النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الأنعام: الآية ٣٢
وقيل: المعنى: متاعُ الحياة الدنيا لعب ولهو، أي: الذي يشتهونه في الدنيا لا
عاقبةً له، فهو بمنزلة اللعب واللهو. ونظر سليمان بنُ عبد الملك في المرآة، فقال: أنا
الملك الشاب؛ فقالت له جارية له:
غير أَنْ لا بقاءً للإنسانِ
أنتَ نِعْمَ المتاعُ لو كنتَ تَبْقَی
كان في الناس غيرَ أنك فاني(١)
ليس فيما بَدَا لنا منكَ عيبٌ
وقيل: معنى (لَعِبٌ وَلَهْوٌ)): باطل وغرور(٢)، كما قال: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنَّا إِلَّا
مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فالمقصِدُ بالآية تكذيبُ الكفَّار في قولهم: ﴿إِنْ هِىَ
إِلَّا حَيَالُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩].
واللعب معروف، والتّلْعابة: الكثيرُ اللعب، والمَلْعَب: مكان اللَّعِب، يقال: لَعِب
يَلْعَب(٣). واللهوُ أيضاً معروف، وكلُّ ما شَغَلك فقد ألْهَاك، ولَهَوْت من اللهو(٤)،
وقيل: أصلُه الصَّرف عن الشيء، مِن قولهم: لَهِيتُ عنه. قال المهدويّ: وفيه بُعدّ؛
لأن الذي معناه الصَّرف لامُّه ياءٌ، بدليل قولهم: لِهْيَان(٥)، ولامُ الأول واو.
الثانية: ليس مِن اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة، فإن حقيقة اللعب: ما لا
يُنتفع به، واللهو: ما يُلَهَى(٦) به، وما كان مُراداً للآخرة خارجٌ عنهما. وذَّ رجلٌ الدنيا
(١) أخرج القصة الطبري في التاريخ ٥٤٧/٦، والبيهقي في الزهد الكبير (٦١٥)، وذكرها الجاحظ في
البيان والتبيين ١٤٤/٣ و ١٧٦ والماوردي في أدب الدنيا والدين ص١١٣، والبيتان في الأغاني
٣٦٠/٣، والشعر والشعراء ٥٧٨/٢، ومعجم الشعراء ص٢٨٦ منسوبان لموسى شهوات، برواية:
عابه الناس، بدل: كان في الناس. ولقّب شهوات لأن عبد الله بن جعفر كان يتشهى عليه الأشياء
فیشتریھا له ویتربّح علیه.
(٢) الوسيط ٢٦٤/٢ .
(٣) مجمل اللغة ٨٠٩/٣ .
(٤) مجمل اللغة ٧٩٥/٣ .
(٥) يعني في المصدر، قال صاحب اللسان (لها): لهَوْت بالشيء ألهو به لهواً، ولهيت عن الشيء - بالكسر -
أَلْھی بالفتح، لُھیًّ ولِهْياناً.
(٦) في (م): يلتهى.

٣٦٢
سورة الأنعام: الآية ٣٢
عند علي بنِ أبي طالب ه، فقال عليٍّ: الدنيا دارُ صِدْقٍ لمن صَدَقها، ودارُ نجاة لمن
فَهِم عنها، ودارُ غِنَّى لمن تزوَّد منها (١). وقال محمودٌ الورَّاق:
ذَمَّا وإنْ دارتْ بك الدائرةْ
لا تُتيِع الدُّنيا وأيامّها
أنَّ بها تُستدركُ الآخِرَةُ(٢)
مِن شَرَف الدُّنيا ومِن فضلِها
وروى أبو عمر بنُ عبد البر عن أبي سعيد الخُذريِّ قال: قال رسول الله ﴾:
((الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها، إلا ما كان فيها من ذكر الله، أو أَدَّى إلى ذكر الله،
والعالمُ والمتعلِّم شريكان في الأجر، وسائرُ الناس هَمَجِّ لا خيرَ فيه))(٣). وأخرجه
الترمذي(٤) عن أبي هُريرة وقال: حديث حسن غريب.
ورُوي عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((من هَوَانِ الدنيا على الله ألَّا يُعصَى إلَّا فيها، ولا
يُنالُ ما عنده إلا بتركها))(٥).
وروى التِّرمذيّ عن سَهْل بن سعد، قال: قال رسول الله ﴾: ((لو كانت الدنيا
تَعدِل عند الله جناحَ بَعوضة، ما سَقَى كافِراً منها شَرْبةَ ماء))(٦). وقال الشاعر(٧):
(١) أدب الدنيا والدين ص ١١٨، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (١٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد
٢٨٧/٧ .
(٢) في (ظ): ستدرك الآخرة، والبيتان ذكرهما الماوردي في أدب الدنيا والدين ص١١٨ .
(٣) جامع بيان العلم (١٣٣). قال ابن عبد البر: هكذا رواه عبد الملك بن حبيب المصّيصي عن ابن
المبارك مسنداً، ورواه عبدان وهو عبد الله بن عثمان، عن ابن المبارك، عن ثور، عن خالد بن معدان
من قول أبي الدرداء .اهـ. وأخرج الموقوف ابن المبارك في الزهد (٥٤٣)، والفسوي في المعرفة
والتاريخ ٣٩٨/٣، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٣٤). وخالد بن معدان لم يسمع من أبي
الدرداء. المراسيل لابن أبي حاتم ص ٤٩ .
(٤) في سننه (٢٣٢٢)، وهو عند ابن ماجه (٤١١٢).
(٥) أدب الدنيا والدين ص٩٩، وذكره الجاحظ في البيان والتبيين ٢٦٢/١، وابن عبد البر في بهجة
المجالس ٢٨١/٣ عن أبي الدرداء قوله.
(٦) سنن الترمذي (٢٣٢٠)، وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٤٦/٣، وابن عدي ١٩٥٦/٥ من طريق عبد
الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل به. قال الترمذي: حديث صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤١١٠)؛ وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٢٢/٢.
(٧) هو أبو العتاهية، والأبيات في ديوانه ص١٤٨ - ١٥٠ باختلاف يسير، ونقلها المصنف بواسطة =

٣٦٣
سورة الأنعام: الآية ٣٢
فإنَّك منها (١) بين ناهٍ وآمِرٍ
تَسمَّعْ من الأيام إن كنتَ حازماً
فما فات من شيءٍ فليس بضائرٍ
إذا أبقتِ الدنيا على المرء دِينّه
ولا وَزْنَ زِفِّ (٢) من جناحٍ لطائرٍ
ولن تَعدِل الدنيا جناحَ بَعوضةٍ
ولا رضِيَ الدنيا جزاءً لكافرٍ
فما رضيّ الدنيا ثواباً لمؤمِنٍ
وقال ابن عباس: هذه حياةُ الكافر؛ لأنه يُزَجِّيها في غُرورٍ وباطل، فأمَّا حياةُ
المؤمن فتنطوي على أعمالٍ صالحة، فلا تكون لهواً ولعباً (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾، أي: الجنةُ لبقائها، وسمِيتْ آخرة لتأخّرها
عنا، والدنيا لدنوِّها منا.
وقرأ ابن عامر: ((وَلَدَارُ الْآخِرَةِ» بلام واحدة(٤)، والإضافةُ على تقدير حذفٍ
المضاف وإقامةِ الصفة مُقامه، التقدير: ولَدَارُ الحياةِ الآخرةِ (٥).
وعلى قراءة الجمهور: ﴿وَلَلَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ اللام لامُ الابتداء، ورَفَعَ الدار بالابتداء،
وجَعل الآخرة نعتاً لها، والخبر: ((خَيْرٌ لِلَّذِينَ))، يقوِّيه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾
[القصص: ٨٣] ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، فأتت الآخرةُ صفةً
ج
للدار فيهما (٦).
= الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ١٠٠ .
(١) في (ظ) والديوان: فيها.
(٢) الزّف: صغار ريش النعام، أو كلِّ طائر. القاموس (زفف)، ووقع في أدب الدنيا والدين: ولا وزن
ذرٍّ ... ، ووقع هذا الشطر في الديوان: لدى الله أو مقدارَ زَغْبةٍ طائر.
(٣) أورده الرازي ١٢/ ٢٠٠ بنحوه. قوله: يزجيها، قال صاحب اللسان (زجا): زجَّى الشيء وأزجاه: ساقه
ودفعه.
(٤) السبعة ص٢٥٦، والتيسير ص ١٠٢ .
(٥) ينظر البحر المحيط ١٠٩/٤، والدر المصون ٦٠٠/٤، قال أبو حيان: ويدل عليه: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ
الدُّنْيَا﴾. وقدرها الفارسي في الحجة ٣٠١/٣، ومكي في الكشف ١/ ٤٣٠ ، وابن الأنباري في البيان
٣١٩/١: ولدار الساعة الآخرة. قال الفارسي: وجاز وصف الساعة بالآخرة كما وصف اليوم بالآخر
في قوله: ﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦].
(٦) الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٩/١، وينظر الحجة للفارسي ٣٠١/٣.

٣٦٤
سورة الأنعام: الآيات ٣٢ - ٣٤
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: الشرك. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قُرِئ بالياء والتاء(١)، أي: أفلا
يعقِلون أنَّ الأمر هكذا، فيزهدوا في الدنيا. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَدّ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونٌّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ
بِكَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (®)
حََّ أَنْهُمْ نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ كُسِرت ((إِنَّ) لدخول اللام(٢). قال
أبو مَيْسرةَ: إنَّ رسول اللـه ﴿ مَرَّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا: يا محمدُ، والله ما
نُكذّبُك وإنك عندنا لصادقٌ، ولكنَّا(٣) نُكذِّب ما جئتَ به، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهُمْ لَا
يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(٤). ثم آنَسَه بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن
قَبْلِكَ﴾ الآية.
وقُرئ: ((يُكَذِّبُونَكَ)) مخفَّفاً ومشدَّداً (٥)، قيل: هما بمعنى واحدٍ؛ گحزَّنته
وأَخزنته(٦).
واختار أبو عُبيد قراءةَ التخفيف، وهي قراءةٌ عليٍّ ﴾(٧)، ورُوي عنه أنَّ أبا جهلٍ
قال للنبيّ﴾: إنا لا نُكذِبك، ولكنْ نُكْذِب ما جئت به؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ((فَإِنَّهُمْ
لَا يُكْذِبُونَكَ)»(٨).
(١) قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء، والباقون بالياء. السبعة ص٢٥٦ . والتيسير ص ١٠٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٦٤/٢ .
(٣) في (د) و(م): ولكن.
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ٢١١، والوسيط ٢٦٥/٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٠/٣ لعبد
ابن حُميد وابن مردويه وابن المنذر، وهو مرسل كما ذكر الدارقطني في العلل ١٤٣/٤.
(٥) قرأ نافع والكسائي: ((لا يكذبونك)) مخففاً، والباقون مشدداً. السبعة ص٢٥٧، والتيسير ص١٠٢ .
(٦) ينظر الحجة للفارسي ٣٠٣/٣.
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤١٧/٢، وذكر القراءة أيضاً عن علي ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٥/٢ ،
وأبو حيان في البحر ١١١/٤ .
(٨) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣٣١/١، والنحاس في معاني القرآن ٤١٨/٢ من طريق ناجية بن
کعب عن علي ﴾.

٣٦٥
سورة الأنعام: الآيتان ٣٣ - ٣٤
قال النحاس: وقد خولف أبو عُبيد في هذا، وروي: لا نُكذِّبُك، فأنزل الله
عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾(١). ويقوِّي هذا أنَّ رجلاً قرأ على ابن عباس: (فَإِنَّهُمْ لَا
يُكْذِبُونَكَ)) مخفّفاً، فقال له ابن عباس: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ لأنهم كانوا يسمُّون
النبيَّ # الأمين.
ومعنى ((يُكَذِّبُونَكَ)) عند أهل اللغة: يَنسِبونك إلى الكذب، ويردُّون عليك ما قلت.
ومعنى ((لَا يُكْذِبُونَكَ))، أي: لا يجدونك تأتي بالكذب، كما تقول: أكذبُه: وجدته
كذَّاباً، وأبخلته: وجدته بخيلاً، أي: لا يجدونك كذَّاباً إن تدبّروا ما جئتَ به. ويجوز
أن يكون المعنى: لا يبينون(٢) عليك أنك كاذب؛ لأنه يقال: أكذبته إذا احتججتَ
عليه وبينتَ أنه كاذب. وعلى التشديد: لا يكذِّبونك بحجةٍ ولا برهان، ودل على هذا
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِينَ بِثَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(٣).
قال النحاس(٤): والقول في هذا مذهبُ أبي عبيد، واحتجاجُه لازم؛ لأنَّ عليًّا
کرَّم الله وجهه هو الذي روى الحديث، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف؛ وحكى
الكِسائيُّ عن العرب: أكذبتُ الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه، وكذَّبته إذا
أخبرت أنه كاذب. وكذلك قال الزجاج(٥): كذَّبته إذا قلتَ له: كذبت، وأكذبته إذا
أردت أنَّ ما أتى به كذب.
قوله تعالى: ﴿فَصَبِرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ﴾ أي: فاصبِر كما صَبروا ﴿وَأُوْذُواْ حَّىَ أَنَهُمْ
نَصْنَا﴾ أي: عونُنا، أي: فسيأتيك ما وُعِدْتَ به (٦). ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾؛ مُبيِّنٌ
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٦٤) من طريق ناجية بن كعب عن عليه، ثم أخرجه عن ناجية بن كعب: أن أبا
جهل ... ، ولم يذكر عليًّا. قال الترمذي: وهذا أصح. وقال الدارقطني في العلل ١٤٣/٤: وهو
المحفوظ.
(٢) في (ظ) و(م): لا يثبتون.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٦٤/٢.
(٤) في معاني القرآن له ٤١٩/٢ .
(٥) في معاني القرآن له: ٢٤٢/٢، وقاله أيضاً الفراء في معاني القرآن له ٣٣١/١.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٦٤.

٣٦٦
سورة الأنعام: الآيات ٣٣ - ٣٥
لذلك النصر؛ أي: ما وَعَدَ الله عزَّ وجلَّ به فلا يقدر أحدٌ أن يدفعه؛ لا ناقِضَ
لحكمه، ولا خُلْفَ لوعده، و﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿إِنَّا لَتَنَصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٥١] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ
الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣] ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١].
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن تَبَِى الْمُرْسَلِينَ﴾ فاعلُ ((جاءك)) مضمرٌ؛ المعنى: جاءك مِن نبأ
المرسلين نبأً(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بَايَةٍ وَلَّوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَ
تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
١٣٥
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: عَظُم عليك إعراضُهم وتولّيهم
عن الإيمان. ﴿فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ﴾: قَدَرت ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ﴾: تطلبَ ﴿نَفَقَّا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي:
سَرَباً(٢) تَخلُصُ منه إلى مكان آخر، ومنه: النافِقاء لجُخْر اليَرْبُوع، وقد تقدَّم في
((البقرة)) بيانُه، ومنه المنافق وقد تقدم (٣).
﴿أَوْ سُلَّمَا﴾ معطوفٌ عليه، أي: سبباً إلى السماء، وهذا تمثيل؛ لأن السُّلَّم الذي
يُرْتقى عليه سببٌ إلى الموضع، وهو مذكَّر، ولا يُعرَف ما حكاه الفرَّاء من تأنيث
السُّلَّم(٤). قال قَتَادة: السُّلَّم: الدَّرَج(٥). الزَجَّاج(٦): وهو مشتقٌّ من السلامة؛ كأنه
يُسْلِمك إلى الموضع الذي تريد. ﴿فَتَأْتِيَهُم بِثَايَةٌ﴾ عطف عليه، أي: ليؤمنوا، فافعل،
(١) تفسير الرازي ٢٠٦/١٢ .
(٢) في (ظ): سببا.
(٣) ٢٧٣/١ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٦٤/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٢٦/٩ .
(٦) في معاني القرآن له ٢٤٤/٢ .

٣٦٧
سورة الأنعام: الآيات ٣٥ -٣٧
فأُضمِر الجواب لعِلْم السامع(١). أمر الله نبيَّه# ألَّا يشتدَّ حزنُه عليهم إذ(٢) كانوا لا
يؤمنون، كما أنه لا يستطيع هذا (٣).
﴿وَلَوْ شَكَءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ أي: خَلَقهم مؤمنين وطبَعهم عليه؛ بيَّن تعالى
أنَّ كفرهم بمشيئة الله ردًّا على القدَرية(٤).
وقيل: المعنى: أي لأَراهم آيةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمان، ولكنه أراد عزَّ وجلَّ أنْ
يُثيب منهم من آمَنَ ومَن أَحْسَن(٥).
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: مِن الذين اشتدَّ حزنُهم وتحسَّروا حتى أخرجهم
ذلك إلى الجَزَعِ الشديد، وإلى ما لا يَحِلُّ (٦)، أي: لا تحزن على كفرهم فتُقارِبَ حالَ
الجاهلين.
وقيل: الخطابُ له والمرادُ الأُمة؛ فإنَّ قلوب المسلمين كانت تَضيق من كفرهم
وإذايتهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونُ وَالْمَوْقَ يَبْعَنُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
وَقَالُواْ لَوْلَا فُزْلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّيِّدِّ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماعَ إصغاءٍ وتفهُّمِ وإرادةٍ
للحق(٧)، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون، فينتفعون به ويعملون؛ قال معناه
(١) معاني القرآن للفراء ٣٣١/١، وللزجاج ٢٤٤/٢، وللنحاس ٤٢٠/٢ .
(٢) في (م): إذا.
(٣) في (م): هداهم، وليست في (ظ)، والمثبت من (خ) و(د) و(ز)، وهو الموافق لما في إعراب القرآن
للنحاس ٦٤/٢، والكلام منه.
(٤) حز الغلاصم ص٥٦ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٢٠/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٤/٢ - ٢٤٥ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٦٤/٢ - ٦٥ .
(٧) في (د) و(ز) و(م): وإرادة الحق، والمثبت من (خ) و(ظ) وإعراب القرآن للنحاس ٦٥/٢

٣٦٨
سورة الأنعام: الآيتان ٣٦ - ٣٧
الحسن ومجاهد، وتمَّ الكلام. ثم قال: ﴿وَالْمَوْنَ يَبْعَتُهُمُ اللَّهُ﴾ وهم الكفار، عن
الحسن ومجاهد (١)، أي: هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يَقْبَلون ولا يُصغُون إلى حجة.
وقيل: الموتى كلُّ مَن مات(٢) ﴿يَبَعَتُهُمُ لَهُ﴾ أي: للحساب. وعلى الأول بَعْثُهم
هِدَايتُهم إلى الإيمان بالله وبرسوله﴾. وعن الحسن: هو بعثُهم من شِرْكهم حتى
يؤمنوا بك يا محمد. يعني عند حضور الموت في حال الإلجاء في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنِ زَّيِّدْ﴾ قال الحسن: ((لولا)) هاهنا بمعنى:
هلَّا (٣)؛ وقال الشاعر:
تَعُدُّون عَقْرَ النِّيْبِ أَفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المقَنَّعَا(٤)
وكان هذا منهم تعثُّتاً بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن
يأتوا بسورةٍ مثلِه، لِمَا فيه من الوصف وعلم الغيوب(٥).
﴿وَلَكِنَّ أَكْتَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله عزَّ وجلَّ إنما ينزِّل من
الآيات ما فيه مصلحةٌ لعباده (٦)، وكان في عِلْم الله أن(٧) يُخرج من أصلابهم أقواماً
يؤمنون به ولم يُرِد استئصالهم.
وقيل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله قادر على إنزالها (٨).
(١) أخرج الطبري ٩/ ٢٣٠ هذا القول والقول الذي قبله عن الحسن ومجاهد.
(٢) النكت والعيون ١١٠/٢، قال الماوردي: وهو مَثَلِّ ضربه الله لنبيه، ويكون معنى الكلام: كما أن
الموتی لا يستجيبون حتى يبعثهم الله، فكذلك الذين لا يسمعون.
(٣) ورد هذا القول دون نسبة في الوسيط ٢/ ٢٦٧، وتفسير البغوي ٩٥/٢، والمحرر الوجيز ٢٨٩/٢.
(٤) سلف ٣٤٢/٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٢.
(٦) المصدر السابق.
(٧) في (د): أنه.
(٨) تفسير أبي الليث ٤٨٣/١ .

٣٦٩
سورة الأنعام: الآيات ٣٦ - ٣٨
الزَجَّاج: طلبوا أنْ يَجمعهم على الهدى(١)، أي: جَمْعَ إلجاء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبَّكٍ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَا ◌َيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا
٨
فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن ثَِّ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ مُهْشَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبَّةٍ فِ الْأَرْضِ﴾ تقدَّم معنى الذَّابة والقولُ فيه في ((البقرة))(٢)،
وأصلُه الصفة؛ مِن دَبَّ يَدِبُّ فهو دابٌّ إذا مشى مشياً فيه تَقَارُبُ خَطْوِ (٣). ﴿وَلَا طَبْرِ
يَطِيُرُ بِنَاحَيْهِ﴾ بخفضِ ((طائرٍ)) عطفاً على اللفظ.
وقرأ الحسن وعبد الله بنُ أبي إسحاق: ((وَلَا طَائرٌ)) بالرفع عطفاً على الموضع،
و((مِن)) زائدة، التقدير: وما دابةٌ(٤).
((بجناحَيْه)) تأكيدٌ وإزالةٌ للإبهام، فإن العرب تستعمل الطيرانَ لغير الطائر؛ تقول
للرجل: طِرْ في حاجتي، أي: أَسْرِغْ، فذَكَر ((بجناحيه)) ليتمخَّضَ القولُ في الطير(٥)،
وهو في غيره مجاز.
وقيل: إنَّ اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يُعِينُه على الطيران، ولو كان غيرَ
معتدِل لكان يميل؛ فأعْلَمَنا أنَّ الطيران بالجناحين، و﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّ﴾
[النحل: ٧٩].
والجناحُ أحد ناحيتي الطير الذي يتمكَّن به من الطيران في الهواء، وأصلُه الميل
إلى ناحيةٍ من النواحي(٦)، ومنه جَنَحت السفينةُ: إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقةً بها
(١) معاني القرآن ٢٤٥/٢، في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّ اللَّهُ قَادِّرُ عَلَ أَنْ يَُّزِّلَ ءَايَةٌ﴾ قال الزجاج: أي آية
تجمعهم على الهدى.
(٢) ٢/ ٤٩٧ .
(٣) مجمع البيان ٧/ ٥٥ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٢، والقراءة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩١/٢، وأبو حيان في
البحر ١١٩/٤ عن إبراهيم بن أبي عبلة.
(٥) تفسير الرازي ٢١٢/١٢ - ٢١٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٥/٢ .
(٦) مجمع البيان ٥٦/٧ .

٣٧٠
سورة الأنعام: الآية ٣٨
فوقفت(١). وطائرُ الإنسان عملُه؛ وفي التنزيل: ﴿وَكُلَّ إِسَنِ اَلْزَّمْنَهُ ◌َهُ فِ عُنْقِهِ﴾
[الإسراء: ١٣].
﴿إِنَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: هم جماعاتٌ مثلُكم في أن الله عزَّ وجلَّ خلَقهم، وتَكفَّل
بأرزاقهم، وعَدّل عليهم، فلا ينبغي أن تَظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أُمرتُم به.
و(دابة)) تقع لجميع(٢) ما دبَّ؛ وخصَّ بالذكر ما في الأرض دون السماء؛ لأنه الذي
يعرفونه ویعاینونه.
وقيل: هي أمثالٌ لنا في التسبيح والدِّلالة، والمعنى: وما من دابةٍ ولا طائرٍ إلا
وهو يسبِّح الله تعالى، ويدلُّ على وحدانيته، لو تأمل الكفار(٣).
وقال أبو هُريرة: هي أمثالٌ لنا على معنى أنه يحشر البهائم غداً، ويقتصُ للجمَّاءِ
من القَرْنَاء، ثم يقول الله لها: كوني تراباً. وهذا اختيار الزجَّاج(٤)؛ فإنه قال: ((إِلَّا
أُمَمْ أَمْثَالُكُمْ)) في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى
القولِ الأوّل أيضاً.
وقال سُفيان بنُ عُيْينة: أي: ما من صنفٍ من الدوابِّ والطير إلا في الناس شبهٌ
منه؛ فمنهم مَن يعدو كالأسد، ومنهم مَن يَشْرَه(٥) كالخنزير، ومنهم مَن يَعوي
كالكلب، ومنهم مَن يزهو كالطاووس؛ فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخَطّابيُّ هذا
وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع، فخذ حِذْرك(٦).
(١) تهذيب اللغة ٤/ ١٥٥ .
(٢) في (د) و(م): على جميع، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس
٦٥/٢، والكلام منه.
(٣) ذكره الرازي ٢١٣/١٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يريد: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني
ويحمدونني، قال الرازي: وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٢٤٥. وسيأتي خبر أبي هريرة ﴾.
(٥) الشره: غلبة الحرص. الصحاح (شره).
(٦) قول سفيان بن عيينة وقول الخطابي ذكرهما الرازي ٢١٤/١٢ إلا أنه قال في الخنزير: ومنهم من يشبه
الخنزير فإنه لو أُلقي إليه الطعام الطيب تركه، وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه، فكذلك نَجِدُ مِن =

٣٧١
سورة الأنعام: الآية ٣٨
وقال مجاهد في قوله عزَّ وجلَّ: ((إِلَّا أُمَمْ أَمْثَالُكُمْ)) قال: أصنافٌ لهن أسماءٌ
تُعرَف بها كما تُعرَفون(١).
وقيل غيرُ هذا مما لا يصح؛ مِن أنها مثلُنا في المعرفة، وأنها تُحشَر وتُنَّم في
الجنة، وتُعوَّض من الآلام التي حلَّت بها في الدنيا، وأنَّ أهل الجنة يستأنسون
بصورهم.
والصحيح: (إِلَّ أُمَمْ أَمْثَالُكُمْ)) في كونها مخلوقةً، دالَّةً على الصانع، محتاجةً
إليه، مرزوقةً من جهته، كما أنَّ رِزقَكم على الله. وقولُ سفيانَ أيضاً حسن؛ فإنه تشبيهٌ
واقعٌ في الوجود.
قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، فإنه أُثبتَ
فيه ما يقع من الحوادث(٢).
وقيل: أي: في القرآن، أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دَلَّلْنا عليه في
القرآن؛ إمَّا دلالةٌ مبيَّنَةً مشروحةً، وإمَّا مجملةً(٣) يُتَلقَّى بيانُها من الرسول عليه الصلاة
والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنصِّ الكتاب، قال الله تعالى:
﴿وَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٌ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ
عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، فَأَجْمَلَ في هذه الآية وآيةِ ((النحل) ما لم يَنْصَّ عليه مما لم
يذكره، فصدَق خبرُ الله بأنه ما فرَّط في الكتاب من شيءٍ إلا ذَكَره، إمَّا تفصيلاً وإمَّا
تأصيلاً، وقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣](٤).
= الآدميين من لو سمع خمسين حكمةً لم يحفظ منها واحدة، فإن أخطأت مرة حفظها، ولم يجلس
مجلساً إلا رواه عنه.
(١) أخرجه الطبري ٩/ ٢٣٣ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٤/٩ عن ابن عباس، وذكره عنه الواحدي ٢٦٨/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٢ - ٦٦ .
(٤) ينظر تفصيل هذه المسألة في تفسير الرازي ٢١٥/١٢ - ٢١٨.

٣٧٢
سورة الأنعام: الآية ٣٨
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي: للجزاء، كما سبق في خبر أبي
هُريرة، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله ﴾ قال: ((لتُؤدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم
القيامة، حتى يُقاد للشاة الجَلْحَاء من الشاة القَرْناء))(١). ودَلَّ بهذا على أن البهائم
تُحشر يوم القيامة؛ هذا قول أبي ذرِّ وأبي هريرةً والحسنِ وغیرِهم، ورُوي عن ابن
عباس(٢). وقال ابن عباس في روايةٍ: حشْرُ الدوابِ والطيْرِ موتُها. وقاله الضحاك(٣).
والأوّل أصحُ؛ لظاهر الآية والخبرِ الصحيح؛ وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا الْمُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
[التكوير: ٥].
وقول أبي هُريرة فيما روى جعفر بنُ بُرقان، عن يزيد بنِ الأَصمِّ عنه: يَحشُرُ الله
الخلقَ كلَّهم يوم القيامة، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكلَّ شيء، فيبلغ من عدل الله
تعالى يومئذٍ أن يأخذ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول: كوني تُرَاباً، فذلك قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَيْتَنِى كُتُ تُرَبْ﴾ [النبأ: ٤٠](٤).
وقال عطاء: فإذا رأَوْا بني آدمَ وما هم عليه من الجَزَع، قُلنَ: الحمد لله الذي لم
يجعلنا مثلكم، فلا جنةَ نرجو، ولا نارَ نخاف، فيقول الله تعالى لهن: كُنَّ تُرَاباً،
فحينئذٍ يتمنَّى الكافر أن يكون تُراباً (٥).
وقالت جماعة: هذا الحشر الذي في الآية يرجع(٦) إلى الكفار، وما تَخلَّل كلامٌ
معترِضٌ وإقامةُ حُجج. وأمَّا الحديثُ فالمقصود منه التمثيلُ على جهة تعظيمٍ أمر
الحساب والقصاصِ، والإغياء(٧) فيه حتى يُفهَم منه أنه لابُدَّ لكلِّ أحد منه، وأنه لا
(١) صحيح مسلم (٢٥٨٢)، وهو عند أحمد (٨٨٤٧)، والجلحاء: التي لا قرن لها. النهاية. (جلح).
(٢) خبر أبي ذر وأبي هريرة سيأتي، ولم نقف على خبر الحسن وابن عباس، وذكر المصنف جميع هذه
الأخبار وغيرها في التذكرة ص٢٧٣ .
(٣) أخرجه الطبري عنهما ٢٣٥/٩ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٠٦/١، والطبري ٢٣٥/٩ - ٢٣٦، والحاكم ٣١٦/٢ وصححه.
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣١١ عن أبي عمران الجوني، ولم نقف عليه عن عطاء.
(٦) في (خ) و(ز) و(ظ): راجع.
(٧) في (م) والاعتناء. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المفهم ٦/ ٥٦٤، والكلام منه.

٣٧٣
سورة الأنعام: الآيات ٣٨ - ٤١
مَحيصَ له عنه، وعضَدوا هذا بما في هذا (١) الحديث في غير الصحيح عن بعض
رُواته من الزيادة، فقال: حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من القَرْناء، وللحجر لِما رَكِب على
الحجر، وللعود لِمَّا خَدَش العود(٢)؛ قالوا: فظهر من هذا أنَّ المقصودَ منه التمثيلُ
المفيدُ للإغياء(٣) والتهويل، لأنَّ الجمادات لا يُعقَل خطابُها ولا ثوابُها ولا عقابُها،
ولم يَصِرْ إليه أحدٌ من العقلاء، ومُتخيّلُه من جملة المعتوهين الأغبياء. قالوا: ولأنَّ
القلم لا يجري عليهم، فلا يجوز أن يؤاخذوا(٤).
قلت: الصحيح القول الأوّل؛ لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن كان القلم
لا يجري عليهم في الأحكام ، ولكنْ فيما بينهم يؤاخَذون به، ورُوي عن أبي ذرِّ قال:
انتطحت شاتان عند النبيِّ # فقال: ((يا أبا ذَرِّ، هل تدري فيما انتطحتا))؟ قلت: لا.
قال: ((لكنَّ الله تعالى يدري، وسيقضي بينهما))(٥). وهذا نصٌّ، وقد زدناه بياناً في
كتاب ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)»(٦). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا صُرُّ وَبُكْمٌ فِ القُّلُمَنِّ مَن يَلِ اللّهُ يُضْلِلَةٌ
قُلْ أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ أَوْ
٣٩
وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ (
أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٥) بَلْ إِيَّاهُ نَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا
تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءُ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِثَايَتِنَا صُدُّ وَبُّكُمٌ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: عدِموا الانتفاع
(١) قوله: هذا، من (د) و(ز) و(ظ) والمفهم، ويعني به ما سلف من حديث أبي هريرة ﴾ عند مسلم.
(٢) أخرجه الخطيب في الرحلة في طلب الحديث ((٣٣) قطعة من حديث طويل عن جابر بلفظ:
( ... ولاقتصَّنَّ للجمَّاء من القَرْناء، ولأسألن الحجر لم نكب الحجر، ولأسألن العود لم خدش
صاحبه ... )). وفي إسناده عمر بن صُبح، ليس بثقة ولا مأمون وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال
الدار قطني وغيره: متروك. ميزان الاعتدال ٢٠٦/٣ .
(٣) في (م): للاعتبار، والمثبت من باقي النسخ والمفهم.
(٤) ذكر هذا القول الأخير أبو الليث في التفسير ٤٨٣/١ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٠٦/١، وأحمد (٢١٤٣٨) و(٢١٥١١)، والطبري ٢٣٦/٩.
(٦) ص٢٧٣ وما بعدها.

٣٧٤
سورة الأنعام: الآيات ٣٩ - ٤١
بأسماعهم وأبصارهم؛ فكلُّ أَمَّةٍ من الدوابِ وغيرِها تهتدي لمصالحها، والكفارُ لا
يهتدون؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(١).
﴿فِي الْقُلُمَتِ﴾ أي: ظلمات الكفر. وقال أبو علي (٢): يجوز أن يكون المعنى:
صمِّ وبكم في الآخرة، فيكون حقيقةً دون مجاز اللغة.
﴿مَنْ يَشَلِ اَللَّهُ يُضْلِلٌْ﴾ دلَّ على أنه شاء ضلالَ الكافر وأراده؛ لينفذَ فيه عدلُه؛ ألا
ترى أنه قال: ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على دين الإسلام؛ لينفُذَ فيه
فضلُه. وفيه إبطالٌ لمذهب القَدَرية. والمشيئةُ راجعةٌ إلى الذين كذَّبوا، فمنهم مَن يُضلُّه
ومنهم مَن یهدیه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَوَيَتَكُمْ﴾ قرأ نافع بتخفيف الهمزتين، يُلقي حركةَ الأُولى علی
ما قبلها(٣)، ويأتي بالثانية بَيْن بَيْن(٤). وحكى أبو عُبيد عنه أنه يُسقط الهمزةَ ويُعوِّض
منها ألفاً. قال النحاس(٥): وهذا عند أهل العربية غلطٌ عليه؛ لأن الياء ساكنةٌ،
والألف ساكنة، ولا يجتمع ساكنان.
قال مكيّ(٦): وقد رُوي عن وَرْش أنه أبدل من الهمزة ألفاً (٧)؛ لأن الرواية عنه أنه
يَمدُّ الثانية، والمدُّ لا يتمكَّن إلا مع البدل، والبدلُ فرعٌ عن الأصول، والأصلُ أن
تُجعل الهمزةُ بين الهمزة المفتوحة والألف؛ وعليه كلُّ مَن خفَّف الثانيةَ غيرَ وَرْش؛
وحَسُن جوازُ البدل في الهمزة وبعدَها ساكن؛ لأنَّ الأوّل حرفُ مدَّ ولِيْنٍ، فالمدُّ الذي
يحدثُ مع الساكن يقوم مَقام حركةٍ يوصَلُ بها إلى النُّطق بالساكن الثاني.
(١) ٣٢٣/١ - ٣٢٥.
(٢) هو الجبائي، وذكر قوله الرازي في التفسير ٢٢٠/١٢، والطبرسي في مجمع البيان ٥٨/٧ .
(٣) يعني بالنقل، وذلك إذا سبقها حرف ساكن، وهي من رواية ورش عن نافع. التيسير ص٣٥.
(٤) أي بالتسهيل. ينظر السبعة ص٢٥٧، والتيسير ص١٠٢ .
(٥) في إعراب القرآن ٦٦/٢، وما قبله منه.
(٦) في الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٣١ .
(٧) النشر ٣٩٧/١ - ٣٩٨.

٣٧٥
سورة الأنعام: الآيات ٣٩ - ٤١
وقرأ أبو عمرٍو وعاصمٌ وحمزةُ: ((أَرَأَيْتَكُمْ)) بتحقيق الهمزتين(١)، وأتَوا بالكلمة
على أصلها، والأصلُ الهمز؛ لأن همزة الاستفهام دخلت على ((رأيت))، فالهمزةُ عين
الفعل، والياءُ ساكنة الاتصال المضمَر المرفوع بها (٢).
وقرأ عيسى بنُ عمر والكسائي: ((أَرَيْتَكُمْ)) بحذف الهمزة الثانية؛ قال النحاس (٣):
وهذا بعيدٌ في العربية، وإنما يجوز في الشعر، والعرب تقول: أرأيتَك زيداً ما
شانه(٤)؟
ومذهبُ البصريين أن الكاف والميم للخطاب، لاحَظّ لهما في الإعراب؛ وهو
اختيار الزجاج(٥). ومذهب الكسائيّ والفرَّاءِ وغيرِهما أن الكاف والميمَ نُصب بوقوع
الرؤية عليهما، والمعنى: أرأيتُم أنفسَكم (٦).
فإذا كانت للخطاب - زائدةً للتأكيد - كان ((إنْ)) من قوله: ﴿إِنْ أَتَلَكُمْ﴾ في موضع
نصبٍ على المفعول لرأيت، وإذا كان اسماً في موضع نصب، فـ((إنْ)) في موضع
المفعول الثاني؛ فالأوّل(٧) من رؤية العين لتعدِّيها لمفعولٍ واحد، وبمعنى العلم
(١) إعراب القرآن للنحاس ٦٦/٢، وهي أيضاً قراءة ابن كثير وابن عامر. السبعة ص٢٥٧ ، والتيسير
ص١٠٢ .
(٢) الكشف عن وجوه القراءات ٤٣١/١ .
(٣) في إعراب القرآن ٦٦/٢، وما قبله منه، وينظر السبعة ص٢٣٧، والتيسير ص١٠٢ .
(٤) و((أرأيت)) هنا وفي الآية بمعنى أخبرني، وذكر السمين في الدر المصون ٦١٥/٤ - ٦١٦ أن حذف
الهمزة التي هي عين الفعل في ((أرأيت)) العلمية التي ضمنت معنى أخبرني فاشٍ نظماً ونثراً، قال: وزعم
الفراء أن هذه اللغة لغة أكثر العرب. ينظر معاني القرآن للفراء ٣٣٣/١.
(٥) في معاني القرآن له ٢٤٦/٢، وينظر مشكل إعراب القرآن ٢٥١/١ .
(٦) وذكر أبو حيان في البحر ١٢٥/٤ - ١٢٦ اختلافاً بين مذهب الكسائي ومذهب الفراء؛ فمذهب
الكسائي أن الفاعل هو التاء، وأن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول. ومذهب الفراء أن
التاء هي حرف خطاب، وأن أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل؛ استُعيرت ضمائر النصب للرفع.
اهـ وهذا الذي ذكره أبو حيان عن الفراء هو في معاني القرآن له ٣٣٣/١ . ورده الزجاج في معاني
القرآن ٢٤٦/٢، ومكي في مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٥١ - ٢٥٢ .
(٧) في (ز) و(ظ): فالأولى.

٣٧٦
سورة الأنعام: الآيات ٣٩ - ٤٢
تتعدَّی إلی مفعولین.
وقوله: ﴿أَوَ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ﴾ المعنى: أو أتتكم الساعةُ التي تبعثون فيها(١).
ثم قال: ﴿أَغَيْرَ الَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ والآية في محاجَّة المشركين ممن
اعترف أن له صانعاً؛ أي: أنتم عند الشدائد تَرجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم
القيامة أيضاً، فلِمَ تُصرُّون على الشرك في حال الرفاهية؟! وكانوا يعبدون الأصنام
ويدعُون الله في صَرف العذاب.
قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَّدَعُونَ﴾ ((بل)) إضرابٌ عن الأوّل وإيجابٌ للثاني. («إياه))
نصب بـ ((تدعون)) ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ أي: يكشف الضُّرَّ الذي تدعون إلى
کشفه، إن شاء گَشْفَه.
﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ قيل: عند نزول العذاب. وقال الحسن: أي: تُعْرِضون عنه
إعراضَ الناسِي، وذلك لليأس من النجاة من قِبله، إذ لا ضررَ فيه ولا نَفْع(٢). وقال
الزجاج(٣): يجوز أن يكون المعنى: وتَتركون؛ قال النحاس(٤): مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ
عَهِدْنَا إِلَى ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ [طه: ١١٥].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَلِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ
٤٢
◌َّعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَّىَ أُمَرٍ مِّنِ قَبْلِكَ﴾ الآية تسليةٌ للنبيِّ ﴾، وفيه إضمار،
أي: أرسلنا إلى أمم مِن قَبلك رسلاً، وفيه إضمارٌ آخرُ يدلُّ عليه الظاهر، تقديره:
فكذَّبوا فأخذناهم. وهذه الآية متَّصِلة بما قبلُ اتصالَ الحال بحالٍ قريبةٍ منها، وذلك
أنَّ هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيِّهم مسلَكَ مَن كان قبلَهم في مخالفة أنبيائهم، فكانوا
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٢٢/٢.
(٢) أورده الرازي في التفسير ٢٢٣/١٢ بنحوه.
(٣) في معاني القرآن ٢٤٧/٢ .
(٤) في إعراب القرآن ٢/ ٦٧ .

٣٧٧
سورة الأنعام: الآية ٤٢
بعَرَضٍٍ أن ينزِل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم.
ومعنى ﴿يَأْسٌَ﴾: بالمصائب في الأموال ﴿وَالضَّرِّءِ﴾ في الأبدان؛ هذا قول
الأكثر، وقد يوضع كلُّ واحدٍ منهما مَوضعَ الآخَر. ويؤدِّبُ الله عباده بالبأساء والضرَّاء
وبما شاء ﴿لَا يُبْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قال ابن عطية(١): استدلَّ العُبَّادُ في تأديب
أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال، والضَّرَّاء في الحمل على الأبدان من جوع
وعُري(٢) بهذه الآية.
قلت: هذه جهالةٌ ممن فعلها وجَعَل هذه الآيةَ أصلاً لها، هذه عقوبةٌ من الله لمن
شاء من عباده أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نَمتحن أنفسنا ونُكافِئَها قياساً عليها،
فإنها المطيةُ التي نبلغ عليها دارَ الكرامة، ونفوزُ بها من أهوال يوم القيامة، وفي
التنزيل: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُلُوا مِنْ طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين.
وكان رسول الله ﴾ وأصحابُه يأكلون الطيبات، ويَلبَسون أحسن الثياب ويتجمَّلون
بها، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلُمَّ جرًّا، على ما تقدّم بيانه في ((المائدة))(٣) وسيأتي
في ((الأعراف))(٤) في(٥) حكم اللباس وغيرِه.
ولو كان كما زعموا واستدلوا، لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنَّات،
وجميع الثمار والنبات، والأنعام التي سخّرها، وأباح لنا أَكْلَها وشُرب ألبانها
والدفءَ بأصوافها - إلى غير ذلك مما امتنَّ به - كبيرُ فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه
(١) في المحرر الوجيز ٢٩١/٢ ، وما قبله منه.
(٢) في (م): بالجوع والعري، وفي المحرر: في جوع وعري.
(٣) ص ١٢٠ من هذا الجزء.
(٤) في تفسير الآية (٣٢).
(٥) في (د) و(ز) و(م): من، وليست في (خ)، والمثبت من (ظ).

٣٧٨
سورة الأنعام: الآيات ٤٢ - ٤٥
الفضلُ لكان أولى به رسولُ الله ﴾ وأصحابُه ومَن بَعْدَهم من التابعين والعلماء، وقد
تقدَّم في آخِرِ ((البقرة)) (١) بيانُ فضلِ المال ومنفعتِهِ، والردّ على مَن أَبَى مِن(٢) جَمْعه؛
وقد نهى النبيُّ﴾ عن الوصال(٣) مَخافةَ الضَّعف على الأبدان، ونهى عن إضاعة
المال (٤) ردًّا على الأغبياء(٥) الجُهَّال.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ بَّعُونَ﴾ أي: يَدْعُون ويَذِلُّون، مأخوذٌ من الضَّراعة، وهي
الذِّلة؛ يقال: ضَرَع فهو ضارِع(٦).
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ
فَقُطِعَ دَابِرُ
٤٤
كُلِّ شَىْءٍ حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ
٤٥)
اٌلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ ((لولا)) تحضيضٌ، وهي التي يليها(٧)
الفعلُ، بمعنى هَلَّا. وهذا عِتابٌ على ترك الدُّعاء، وإخبارٌ عنهم أنهم لم يَتضرَّعوا حين
نزول العذاب. ويجوز أن يكونوا تضرَّعوا تضرُّعَ مَن لم يُخلِص، أو تَضرَّعوا حين
لا بَسهم العذابُ، والتَّضرُّعُ على هذه الوجوه غيرُ نافع. والدُّعاءُ مأمورٌ به حالَ الرَّخاء
والشِّدَّة؛ قال الله تعالى: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكُْونَ عَنْ
(١) ٤ / ٤٨٠.
(٢) قوله: من، ليس في (د) و(ز).
(٣) أخرجه أحمد (٤٧٥٢) و(٧٥٤٨) و(٢٤٥٨٦)، والبخاري (١٩٦٢) و(١٩٦٥) و(١٩٦٤)، ومسلم
(١١٠٢) و(١١٠٣) و(١١٠٥) على الترتيب من حديث ابن عمر وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم.
(٤) يشير المصنف إلى حديث المغيرة بن شعبة وغيره عن النبي #، وفيه: (( ... وكره لكم ثلاثاً: قيلَ وقال
وكثرة السؤال وإضاعة المال)). وسلف ص ١٢٠ من هذا الجزء.
(٥) في (خ) و(م): الأغنياء، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) ينظر الدر المصون ٦٣٣/٤.
(٧) في النسخ والمحرر الوجيز ٢٩٢/٢ (والكلام منه): تلي الفعل، والمثبت من البحر المحيط ١٣٠/٤ .

٣٧٩
سورة الأنعام: الآيات ٤٣ - ٤٥
عِبَادَتِ﴾ أي: دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وهذا وعيدٌ شديد.
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صَلُبت وغَلُظت، وهي عبارةٌ عن الكفر والإصرار على
المعصية، نسأل الله العافية. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أغواهم
بالمعاصي وحملهم عليها.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ﴾ يقال: لِمَ ذُمُّوا على النِّسيان وليس مِن
فِعْلِهم؟
فالجواب: أنَّ(تَسُوا) بمعنى: تَركوا ما ذُكِّروا به؛ عن ابن عباس وابن جُرَيْجَ(١)،
وهو قولُ أبي عليّ؛ وذلك لأنَّ التارِكَ للشيء إعراضاً عنه قد صيَّره بمنزلة ما قد نُسِي،
كما يقال: تركه في النّسي(٢).
جواب آخَر: وهو أنهم تعرَّضوا للنّسيان، فجاز الذُّ لذلك، كما جاز الذُّ على
التعرُّض لسَخَط الله عزَّ وجلَّ وعقابه.
ومعنى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: مِن النّعم والخيرات، أي: كثَّرنا
لهم ذلك. والتقديرُ عند أهل العربية: فتحنا عليهم أبوابَ كلِّ شيءٍ كان مغلَقاً عنهم (٣).
﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُوا﴾ معناه: بَطِروا وأشِروا وأُعجِبوا، وظنُّوا أنَّ ذلك العطاءَ
لا يَبِيد، وأنه دالٌّ على رضاء الله عزَّ وجلَّ عنهم ﴿لَغَذْتَهُم بَعْتَةً﴾ أي: استأصلناهم
وسَطّونا بهم. و((بَغْتَةً)) معناه: فجأةً(٤)، وهي الأَخْذُ على غِرَّة من غيرِ تقدُّمٍ (٥) أمارةٍ،
فإذا أُخذ الإنسان وهو غارٌّ غافل، فقد أُخِذ بغتةً، وَأَنْكَى شيءٍ ما يَفْجأُ من البَغْت.
(١) أخرج قولهما الطبري ٩/ ٢٤٤ .
(٢) في (د) و(ز) و(خ): المنسىّ، والنّسْيُ: ما نُسي وسقط من منازل المُرْتّجلين من رُذال أمتعتهم، قال
الزجاج: النّسي في كلام العرب: الشيء المطروح لا يؤبه له. ينظر تهذيب اللغة ٨١/١٣ ، والصحاح
(نسا).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٤٨/٢، وللنحاس ٤٢٤/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٩٢/٢ .
(٥) في النسخ الخطية: تقدمة، والمثبت من (م).

٣٨٠
سورة الأنعام: الآيات ٤٣ - ٤٥
وقد قيل: إن التذكير الذي سلف ـ فأعرضوا عنه - قام مقام الأمارة، والله أعلم.
و(بَغْتَةً)) مصدرٌ في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدَّم(١)؛ فكان
ذلك استدراجاً من الله تعالى كما قال: ﴿وَأُتْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ﴾ [الأعراف: ١٨٣]
نعوذ بالله من سخطه ومَكره.
قال بعض العلماء: رَحِم الله عبداً تدبَّر هذه الآية: ﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ لَخَذْنَهُم
بَغْثَةً﴾. وقال محمد بنُ النَّضْر الحارِثِيُّ: أُمهل هؤلاء القومُ عشرين سنة(٢).
وروى عقبة بن عامر أن النبيَّ # قال: ((إذا رأيتم الله تعالى يُعطي العباد ما
يشاؤون على معاصيهم، فإنما ذلك استدراجُ منه لهم))، ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكْرُوا
◌ٍِ.﴾ الآيةَ كلَّها(٣).
وقال الحسن: والله ما أحدٌ من الناس بسَط الله له في الدنيا، فلم يَخف أن يكون
قد مكر له فيها، إلَّا كان قد نَقَص عملُه، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد، فلم
يظنّ أنه [قد] خَيَّر له فيها، إلّا كان قد نَقَص عملُه، وعجز رأيه(٤).
وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: إذا رأيت الفَقر مُقبِلاً
إليك، فقل: مرحباً بشِعار الصالحين، وإذا رأيت الغِنى مُقبلاً إليك، فقل: ذنبٌ
عُجِّلَتْ عقوبته(٥).
(١) ص ٣٥٧ من هذا الجزء.
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٢/٢، وأخرجه الطبري ٢٤٧/٩، ومحمد بن النضر هو أبو عبد الرحمن الحارثي
الكوفي عابد أهل زمانه بالكوفة، روى عن الأوزاعي وغيره. السير ١٧٥/٨ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٩٢/٢، وأخرجه أحمد (١٧٣١١)، والطبري ٢٤٨/٩ - ٢٤٩، وسلف ٣١٦/١.
(٤) تفسير أبي الليث ١/ ٤٨٥، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أحمد في الزهد ص٤٨ ، وأبو نعيم في
الحلية ٦/ ٢٧٢ وفيهما: مكر به، بدل: مكر له. ونقص علمه، بدل: نقص عمله.
(٥) تفسير أبي الليث ١/ ٤٨٤، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٥ مطولاً عن كعب الأحبار قوله. والخبر من
الإسرائيليات. والكلام الذي وقع فيه يخالف النقل والعقل، وليس هو من ديننا في شيء. قال ابن
الجوزي في صيد الخاطر ص٢٢: الواجب على العاقل ... أن لا يلتفت إلى تُرَّهات المتصوّفة الذين
يدَّعون في الفقر ما يدَّعون، فما الفقر إلا مرض العَجَزة، وللصابر على الفقر ثوابُ الصابر على المرض.