النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة المائدة: الآية ١١٦ يَقُلْنَ أَلَا لَمْ يذهبِ الشَّيخ مَذهبًا فأَلَآَن إِذْ هَازَلْتُهُنَّ فإنَّما يعني: إذا هازلتهنَّ، فعبّر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لأنَّه لتحقيق أمره، وظهورِ برهانِه، كأنه قد وقع. وفي التنزيل: ﴿وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ومثلُه كثير، وقد تقدم(١). واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤالِ - وليس هو باستفهامٍ وإن خرج مخرجَ الاستفهام - على قولين: أحدهما: أنَّه سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادَّعى ذلك عليه؛ ليكون إنكارُه بعد السؤال أبلغَ في التكذيب، وأشدَّ في التوبيخ والتقريع. الثاني: قَصَدَ بهذا السؤالِ تعريفه أنَّ قومه غَيَّروا بعده، واذَّعَوْا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً، فكيف قال ذلك فيهم؟ فقيل: لمَّا كان من قولهم إنَّها لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً، لزمهم أن يقولوا إنها لأَجْل البَعْضِيَّة بمثابة مَن وَلَدتْه، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له(٢). قوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِيَّ إِن كُنتُ قُلْتُهُمْ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ خرَّج الترمذيُّ(٣) عن أبي هُريرةَ قال: تَلَقَّى عيسى حُجَّته وَلَقَّاهُ اللهُ في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللّ﴾ قال أبو هُريرة عن النبيِّ ﴾: ((فَلقَّاه الله)): ﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَنِيّ﴾ الآيةَ كلّها. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. = هو الأسود بن يعفر النهشلي، والبيت من قصيدة له ذهب أكثرها، فلم يوجد منها في الكتب المطبوعة غير هذا البيت و خمسة أبيات أخرى في ديوانه. والبيت نسبه الطبري ٩/ ١٣٥ (طبعة دار هجر) للأسود، وذكره أبو بكر الأنباري في الأضداد ص١١٩ دون نسبة. (١) ١٣٥/١ و٣٩١، وينظر الأضداد ص١١٩، والنكت والعيون ٢/ ٨٧ . (٢) النكت والعيون ٨٧/٢ . (٣) في سننه (٣٠٦٢)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١١٠٩٧). ٣٠٢ سورة المائدة: الآية ١١٦ وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهاً له عما أُضيف إليه. الثاني: خضوعاً لعزَّته، وخوفاً من سَطْوته(١). ويقال: إنَّ الله تعالى لمَّا قال لعيسى: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَقِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أخذته الرعدةُ من ذلك القول، حتى سَمع صوتَ عظامه في نفسه، فقال: ((سبحانك))(٢). ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِىِ بِحَّ﴾ أي: أنْ أَدَّعيَ لنفسي ما ليس من حقٌّها، يعني أنني مربوبٌ ولستُ بربِّ، وعابدٌ ولست بمعبود. ثم قال: ﴿إِن كُتُّ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ﴾، فردَّ ذلك إلى علمه تعالى، وقد كان الله عالماً به أنَّه لم يقله، ولكنه سأله عنه تقريعاً لمن اتخذ عيسى إلهاً (٣). ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلََّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم ما في غَيْبي ولا أعلم ما في غَيْبك (٤). وقيل: المعنى: تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تَعلم. وقيل: تعلم ما أُخفيه، ولا أعلم ما تُخفيه(٥). وقيل: تعلم ما أريدُ، ولا أعلم ما تُريد. وقيل: تعلم سِرِّي، ولا أعلم سِرَّك؛ لأن السرَّ موضعُه النفسُ. وقيل: تعلم ما كان منِّ في دار الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة (٦). قلت: والمعنى في هذه الأقوال متقارب، أي: تعلم سرِّي، وما انطوَى عليه ضميري الذي خلقته، ولا أعلم شيئاً مما استأثرت به من غَيْبك وعلمك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبٍ﴾ ما كان، وما يكون، وما لم يكن، وما هو كائن. (١) النكت والعيون ٨٨/٢ . (٢) تفسير أبي الليث ٤٦٩/١ . (٣) النكت والعيون ٨٨/٢ . (٤) ذكره البغوي ٢/ ٨١ عن ابن عباس. (٥) النكت والعيون ٨٨/٢ . (٦) تفسير البغوي ٢/ ٨١، ونسب القول الأخير لأبي روق. ٣٠٣ سورة المائدة: الآية ١١٧ قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمّ فَلَمَّا تَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَْءٍ شَهِيدٌ ﴾ قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمْتَنِى بِهِ﴾ يعني في الدنيا بالتوحيد. ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ﴾ ((أَنْ)) لا مَوْضِعَ لها من الإعراب، وهي مفسِّرة مثل: ﴿وَأَنْطَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُوا﴾ [ص: ٦] ويجوز أن تكونَ في موضعٍ نصبٍ، أي: ما ذكرتُ لهم إلا عبادةَ الله. ويجوز أن تكونَ في موضع خفضٍ، أي: بأن اعبدوا الله، وضمُّ النون أَوْلى؛ لأنهم يَستثقلون كسرةً بعدها ضمةٌ، والكسرُ جائزٌ على أصل التقاء الساكنين (١). قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: حفيظاً بما أمرتُهم(٢). ﴿مَا دُمْتُ فِهِمْ﴾ ((ما)) في موضع نصب، أي: وقت دوامي فيهم. ﴿قَلَّا تَوَّتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَهِمْ﴾ قيل: هذا يدلُّ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ توفَّاه قبل أن يرفعَه(٣)، وليس بشيء؛ لأنَّ الأخبارَ تظاهرت برفعه، وأنَّه في السماء حيٍّ، وأنه ينزل ويقتل الدَّجَّال؛ على ما يأتي بيانه(٤). وإنَّما المعنى: فلما رفعتني إلى السماء. قال الحسن: الوفاةُ في كتاب الله عزَّ وجلَّ على ثلاثة أَوْجُهٍ: وفاةُ الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] يعني وقتَ انقضاء أجلها. ووفاةُ النَّوم؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] يعني الذي يُنيمكم. ووفاةُ الرفع، قال الله تعالى: ﴿يَعِيسَىَّ إِّ مُتَوَفِيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ﴾ ((أنت)) هنا توكيدٌ، ((الرَّقيبَ)) خبرُ ((كُنْتَ))، ومعناه: الحافظُ عليهم، والعالِمُ بهم، والشاهدُ على أفعالهم، وأصلُه المراقبة، أي: المراعاة، ومنه (١) إعراب القرآن للنحاس ٥٢/٢. وقرأ بكسر النون أبو عمرو وعاصم وحمزة، والباقون بفتحها. السبعة ص١٧٤ ، والتیسیر ص٧٨ . (٢) تفسير أبي الليث ٤٦٩/١ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٥٢/٢، وهذا قول الجبائي كما ذكر الطبرسي في مجمع البيان ٧/ ٢٤٧. (٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌّ لِلِسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]. ٣٠٤ سورة المائدة: الآيتان ١١٧ - ١١٨ المَرْقَبَةِ(١)؛ لأنها في موضع الرقيب من علوِّ المكان. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ من مقالتي ومقالتهم، وقيل: على مَن عَصَى وأطاع(٢). خرَّج مسلم عن ابن عباس قال: قام فينا رسولُ الله ﴿ خطيباً بموعظةٍ، فقال: ((ياأيُّها الناس، إنكم تُحشرون إلى الله [حُفاةً] عُرَاةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُمِيدُهُ وَهْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. أَلَا وإنَّ أوَّلَ الخلائق يُكْسى يومَ القيامة إبراهيمُ عليه السلام، أَلَا وإنَّه سيُجاءُ برجالٍ من أمتي، فيؤخذُ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقال: إنَّك لا تَدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَّيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الَّقِيِبَ عَلَيْهِمّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدُ * إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرِبِزُ لْكِيمُ﴾ قال: فيقال لي: إنَّهم لم يزالوا مُدْبِرِين(٣) مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقْتَهم))(٤). قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ (َا﴾ قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌ﴾ شرطٌ وجوابُه. ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْكِيمُ﴾ مثلُه. رَوى النَّسائيُّ(٥) عن أبي ذَرِّ قال: قام النبيُّ # حتى أصبح بآية (٦)، والآيَةُ: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ لْحَكِيمُ﴾. واختلف في تأويله؛ فقيل: قاله على وجه الاستعطافٍ لهم والرأفة بِهم، كما (١) هي الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب. الصحاح (رقب). وتحرفت في النسخ إلى: الرقبة. (٢) القول الأول ذكره أبو الليث ٤٦٩/١، والثاني ذكره الماوردي ٨٩/٢ . (٣) قوله: مدبرين، ليس في المطبوع من صحيح مسلم، والمثبت من النسخ والمفهم ٧/ ١٥٣. (٤) صحيح مسلم (٢٨٦٠)، وهو عند أحمد (٢٠٩٦)، والبخاري (٤٦٢٥). قوله: غرلاً، جمع أغرل: وهو الأقلف. النهاية (غرل). (٥) سنن النسائي (المجتبى) ١٧٧/٢، والكبرى (١٠٨٤)، وهو عند أحمد (٢١٣٨٨)، وابن ماجه (١٣٥٠). (٦) في (م): قام النبي # بآية ليلةً حتى أصبح. ٣٠٥ سورة المائدة: الآية ١١٨ يُستَعطف السيد لعبده(١)؛ ولهذا لم يقل: فإنَّهم عَصَوْك. وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنَّه لا يَغفِر لكافر. وقيل: الهاء والميم في ((إنْ تُعَذِّبْهُمْ)) لمن مات منهم على الكفر، والهاءُ والميم في ((إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)) لمن تاب منهم قبل الموت، وهذا حسن(٢). وأما قول مَن قال: إنَّ عيسى عليه السلام لم يعلم أنَّ الكافرَ لا يُغفَر له(٣)، فقولُ مُجترىٍ على كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الأخبار من الله عزَّ وجلَّ لا تُنسَخ. وقيل: كان عند عيسى أنَّهم أحدثوا معاصيَ، وعملوا بعدَه بما (٤) لم يأمرهم به، إلَّا أنَّهم على عَمُود دينه، فقال: وإن تغفِر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي. وقال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِزُ الَْكِيمُ﴾ ولم يقل: فإنَّك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصةُ من التسليم لأمره، والتفويضِ لحكمه. ولو قال: فإنَّك أنت الغفورُ الرحيم، لأَوْهَم الدعاءَ بالمغفرة لمن مات على شِرْكه، وذلك مستحيل؛ فالتقدير: إن تُبْقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذِّبْهم، فإنَّهم عبادك، وإن تَهْدِهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم، فإنك أنت العزيز الذي لا يَمتنع عليك ما تريده، والحكيمُ فيما تفعله، تُضِلُّ مَن تشاء وتهدي مَن تشاء. وقد قرأ جماعةٌ: ((فإنَّك أنت الغفورُ الرحيم)). وليست من المصحف؛ ذكره القاضي عياض في كتاب ((الشِّفا))(٥). وقال أبو بكر الأنْبَاري(٦): وقد طَعَنَ على القرآن مَن قال: إن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ (١) في النكت والعيون ٨٩/٢ (والكلام منه): كما يستعطف العبد سيده. (٢) تفسير أبي الليث ٤٦٩/١ بنحوه. (٣) أورد هذا القول أبو الليث ٤٦٩/١ بنحوه. (٤) في (ظ): ما. (٥) ٣٠٩/٢، ونسبها أبو الليث ٤٦٩/١، والبغوي ٢/ ٨١، وأبو حيان في البحر ٦٢/٤ لعبد الله بن مسعود، ونسبها الزركشي في البرهان ٨٩/١ لأبيٍّ وابن شنبوذ، ونقل الذهبي في معرفة القراء الكبار ٥٤٩/١ عن عبد الرحمن بن عبد الله الفرائضي قوله: استُتيب ابن شنبوذ على قراءة هذه الآية. (٦) ذكر قوله أبوحيان في البحر ٦٢/٤ - ٦٣ والسمين في الدر ٣٧٨/٤، وسلف ١٢٨/١. ٠ ٣٠٦ سورة المائدة: الآية ١١٨ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليس بِمُشَاكِلٍ لقوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ لأنَّ الذي يُشاكل المغفرةَ: فإنَّك أنت الغفور الرحيم. والجواب: أنَّه لا يَحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نُقل إلى الذي نَقَله إليه، ضَعُف معناه(١)، فإنَّه ينفرد ((الغفور الرحيمُ)) بالشرط الثاني، فلا يكون له بالشرط الأول تعلُّقٌّ(٢). وهو على ما أنزله الله عزَّ وجلَّ، واجتمع على قراءته المسلمون، مَقْرُونٌ بالشرطين كليهما أوَّلِهما وآخِرِهما؛ إذ تلخيصُه: إن تعذِّبْهم فأنت(٣) عزيزٌ حكيمٌ، وإن تغفرْ لهم فأنت(٤) العزيزُ الحكيمُ في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكان (العزيز الحكيم)) أَلْيَق بهذا المكان لعمومه، وأنه يجمعُ الشرطين، ولم يصلحِ ((الغفورُ الرحيم))؛ إذ لم يَحتمل من العموم ما احتمله ((العزيزُ الحكيمُ))، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدلِه والثناءِ عليه في الآية كلِّها والشرطين المذكورين؛ أَوْلى وأثبت معنّى في الآية مما يَضْلُحُ لبعض الكلام دون بعض. خرج مسلم(٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبيَّ ﴾ تلا قولَه عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌّ وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فرفع يديه وقال: ((اللهُمَّ أُمتي)) وبكى، فقال الله عزَّ وجلَّ: (يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمدٍ - وربُّك أَعْلَمُ - فَسَلْهُ: ما يُبكيك؟)). فأتاه جبريلُ عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله # بما قال - وهو أَعْلَم ۔ فقال الله: «يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمدٍ فقل(٦): إنَّا سنرضيك في أُمتك ولا نَسُوءُك)). (١) في البحر: ومتى نقل إلى ما قال هذا الطاعن ضعف معناه. (٢) في النسخ الخطية: متعلق، والمثبت من (م) والبحر والدر. (٣) في (د) و(م): فإنك أنت، وفي (خ) و(ز): فإنك، والمثبت من (ظ) والبحر والدر. (٤) في (د) و(ز) و(م): فإنك أنت، والمثبت من (خ) و(ظ) والبحر والدر. (٥) في صحيحه (٢٠٢)، ووقع بعدها في (م): من غير طريق. (٦) بعدها في (م): له. ٣٠٧ سورة المائدة: الآيتان ١١٨ - ١١٩ وقال بعضُهم: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: إنْ تعذِّبْهم فإنك أنت العزيزُ الحكيمُ، وإن تغفر لهم فإنَّهم عبادُك(١)، ووجهُ الكلام على نَسَقه أَوْلى؛ لِمَا بيَّناه. وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَا يَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَخْرِى مِن تَّتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِيْنَ فِهَا أَبَدًّا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ قوله تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ هَا يَوْمُ يَنفَعُ الصََّدِينَ صِدْقُهُمْ﴾ أي: صدقُهم في الدنيا، فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدقُ، وصدقُهم في الدنيا يَحتمل أن يكون صدقَهم في العمل لله، ويحتمل أن يكون تَرْكَهم الكذبَ عليه وعلى رسله، وإنَّما ينفعهم (٢) الصدقُ في ذلك اليوم وإن كان نافعاً في كلِّ الأيام لوقوع الجزاء فيه. وقيل: المرادُ صدقُهم في الآخرة، وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم، ويكون وجهُ النفع فيه أن يُكْفَوا المؤاخذةَ بتَرْكِهِم كتمَ الشهادة، فيُغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. والله أعلم (٣). وقرأ نافعٌ وابن مُحَيْصِن: ((يَوْمَ)) بالنصب. ورَفَع الباقون (٤) - وهي القراءةُ البِيِّنَةُ - على الابتداء والخبر، فـ (يومُ ينفع)) خبرٌ لـ ((هذا)) والجملةُ في موضع نصبٍ بالقول(٥). وأما قراءةُ نافعٍ وابنٍ مُحَيْصِن، فحكى إبراهيم بن حُميد، عن محمد بنٍ يزيد: أنَّ هذه القراءةَ لا تجوز؛ لأنه نَصَب خبرَ الابتداء، ولا يجوزُ فيه البناءُ(٦). وقال إبراهيمُ بن السَّرِيِّ(٧): هي جائزةٌ بمعنى: قال الله هذا لعيسى بن مريم يومَ (١) تفسير أبي الليث ٤٧٠/١، وتفسير البغوي ٢/ ٨١ . (٢) في (ظ): نفعهم. (٣) النكت والعيون ٢/ ٩٠ . (٤) السبعة ص ٢٥٠، والتيسير ص١٠١، ولم نقف على نسبة القراءة لابن محيصن عند غير المصنف. (٥) المحرر الوجيز ٢٦٣/٢ - ٢٦٤ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٥٣/٢. (٧) هو أبو إسحاق الزجاج، والكلام في معاني القرآن له ٢٢٤/٢. ٣٠٨ سورة المائدة: الآية ١١٩ ينفعُ الصادقين صدقُهم، فـ((يومَ)) ظرفٌ للقول، ((وهذا)) مفعولُ القول، والتقدير: قال الله هذا القولَ في يومٍ ينفعُ الصادقين(١). وقيل: التقدير: قال الله عزَّ وجلَّ: هذه الأشياء تقع(٢) يومَ القيامة. وقال الكسائي والفَرَّاء(٣): بُني ((يومَ)) هاهنا على النصب؛ لأنَّه مضافٌ إلى غيرِ اسم، كما تقول: مضى يومئذٍ. وأنشد الكِسائيُّ: وقلتُ أَلَمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ(٤) على حينَ عاتبتُ المشِيبَ على الصِّبا الزَّجاج(٥): ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفْتَ الظرفَ إلى فعل مضارع، فإن كان إلى ماضٍ، كان جيداً كما مرَّ في البيت(٦). وإنَّما جاز أن يضافَ الفعلُ إلى ظروف الزمان؛ لأنَّ الفعلَ بمعنى المصدر. وقيل: يجوز أن يكون منصوباً ظرفاً، ويكونَ خبرَ الابتداء الذي هو ((هذا))؛ لأنه مشارٌ به إلى حَدَثٍ، وظروفُ الزمان تكون أخباراً عن الأحداث، تقول: القتالُ اليومَ، والخروج الساعةَ، والجملة في موضع نصبٍ بالقول(٧). وقيل: يجوز أن يكونَ ((هذا)) في موضع رفعٍ بالابتداء، و((يومَ)) خبرَ الابتداء، والعاملُ فيه محذوف، والتقدير: قال الله: هذا الذي قَصَصْناه يقع يومَ ينفع الصادقين صدقُهم(٨). (١) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٦٤: وهذا عندي يزيل وصف الآية وبهاء اللفظ. (٢) في النسخ: تنفع، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٥٣/٢ والكلام منه، وسيتكرر هذا المعنى عن مكي وابن عطية . (٣) في معاني القرآن ٣٢٧/١، ونقله المصنف عنه وعن الكسائي بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٥٣/٢. (٤) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٧٩، والكتاب ٣٣٠/٢ . (٥) في معاني القرآن ٢٢٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٥٣/٢ - ٥٤. (٦) يعني أن البصريين يبنون الظرف إذا أضيف إلى فعل مبني، فإن أضيف إلى فعل مُعرب لم يُيْن. الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٤/١ . (٧) الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٤/١ . (٨) ينظر الكشف ٤٢٣/١ والمحرر الوجيز ٢٦٤/٢ . ٣٠٩ سورة المائدة: الآيتان ١١٩ - ١٢٠ وفيه قراءةٌ ثالثة: ((يومٌ يَنْفَعُ)) بالتنوين ((الصَّادِقِينَ صِدْقُهُم))، في الكلام حذف تقديرُه: ((فيه))، مثل قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨ و١٢٣](١) وهي قراءة الأعمش(٢). قوله تعالى: ﴿لَمْ جَنَّتِ﴾ ابتداءً وخبر ﴿تَجْرِى﴾ في موضع الصفة ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غُرَفها وأشجارِها، وقد تقدم(٣). ثم بيَّن تعالى ثوابَهم، وأنَّه راضٍ عنهم رضاً لا يغضب بعده أبداً. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: عن الجزاءِ الذي أثابهم به. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ أي: الظفر ﴿اَلْعَظِيمُ﴾ أي: الذي عَظُم خيرُه وكَثُر، وارتفعتْ منزلةُ صاحبه وشَرُف. قوله تعالى: ﴿لِلَّه ◌ُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ قوله تعالى: ﴿لِلّه مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية، جاء هذا عَقِبَ ما جری من دعوى النصارى في عيسى أنه إله، فأخبر تعالى أنَّ مُلْكَ السماوات والأرض له دون عیسی ودون سائرِ المخلوقين. ويجوز أن يكون المعنى: أنَّ الذي له ملكُ السماوات والأرض يعطي الجناتِ المتقدِّمَ ذكرُها للمطيعين من عباده، جعلنا الله منهم بمنُّه وكرمه. تمت سورة المائدة بحمد الله تعالى (١) معاني القرآن للزجاج ٢٢٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٥٣/٢. (٢) وهي قراءة شاذة، وذكرها عن الأعمش الزمخشري في الكشاف ٦٥٨/١، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٤/٢ للحسن بن العباس الشامي. (٣) ٣٥٩/١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرَّحَةِ سورة الأنعام وهي مكِّيَّةٌ في قول الأكثرين؛ قال ابن عباس وقتادة: هي مكيةٌ كلّها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة، قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الآية: ٩١] نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين، والأخرى قولُه: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَاتٍ﴾ [الآية: ١٤١] نزلت في ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ الأنصاري. وقال ابن جُرَيْج: نزلت في معاذ بن جبل؛ قاله الماوردي(١). وقال الثعلبيُّ: سورة الأنعام مكِّيةٌ إلا ستَّ آياتٍ نزلت بالمدينة: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ﴾ إلى آخِر ثلاثٍ آيات، و: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَقْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الآية: ١٥١] إلى آخر ثلاث آيات(٢)؛ قال ابن عطية: وهي الآياتُ المُحْكّمات(٣). وذكر ابن العربي(٤): أنَّ قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ﴾ [الآية: ١٤٥] نزل بمكةً يومَ عرفة. وسیأتي القولُ في جمیع ذلك إن شاء الله. وفي الخبر أنها نزلت جملةً واحدة غيرَ الستِّ الآيات، وشيَّعها سبعون ألفَ (١) في النكت والعيون ٢/ ٩١ . (٢) ذكره أبو الليث ١/ ٤٧١، والبغوي ٨٣/٢ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. قال السيوطي في الإتقان ٤٣/١: قد صح النقل عن ابن عباس باستثناء: ﴿قُلْ تَعَالَوًا ... ﴾ [الآيات الثلاث: ١٥١-١٥٣]. اهـ. وقد أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٦/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) المحرر الوجيز ٢/ ٣٦١، وهي الآيات: ١٥١-١٥٣. وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٤٧ عن ابن عباس. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٧٥٥ . ٣١١ سورة الأنعام مَلَك، مع آيةٍ واحدةٍ منها اثنا عشَرَ ألفَ مَلَكِ، وهي: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الآية: ٥٩] نزلوا بها ليلاً لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد، فدعا رسولُ الله ﴾ الكتَّابَ، فكتبوها من ليلتهم (١). وأسند أبو جعفر النحاسُ قال: حدَّثنا محمد [بن أحمد] بنٍ يحيى، حدَّثنا أبو حاتم رَوْحِ بنُ الفرج مولى الحَضَارِمة، قال: حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العُمَريُّ، حدَّثنا ابن أبي فُدَيْك، حدَّثني عمر بنُ طلحة بن علقمة بن وَقَّاص، عن نافعٍ أبي سهيل ابنِ مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: «نزلت سورةُ الأنعام معها موكبٌ من الملائكة، سدَّ ما بين الخافِقَين، لهم زَجَلٌ بالتسبيح، والأرضُ لهم تَرتَجُ)) ورسولُ الله # يقول: ((سبحان ربِّي العظيم)) ثلاثَ مرات(٢). وذكر الدارِميُّ أبو محمدٍ في مسنده(٣)، عن عمر بنِ الخطاب﴾ قال: الأنعامُ من نجائب (٤) القرآن. وفيه عن كعب(٥) قال: فاتحةُ التوراة فاتحة(٦) الأنعامُ، وخاتمتُها خاتمة هود. وقاله وهب بنُ منِّهِ أيضاً (٧). (١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٢٩، وابن الضُّريس في فضائل القرآن (٢٠١) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والطبراني في المعجم الصغير (٢٢٠) عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: لهم زجل، أي: صوت رفيع عال. النهاية (زجل). (٢) في معاني القرآن ٣٩٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً الإسماعيلي في معجم الشيوخ (١٨٧)، والطبراني في الأوسط (٦٤٤٣)، والبيهقي في السنن الصغرى (٩٦٥). (٣) برقم (٣٤٠٢). (٤) في (خ) و(ظ): مواجب، وفي (د): تواجب، وفي سنن الدارمي: نواجب. ونواجب القرآن ونجائبه: أفاضل سوره. النهاية (نجب). (٥) برقم (٣٤٠٢)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٥٥، والطبري ٩/ ١٤٧. (٦) قوله: فاتحة، من (م)، وهو الموافق لمصنف ابن أبي شيبة وتفسير الطبري، وفي سنن الدارمي: فاتحة التوراة الأنعام، وخاتمتها هود. (٧) أورده الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٩١ . ٣١٢ سورة الأنعام وذكر المَهْدويُّ: قال المفسرون: إنَّ ((التوراة)) افتُتحت بقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] الآيةَ، وخُتمت بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَّخِذْ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُ لَهُ شَرِيكُ فِ الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] إلى آخر الآية. وذكر الثعلبيُّ عن جابر عن النبيِّ﴾ قال: ((مَن قرأ ثلاثَ آياتٍ من أوَّل سورةٍ الأنعام إلى قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ وَّل اللهُ به أربعين ألفَ مَلكٍ يكتبون له مثلَ عبادتهم إلى يوم القيامة، وينزل ملَكٌ من السماء السابعة ومعه مِرْزَبَةٌ من حديد، فإذا أراد الشيطانُ أن يوسوسَ له، أو يُوحِيَ في قلبه شيئاً، ضربه ضربةً فيكونُ بينه وبينه سبعون حجاباً، فإذا كان يومُ القيامة قال الله تعالى: امشٍ في ظِلِّي يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي، وكُلْ من ثِمار جنَّتي، واشربْ من ماء الكوثر، واغتسل من ماء السلسبيل؛ فأنت عبدي وأنا ريُّك))(١). وفي البخاريِّ(٢) عن ابن عباسٍ قال: إذا سرَّك أن تعلمَ جهلَ العرب، فاقرأُ ما فوق الثلاثين ومئةٍ من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾. تنبيه: قال العلماء: هذه السورة أصلٌ في مُحاجَّة المشركين وغيرِهم من المبتدِعين، ومَن كذَّب بالبعث والنشور؛ وهذا يقتضي إنزالَها جملةً واحدة؛ لأنها في معنّى واحدٍ من الحجَّة، وإنْ تَصَرَّف ذلك بوجوهٍ كثيرة، وعليها بنى المتكلِّمون أصولَ الدِّين؛ لأن فيها آياتٍ بيِّناتٍ تَردُّ على القَدَرية، دون السُّورِ التي تُذكر والمذكوراتِ [قبلُ](٣). وسترى ذلك مبيّناً(٤) إن شاء الله، بحول الله تعالى وعونه. (١) وأخرجه الواحدي في الوسيط ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١ عن أبي صالح عن النبي # مرسلاً، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/٣ للسلفي عن ابن عباس وضعفه، قال الآلوسي في روح المعاني ٧/ ٧٦ عن هذا الخبر وما كان مثله: وغالبها في هذا المطلب ضعيف، وبعضها موضوع. والمرزبة: عُصَيَّة من حديد. القاموس (رزب). (٢) برقم (٣٥٢٤). (٣) حز الغلاصم ص٥٦ ، وما بين حاصرتين منه. (٤) في (م): وسنزيد ذلك بياناً. ٣١٣ سورة الأنعام: الآية ١ قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلْمَتِ وَالنُوِّ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فيه خمسُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بدأ سبحانه فاتحتَها بالحمد على نفسه، وإثباتِ ألوهيَّته(١)، أي: إنَّ الحمد كلَّه له، فلا شريكَ له. فإن قيل: فقد افتتح غيرها بـ ((الحمدُ لله)) فكان الاجتزاءُ(٢) بواحدةٍ يُغني عن سائره. فيقال: لأن لكلِّ واحد (٣) منه معنّى في موضعه لا يؤدِّي عنه غيرُه، من أجل عَقْده بالنِّعَم المختلفة، وأيضاً فلِمَا فيه من الحجَّة في هذا الموضعِ على الذين هم بربِّهم يعدِلون. وقد تقدَّم معنى ((الحمد)) في الفاتحة (٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أَخبرَ عن قدرته وعلمه وإرادته فقال: الذي خلق، أي: اخترع وأَوجدَ وأنشأ وابتدع. والخلقُ يكون بمعنى الاختراع، ویکون بمعنی التقدير ۔ وقد تقدّم(٥) ۔ وكلاهما مرادٌ هنا. وذلك دليلٌ على حدوثهما؛ فرفَعَ السماءَ بغير عَمَد، وجعلها مستويةً من غير أَوَدٍ (٦)، وجعل فيها الشمسَ والقمر آيتين، وزيَّنها بالنجوم، وأَوْدَعها السَّحابَ والغيومَ علامتين؛ وبَسَطَ الأرضَ، وأودعها الأرزاقَ والنبات، وبثَّ فيها من كلِّ دابَّةٍ آيات؛ وجعل فيها الجبالَ أوتاداً، وسُبُلاَ فِجاجاً، وأَجرى فيها الأنهار والبحار، وفجّر فيها العيونَ من الأحجار، (١) في (م): الألوهية. (٢) في (ظ): الإجزاء. (٣) في (خ) و(م): واحدة. (٤) ١/ ٢٠٥. (٥) ٣٤١/١. (٦) الأود: العوج. الصحاح (أود). ٣١٤ سورة الأنعام: الآية ١ دَلالات على وحدانيته، وعظيم قدرته، وأنه هو الله الواحدُ القَّار، وبيَّن بخلقه السماواتِ والأرضَ أنه خالقُ كلِّ شيءٍ. الثالثة: خرَّج مسلمٌ قال: حدَّثني سُرَيْج بنُ يونسَ وهارون بنُ عبد الله قالا: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بنُ أمية، عن أيوب بنِ خالد، عن عبد الله بنِ رافع مولى أمِّ سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسولُ الله # بيدي فقال: ((خلق اللهُ عزَّ وجلَّ التُّربةَ يومَ السبت، وخلق فيها الجبالَ يومَ الأحد، وخلق الشجرَ يومَ الاثنين، وخلق المكروه يومَ الثُّلاثاء، وخلق النور يومَ الأربعاء، وبَثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدمَ عليه السلامُ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخِرِ الخلق في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصرِ إلى الليل))(١). قلت: أدخل العلماءُ هذا الحديثَ تفسيراً لفاتحة هذه السورة؛ قال البَيهَقيُّ(٢): وزعم [بعض] أهلِ العلم بالحديث أنه غيرُ محفوظ؛ لمخالفته (٣) ما عليه أهلُ التفسير وأهلُ التواريخ. وزعم بعضهم أنَّ إسماعيل بنَ أميَّة إنما أخذه عن إبراهيم بنِ أبي يحيى، عن أيوب بنِ خالد، وإبراهيمُ غير محتجِّ به(٤). وذكر محمد بنُ يحيى قال: سألت عليَّ بنَ المَدِينيِّ عن حديث أبي هُريرة: ((خلق (١) صحيح مسلم (٢٧٨٩)، وهو عند أحمد (٨٣٤١). قال ابن كثير في تفسير الآية (٢٩) من سورة البقرة: هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري [التاريخ الكبير ٤١٣/١ - ٤١٤] وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار. وقال ابن القيم في المنار المنيف ص٨٥ - ٨٦ : وهو كما قالوا؛ لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام. (٢) في الأسماء والصفات ٢/ ٢٥١ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في (خ) و(د) و(م): لمخالفة، والمثبت من (ظ) والأسماء والصفات . . . (٤) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، أبو إسحاق المدني، قال عنه يحيى القطان: كذاب، وقال أحمد: لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه. وقال الدارقطني: متروك، توفي سنة (١٨٤ هـ). التهذيب ٨٣/١. ٣١٥ سورة الأنعام: الآية ١ اللهُ التُّربةَ يومَ السبت)) فقال عليٍّ: هذا حديثٌ مَدَنيّ، رواه هشام بنُ يوسف، عن ابن جُرَيْج، عن إسماعيل بنِ أُميَّة، عن أيوب بنِ خالد، عن أبي رافعٍ مولى أُمِّ سَلَمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسولُ اللـه # بيدي؛ قال عليٍّ: وشَبَّك بيدي إبراهيم بنُ أبي يحيى، وقال لي: شَبَّك بيدي أيوب بنُ خالد، وقال لي: شَبَّك بيدي عبد الله بنُ رافع، وقال لي: شَبَّك بيدي أبو هريرة، وقال لي: شَبَّك بيدي أبو القاسم رسولُ الله ﴾ فقال: (خَلَقَ اللهُ الأرضَ يومَ السبت)) فذَكرَ الحديث بنحوه. قال عليُّ بنُ المَدِينِي: وما أرى إسماعيل بنَ أمية أَخَذ هذا الأمرَ إلا من إبراهيم بنِ أبي يحيى. قال البيهقيُّ: وقد تابعه على ذلك موسى بنُ عُبيدة الرَّبَذِيُّ عن أيوب بنِ خالد؛ إلَّا أنَّ موسى بنَ عُبيدة ضعيف. ورُوي عن بكر بنِ الشرُود، عن إبراهيم بنِ أبي يحيى، عن صفوان بنِ سُلَيْم، عن أيوب بنِ خالد. وإسناده ضعيف. عن أبي هُريرة، عن النبيِّ﴾ قال: ((إنَّ في الجمعة ساعةً، لا يوافقها أحدٌ يسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ فيها شيئاً إلَّا أعطاه إياه)) قال: وقال عبد الله بنُ سَلَام: إنَّ الله عزَّ وجلَّ ابتدأ الخلقَ، فخلَقَ الأرضَ يومَ الأحد ويومَ الاثنين، وخلق السماواتِ يوم الثّلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق الأقواتِ وما في الأرض يومَ الخميس ويومَ الجُمعةِ إلى صلاة العصر، وهي(١) ما بين صلاة العصر إلى أن تَغْرُبَ الشمس(٢). خرَّجه البيهقي(٣). قلت: وفيه أنَّ الله تعالى بدأ الخلقَ يومَ الأحد؛ لا يومَ السبت، وكذلك تقدَّم في (البقرة))(٤) عن ابن مسعودٍ وغيرِه من أصحاب النبيِّ﴾. وتقدَّم فيها الاختلافُ - أيُّما خُلِقٍ أَوَّلاً: الأرضُ أو السماء - مستوفّى. والحمد لله. (١) قوله: هي، من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المصادر، والضمير يعود على الساعة المذكورة. (٢) بعدها في (د) و(م): خلق آدم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الصواب. (٣) في الأسماء والصفات ٢٤٩/٢، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في العظمة (٨٨٨)، وابن منده في التوحيد (٥٩)، والإسماعيلي في معجم الشيوخ (٢٢١)، وأخرج أوله أحمد (١٧١٥١)، والبخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢). (٤) ١/ ٣٨٣. ٣١٦ سورة الأنعام: الآية ١ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اُلُّلُمَتِ وَأَلْنُورٌ﴾ ذَكَرَ بعد خَلْقِ الجواهرِ خَلْقَ الأغراض؛ لكون الجوهرِ لا يَستغني عنه، وما لا يَستغني عن الحوادث فهو حادث. والجوهرُ في اصطلاح المتكلِّمين: هو الجزء الذي لا يتجزَّأ، الحاملُ للعَرَض، وقد أتينا على ذكره في ((الكتاب الأسْنَى في شرح أسماء الله الحسنى)) في اسمه ((الواحد))(١). وسُمِّي العَرَضُ عَرَضاً؛ لأنه يَعْرِض في الجسم والجوهرِ، فیتغيّر به من حالٍ إلى حال، والجسمُ هو المجتمِع(٢)، وأقلُّ ما يقع عليه اسمُ الجسم جوهران مجتمعان(٣). وهذه الاصطلاحاتُ وإن لم تكن موجودةً في الصَّدْر الأوّل، فقد دلَّ عليها معنى الكتاب والسنة، فلا معنى لإنكارها. وقد استعملها العلماءُ واصطلحوا عليها، وبَنَوا عليها كلامَهم، وقَتلوا بها خصومَهم، كما تقدَّم في ((البقرة))(٤). واختلف العلماءُ في المعنى المرادِ بالظلمات والنُّور؛ فقال السُّدِّيُّ وقَتَادةُ وجمهورُ المفسرين: المراد سوادُ الليل وضياءُ النهار. وقال الحسن: الكفرُ والإيمان(٥)؛ قال ابن عطية(٦): وهذا خروجٌ عن الظاهر. قلت: اللفظُ يَعمُّه؛ وفي التنزيل: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِي الْقُّلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. و((الأرض)) هنا اسمٌ للجنس، فإفرادُها في اللفظ بمنزلةٍ جمعِها، وكذلك ((والنور))، ومثلُه: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾، وقال الشاعر: (١) ص١٦١. (٢) في (ظ): هو الجوهر المجتمع، وينظر الأسنى ص ١٦٢، والإرشاد ص٣٩. (٣) ينظر الإرشاد للجويني ص٣٩، والإنصاف للباقلاني ص١٦ - ١٧ ، وقال صاحب الکلیات ص٣٤٥ في تعريف الجسم عند جمهور المتكلمين: هو مركّب من أجزاء متناهية لا تتجزأ بالفعل ولا بالوهم، وتسمى تلك الأجزاء جواهر فردة. (٤) ١٧/٣ - ١٩ . (٥) ذكر بعض هذه الأقوال دون بعض الطبري ١٤٤/٩ - ١٤٥، والواحدي ٢٥١/٢، والبغوي ٨٣/٢. (٦) في المحرر الوجيز ٢٦٦/٢ . ٣١٧ سورة الأنعام: الآية ١ كُلُوا في بَعْضٍ بَظْنِكُمُ تَعِفُّوا(١) وقد تقدَّم(٢). و((جعل)) هنا بمعنى: خَلَقَ، لا يجوز غيره؛ قاله ابنُ عطية(٣). قلت: وعليه يتفقُ اللفظُ والمعنى في النَّسَق؛ فيكون الجمعُ معطوفاً على الجمع، والمفردُ معطوفاً على المفرد، فيتجانس اللفظُ وتظهرُ الفصاحة، والله أعلم. وقيل: جَمَعَ ((الظُّلُماتِ)) ووحَّد ((النور)) لأن الظلماتِ لا تتعدَّى، والنور يتعدَّى. وحكى الثعلبيُّ أنَّ بعض أهل المعاني قال: ((جعل)) هنا زائدة(٤)؛ والعربُ تَزيد ((جعل)) في الكلام، كقول الشاعر: وقد جعلتُ أَرَى الاثنين أربعةً والواحدَ اثنينٍ لَمَّا هَذَّني الكِبَرُ(٥) قال النحاس(٦): ((جعل) بمعنى: خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعدَّ إلَّا إلى مفعولٍ واحد. وقد تقدَّم هذا المعنى ومحاملُ ((جعل)) في ((البقرة)) مستوفّی(٧). الخامسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ بَعْدِلُونَ﴾ ابتداءٌ وخبر، والمعنى: ثم الذين كفروا يجعلون لله عِدْلاً وشريكاً، وهو الذي خلق هذه الأشياءَ وحده(٨). (١) الكتاب ٢١٠/١، والخزانة ٥٣٧/٧، وعجزه: فإن زمانكم زمنٌ خَمِيصُ. قال البغدادي: الخمیص: الجائع، والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يُعلم قائلها. (٢) ٢ /٤٩٠ . (٣) في المحرر الوجيز ٢٦٦/٢ . (٤) ذكر هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير ٢/٣ . (٥) سلف ٣٤٤/١ . (٦) في إعراب القرآن ٢/ ٥٥ . (٧) ٣٤٣/١ - ٣٤٤ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٥٥/٢ . ٣١٨ سورة الأنعام: الآيتان ١ - ٢ قال ابن عطية (١): فـ ((ثم)) دالَّةٌ على قُبح فعلِ الكافرين؛ لأن المعنى: أنَّ خَلْقَه السماواتِ والأرضَ قد تقرَّر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تَبيَّن، ثم بعد ذلك کلِّه عَدَلوا بربِّھم، فهذا کما تقول: یا فلان، أعطيتُك وأکرمتك وأحسنتُ إليك ثم تَشتُمني! ولو وقع العطفُ بالواو في هذا ونحوِه لم يَلْزم التوبيخُ كلُزومِه بِثُمَّ، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىَ أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَتَّى عِندٌَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَُّونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ◌ِيرٍ﴾ الآيةَ، خبر، وفي معناه قولان: أحدهما، وهو الأشهَرُ، وعليه من الخلق الأكثرُ: أنَّ المرادَ آدم عليه السلام، والخَلْقُ نَسْلُه، والفرعُ يُضاف إلى أصله؛ فلذلك قال: ((خَلَقَكم)) بالجمع، فأخرجه مُخرجَ الخطابِ لهم إذ كانوا ولدَه؛ هذا قولُ الحسن وقَتَادةَ وابن أبي نَجِيحٍ والسُّدّيِّ والضحاك وابنٍ زيدٍ وغيرهم(٢). الثاني: أنْ تكون النطفةُ خَلَقها الله من طينٍ على الحقيقة، ثم قَلَبها حتى كان الإنسانُ منها؛ ذكره النَّحاس (٣). قلت: وبالجملة فلما ذكر جلَّ وعزَّ خَلْقَ العالَمِ الكبير، ذكر بعده خلقَ العالَم الصغير، وهو الإنسان، وجعل فيه ما في العالَم الكبير، على ما بيَّناه في ((البقرة)) في آیة التوحید(٤). والحمدُ لله. وقد روى أبو نُعيم الحافظُ في كتابه عن مُرَّةً، عن ابن مسعود: أنَّ الملَك الموّل بالرَّحمِ يأخذ النطفةَ فيضعُها على كفِّه ثم يقول: يا ربِّ، مُخلَّقةٌ أو غيرُ مُخلَّقةٍ؟ فإن (١) في المحرر الوجيز ٢٦٦/٢ . (٢) أخرج قولهم عدا قول الحسن الطبريُّ ٩/ ١٥٠. (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٥٥ . (٤) ٢/ ٥٠٥ . ٣١٩ سورة الأنعام: الآية ٢ قال: مُخلَّقة، قال: يا ربِّ، ما الرزقُ، ما الأَثَر، ما الأجَل؟ فيقول: انظر في أُمّ الكتاب، فينظرُ في اللوح المحفوظ فيجدُ فيه رزقَه وأثره وأجلَه وعمله، ويأخذ الترابَ الذي يُدفن في بقعته، ويَعجِنُ به نطفته، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيذُكُمْ﴾ [طه: ٥٥](١). وخرَّج عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((ما من مولودٍ إلَّا وقد ذُرَّ عليه من تُراب حُفْرته))(٢). قلت: وعلى هذا يكون كلُّ إنسان مخلوقاً من طين وماءٍ مَهِين، كما أَخبر جلَّ وعزَّ في سورة ((المؤمنون))؛ فتنتظمُ الآيات والأحاديث، ويرتفع الإشكال والتعارُض، والله أعلم. وأمَّا الإخبارُ عن خلق آدمَ عليه السَّلام، فقد تقدَّم في ((البقرة)) ذِكرُه واشتقاقه(٣)، ونزيد هنا طرفاً من ذلك، ونعتِه وسِنِّه ووفاته؛ ذكر ابنُ سعد في ((الطَّبقات)) عن أبي هُريرة قال: قال رسول اللـه ﴿]: ((الناسُ ولدُ آدَمَ، وآدمُ من التراب))(٤). وعن سعيد بنِ جُبير قال: خَلَق اللهُ آدَمَ عليه السلام من أرضٍ يقال لها دَحْنَاء(٥). قال الحسن: وخَلَق جُؤْجُؤَه من ضَرِيَّة(٦)؛ قال الجوهريّ(٧): ضَرِيَّة: قرية لبني (١) لم نقف عليه عند أبي نعيم، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٧١ ، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٦١/١٦، وابن أبي حاتم (١٣٧٨١). وينظر حديث أنس ﴾ عند أحمد (١٢١٥٧)، والبخاري (٣١٨)، ومسلم (٢٦٤٦). وحديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﴾ عند مسلم (٢٦٤٥). (٢) الحلية ٢/ ٢٨٠. وينظر تنزيه الشريعة ٣٧٣ - ٣٧٤ واللآلئ المصنوعة ٢٨٦/١. (٣) ٤١٦/١ - ٤١٧ . (٤) في (ظ): من تراب. والحديث في الطبقات ٢٥/١، وأخرجه أحمد (٨٧٣٦)، وأبو داود (٥١١٦) والترمذي (٣٩٥٥) و(٣٩٥٦) مطولا. (٥) في (د) و(م): دجناء، وفي (ظ): دخنا، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في الطبقات ٢٦/١، ودحناء ودجناء بالمد والقصر: اسم موضع. النهاية (دجن) و(دحن). وأخرج الطبري ٥٤٨/١٠ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أول ما أهبط الله آدم أهبطه بدحناء أرض بالهند ... (٦) أخرجه ابن سعد ٢٦/١، والجؤجؤ: الصدر؛ وقيل: عظامه، والجمع: الجاجئ. النهاية (جؤجؤ). (٧) في الصحاح (ضري)، وما سیرد بین حاصرتین منه. ٣٢٠ سورة الأنعام: الآية ٢ كلاب، على طريق البصرة [إلى مكة] وهي إلى مكةً أقرب. وعن ابن مسعود قال: إن اللهَ تعالى بعث إبليسَ فأخذ من أَدِيم الأرضِ من عَذْبها ومالحها، فخلق منه آدمَ عليه السلام، فكلُّ شيءٍ خَلَقه من عَذْبها فهو صائرٌ إلى الجنة وإن كان ابنَ كافر، وكلُّ شيءٍ خَلَقه من مالحها فهو صائرٌ إلى النار وإن كان ابنَ تقيّ، قال: فمِن ثَمَّ قال إبليس: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً؛ لأنه جاء بالطينة، قال: فسُمِّي آدمُ؛ لأنه خُلق من أَدِيم الأرض(١). وعن عبد الله بنِ سَلام قال: خلق اللهُ آدم في آخر يوم الجمعة (٢). وعن ابن عباس قال: لمَّا خلق اللهُ آدم كان رأسه يَمسُّ السماء، قال: فوَطَّدَه(٣) إلى الأرض حتى صار ستين ذراعاً في سبعة أَذْرُعِ عرضاً (٤). وعن أُبيِّ بن كعب قال: كان آدم عليه السلام طوالاً [آدَمَ] جَعْداً، كأنه نخلةٌ سَحُوق(٥). وعن ابن عباس في حديثٍ فيه طُول :... وحَجَّ آدم عليه السلام من الهند إلى مكةً أربعين حَجَّةً على رجليه، وكان آدمُ حين أُهبِط يمسح رأسه السماء؛ فمن ثَمَّ صَلِعَ وأورث ولَدَه الصلَع، ونَفَرت من طوله دوابُّ البَرِّ، فصارت وحشاً من يومئذٍ ... ولم يمت حتى بلغ ولدُه وولدُ ولدِه أربعين ألفاً، وتُوفي على نَوْذُ(٦) - الجبلِ الذي أُنزل عليه - فقال شيث لجبريلَ عليهما السلام: صَلِّ على آدم، فقال له جبريلُ عليه السلام: (١) الطبقات ٢٦/١ . وينظر ما سلف ١/ ٤١٧. (٢) الطبقات ٣٠/١، وأخرجه مطولاً الطبري ٤٦٤/١، وابن عبد البر في التمهيد ٤٨/٢٣. (٣) في (ظ) والدر المنثور (كما سيرد): فوطّاه. (٤) الطبقات ٣١/١، وذكره السيوطي في الدر ٥٥/١، وفي إسناده علي بن زيد بن جُدْعان، ويوسف بن ماهك قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب في الأول: ضعيف، وقال في الثاني: لين الحديث. (٥) الطبقات ٣٢/١، وما بين حاصرتين منه، والآدَمُ: الأسمر. (٦) في (د) و(م): ذروة، وفي (خ): بود، وفي (ظ): بوذ، المثبت من طبقات ابن سعد ٣٨/١ . ونوذ: جبل بسَرَنْدِيب، وهي جزيرة عظيمة بأقصى بلاد الهند. معجم البلدان ٣١٥/٣ - ٣١٦ و٣١٠/٥.