النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة المائدة: الآيتان ١٠٩ - ١١٠
وكَسَرَ الغين من ((الغيوب)) حمزةُ وأبو بكر، وضمَّ الباقون(١).
قال الماوَرْدِيُّ(٢): فإن قيل: فلمَ سألهم عما هو أعلمُ به منهم؟ فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّه سألهم ليُعْلِمَهُم ما لم يعلموا(٣) من كفرٍ أُممهم ونفاقهم، وكذِبهم
علیهم مِن بعدِهم.
الثاني: أنه أراد أنْ يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد؛ ليكونَ ذلك نوعاً من
العقوبة لهم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ
أَيَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِيلِّ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِهَا
فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَالْأَسَ بِإِذْنِيْ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْقَ بِإِذْنِىّ وَإِذْ
كَفَفْتُ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَآ
إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ﴾ هذا من صفة يوم
القيامة، كأنَّه قال: اذكر يومَ يجمع الله الرسلَ وإذ يقول الله لعيسى كذا؛ قاله
المَهْدَويّ. و(عيسى)): يجوز أن يكون في موضع رفعٍ على أن يكون ((ابنَ مريمَ)) نداءً
ثانياً، ويجوز أن يكون في موضع نصبٍ؛ لأنَّه نداءٌ منسوبٌ(٤) كما قال:
= حديث أبي هريرة﴾. قوله: يختلجون. أي: يُجتذبون ويُقتطعون. النهاية (خلج). ووقع في (ظ):
يتجلجلون، ومعنى تجلجل في الأرض: ساخ فيها ودخل. الصحاح (جلل).
(١) السبعة ص١٧٨ - ١٧٩، والتيسير ص١٠١، ووقع في (م): حمزة والكسائي وأبو بكر، والصواب ما
أثبتناه.
(٢) في النكت والعيون ٧٨/٢ .
(٣) في النسخ الخطية: ليعلمهم ما يعلمون، والمثبت من (م) والنكت والعيون.
(٤) في (م): منصوب، وذكر السمين الحلبي في الدر المصون ٤٩٢/٤ أن ((ابن)) صفة لعيسى، وأن
المنادى المفرد المعرفة إذا وصف بابن أو ابنة، ووقع الابن أو الابنة بين علمين، ولم يُفصل بين الابن
وبين موصوفه بشيء، فيجوز إتباع المنادی المضموم لحر کة نون ابن فُفتح، نحو: یا زيد بنّ عمرو، ویا
هندَ ابنةً بکر، بفتح الدال من زید وهند وضمها.

٢٨٢
سورة المائدة: الآية ١١٠
يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُوه(١)
ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافاً إلا عند الُّوَال(٢).
قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ﴾ إنما ذكَّر الله تعالى عيسى نِعمتَه عليه وعلى
والدته وإنْ كان لهما ذاكراً؛ لأمرين: أحدهما: ليتلوَ على الأمم ما خصَّهما به من
الكرامة، وميَّزهما به من عُلُوِّ المنزلة. الثاني: ليؤكِّد به حُجَّته، ویردَّ به جاحده.
ثم أخذ في تعديد نعمه فقال: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾ يعني قوَّيتُكَ، مأخوذ من الأَيْدِ،
وهو القوة، وقد تقدم (٣).
وفي ((رُوحِ القُدُس)) وجهان: أحدهما: أنَّها الروح الطاهرةُ التي خصَّه الله بها،
كما تقدم في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنٌْ﴾ [النساء: ١٧١]. الثاني: أنَّه جبريلُ عليه السَّلام، وهو
الأصحُّ، كما تقدم في ((البقرة))(٤).
﴿تُكَلِّمَ اَلنَّاسَ﴾ يعني وتكلِّم الناسَ في المهد صبيًّا، وفي الكهولة نبيًّا، وقد
تقدم ما في هذا في ((آل عمران))(٥) فلا معنَى لإعادته.
﴿كَفَفْتُ﴾ معناه: دفعت وصرفت ﴿بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ﴾ حين همُّوا بقتلك
﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ أي: الدلالات والمعجزات، وهي المذكورةُ في الآية. ﴿فَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوَّتَك ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: المعجزات
﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
(١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص ١٧٢، ونسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢/ ٦٨٥، وسيبويه في
الكتاب ٢٠٣/٢ للكذاب الجرمازي (وهو عبد الله بن الأعور) وبعدہ:
سرادق المجد عليك ممدود
(٢) في النسخ الخطية: الطول، والمثبت من (م)، وهو الصحيح، والطّوال: هو محمد بن أحمد بن
عبد الله النحوي، من أهل الكوفة، أحد أصحاب الكسائي، وحدث عن الأصمعي، توفي سنة (٢٤٣
هـ). بغية الوعاة ١/ ٥٠ .
(٣) النكت والعيون ٧٩/٢ ، وتقدم ٢٤٤/٢ .
(٤) ٢/ ٢٤٤ .
(٥) ١٣٨/٥ - ١٣٩.

٢٨٣
سورة المائدة: الآية ١١١
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((ساحِر))(١) أي: إنْ هذا الرجلُ إِلَّا ساحرٌ قويٌّ على
السحر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِ قَالُواْ ءَامَنًا
وَأَشْهَدْ بِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ﴾ قد تقدم القول في
معاني هذه الآية(٢).
والوحيُّ في كلام العرب معناه الإلهامُ، ويكون على أقسام: وحيٍّ بمعنى إرسالِ
جبريلَ إلى الرسل عليهم السلام، ووحيّ بمعنى الإلهام، كما في هذه الآية، أي:
ألهمتُهم وقذفت في قلوبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ [النحل: ٦٨](٣)،
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٠]، ووحيٌّ بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام.
قال أبو عبيدة(٤): أوحيتُ بمعنى أمرت، و((إلى)) صلة، يقال: وَحَى وأَوْحَى(٥).
قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ وقال العجَّاج:
وَحَى لها القرارَ فاستقرَّتٍ(٦)
أي: أمرها بالقرار فاستقرَّت.
وقيل: (أَوْحَيْتُ)) هنا بمعنى: أمرتهم. وقيل: بَيِّنْتُ لهم(٧).
﴿وَأَشْهَدْ بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ﴾ على الأصل، ومن العرب مَن يحذفُ إحدى النونين(٨).
(١) السبعة ص٢٤٩، والتيسير ص١٠١ .
(٢) ١٤٩/٥ - ١٥٠.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٨٣/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٧٧ .
(٤) في مجاز القرآن ١/ ١٨٢ .
(٥) بعدها في (م): بمعنى.
(٦) سلف ٥/ ١٣٠ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٣٨٣/٢ - ٣٨٤. وقوله: أوحيت هنا بمعنى أمرتهم، تقدم من قول أبي عبيدة.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٥٠ .

٢٨٤
سورة المائدة: الآيتان ١١١ - ١١٢
أي: واشهد يا رب، وقيل: يا عيسى، بأننا مسلمون لله(١).
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ
عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ مِنَ السَّمَدِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ على ما تقدم من الإعراب. ﴿هَلْ
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قراءة الكسائيِّ وعليٍّ وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهدٍ: ﴿هل
تَسْتَطيعُ﴾ بالتاء ((رَبَّكَ)) بالنَّصب. وأدغم الكسائيُّ اللامَ من ((هل) في التاء. وقرأ
الباقون بالياء، ((رَبُّكَ)) بالرفع(٢)، وهذه القراءة أَشْكَلُ من الأولى؛ فقال السُّدِّي:
المعنى هل يُطيعُكَ ربُّك إن سألته أن يُنَزِّل(٣)، فيستطيعُ بمعنى يُطيع، كما قالوا:
استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع(٤).
وقيل: المعنى: هل يقدر ربُّك، فكان هذا السؤالُ في ابتداء أمرهم قبل استحكام
معرفتهم بالله عزَّ وجلَّ(٥)؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غَلَطِهم وتَجْوِيزِهم على
الله ما لا يجوز: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ﴾ أي: لا تَشُكُّوا في قدرة الله تعالى(٦).
قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الحَوَاريين خُلْصانٌ(٧) الأنبياء ودخلاؤُهم وأنصارُهم
كما قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اَللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُونَ غَمْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. وقال عليه
(١) النكت والعيون ٨١/٢.
(٢) السبعة ص٢٤٩، والتيسير ص١٠١ وقراءة علي أخرجها ابن أبي حاتم (٧٠١٥)، وقراءة سعيد بن جبير
أخرجها الطبري ١١٨/٩، وذكر القراءة عنهم جميعاً النحاس في معاني القرآن ٣٨٤/٢، والبغوي
٧٧/٢، والسيوطي في الدر المنثور ٣٤٦/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٢١.
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٧٧ .
(٥) النكت والعيون ٨٢/٢.
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٧٧ .
(٧) في (د) و(ظ): خلصاء، وفي (ز): أخصاء، والمثبت من (خ) و(م). وخلصان يستوي فيه الواحد
والجماعة، تقول: هو خلصاني، وهم خُلصاني: إذا خلصتَ مودتهم. اللسان (خلص).

٢٨٥
سورة المائدة: الآية ١١٢
الصلاة والسلام: ((لكلِّ نبيِّ حواريٌّ وحواريَّ الزبيرُ))(١). ومعلومٌ أنَّ الأنبياء صلواتُ
الله وسلامه علیهم جاؤوا بمعرفة الله تعالی، وما یجبُ له وما یجوزُ وما يستحيل
عليه، وأن يبلِّغوا ذلك أمَمهم، فكيف يَخْفَى ذلك على مَن باطَنَهُم واختصَّ بهم حتى
يجهلوا قدرةَ الله تعالى؟! إلا أنَّه يجوز(٢) أن يقال: إنَّ ذلك صَدَر ممَّن كان معهم،
كما قال بعض جُهَّال الأعراب للنبيِّ ﴾: ((اجعلْ لنا ذاتَ أَنْواطِ كما لهم ذاتُ
أنواط))(٣) وكما قال مَن قال مِن قوم موسى: ﴿أَجْعَل لَّنَآَ إِلَهَا كُمَا لَمْ ءَإِهَةٌ﴾
[الأعراف: ١٣٨] على ما يأتي بيانه في ((الأعراف)) إن شاء الله تعالى.
وقيل: إنَّ القوم لم يَشُكُّوا في استطاعة الباري سبحانه؛ لأنَّهم كانوا مؤمنين
عارفين عالِمين، وإنَّما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلانٌ أن يأتيَ، وقد علمتَ أنه
يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالِمين
باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره عِلمَ دلالةٍ وخبرٍ ونظر، فأرادوا علمَ مُعاينةٍ لذلك،
كما قال إبراهيم#: ﴿رَبِّ أَرِنِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] على ما تقدم، وقد
كان إبراهيم عَلِمَ ذلك عِلْمَ خبرٍ ونظر، ولكنْ أراد المعاينةَ التي لا يَدخلها رَيْبٌ ولا
شبهةٌ؛ لأنَّ عِلْمَ النَّظر والخبر قد تدخله الشبهةُ والاعتراضاتُ، وعلم المعاينة لا
يدخلُه شيءٌ من ذلك؛ ولذلك قال الحواريون: ((وتَظْمَئِنَّ قلوبُنا)) كما قال إبراهيم:
﴿وَلَكِنْ لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠](٤).
قلت: وهذا تأويلٌ حسن، وأحسنُ منه أنَّ ذلك كان مِن قولِ مَن كان مع
الحواريين على ما يأتي بيانه(٥).
(١) سلف ٥/ ١٥٠.
(٢) بعدها في (د) و(ز) و(خ): على بعد.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٨٩٧)، والترمذي (٢١٨٠)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١٨٥). قال الترمذي:
حديث حسن صحيح. وذات أنواط: اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم - أي:
يعلّقونه - ويعكفون حولها. النهاية (نوط).
(٤) الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٢/١ - ٤٢٣ .
(٥) في تفسير الآية بعدها.

٢٨٦
سورة المائدة: الآية ١١٢
وقد أدخل ابنُ العربيّ المستطيعَ في أسماء الله تعالى، وقال: لم یَرِدْ بہ کتابٌ
ولا سنَّةٌ اسماً، وقد وَرَدَ فعلاً، وذكر قول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾(١).
وردَّه عليه ابنُ الحَصّار - في كتاب ((شرح السنة)) له - وغيرُه؛ قال ابن الحصَّار:
وقولُه سبحانه - مُخْبِراً عن الحواريين - لعيسى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ليس بشكٌّ في
الاستطاعة، وإنما هو تلطفُ في السُّؤال، وأدبٌّ مع الله تعالى؛ إذ ليس كلُّ ممكنٍ
سَبَقَ في علمه وقوعه ولا لكلِّ أحد، والحواريون هم كانوا خيرةً مَن آمن بعيسى،
فيكف يُظنُّ بهم الجهلُ باقتدار الله تعالى على كلِّ شيءٍ ممكن؟!
وأما قراءةُ التاء؛ فقيل: المعنى: هل تستطيعُ أن تسأل ربَّك؟ هذا قولُ عائشةً
ومجاهدٍ رضي الله عنهما(٢)؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان القومُ أعلمَ بالله عزَّ
وجلَّ من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالت: ولكنْ: ﴿هل تَسْتَطيعُ ربَّكَ﴾.
وروي عنها أيضاً أنَّها قالت: كان الحواريون لا يَشُكُّون أنَّ الله يَقْدِرُ على إنزال
مائدةٍ، ولكنْ قالوا: ﴿هل تستطيعُ ربَّكَ﴾(٣).
وعن معاذ بن جبل قال: أقرأَنا النبيُّ :﴿: ﴿هل تَسْتَطِيعُ ربَّكَ﴾ قال معاذ:
وسمعت النبيَّ # مراراً يقرأ بالتاء ﴿هل تَستطيعُ ربَّكَ﴾(٤).
وقال الزجاج: المعنى: هل تستدعي طاعةَ ربِّك فيما تسألُهُ(٥)؟ وقيل: هل
تستطيع أن تدعوَ ربَّك أو تسأله(٦)، والمعنى متقاربٌ، ولا بدَّ من محذوف، کما قال:
(١) ينظر كلام ابن العربي وكلام المصنف بأتم مما هنا في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى
ص٢٧٧ .
(٢) النكت والعيون ٨٢/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٧٧ .
(٣) الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٢٢، وأخرج الرواية الأولى عن عائشة رضي الله عنها ابن أبي حاتم
(٧٠١٤) وأوردها النحاس في معاني القرآن ٣٨٤/٢، وأخرج الرواية الثانية عنها الطبري ١١٨/٩.
(٤) الكشف ٤٢٢/١، وأخرجه بنحوه الترمذي (٢٩٣٠)، والحاكم ٢٣٨/٢.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٢٠، والنكت والعيون ٨٢/٢ وعنه نقل المصنف، وعبارة الزجاج في معاني
القرآن: هل تستدعي إجابته وطاعته في أن ینزِّل علينا.
(٦) تفسير الطبري ٩/ ١١٧.

٢٨٧
سورة المائدة: الآيتان ١١٢ - ١١٣
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وعلى قراءة الياء لا يحتاج إلى حذف.
﴿قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتقوا معاصِيَه وكثرةَ السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحلُّ بكم
عند اقتراح الآيات؛ إذ كان الله عزَّ وجلَّ إنَّما يفعل الأصلحَ لعباده. ﴿إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم مؤمنين به وبما جئتُ به، فقد جاءكم من الآيات ما فيه
غِنَّى(١).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ فُزِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطَمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا
وَتَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِيِنَ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ فُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ُ نصب بأنْ ﴿وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ عطفٌ كلُّه، بَيَّنوا به سببَ سؤالهم حين نُهوا عنه.
وفي قولهم: ((نأكلَ منها)) وجهان: أحدهما: أنَّهم أرادوا الأكلَ منها للحاجة
الداعية إليها(٢)، وذلك أنَّ عيسى عليه السَّلامُ كان إذا خرج اتَّبعه خمسةُ آلافٍ أو
أکثرُ، بعضُهم كانوا أصحابَه، وبعضُهم كانوا يطلبون منه أن يدعوَ لهم لمرض كان بهم
أو عِلَّةٍ؛ إذ كانوا زَمْنَى أو عُمْياناً، وبعضُهم كانوا ينظرون ويستهزئون، فخرج(٣) إلى
موضعٍ، فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقةٌ، فجاءوا فقالوا للحواربين: قولوا
لعيسى حتى يدعوَ بأن تنزل علينا مائدةٌ من السماء، فجاءه شمعون رأسُ الحواريين،
وأخبره أنَّ الناس يطلبون بأن تدعوَ بأن تنزل عليهم مائدةٌ من السماء، فقال عيسى
لشمعون: قل لهم: ((اتقوا الله إن كنتم مؤمنين)) فأخبر بذلك شمعونُ القومَ، فقالوا له:
قل له: ﴿نُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ الآية(٤).
الثاني: ((نأكُلَ منها)) فننالَ(٥) بركتَها، لا لحاجةٍ دعتهم إليها، قال الماورديُّ(٦):
(١) إعراب القرآن للنحاس ٥٠/٢ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٨٣ .
(٣) بعدها في (م): يوماً.
(٤) تفسير أبي الليث ١/ ٤٦٧ .
(٥) في (م): لنتال.
(٦) في النكت والعيون ٨٣/٢ ، وما قبله منه.

٢٨٨
سورة المائدة: الآيتان ١١٣ - ١١٤
وهذا أَشْبهُ؛ لأنهم لو احتاجوا لم يُنْهَوا عن السؤال.
﴿وَتَظْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ يحتمل ثلاثةَ أوجه: أحدها: تطمئنَّ إلى أنَّ الله تعالى بعثك
إلينا نبيًّا. الثاني: تطمئن إلى أنَّ الله تعالى قد اختارنا لدعوانا(١). الثالث: تطمئن إلى
أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سأَلْنا، ذكرها الماورديُّ(٢).
وقال المهدويُّ: أي: تطمئنَّ بأنَّ الله قد قَبِلَ صومَنا وعَمَلَنا.
قال الثعلبيُّ: نستيقنَ قدرتَه فتسكنَ قلوبُنا ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدّ صَدَقْتَنَا﴾ بأنك رسول
الله ﴿وَتَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ لله بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوَّة. وقيل:
﴿وَتَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ لك عند مَن لم يَرَها إذا رجعنا إليهم(٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاِ تَكُونُ
لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَمَايَّةً مِّنٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَِّقِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ اٌلَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ الأصلُ عند سيبويه: يا اللهُ، والميمان
بدلٌ من ((يا)). ((ربَّنا)) نداءٌ ثانٍ، لا يُجيز سيبويه غيرَه، ولا يجوز [عنده] أن يكونَ نعتاً؛
لأنه قد أَشْبهَ الأصواتَ مِن أجل ما لحقه (٤).
﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً﴾ المائدةُ: الخِوَانُ الذي عليه الطعامُ. قال قُظْرُب(٥): لا تكون
المائدةُ مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ، فإنْ لم يكن؛ قيل: خِوان، وهي فاعلة؛ من
مَادَ عبده: إذا أطعمه وأعطاه، فالمائدة تَمِيدُ ما عليها، أي: تُعطي، ومنه قولُ رؤيةً
- أنشده الأخفش -:
(١) في (م): اختارنا لدعوتنا، وفي النكت والعيون ٨٣/٢: اختارنا لك أعواناً.
(٢) في النكت والعيون ٢/ ٨٣ .
(٣) مجمع البيان ٢٣٨/٧ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٠/٢، وقول سيبويه في الكتاب ١٩٦/٢، وقوله: لأنه قد أشبه
الأصوات ... ، يعني به لفظ الجلالة عندما لحقته المیم.
(٥) قوله في النكت والعيون ٢/ ٨٢ .

٢٨٩
سورة المائدة: الآية ١١٤
إلى أمير المؤمنين الممتَاد (٢)
نُهدي(١) رؤوسَ المترَفينَ الأنداد
أي: المُستغْطَى المسؤول.
فالمائدة هي المطعِمةُ والمعطِيةُ الآكلين الطعامَ. ويسمَّى الطعامُ أيضاً مائدةً
تجوُّزاً؛ لأنه يؤكل على المائدة، كقولهم للمطر: سماء. وقال أهل الكوفة: سُمِّيت
مائدةً لحركتها بما عليها، من قولهم: مَادَ الشيءُ: إذا مال وتَحرَّك(٣). قال الشاعر:
لعلكَ باكٍ إِنْ تَغَنَّتْ حمامةٌ يَمِيدُ بها غُصْنٌّ من الأَيْكِ مائلٌ(٤)
وقال آخر:
وأقلقني موتُ الكسائيّ(٥) بعدَه
وكادَتْ(٦) بي الأرضُ الفضاءُ تَميدُ(٧)
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
وقال أبو عبيدةً(٨): مائدةٌ فاعلٌ بمعنى مفعولة، مثل: ﴿عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]
بمعنى مَرْضِيَّة، و﴿مَّآمِ دَافٍِ﴾ [الطارق: ٦] أي: مدفوق.
قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ ((تكون)) نعتٌ لمائدةٍ، وليس بجواب (٩).
وقرأ الأعمش: ((تَكُنْ)) على الجواب، والمعنى: يكون يومُ نزولها ﴿عِيدًا
(١) في النسخ: تهدي، والمثبت من المصادر.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٤٨١/٢، والرجز في ديوان رؤبة ص ٤٠ برواية: الصُّدَّاد بدل: الأنداد.
(٣) النكت والعيون ٨٢/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٧٧ .
(٤) في (ظ): يميد بها عود من الأيك مائد، والبيت في النكت والعيون ٢/ ٨٢ .
(٥) في النسخ: قتل الكناني، بدل، موت الكسائي، والمثبت من المصادر.
(٦) في (خ) و(د و(ز) و(م): فكادت، والمثبت من (ظ) والمصادر.
(٧) البيت ليحيى بن المبارك اليزيدي في رثاء محمد بن الحسن والكسائي، وكانا خرجا مع الرشيد إلى
خراسان فماتا في الطريق كما في أخبار النحويين البصريين ص٣٦، ومعجم الأدباء ٢٠٢/١٣ ،
والوافي بالوفيات ٢١/ ٧٣ ، ووقع في بعض هذه المصادر: أوجعني، بدل: أقلقني.
(٨) في مجاز القرآن ١/ ١٨٢ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٥١/٢ .

٢٩٠
سورة المائدة: الآية ١١٤
لِأَوَّلِنَا﴾ أي: لأول أمتنا وآخرها (١). فقيل: إنَّ المائدةَ نزلت عليهم يومَ الأحد غدوةً
وعشيةً؛ فلذلك جعلوا الأحدَ عيداً(٢).
والعيد واحدُ الأعياد، وإنما جُمع بالياء وأصلُه الواو؛ للزومها في الواحد،
ويقال: للفَرْق بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيَّدوا، أي: شهدوا العيد؛ قاله
الجوهري(٣).
وقيل: أصلُه من عاد يعود، أي: رجع، فهو عود بالواو، فقُلبت ياءً لانکسارٍ ما
قَبْلَها، مثل: الميزان والميقات والميعاد(٤)؛ فقيل ليوم الفِطر والأضحى: عيد؛
لأنهما يعودان كلَّ سنة.
وقال الخليلُ(٥): العيد كلُّ يومٍ مَجْمعٍ (٦)، كأنَّهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنباريّ(٧): سمِّي عيداً للعَوْد في المَرَح والفَرَح، فهو يومُ سرورٍ الخلق
كلِّهم، ألا ترى أنَّ المسجونينَ في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون، ولا يُصاد
الوحشُ ولا الطيورُ، ولا تَنْفُذ الصبيانُ إلى المكاتب.
وقيل: سمِّي عيداً لأن كلَّ إنسان يعود إلى قَدْر مَنْزِلته، ألا ترى إلى اختلاف
ملابسهم وهيئاتهم ومَآكلهم، فمنهم مَن يَضيفُ ومنهم مَن يُضاف، ومنهم مَن يَرحَم
ومنهم مَن يُرحم.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٥١/٢، والمحرر الوجيز ٢٦١/٢. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٣٦، والفراء في معاني القرآن ١/ ٣٢٥، والزمخشري في الكشاف ٦٥٥/١، والسمين في الدر
المصون ٤/ ٥٠٣ لعبد الله بن مسعود.
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٢٦/١، والنكت والعيون ٨٤/٢، والكشاف ٦٥٥/١ .
(٣) الصحاح (عود).
(٤) الزاهر لابن الأنباري ٢٩١/١ - ٢٩٢.
(٥) في العين ٢١٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الجوزي في زاد المسير ٤٥٨/٢ .
(٦) في (د) و(ز) و(م) وزاد المسير: يجمع، والمثبت من (خ) و(ظ) والعين. وينظر تهذيب اللغة ١٣١/٣.
(٧) في الزاهر ٢٩١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الجوزي في زاد المسير ٤٥٨/٢ .

٢٩١
سورة المائدة: الآيتان ١١٤ - ١١٥
وقيل: سمِّي بذلك لأنَّه يومٌ شريفٌ تشبيهاً بالعِيد؛ وهو فحلٌ كريم مشهور في(١)
العرب، ويَنْسِبون إليه، فيقال: إبلٌ عِيديَّة(٢)؛ قال:
عِيدِيَّةٌ أُرهِنَتْ فيها الدنانِيرُ
وقد تقدم(٣).
(٣).
وقرأ زيدُ بن ثابت: ((لِأُوْلَانَا وَأُخْرَانًا)) على الجمع(٤).
قال ابن عباس: يأكل منها آخرُ الناس كما يأكل منها(٥) أوَّلُهم. ﴿وَءَايَةً مِنٌ﴾
يعني دلالةً وحجةٌ(٦). ﴿وَأَرْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ أي: خيرُ مَن أعطى
ورَزَق؛ لأنَّك أنت الغنيُّ الحميد.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرُ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُ عَذَابًا
لَآَ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
﴾
قوله تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ هذا وعدٌ من الله تعالى؛ أجاب به سؤالَ
عيسى كما كان سؤالُ عيسى إجابةً للحواربين (٧)، وهذا يوجب أنَّه قد أنزلها، ووَعْدُه
الحقُّ، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها، فمُسِخوا قِرِدةً وخنازير. قال ابن عمرو (٨):
(١) في (م): عند.
(٢) مجمل اللغة ٦٣٨/٣، والصحاح (عود). وفي كتاب العين ٢٢٠/٢ : العيدية نجائب منسوبة إلى عاد
ابن سام بن نوح.
(٣) ٤ /٤٦٨.
(٤) في (خ) و(ظ): لأولينا ولآخرينا، وفي (د) و(ز): لأولينا ولآخرينا، والمثبت من القراءات الشاذة
ص١٦، والبحر المحيط ٥٦/٤ . قال أبو حيان: أنثوا على معنى الأمة والجماعة.
(٥) قوله: منها، من (م) والكلام في تفسير البغوي ٧٨/٢. وأخرجه الطبري ٩/ ١٢٤، وابن أبي حاتم
(٧٠٢٤). وسيرد هذا الخبر مطولاً.
(٦) تفسير البغوي ٧٨/٢ .
(٧) النكت والعيون ٨٥/٢ .
(٨) وقع في النسخ، وتفسير أبي الليث ٤٦٨/١، وتفسير البغوي ٧٨/٢ والمحرر الوجيز ٢٦٢/٢:
عبد الله بن عمر، والمثبت من تفسير الطبري ٩/ ١٣٢ وتفسير ابن كثير عند هذه الآية، والدر المنثور =

٢٩٢
سورة المائدة: الآية ١١٥
إِنَّ أشدَّ الناس عذاباً يومَ القيامة المنافقون، ومَن كَفَرَ من أصحاب المائدة، وآلُ
فرعون؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنْ أُعَذِّبُ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ
اُلْعَلَمِينَ﴾.
واختلف العلماءُ في المائدة؛ هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور - وهو الحقُّ -
نزولُها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾(١).
وقال مجاهد: ما نزلت، وإنَّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبه الله تعالى لخلقِه، فنهاهم
عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقيل: وَعَدَهم بالإجابة، فلمَّا قال لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرَّ بَعْدُ
مِنكُمْ﴾ الآيةَ، استَعْفَوْا منها واستغفروا الله، وقالوا: لا نُريد هذا. قاله الحسن(٢).
وهذا القول والذي قبلَه خطأٌ، والصوابُ أنَّها نزلت.
قال ابن عباس: إنَّ عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل: صُوموا ثلاثين يوماً ثم
سَلُوا اللهَ ما شئتُم يُعْطِكم، فصاموا ثلاثين يوماً وقالوا: يا عيسى لو عَمِلْنا لأحدٍ
فقضينا عَمَلَنا لأطعَمَنا، وإنَّا صُمنا وجُعنا، فادعُ الله أن ينزِّل علينا مائدةً من السماء،
فأقبلت الملائكةُ بمائدةٍ يحملونها، عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحْواتٍ، فوضعوها بين
أيديهم، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل أوَّلُهم(٣).
وذكر أبو عبد الله محمدُ بنُ عليٍّ التّرمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) له (٤):
= ٣٤٩/٣، فهو من طريق أبي المغيرة القواس، وهو يروي عن ابن عمرو، كما في الكنى للبخاري
ص٧٠، والجرح والتعديل ٤٣٩/٩، وميزان الاعتدال ٥٧٦/٤، والثقات ٥٦٥/٥، وأبو المغيرة،
قال فيه ابن المديني كما في الميزان: لا أعلم أحداً روى عنه غير عوف. وجاء في الجرح والتعديل:
ضعفه سليمان التيمي، ووثقه يحيى بن معين.
(١) تفسير البغوي ٧٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٦٢/٢ .
(٢) تفسير الطبري ١٣٠/٩.
(٣) أخرجه الطبري ١٢١/٩، وابن أبي حاتم (٧٠١٦)، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٠٠ .
(٤) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وأخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١١٣٥)، وأبو
الشيخ في العظمة (١٠١٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم مقطَّعاً ضمن الأخبار (٧٠١٧) و (٧٠١٩) و (٧٠٢٠)
و(٧٠٢٩) و(٧٠٣٤) و(٧٠٣٨) و (٧٠٣٩) و(٧٠٤٠) و(٧٠٤٢) و(٧٠٤٤).

٢٩٣
سورة المائدة: الآية ١١٥
حدَّثنا عمرُ بنُ أبي عمر، قال: حدَّثنا عمَّار بن هارون الثَّقَفيُّ، عن زكريا بن حكيم
الحَبَطيِّ (١)، عن عليّ بن زيد بن جُدْعَان، عن أبي عثمان النَّهْديِّ، عن سلمانَ
الفارسيِّ قال: لمَّا سألتِ الحواريون عيسى ابنَ مريم - صلواتُ الله وسلامُه عليه -
المائدةَ، قام فوضع ثيابَ الصُّوف، ولبس ثيابَ المُسُوحِ - وهو سِرْبالٌ من مُسُوحٍ
أسود ولِحَاف أسود - فقام فأَلزقَ القَدمَ بالقَدَم، وألصق العقِب بالعَقِب، والإبهامَ
بالإبهام، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم طأطأ رأسه خاشعاً لله؛ ثم أرسل
عينيه يبكي حتى جرى الدمعُ على لحيته، وجعل يقطرُ على صدره، ثم قال: ﴿اَلَّهُوَّ
رَبَّنَآَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيَدَّةً مِنَ السَّمَاِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةً مِنٌَ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
الزَِّقِينَ قَالَ اَللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية؛ فنزلت سُفرةٌ حمراءُ مُدَوَّرةٌ بين غَمَامَتين،
غَمامةٌ من فوقها وغَمامة من تحتها، والناسُ ينظرون إليها، فقال عيسى: اللهمَّ اجعلها
رحمةً ولا تجعلها فتنةً، إلهي أسألك من العجائب فتُعطي! فهبطت بين يدي عيسى
عليه السلام وعليها مِنديلٌ مُغطّى، فَخرَّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وهم يَجدُون
لها رائحةً طيبةً لم يكونوا يجدون مثلَها قبل ذلك، فقال عيسى: أيُّكم أَعْبَدُ لله وأجراً
على الله وأوثقُ بالله فليكشف عن هذه السُّفْرةِ حتى نأكلَ منها، ونذكرَ اسمَ الله عليها
ونحمدَ الله عليها. فقال الحواريون: يا رُوحَ الله أنت أحقُّ بذلك، فقام عيسى
صلواتُ الله عليه، فتوضَّأ وضوءاً حسناً، وصلَّى صلاةً جديدةً، ودعا دعاءً كثيراً، ثمَّ
جلس إلى السُّفرة، فكشف عنها، فإذا عليها سمكةٌ مشويةٌ، ليس فيها شوكٌ، تسيلُ
سَيَلانَ الدَّسم، وقد نُضِّد حولها من كلِّ البقول ما عدا الكُرَّاثَ، وعند رأسها ملحٌ
وخَلٌّ، وعند ذَنَبها خمسةُ أرغفةٍ، على واحدٍ منها خمسُ رُمَّاناتٍ، وعلى الآخَر
تَمراتٌ، وعلى الآخَر زيتون. قال الثَّعلبيُّ(٢): على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الثاني
(١) في النسخ: الحنظلي، والمثبت من كتب التراجم. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/ ٧٢ : قال ابن
معين: ليس بثقة، وقال علي بن المديني: هالك، وقال النسائي: ليس بثقة.
(٢) في عرائس المجالس ص٤٠١ من طريق عطاء بن أبي رباح عن سلمان.

٢٩٤
سورة المائدة: الآية ١١٥
عسلٌ، وعلى الثالث بيضٌ(١)، وعلى الرابع جُبْنٌ، وعلى الخامس قَدِيدٌ. فبلغ ذلك
اليهودَ، فجاؤوا غَمَّا وَمَداً ينظرون إليه، فرأوا عجباً، فقال شمعون ۔ وهو رأس
الحواريين -: يا روحَ الله! أَمِنْ طعام الدنيا، أمْ من طعام الجنة؟ فقال عيسى صلوات
الله عليه: أما افتَرقْتُم بعدُ عن هذه المسائل(٢)؟ ما أَخْوَفني أن تُعذَّبوا. قال شمعون:
[لا] (٣) وإلهِ بني إسرائيل، ما أردتُ بذلك سوءاً. فقالوا: يا رُوحَ الله، لو كان مع هذه
الآيةِ آيةٌ أخرى. قال عيسى عليه السلام: يا سمكةُ احْتَيْ بإذن الله. فاضطربت السمكةُ
طريَّةً تَبِصُّ(٤) عيناها، ففزع الحواريون، فقال عيسى: ما لي أراكم تَسألون عن
الشيء، فإذا أُعطيتُموه كرهتموه؟! ما أخوفني أن تُعذَّبوا. وقال: لقد نزلت من السماء
وما عليها طعامٌ من الدنيا ولا من طعام الجنة، ولكنه شيءٌ ابتدعه الله بالقدرة البالغة،
فقال لها كوني فكانت. فقال عيسى: يا سمكةُ عودي كما كنتِ. فعادت مَشْويةً كما
كانت، فقال الحواريون: يا رُوح الله، كن أوَّل مَن يأكل منها، فقال عيسى: مَعاذَ
الله إنَّما يأكل منها مَن طَلَبها وسألها. فأبتِ الحواريون أنْ يأكلوا منها خشيةَ أن تكونَ
مَثُلَةً(٥) وفتنةً، فلما رأى عيسى ذلك، دعا عليها الفقراء والمساكينَ والمرضى والزَّمْنَى
والمُجَذَّمين والمُفْعَدين والعُميان وأهلَ الماء الأصفر، وقال: كُلُوا من رزق ربِّكم
ودعوةٍ نبيِّكم، واحمدوا الله عليه. وقال: يكون المَهْنأُ لكم والعذابُ على غيركم.
فأكلوا حتى صَدَروا عن سبعة آلاف وثلاثٍ مئة (٦) يَتَجِشَّؤُون، فبَرِئَ كلُّ سقيمٍ أَكَّلَ
منه، واستغنى كلُّ فقير أكل منه حتى الممات، فلما رأى ذلك النَّاسُ ازدحموا عليه،
(١) في عرائس المجالس: سمن.
(٢) وقعت هذه العبارة في الغيلانيات: أو ما استيقنتم. وعند ابن أبي حاتم وأبي الشيخ: أما آن لكم أن
تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل.
(٣) زيادة من المصادر.
(٤) في النسخ الخطية: تبصبص، وفي بعض المصادر: فاضطربت السمكة طرية تدور عيناها لها بصيص،
تلمَّظُ بفيها كما يتلمَّظ السبع.
(٥) أي: عقوبة. الصحاح (مثل).
(٦) في المصادر: ألف وثلاث مئة.

٢٩٥
سورة المائدة: الآية ١١٥
فما بقي صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا شيخٌ ولا شابٍّ ولا غنيٌّ ولا فقيرٌ إلا جاؤوا يأكلون منه،
فضغط بعضُهم بعضاً، فلمَّا رأى ذلك عيسى، جعلها نُوَباً(١) بينهم، فكانت تنزل يوماً
ولا تنزل يوماً، كناقة ثمودَ ترعى يوماً وتشرب يوماً، فنزلت أربعين يوماً تنزل ضُحّى،
فلا تزال هكذا حتى يفيء الفيءُ موضعَه.
وقال الثعلبيُّ(٢): فلا تزال منصوبةً يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء، طارت صُعُداً،
فيأكل منها الناس، ثمَّ ترجعُ إلى السماء والناسُ ينظرون إلى ظلُّها حتى تتوارى عنهم،
فلما تَمَّ أربعون يوماً، أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى اجعل
مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء. فَتَمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراءَ، وشَكُوا
وشَكّكوا الناس، فقال الله يا عيسى: إني آخِذٌ بشرطي، فأصبح منهم ثلاثةٌ وثلاثون
خنزيراً يأكلون العَذِرة، يطلبونها في الأَكْبَاءِ(٣) - والأَكْبَاء: هي الكُنَاسة، واحدها كِبًا -
بعد ما كانوا يأكلون الطعام الطيِّبَ، وينامون على الفُرُش الليِّنة، فلما رأى الناسُ ذلك
اجتمعوا على عيسى يبكون، وجاءت الخنازير فجثَوا على رُكّبهم قُدَّامَ عيسى، فجعلوا
ييكون وتقطرُ دموعهم، فعرفهم عيسى، فجعل يقول: ألستَ بفلان؟ فيُؤْمِئُ برأسه ولا
يستطيع الكلام، فلبثوا كذلك(٤) سبعة أيام - ومنهم مَن يقول: أربعةَ أيام(٥) - ثم
دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يُدرَى أين ذهبوا؟ الأرضُ ابتلعتهم،
أو ما صنعوا؟!
قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصحُّ من قِبَل إسناده(٦).
(١) في النسخ الخطية: نوائب، وهو موافق لبعض الروايات.
(٢) في عرائس المجالس ص٤٠٢ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): بالأكباء.
(٤) في النسخ الخطية: فلبثوا بذلك.
(٥) وفي المصادر: ثلاثة أيام.
(٦) وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هذا أثر غريب جداً؛ قطعه ابن أبي حاتم ... وقد جمعتُه أنا ليكون
سياقه أتم وأكمل.

٢٩٦
سورة المائدة: الآية ١١٥
وعن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السُّلَميِّ: كان طعام المائدة خبزاً وسمكاً(١).
وقال عطية(٢): كانوا يجدون في السمك طيِّبَ كلِّ طعام، وذكره الثعلبيُّ(٣).
وقال عمار بن ياسر وقَتَادةُ: كانت مائدةً تنزل من السماء، وعليها ثمارٌ من ثمار
الجنة(٤). وقال وهبُ بن مُنَّهِ: أنزل الله تعالى أَقْرِصةً من شعير وحيتاناً (٥).
وخرَّج التِّرمذيُّ في أبواب التفسير(٦)، عن عمار بن ياسر قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾:
(أُنزلت المائدةُ من السماء خبزاً ولحماً، وأُمِروا ألَّا يَخونوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ، فخانوا
وادَّخروا ورفعوا لغدٍ، فَمُسِخوا قِرَدة وخنازير)» قال أبو عيسى: هذا حديث قد رواه أبو
عاصم وغيرُ واحدٍ عن سعيد بن أبي عَرُوَبة، عن قَتَادة، عن خِلَاسٍ، عن عمار بن ياسِرٍ
موقوفاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسن بن قَزَعة: حدثنا حُمَيد بن مَسْعدة قال:
حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبةَ نحوه ولم يرفعه، وهذا أصحُ من
حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً.
وقال سعيد بن جُبِير: أُنزل على المائدة كلُّ شيءٍ إلا الخبزَ واللحم(٧). وقال
عطاء: نزل عليها كلُّ شيءٍ إلا السمكَ واللحمَ(٨). وقال كعب: نزلت المائدةُ منكوسةً
(١) تفسير الطبريُّ ١٢٦/٩ .
(٢) في (د) و(م): ابن عطية، والمثبت من باقي النسخ، وهو عطية العوفي وسيرد تخريج قوله.
(٣) في عرائس المجالس ص ٤٠٠، وأخرجه الطبري ١٢٥/٩ - ١٢٦، وابن أبي حاتم (٧٠٢٦)، وذكره
ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦١/٢، ولفظه عندهم: المائدة سمكة فيها طعم كل طعام.
(٤) أخرجه عن عمار وقتادة الطبري ١٢٨/٩ - ١٢٩، وأخرجه الترمذي (٣٠٦١) عن عمار مرفوعاً
وموقوفاً وسيأتي.
(٥) أخرجه الطبري ١٢٦/٩، وابن أبي حاتم (٧٠٢٧).
(٦) برقم (٣٠٦١).
(٧) ذكره بهذا اللفظ البغوي ٢/ ٧٩ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٠٣٠) عن
سعيد بن جبير بذكر اللحم فقط، وكذلك ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٤٩١ .
(٨) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٠١ عن عطاء بن السائب بذكر اللحم فقط ولم يذكر السمك،
وكذلك أخرجه الطبري ١٢٩/٩ من طريق عطاء بن السائب عن ميسرة وزاذان.

٢٩٧
سورة المائدة: الآية ١١٥
من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كلُّ طعامٍ إلا اللحم (١).
قلت: هذه الثلاثةُ الأقوالِ(٢) مخالفةٌ لحديث التِّرمذيِّ، وهو أولى منها؛ لأنه إن
لم يصحَّ مرفوعاً فصحَّ موقوفاً عن صحابيٍّ كبير. والله أعلم. والمقطوعُ به أنها نزلت
وكان عليها طعامٌ يؤكلُ، اللهُ(٣) أعلَمُ بتعيينه.
وذكر أبو نعيم (٤) عن كعبٍ: أنَّها نزلت ثانيةً لبعض عُبَّاد بني إسرائيل، قال كعب:
اجتمع ثلاثةُ نَفَرِ من عُبَّاد بني إسرائيل، فاجتمعوا في أرضٍ فَلاَةٍ، مع كلِّ رجلٍ منهم
اسم من أسماء الله تعالى، فقال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ اللهَ لكم بما شئتم، قال:
نسألك أن تدعو الله أن يُظهر لنا عيناً سائحةٌ(٥) بهذا المكان، ورياضاً خُضْراً،
وعَبْقريًّا، قال: فدعا الله، فإذا عينٌ سائحةٌ، ورياض خُضر، وعَبْقريٌّ، ثم قال
أحدُهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بمَا شئتم، فقالوا: نسألك أن تدعوَ الله أن يطعمنا
شيئاً من ثمار الجنة، فدعا الله فنزلت عليهم بُسْرة، فأكلوا منها، لا تُقْلَبُ إلا أكلوا
منها لوناً ثم رفعت، ثم قال أحدهم: سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم، قال: نسألك
أن تدعو الله أن ينزلَ علينا المائدةَ التي أنزلها على عيسى، قال: فدعا فنزلت، فقضَوْا
منها حاجتهم ثم رُفعت، وذكر تمامَ الخبر.
مسألة: جاء في حديث سلمانَ المذكورِ بيانُ المائدة، وأنها كانت سُفْرةً لا مائدةً
ذات قوائم، والسُّفْرةُ مائدةُ النبيِّ ﴾ وموائدُ العرب. خرَّج أبو عبد الله التِّرمذيُّ
الحكيم(٦): حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى الزَّين، قال: حدثنا مُعاذ بن هشام،
قال: حدثني أبي، عن يونس، عن قَتَادةَ، عن أنس قال: ما أكلَ رسولُ اللـه : # على
(١) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٠١، والبغوي ٧٩/٢ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): الثلاثة أقوال.
(٣) في (م): والله.
(٤) في الحلية ٦/ ٨ - ٩.
(٥) في (م): ساحة، في الموضعين.
(٦) قوله: الحكيم، من (م).

٢٩٨
سورة المائدة: الآية ١١٥
خِوان قَطُ، ولا في سُكُرُّجَة، ولا خُبِزِ له مُرَقَّقُ. قال: قلت لأنس(١): فعَلَامَ كانوا
يأكلون؟ قال: على السُّفَر(٢). قال أبو موسى(٣): يونسُ هذا هو أبو الفرات الإسْكَاف.
قلت: هذا حديثٌ صحيح ثابت، اتفق على رجاله البخاريُّ ومسلم(٤). وخرَّجه
الثّرمذيُّ(٥) قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، فذكره وقال
فيه: حسن غريب.
قال الترمذيُّ أبو عبد اللـه (٦): فالخِوان هو شيءٌ مُحدَثٌ فعلته الأعاجم، ولم
تكن (٧) العرب لِتَمتِهِنَها، وكانوا يأكلون على السُّفَر، واحدُها سُفْرة، وهي التي تُتَّخذُ
من الجلود، ولها معاليقُ تنضمُّ وتنفرج، فبالانفراج سُمِّيت سُفرةً؛ لأنها إذا حُلَّت
معاليقُها، انفرجت فأسفرت عمَّا فيها؟، فقيل لها: سُفْرة، وإنما سمِّي السَّفَر (٨)؛
الإسفار الرجل بنفسه عن البيوت [والعمران].
وقوله: ولا في سُكُرُّجة؛ لأنها أوعيةُ الأَضْباغ (٩)، وإنَّما الأصباغ للألوان، ولم
يكن من شأنهم(١٠) الألوان، إنما كان طعامهم الثَّريد عليه مقَطّعاتُ اللحم. وكان
(١) وقع في مسند أحمد وصحيح البخاري (كما سيرد) لقتادة.
(٢) نوادر الأصول ص٣٤ . وأخرجه ابن ماجه (٣٢٩٢) من طريق محمد بن المثنى شيخ الحكيم الترمذي
بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (١٢٣٢٥)، والبخاري (٥٣٨٦) من طريق معاذ بن هشام به. السُكُرُّجة:
إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية. والمرقق: هو الأرغفة الواسعة الرقيقة.
والخوان: هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل. النهاية (سكرجة) و(رقق) و(خون).
(٣) في (م): قال محمد بن بشار، وهو خطأ، وأبو موسى هو محمد بن المثنى شيخ الحكيم الترمذي.
(٤) غير يونس الإسكاف فمن رجال البخاري وحده، ينظر تهذيب الكمال ٥٣٦/٣٢، وحاشية المسند على
الحديث (١٢٣٢٥).
(٥) برقم (١٧٨٨).
(٦) في نوادر الأصول ص٣٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٧) في (م): وما كانت.
(٨) بعدها في (م): سفراً.
(٩) الأصباغ: ما يصطبغ به من الإدام، واصطبغ بالصباغ: انتدم، وصبغ اللقمة: دهنها أو غمسها بالصباغ،
ومنه قوله تعالى: ﴿وصبغ للآكلين﴾. ينظر الصحاح ومعجم متن اللغة (صبغ).
(١٠) في (م): ولم تكن من سماتهم.

٢٩٩
سورة المائدة: الآية ١١٥
يقول: ((انْهَسُوا اللحم نَهْساً (١)، فإنه أَشْهى وأَمْرَأ))(٢).
فإن قيل: فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث، من ذلك حديثُ ابن عباس قال:
(لو كان الضَّبُّ حراماً ما أُكِلَ على مائدة النبيِّ ﴿) خرَّجه مسلم وغيره(٣). وعن عائشةَ
رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله﴾: ((تُصلِّي الملائكةُ على الرجل ما دامت
مائدتُه موضوعة))(٤).
قيل له: إنَّ المائدة كلُّ(٥) شيءٍ يُمَدُّ ويُبسَطِ، مثل المِنْديل والثّوب [والسفرةِ،
نُسب إلى فِعْله] وكان من حقِّه أن تكون: ((ماذَّة)» الدالُ مضاعفةٌ، فجعلوا إحدی
الدَّالين ياءً فقيل: مائدة. والفعل واقعٌ به، فكان ينبغي أن تكون ((ممدودة))(٦) ولكنْ
خَرَجت في اللُّغة مَخرج ((فاعِل))، كما قالوا: سِرٌّ كاتم، وهو مكتوم، وعيشةٌ راضيةٌ،
وهي مَرْضيَّة، وكذلك خَرج في اللُّغة ما هو فاعِل مخرجَ(٧) مفعولٍ، فقالوا: رجل
مشؤوم، وإنَّما هو شائم، وحجابٌ مستور، وإنما هو ساتر، فالخِوان: هو المرتفعُ
عن الأرض بقوائمه، والمائدةُ: ما مُدَّ وبُسط، والسُّفْرة: ما أسفر عمَّا في جوفه،
وذلك أنها(٨) مضمومةٌ بمعاليقها. وعن الحسن قال: الأكل على الخِوان فعلُ الملوك،
(١) وقع في (د) و(ز) و(ظ) ومطبوع الفتح ٩/ ٥٤٧: انهشوا اللحم نهشاً، بالشين، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٣٠٠)، والترمذي (١٨٣٥)، من حديث صفوان بن أمية﴾. قال الترمذي: هذا
حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم (وهو ابن أبي المخارق) وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد
الكريم المعلم - منهم أيوب السختياني - من قِبَل حفظه. اهـ وقد حسنه الحافظ في الفتح ٩/ ٥٤٧ .
والنهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان. النهاية (نهس).
(٣) صحيح مسلم (١٩٤٧)، وهو عند أحمد (٢٢٩٩)، والبخاري (٢٥٧٥).
(٤) بعدها في (د) و(ز): خرجه مسلم، وفي (م): خرجه الثقات، وفي (خ) و(ظ) خرجه، وليس بعدها
شيء. والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (١٠٣٩)، والبيهقي في الشعب (٩٦٢٦). قال المناوي في
فيض القدير ٣٩٦/٢ : جزم الحافظ العراقي كالمنذري بضعفه.
(٥) في (م): وقيل إن المائدة كل، وفي (ظ): قيل له ما المائدة قال كل.
(٦) في النسخ الخطية: ممدوداً، والمثبت من (م).
(٧) في (م): على مخرج.
(٨) في (م): لأنها.

٣٠٠
سورة المائدة: الآيتان ١١٥ - ١١٦
وعلى المِنْديل فعلُ العجم، وعلى السُّفْرة فعلُ العربِ، وهو السُّنَّة(١)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَمَّخِذُونِ وَأَنِىَ
إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اَلَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ بِحَقّ إِن
كُتُّ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُمْ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
الغُيُوپِ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَبْنِ مِن
دُونِ اللَّهِ﴾. اختُلِف في وقت هذه المقالة، فقال قَتَادة وابن جُرَيْج وأكثرُ المفسرين:
إنما يقول له هذا يومَ القيامة (٢).
وقال السُّدِّيُّ وقُظْرُب: قال له ذلك حين رَفَعَه إلى السماء وقالت النَّصاری فیه ما
قالت(٣)، واحتجُّوا بقوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَهُمْ عِبَادٌُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأنَّ ((إذْ)) في كلام
العرب لما مضى.
والأولُ أصحُ، يدلُّ عليه ما قَبْلَه من قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية
[المائدة: ١٠٩]، وما بعده: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ القَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. وعلى هذا تكون ((إذ» بمعنى
((إذا)) كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ فَزِعُواْ﴾ [سبأ: ٥١] أي: إذا فَزِعوا (٤). وقال أبو النَّجم:
جناتٍ عَدْنٍ في السماوات العُلَا(٥)
ثم جزاكَ الله عنِّي إِذْ جَزَى
يعني: إذا جزى. وقال الأسود بن جعفر الأَزْديّ(٦):
(١) نوادر الأصول ص٣٤ .
(٢) النكت والعيون ٨٧/٢، وتفسير البغوي ٨٠/٢، وزاد المسير ٤٦٣/٢. وأخرج قول قتادة وابن
جريج الطبري ٩/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) أخرجه الطبري ٤٣٣/٩ عن السدّي.
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٨٠، والنكت والعيون ٨٧/٢، وزاد المسير ٤٦٣/٢.
(٥) النكت والعيون ٨٧/٢، وهو في ديوانه ص٢١٠ برواية:
جنات عدن في العلاليِّ العُلى
ثم جزاه الله عنا إذ جزى
(٦) في (خ) و(ظ): الأسدي. وقال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ٢٣٥/١١ : =