/ ٢٦٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٦٨/٩ عن النخعي ومنصور بن المعتمر.
(٦) في (د) و(ز) و(ظ): ويجتمعوا.
(٧) المفهم ٦/ ٢٨٥ .

٣٨٩
سورة الأنعام: الآية ٥٢
وقيل: يريدون الله الموصوفَ بأنَّ له الوجه كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوْ لٌلَْلِ
وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وهو كقوله: ﴿وَأَذِينَ صَبَّرُواْ أَبْتِغَلَ وَجْدِ رَيِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢].
وخصَّ الغداة والعشيَّ بالذكر؛ لأن الشغل غالبٌ فيهما على الناس، ومَن كان في
وقت الشغل مُقبِلاً على العبادة، كان في وقت الفراغ من الشغل أَعْمَل(١).
وكان رسول الله # بعد ذلك يَصْبِر نفسَه معهم كما أمره الله في قوله: ﴿وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالَشِيّ يُرِيِدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾
[الكهف: ٢٨]، فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيامَ(٢).
وقد أخرج هذا المعنى مبيّناً مكمَّلاً ابنُ ماجه في ((سننه))(٣) عن خَبَّابٍ في قول الله
عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْمِ وَالْعَشِ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ
الَِّينَ﴾، قال: جاء الأقرعُ بنُ حابِسِ الثَّميميُّ وعُيَيْنَة بنُ حِصْنِ الفَزاري،
فوجداً(٤) رسول الله # مع صُهَيبٍ وبِلال وعَمَّار وخَبَّاب، قاعداً في ناس من الضعفاء
من المؤمنين؛ فلما رأوهم حَوْل النبيِّ # حَقَروهم؛ فأَتَوه فخَلوا به وقالوا: إنا نريد أن
تجعل لنا منك مجلساً تَعرِفُ لنا به العربُ فضلَنا، فإنَّ وفود العرب تأتيك، فنستحي
أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقِمْهم عنك(٥)، فإذا نحن فَرَغْنا
فاقعد معهم إن شئت، قال: ((نعم))، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا
بصحيفةٍ ودعا عليًّا ﴾ ليكتب ونحن قعودٌ في ناحية، فنزل جبريلُ عليه السلام فقال:
﴿وَلَا تَظِرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْمِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَمْءٌ
وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّنِ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر الأقرع بنَ حابِس
وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْن؛ فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوْ أَهَنُلَاءَ مَنَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق، وينظر ما سيأتي من حديث خباب ﴾.
(٣) برقم (٤١٢٧)، وأخرجه أيضاً البزار (البحر الزخار) (٢١٣٠)، والطبري ٢٥٩/٩ - ٢٦٠، والطبراني
في الكبير (٣٦٩٣).
(٤) في (ظ) والمصادر: فوجدوا.
(٥) في (ظ): فاطردهم عنك، وفي تفسير الطبري: فأقمهم عنا.

٣٩٠
سورة الأنعام: الآية ٥٢
بَيْنِنَّأُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، ثم قال: ﴿وَإِذَا جَءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
◌ِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، قال: فدنَوْنا
منه حتى وضعنا رُكَبنا على رُكْبته؛ وكان رسول الله # يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم
قام وتَركَنَا؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْمِ وَالْمَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَِّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُريدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنَّا﴾، ولا تجالسِ الأشراف(١)
﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُ عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني عُيَيْنَةَ والأقرع ﴿وَأَنَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَتَ أَمْرُهُ فُرْطَا﴾
[الكهف: ٢٨] أي: هلاكاً، قال: أَمْرُ عُيَيْنَةَ والأقرع، ثم ضرب لهم مَثَلَ الرجلين ومَثَّل
الحياة الدنيا. قال خَبَّاب: فكنا نقعد مع النبيِّ #، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها،
قمنا وترکناه حتی یقوم؛ رواه عن أحمد بن محمد بنٍ یحیی بن سعيد القطّان، حدثنا
عمرو بنُ محمدِ العَنْقَزِيُّ، حدثنا أسباط، عن السُّدّيِّ، عن أبي سعيد(٢) الأَزْديِّ -
وكان قارئَ الأَزْد - عن أبي الكَنُود(٣) عن خَّاب.
وأخرجه أيضاً عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستةٍ: فيَّ وفي ابن مسعود
وصُهَيبٍ وعمَّار والمِقْداد وبلال؛ قال: قالت قريش لرسول اللـه﴾: إنَّا لا نرضى أن
نكون أتباعاً لهم فاطردهم [عنك]، قال: فدخل قلبَ رسول الله ﴾ من ذلك ما شاء
الله أن يدخل؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْوِ وَاَلْعَشِّ﴾
الآية (٤).
وقُرئ: ((بالغُدْوَةِ»، وسيأتي بيانه في ((الكهف)»(٥) إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ أي: مِن جزائهم ولا كفايةٍ
(١) وقع في مسند البزار بدلاً منها: مجالس الأشراف، وقوله: ولا تجالس الأشراف، وقع عند ابن ماجه
والطبراني قيل: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْمِ الدُّنَّ﴾.
(٢) وقع عند ابن ماجه والبزار والطبراني: عن أبي سعد، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٤٤/٣٣ .
(٣) الأزدي الكوفي وهو عبد الله بن عامر، أو ابن عمران، أو ابن عويمر، وقيل: ابن سعيد، وقيل: عمرو
ابن حُبْشي. التقريب ص٥٨٩ .
(٤) سنن ابن ماجه (٤١٢٨)، وما سلف بين حاصرتين منه. وقد سلف بنحوه من صحيح مسلم.
(٥) في تفسير الآية (٢٨) منها، والقراءة المذكورة هي قراءة ابن عامر. السبعة ص٢٥٨، والتيسير ص١٠٢.

٣٩١
سورة الأنعام: الآيتان ٥٢ - ٥٣
أرزاقهم، أي: جزاؤهم ورزقُهم (١)، وجزاؤك ورزقُك على الله، لا على غيره(٢).
(مِن)) الأولى للتبعيض، والثانية زائدة للتوكيد. وكذا ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَتِهِم مِّن
ثَهْر﴾ (٣) المعنى: وإذا كان الأمر كذلك، فأقبِل عليهم وجالسهم، ولا تطرذهم
مراعاةً لحقٌ مَن ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل، فإن فعلتَ كنت ظالماً.
وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيانٌ للأحكام، ولئلا يقع مثلُ ذلك من غيره من
أهل الإسلام(٤)، وهذا مثل قوله: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَجَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقد علم
الله منه أنه لا يُشرِكُ ولا يَحبَطُ عمله(٥).
﴿فَظُرُدَهُمْ﴾ جواب النفي. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نصب بالفاء في جواب النهي،
المعنى: ولا تطرد الذين يدعُون ربَّهم فتكونَ من الظالمين، وما من حسابك عليهم من
شيء فتطردهم، على التقديم والتأخير(٦).
والظّلم أصلُه وضعُ الشيء في غير موضعه، وقد تقدم في ((البقرة) مستوفّى(٧).
وقد حصّل من فوائد(٨) الآية والحديثِ النهيُ عن أن يُعظّم أحدٌ لجاهه ولثوبه، وعن
أن يُحتقَر أحد لخموله ولرثاثة ثوبه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيُّقُولُواْ أَهَؤُلَاءَ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ
بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي: كما فتنَّا مَن قبلك؛ كذلك فتنّا
(١) بعدها في (م): على الله.
(٢) المفهم ٢٨٦/٦ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٦٨/٢ .
(٤) في (م): السلام.
(٥) المفهم ٢٨٦/٦ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٥٢، وللنحاس ٤٣٠/٢ .
(٧) ١/ ٤٦٠ .
(٨) في النسخ: من قوة، والمثبت من المفهم ٢٨٦/٦ ، والكلام منه.

٣٩٢
سورة الأنعام: الآيتان ٥٣ - ٥٤
هؤلاءِ. والفتنة: الاختبار، أي: عاملناهم معاملة المختَبَرين . ﴿لَيَقُولُواْ﴾ نصب بلام
كي، يعني الأشراف والأغنياء. ﴿أَهَؤُلاء﴾ يعني الضعفاء والفقراء. ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
يَينِنَا﴾ قال النحاس(١): وهذا من المُشْكل؛ لأنه يقال: كيف فُتِنوا ليقولوا هذا(٢)؟
لأنه إن کان إنکاراً فهو کفر منهم. وفي هذا جوابان:
أحدهما: أنَّ المعنى: اختُبِر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتُهم واحدةً عند
النبيِّ#؛ ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنْ يَتْنِتَأُ﴾.
والجواب الآخر: أنهم لمَّا اختُبِروا بهذا فآلَ(٣) عاقبتُه إلى أنْ قالوا هذا على
سبيل الإنكار، صار(٤) مِثلَ قوله: ﴿فَلَّقَطَهُ: مَالُّ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا﴾
[القصص: ٨].
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِلَّكِرِينَ﴾ فيمُنَّ عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله
منهم الكفر. وهذا استفهامُ تقرير، وهو جوابٌ لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
يَينِنَّأُ﴾. وقيل: المعنى: أليس الله بأعلمَ مَن يشكر الإسلام إذا هديتَه إليه(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ
عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوْءًا بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ
فَأَتَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَلَ أَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيَّكُمْ﴾ السلام والسلامة
بمعنَى واحد. ومعنى ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ)»: سلَّمكم الله في دينكم وأنفسِكم(٦)، نزلت في
(١) في إعراب القرآن ٦٨/٢ .
(٢) في النسخ: هذه، والمثبت من إعراب القرآن. ووقع بعدها في (ظ) و(م): الآية.
(٣) في (ظ): كان.
(٤) في النسخ: وصار، والمثبت من إعراب القرآن.
(٥) تفسير البغوي ١٠٠/٢ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤٣١/٢ .

٣٩٣
سورة الأنعام: الآية ٥٤
الذين نهى الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام عن طردهم، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام
وقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام»(١)، فعلى هذا
كان السلام من جهة النبيِّ﴾. وقيل: إنه كان من جهة الله تعالى، أي: أبلِغْهم منَّا
السلام(٢)، وعلى الوجهين ففيه دليلٌ على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى.
وفي صحيح مسلم، عن عائِذ بن عمرو(٣) أن أبا سفيانَ أتى على سلمانَ وصُهَيْبٍ
وبِلالٍ ونَفَر (٤)، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عُنُق عدوّ الله مَأخذها، قال:
فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيِّدِهم؟! فأتى النبيَّ ﴾ فأخبره، فقال: ((یا
أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك)) فأتاهم أبو بكر فقال:
يا إِخْوَتاهُ أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخَيّ.
فهذا دليل على رِفعة منازلهم وحُرمتهم كما بيناه في معنى الآية. ويستفاد من هذا
احترامُ الصالحين واجتنابُ ما يُغضبهم أو يؤذيهم(٥)؛ فإنَّ في ذلك غضبَ الله، أي:
حلول عقابه بمن آذى أحداً من أوليائه.
وقال ابن عباس: نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمانَ وعليّ﴾(٦).
وقال الفُضَيل بنُ عِيَاض: جاء قوم من المسلمين إلى النبيِّ # فقالوا: إنا قد
أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا، فاغْرَضَ عنهم، فنزلت الآية(٧). وروي عن أنس بنِ
(١) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٢١٤ عن عكرمة، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٨/٣ عن
عكرمة والحسن.
(٢) أورده ابن الجوزي ٤٩/٣ عن ابن زيد.
(٣) صحيح مسلم (٢٥٠٤)، وهو عند أحمد (٢٠٦٤٠). وعائذ بن عمرو هو المزني، أبو هبيرة، كان ممن
بايع تحت الشجرة، وسكن البصرة، وتوفي في إمارة ابن زياد. الإصابة ٣٠٨/٥ .
(٤) في صحيح مسلم: في نفر.
(٥) المفهم ٦/ ٤٦٦ .
(٦) ذكره البغوي ٢/ ١٠٠، وابن الجوزي ٤٨/٣ عن عطاء، بذكر آخرين مع هؤلاء الصحابة الأربعة.
(٧) المحرر الوجيز ٢٩٦/٢ - ٢٩٧.

٣٩٤
سورة الأنعام: الآية ٥٤
مالكٍ مثلُه سواء (١).
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ أي: أوجب ذلك بخبره
الصِّدقِ، ووَعْدِه الحق، فخوطب العباد على ما يعرفونه مِن أنه مَن كتب شيئاً، فقد
أوجبه على نفسه. وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ (٢). ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا
يَجَهَلَةٍ﴾ أي: خطيئةً من غير قصد، قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام، ومِن
جهالته رَكِب الأمرَ(٣). فكلُّ من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقد مضى هذا المعنى في
(النساء))(٤). وقيل: مَن آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل(٥).
﴿فَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قَرأ بفتح ((أَنَّ) مِن ((فَأَنَّهُ)) ابنُ عامر وعاصم، وكذلك ﴿أَنَّهُ
مَنْ عَمِلَ﴾، ووافقهما نافع في ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾، وقرأ الباقون بالكسر فيهما(٦).
فمن كَسَر فعلى الاستئناف، والجملةُ مفسِّرةٌ للرَّحمة؛ و((أنَّ)) إذا دخلت على
الجمل كُسِرت، وحكمُ ما بعد الفاء الابتداءُ والاستئنافُ، فكُسِرت لذلك.
ومَن فتحهما فالأولى في موضع نصبٍ على البدل من الرحمة، بدل الشيء من
الشيء وهو هو، فأعملَ فيها ((كتب))، كأنه قال: كتب ربكم على نفسه أنه مَن عَمِل.
وأمَّا (فَأَنَّهُ غَفُورٌ)) بالفتح ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ مضمَر، كأنه قال: فله أنه
غفور رحيم؛ لأنَّ ما بعد الفاء مبتدأ، أي: فله غفرانُ الله.
الوجه الثاني: أن يُضمر مبتدأ تكون ((أنَّ)) وما عملت فيه خبرُه، تقديره: فأمْرُه
(١) أورده عن أنس ابنُ الجوزي ٤٨/٢، وأخرجه الطبري ٢٧٢/٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٠ (٧٣٤٥)
عن مامان.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٦٩/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/٢ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ١٠٠، وأخرجه الطبري ٢٧٥/٩ .
(٤) ٦/ ١٥١ - ١٥٢.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٥٤، وتفسير البغوي ١/ ١٠٠ - ١٠١.
(٦) السبعة ص٢٥٨، والتيسير ص١٠٢ .

٣٩٥
سورة الأنعام: الآيتان ٥٤ - ٥٥
غفرانُ الله له (١)، وهذا اختيارُ سيبويه، ولم يُجِزِ الأولَ، وأجازه أبو حاتم (٢).
وقيل: إنَّ «گتَبَ) عَمِل فيها، أي: کتب ربكم أنه غفور رحيم.
ورُوي عن علي بنٍ صالح وابنٍ هُرمز كسرُ الأولى على الاستئناف، وفتحُ
الثانية (٣) على أن تكون مبتدأةً، أو خبرَ مبتدأ، أو معمولةً لكتب على ما تقدّم.
ومَن فتح الأولى [وكسر الثانية] - وهو نافع - جعلها بدلاً من الرحمة، واستأنف
الثانية لأنها بعد الفاء، وهي قراءة بيِّنة(٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَضِلُ اْلَيَتِ وَلِتَسْتَِّينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
Co
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآَيَتِ﴾ التفصيل: التبيين الذي تظهر به المعاني؛
والمعنى: وكما فصَّلنا لك في هذه السورة دلائلَنا ومُحاجَّتَنا مع المشركين كذلك
تُفْصِّل لكم الآيات في كلِّ ما تحتاجون إليه من أمر الدِّين، ونبيِّنُ لكم أدَّتنا وحُجتَنَا(٥)
في كل حقِّ ينكره أهل الباطل. وقال القُتَبِيُّ(٦): ((نُفَصِّلُ الآياتِ)): نأتي بها [متفرقةً]
شيئاً بعد شيء، ولا نتزّلُها جملةً مثَّصلة.
﴿وَلِتَسْتَّبِينَ سَيِلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ يقال: هذه اللام تتعلَّق بالفعل، فأين الفعل الذي
(١) الحجة للفارسي ٣١١/٣ - ٣١٢، والكشف عن وجوه القراءات ٤٣٣/١.
(٢) ذكر قوليهما النحاس في إعراب القرآن ٦٩/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٧/٢.
(٣) ذكرها أبو القاسم الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٦٣٥/٢، والنحاس في إعراب القرآن ٦٩/٢،
عن الأعرج. قال السمين في الدر المصون ٦٥٠/٤: هذه رواية الزهراوي عنه، وكذا الداني، وأما
سییویه [في الكتاب ١٣٤/٣] فروی قراءته کقراءة نافع، فیحتمل أن یکون عنه روایتان.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه. وينظر تفصيل ما سلف من أوجه
الإعراب في معاني القرآن للزجّاج ٢٥٣/٢ - ٢٥٤، وللنحاس ٤٣١/٢، وينظر ردُّ بعضها في الحجة
للفارسي ٣١٢/٣، والبحر المحيط ١٤١/٤، والدر المصون ٦٥١/٤.
(٥) في (م): وحججنا.
(٦) في تفسير غريب القرآن ص١٥٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي الليث ٤٨٨/١، وما سيرد بين
حاصرتین منهما.

٣٩٦
سورة الأنعام: الآية ٥٥
تتعلق به؟ فقال الكوفيون: هو مقدَّر، أي: وكذلك نفصِّل الآيات لنبيِّن لكم ولتستبين؛
قال النحاس(١): وهذا الحذفُ كلُّه لا يُحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصّل الآيات
[ولتستبين سبيل المجرمين] فضَّلناها.
وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى، أي: ليظهر الحق وليستبين، قُرئ
بالياء والتاء(٢). ((سيِيل)) برفع اللام ونصبها(٣)، وقراءةُ التاء خطابٌ للنبي ﴾(٤)، أي:
ولتَسْتَبِينَ يا محمدُ سبيل المجرمين.
فإن قيل: فقد كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يَستبينها؟ فالجواب عند
الزجاج(٥): أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام خطابٌ لأمته، فالمعنى:
ولتستبينوا سبيل المجرمين.
فإن قيل: فلِم لم يُذکر سبیل المؤمنین؟ ففي هذا جوابان؛
أحدهما: أن يكون مثلَ قوله: ﴿سَرَّبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فالمعنى:
وتقیکم البرد، ثم حذف؛ وكذلك يكون هذا(٦)، المعنى: ولتستبين سبيل المؤمنین،
ثم حذف.
والجواب الآخر: أن يقال: استبان الشيءُ واستبنتُه، وإذا بان سبيل المجرمين
فقد بان سبيل المؤمنين(٧).
(١) في إعراب القرآن ٢/ ٧٠، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء. السبعة ص٢٥٨، والتيسير ص١٠٣ .
(٣) قرأ نافع بالنصب، والباقون بالرفع. السبعة ص٢٥٨، والتيسير ص١٠٣ . قال السمين في الدر المصون
٤/ ٦٥٥: وهذه القراءات دائرة على تذكير السبيل وتأنيثه، وتَعَدِّي استبان ولزومه.
(٤) يعني قراءة التاء مع نصب السبيل، وهي قراءة نافع، أما مع الرفع فيكون السبيل هو الفاعل. ينظر
الحجة للفارسي ٣١٤/٣، والكشف عن وجوه القراءات ٤٣٤/١ .
(٥) في معاني القرآن له ٢٥٤/٢ - ٢٥٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن له
٤٣٢/٢ - ٤٣٣.
(٦) في (ز) و(ظ): وكذلك هذا يكون، ومثله في معاني القرآن للنحاس.
(٧) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٥٤/١.

٣٩٧
سورة الأنعام: الآيتان ٥٥ - ٥٦
والسبيل يذكَّر ويؤنَّث؛ فتميمٌ تُذكِّره، وأهل الحجاز تؤنَّته(١)؛ وفي التنزيل ﴿وَإِن
يَرَوْأُ سَيِلَ الرُّقْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] مذكَّر، ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] مؤنَّث، وكذلك قرئ: ((ولتستبين)) بالياء والتاء؛
فالتاء خطابٌ للنبيِّ # والمرادُ أمَّتُه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِّ نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لََّ أَّجُ
٥٦
أَهْوَاءَ كُمٌّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَّا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِ نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قيل: ((تدعون))
بمعنى تعبدون(٢). وقيل: تدعونهم في مُهِمَّات أموركم على جهة العبادة، أراد بذلك
الأصنام.
﴿قُل لَّ أَّعُ أَهْوَآءُكُمْ﴾ فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء، ومِن طَرْد مَن أردتُم
طَرْدَه. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا﴾ أي: قد ضللت إن اتبعت أهواءكم ﴿وَمَّا أَنَّا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾
أي: علی طریق رُشد وهدّى.
وقُرِئ: ((ضَلِلْتُ)) بفتح اللام وكسرها، وهما لغتان. قال أبو عمرو بنُ العلاء:
ضَلِلْتُ بكسر اللام لغةُ تميم، وهي قراءةُ يحيى بنٍ وَثَّاب وطلحةَ بنِ مُصَرِّف (٣)،
والأُولى هي الأصح والأفصح؛ لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءةُ الجمهور.
قال الجوهري(٤): والضَّلال والضَّلالة ضدُّ الرشاد، وقد ضَلَلْتُ أَضِلُّ، قال الله
تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّا أَضِلُ عَ نَفْسِىٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، فهذه لغةُ نَجْدٍ، وهي الفصيحة،
وأهلُ العالية يقولون: ضَلِلْتُ - بالكسر - أَضِلّ.
(١) تفسير الطبري ٢٧٧/٩، والمحرر الوجيز ٢٩٨/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٨/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٠/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءت الشاذة ص٣٧ عن يحيى بن وثاب
وابن أبي ليلى.
(٤) في الصحاح (ضلل).

٣٩٨
سورة الأنعام: الآية ٥٧
قوله تعالى: ﴿قُلٌ إِى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَبِّ وَكَذَبْتُم بِهَّ مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ
COV
بِّهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِِّ يَقُصُّ الْحَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلّ إِ عَلَى بَيْنَقِ مِّن رَّبِّ﴾ أي: دلالةٍ ويقينٍ وحُجَّة وبرهان، لا على
هوّى، ومنه البينةُ لأنها تُبيِّن الحقَّ وتظهرُه. ﴿وَكَذَّبْتُم بٍِ﴾ أي: بالبينة؛ لأنها في
معنى البيان(١)، كما قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَ وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوهُم
مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] على ما بيَّنَّاه هناك.
وقيل: يعود على الرَّبّ، أي: كذَّبتم بربي؛ لأنه جرى ذكره. وقيل: بالعذاب.
وقيل: بالقرآن(٢).
وفي معنى هذه الآية والتي قَبْلَها ما أنشده مُصْعَب بنُ عبد الله بنِ الزُّبير(٣) لنفسه،
وکان شاعراً محسناً ﴾:
وكان الموتُ أقربَ ما يَليني
أأقعُدُ بعد ما رَجَفَتْ عظامي
وأجعلُ دِينَه غَرَضاً(٥) لدِيني
أُجادلُ كلَّ مُعترِضٍ(٤) خَصيم
وليس الرأيُ كالعلم اليقينِ
فأتركُ ما علمتُ لرأيٍ غيري
يُصرَّفُ(٧) في الشّمالِ وفي اليمينِ
وما أنا والخصومةُ وهي لَبسٌ(٦)
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٥٦/٢.
(٢) ينظر تفصيل هذه الأقوال في المحرر الوجيز ٢٩٨/٢ .
(٣) هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، أبو عبد الله القرشي الأسدي
الزبيري المدني، نزيل بغداد، كان علَّامة نسَّابة أخباريًّا فصيحاً من نبلاء الرجال. توفي سنة (٢٣٦هـ).
السير ٣٠/١١. وأخرج هذه الأبيات عنه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٠٨)، وابن عبد البر في
جامع بيان العلم (١٧٨٥)، وأخرج بعضها ابن بطة في الإبانة (٦٨٦).
(٤) في الإبانة: أناظر كل مبتدع.
(٥) في النسخ الخطية والإبانة: عرضاً، والمثبت من (م) وباقي المصادر.
(٦) في (م): شيء.
(٧) في (د) وجامع بيان العلم: تصرف. وفي الإبانة: تفرق.

٣٩٩
سورة الأنعام: الآية ٥٧
يَلُخْنَ بكلٌّ فَجِّ أو وَجِينٍ(١)
وقد سُنَّتْ لنا سُنّنٌ قِوامٌ
أُغَرَّ كَغُرَّة الفَلَقِ المبينِ
وكان الحقُّ ليس به خفاءٌ
بمنهاجٍ ابنٍ آمنةَ الأمينِ
وما عِوَضٌ لنا مِنهاجُ جَهْمٍ
وأمّا ما جَهِلتُ فجنّبوني
فأمَّا ما علمتُ فقد كَفَانِي
قوله تعالى: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْبِلُونَ بِّ﴾ أي: العذاب(٢)؛ فإنهم كانوا لفَرْطٍ
تكذيبهم يستعجلون نزولَه استهزاءً، نحوَ قولهم: ﴿أَوْ تُتَقِطَ السَّمَاءَ كُمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا
كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً
مِّنَ السَّمَآِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقيل: ما عندي مِن الآيات التي تقترحونها(٣).
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّوْ﴾ أي: ما الحكمُ إلا لله في تأخير العذاب وتعجيله. وقيل:
الحُكم الفاصل بين الحقِّ والباطل لله (٤). ﴿يَقُضُ الْحَقّ﴾ أي: يقصّ القَصَصَ الحقَّ،
وبه استدلَّ مَن منع المجاز في القرآن، وهي قراءة نافع وابنٍ كثير وعاصم(٥) ومجاهدٍ
والأعرجِ وابنِ عباس(٦)؛ قال ابن عباس: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿نَحْنُ نَقُشُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ﴾ (٧) [يوسف: ٣].
والباقون: ﴿يَقْضِ الْحَقَّ﴾ بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ عليٍّ ﴾ وأبو عبد
الرحمن السُّلَميُّ وسعيدُ بنُّ المسيِّب(٨)، وهو مكتوبٌ في المصحف بغير ياء(٩)، ولا
(١) الوجين: أرض صلبة ذات حجارة. اللسان (وجن).
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٣٣/٢ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٥٦/٢، وللنحاس ٤٣٣/٢ .
(٤) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٢/ ١٢١، وتفسير الرازي ٧/١٣.
(٥) السبعة ص٢٥٩، والتيسير ص١٠٣ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤٣٤/٢ .
(٧) أخرجه سعيد بن منصور (٨٨٠ - تفسير)، والطبري ٩/ ٢٨٠ .
(٨) معاني القرآن للنحاس ٤٣٤/٢ .
(٩) ينظر المقنع للداني ص٣١، والتيسير ص١٠٣، والكشف عن وجوه القراءات ٤٣٤/١.

٤٠٠
سورة الأنعام: الآيات ٥٧ - ٥٩
ينبغي الوقفُ عليه، وهو من القضاء، ودل على ذلك أن بعده: ﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلْفَصِلِينَ﴾
والفصلُ لا يكون إلا [عن] قضاء دون قَصَص، ويُقوِّي ذلك قولُه قبلَه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا
◌ِّوْ﴾. ويقوِّي ذلك أيضاً قراءةُ ابنِ مسعود: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ للهِ يَقْضِي بِالْحَقِّ))، فدخول
الباء يؤكّد معنى القضاء(١). قال النحاس(٢): هذا لا يلزم؛ لأن معنى ((يقضي)): يأتي
ويصنع، فالمعنى: يأتي الحقَّ. ويجوز أن يكون المعنى: يقضي القضاءَ الحقَّ.
قال مكي (٣): وقراءة الصَّاد أحبُّ إليَّ؛ لاتفاق الحِرْمِيَّيْنِ (٤) وعاصم على ذلك،
ولأنه لو كان من القضاء للزمت الياء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود.
قال النحاس(٥): وهذا الاحتجاجُ لا يلزم؛ لأن مِثلَ هذه الياء تُحذف كثيراً.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَسِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
٥٨
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.﴾ أي: من العذاب لَأَنزلته بكم حتى
ينفصل(٦) الأمر إلى آخره. والاستعجال: تعجيلُ طَلَبِ الشيء قبل وقته. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ
بِأَلَّالِمِينَ﴾ أي: بالمشركين، وبوقت عقوبتهم.
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ
وَمَا تَسْقُّطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ كُلُمَتِ اْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ
إِلَّا فِی کِن ◌ُبِينٍ
٥٩
فيه ثلاثُ مسائلَ :
(١) الكشف عن وجوه القراءات ٤٣٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه. وقراءة عبد الله ﴾ ذكرها أيضاً
الفارسي في الحجة ٣١٨/٣، ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٩/٢ عن الداني أنه عزاها لعبد الله
وأبيٍّ ويحيى بن وثاب والنخعي وطلحة والأعمش.
(٢) في معاني القرآن ٤٣٥/٢ .
(٣) في الكشف ٤٣٤/١ .
(٤) الحِرْميَّان: نافع وابنُ كثير، نسبة للحَرَم، وينظر اللسان (حرم).
(٥) في معاني القرآن ٤٣٤/٢ .
(٦) في (م): ينقضي، وينظر تفسير الطبري ٢٨١/٩، والوسيط ٢٧٩/٢ .