النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة المائدة: الآية ١٠٣ الإناث، إلا أن يموت شيءٌ منها، فيشترك في أكله ذكورُهم وإناثهم(١). الثالثة: روى مسلمٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((رأيتُ عمرو بن عامرِ الخُزاعِيَّ يَجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوَّلَ من سَيَّب السوائب))(٢) وفي رواية: (عمرو بن لُحَيِّ بنِ قَمَعَة بنِ خِندِفٍ أخا بني كعب هؤلاء يجرُّ قُصْبَه في النار))(٣). وروى أبو هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﴾ يقول لأكثمَ بن الجَوْن(٤): ((رأيتُ عمرو بن لُحَيِّ بنِ قَمَعَة بنِ خِندِفٍ يجرُّ قُصْبَه في النار، فما رأيتُ رجلاً أشبهَ برجلٍ منك به، ولا به منك)) فقال أكثمُ: أخشى أن يضرَّني شَبَهُه يا رسول الله، قال: ((لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، إنه أولُ مَن غيَّر دينَ إسماعيلَ، ويَحَر الْبَحِيرة، وسيَّب السائبةَ، وحَمى الحامي))(٥) وفي رواية: ((رأيتُه رجلاً قصيراً أَشْعَرَ، له وَفْرةٌ، يَجرُّ قُصْبَه في النار))(٦). وفي رواية ابنِ القاسم وغيره عن مالكٍ، عن زيدٍ بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبيِّ ﴾ قال: ((إنه يؤذي أهل النار بريحه)» مرسلٌ، ذكره ابن العربي(٧). (١) سيرة ابن هشام ٨٩/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٩٥/٢ . (٢) صحيح مسلم (٢٨٥٦): (٥١)، وهو عند أحمد (٨٧٨٧)، والبخاري (٣٥٢١)، والقُصْب: المِعَّى، وجمعه أقصاب. النهاية (قصب). ووقع في صحيح مسلم: ((السُّيوب)) بدل: ((السوائب)). ورواية المصنف موافقة لما في المفهم ٣٤١/٧ . (٣) صحيح مسلم (٢٨٥٦): (٥٠)، ووقع فيه: أبا بني كعب، ورواية المصنف موافقة لما في المفهم ٣٤١/٧ . (٤) أو ابن أبي الجون، واسمه عبد العُزَّى بن منقذ بن ربيعة الخزاعي، وذكر الحافظ في الإصابة ١/ ٩٥ - ٩٦ أنه شهد خيبر مع النبي %. (٥) أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق في السيرة ٧٦/١ ، وابن أبي شيبة ٧٠/١٤ ، وابن حبان (٧٤٩٠)، والطبري ٩/ ٢٧ - ٢٨ . (٦) لم نقف على هذا اللفظ، وذكر ياقوت في معجم البلدان ٣٦٨/٥ عن ابن عباس مرفوعاً: « ... رأيت عمرو بنّ لحيّ رجلاً أحمر أزرق قصيراً يجرُّ ... )). (٧) في أحكام القرآن ٦٩٥/٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩٢/١٤ ، والطبري ٢٧/٩ من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ولم يذكر عطاء. ٢٤٢ سورة المائدة: الآية ١٠٣ وقيل: إنَّ أول مَن ابتدع ذلك جنادةُ بن عوف(١). والله أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق(٢): أنَّ سبب نصبِ الأوثان، وتغييرِ دين إبراهيمَ - عليه السلام - عمرو بن لُحَيٍّ؛ خرج من مكة إلى الشام، فلمَّا قدم مآبَ(٣) من أرض البلقاء، وبها يومئذٍ العماليقُ أولادُ عِمْلِيق - ويقال: عِملاق - بنِ لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنامَ، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنامٌ نستمطرُ بها فنمطَّر، ونستنصرُ بها فتُنصَر، فقال لهم: أفلا تُعطوني منها صنماً أسيرُ به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطَوْه صنماً يقال له: هُبَل، فقدم به مكةَ فنصبه، وأَخذ(٤) الناسَ بعبادته وتعظيمه. فلما بعثَ الله محمداً ﴿، أنزل عليه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَلِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَ حَلٍِّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب ﴿يَقْتَّرُونَ عَلَى اَللَّهِ الگذِبِ﴾ بقولهم: إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضی ربِّهم وفي طاعته(٥)، وطاعةُ الله إنَّما تُعلَم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قولٌ، فكان ذلك مما يفترونه على الله؛ وقالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾ يعني من الولدِ والألبان ﴿وَمُحَزَّمُ عَلَىٍ أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُنْ قَبْتَةً﴾ يعني إن وضعته ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ - أي: بكذبهم - العذابَ في الآخرة ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] (١) لم نقف على هذا الخبر، وأخرج الطبري ١١/ ٤٥١ - ٤٥٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن جنادة ابن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم كل عام، وكان يُكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا وإنَّ صَفَر العامِ الأولِ العامَ حَلَالٌ، فيُحلُّه الناس ... وذكر ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٤٤/١، والكلبي كما في أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٠٥ أنه كان آخر من نسأ الشهور. (٢) سيرة ابن هشام ١/ ٧٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٦٩٦/٢ . (٣) وقع في النسخ الخطية والمطبوع من أحكام القرآن: مأرب، والمثبت من (م) والسيرة، وهو الصحيح، ومآب: مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. معجم البلدان ٣١/٥ . (٤) في السيرة: وأمر. (٥) في النسخ: لرضا ربهم في طاعة الله، والمثبت من أحكام القرآن. ٢٤٣ سورة المائدة: الآية ١٠٣ أي: بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِّنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وأنزل عليه: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣]، وأنزل عليه: ﴿وَأَنَْمٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اَللَّهِ عَلَيَّهَا أَفْتِرَآءُ عَلَيْهٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٨]. الرابعة: تعلَّق أبو حنيفة ﴾ في منعه الأحباسَ، وردِّه الأوقافَ؛ بأنَّ الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعلُ من تَسْبِيب البهائم وحمايتها وحَبْسٍ أنفاسها(١) عنها، وقاس على البحيرة والسائبة، والفرقُ بيِّنٌ . ولو عَمَد رجلٌ إلى ضيعةٍ له فقال: هذه تكون حَبْساً، لا يُجْتَنى ثمرُها، ولا تُزَرَع أرضُها، ولا يُنتفعُ منها بنفع، لجاز أن يشبّه هذا بالبحيرةِ والسائبة(٢). وقد قال علقمةُ لمن سأله عنْ هذه الأشياء: ما تريدُ إلى شيءٍ كان من عملٍ أهل الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوه ابنُ زيد(٣). وجمهورُ العلماءِ على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف وزُفَر، وهو قول شُرَیح. إلاَّ أنَّ أبا يوسفَ رجعَ عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدَّثه ابن عُلَيّة، عن ابن عون، عن نافعٍ، عن ابن عمر [عن عمر]ً: أنَّه استأذن رسولَ اللـه ﴾ في أن يتصدَّقَ بسهمه بخيير، فقال له رسول الله ﴾: ((احبِسْ الأصل وسبِّل الثمرة)). وبه يحتجُّ كلُّ مَنْ أجاز الأحباس، وهو حديثٌ صحيح، قاله أبو عمر (٤). وأيضاً فإنَّ المسألة إجماعٌ من الصحابة، وذلك أنَّ أبا بكر وعمر وعثمانَ وعليًّا (١) في أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٨/٢ (والكلام منه): أنفسها. (٢) المحرر الوجيز ٢٤٨/٢ . (٣) أخرجهما الطبري ٩/ ٣٢ و ٣٨. (٤) في التمهيد ٢١٣/١ وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه بنحوه أحمد (٤٦٠٨)، والبخاري (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢): (١٥). وذكر الطحاوي كما في مختصر اختلاف العلماء ١٥٨/٤ أن أبا يوسف قال بعد أن سمع الحديث: هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، ولما خالفه. ٢٤٤ سورة المائدة: الآية ١٠٣ وعائشةً وفاطمة وعمرو بنَ العاص وابن الزبير وجابراً كلَّهم وَقَفوا الأوقاف، وأوقافُهم بمكةَ والمدينة معروفةٌ مشهورة(١). ورُوي أن أبا يوسفَ قال لمالكِ بحضرة الرشيد: إنَّ الحبس لا يجوز؛ فقال له مالك: هذه الأحباسُ أحباسُ رسول الله ﴿ بخييرَ وفَدَك، وأحباسُ أصحابه(٢)! وأما ما احتجَّ به أبو حنيفةً من الآيةِ فلا حجَّة فيه؛ لأنَّ الله سبحانه إنَّما عاب عليهم أن تَصَرَّفوا بعقولهم بغيرِ شرعٍ توَجَّه إليهم، أو تكليفٍ فُرِض عليهم، في قطع طريقِ الانتفاع، وإذهابٍ نعمةِ الله تعالى، وإزالةِ المصلحةِ التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمورُ الأحباسَ والأوقاف(٣). ومما احتجَّ به أبو حنيفة وزُفَر ما رواه عطاءُ بن السائب(٤) قال: سألتُ شُرَيحاً عن رجلٍ جعل داره حبساً على الآخِرِ [فالآخِر] مِن ولده، فقال: لا حَبْسَ عن فرائض الله. قالوا: فهذا شُرَيحٌ قاضي عمر وعثمان وعليٍّ الخلفاءِ الراشدين حَكّمَ بذلك(٥). واحتجَّ أيضاً بما رواه ابنُ لهيعةً، عن أخيه عيسى، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: سمعتُ النبيَّ # بعدما(٦) أُنزلت سورة النساء، وأَنزل الله فيها الفرائض، ينهى عن الحبس(٧). قال الطبريُّ: الصدقةُ التي يُمضيها المتصدِّق في حیاته على ما أُذِن الله به على (١) المحلى ٩/ ١٨٠، والمعونة ١٥٩٢/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٩٨/٢، والمفهم ٤ /٦٠٠. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٨/٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٤٨/٢ . (٤) في النسخ: ما رواه عطاء عن ابن المسيب، والمثبت من المصادر. (٥) شرح معاني الآثار ٩٦/٤ وما بين حاصرتين منه، وأخرج أثر شريح محمد بن الحسن في الحجة ٦٠/٣، وعبد الرزاق (١٦٩٢١)، والبيهقي ٦/ ١٦٢ . (٦) قبلها في النسخ: يقول، والمثبت من شرح معاني الآثار ٤/ ٩٧ . (٧) شرح معاني الآثار ٩٦/٤ - ٩٧، وأخرجه أيضاً محمد بن الحسن في الحجة ٦٠/٣ - ٦٢ ، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٩٩٧)، والبيهقي ١٦٢/٦ وقال: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان، وهذا القول إنما يعرف من قول شريح القاضي. ٢٤٥ سورة المائدة: الآية ١٠٣ لسان نبيِّه، وعَمِلَ به الأئمةُ الراشدون ﴾، ليس من الحبس عن فرائض الله، ولا حَجَّةَ في قول شُريح، ولا في قول أحدٍ يُخَالف السنَّة وعَمَلَ الصحابة الذين هم الحجةُ على جميع الخلق، وأمَّا حديثُ ابن عباس فرواه ابن لَهِيعةَ، وهو رجلٌ اختَلَطَ عقلُه في آخِرِ عمره، وأخوه غيرُ معروف فلا حُجَّة فيه؛ قالهُ ابن القصَّار. فإن قيل: كيف يجوز أن تَخْرِج الأرض بالوقف عن ملك أربابِها لا إلى ملكِ مالكٍ؟ قال الطحاويُّ(١): يُقال لهم: وما تُنكِر من هذا؟ وقد اتفقْتَ أنت وخصمُك على الأرض يجعلُها صاحبُها مسجداً للمسلمين، ويخلِّي بينهم وبينها، وقد خرجتْ بذلك من مِلْكِ إلى غير مالكِ، ولكنْ إلى الله تعالى، وكذلك السِّقاياتُ والجسورُ والقناطِرُ، فما أَلْزِمْتَ مخالفَك في حجَّتك عليه يلزمكَ في هذا كلِّه. والله أعلم. الخامسة: اختلف المجيزون للحُبُس فيما للمُخْبِس من التصرُّف؛ فقال الشافعيُّ: ويحرُم على المُوقِف مَلْكُه كما يحرمُ عليه مَلْكُ رقبة العبد [إذا أعتقه]، إلا أنَّه جائزٌ له أن يتولَّى صدقته، وتكون بيده ليفرِّقها ويُسبِّلَها فيما أخرجها فيه؛ لأنَّ عمرَ بن الخطابِ ﴾ لم يَزَلْ يَلِي صَدَقتَه - فيما بلغنا - حتى قَبِضَه الله عزَّ وجلَّ. قال: وكذلك عليَّ وفاطمةُ رضي الله عنهما كانا يَليان صدقاتِهما(٢). وبه قال أبو يوسف(٣). وقال مالك: مَن حبَّسَ أرضاً أو نخلاً أو داراً على المساكين، وكانت بيده يقومُ بها، ويُكرِیها، ويَقسِمُها في المساکین، حتى مات والحَبْسُ في یدیہ؛ أنَّه لیس بحبسٍ ما لم يَحُزْه(٤) غيرُه، وهو ميراث، والرَّبْع عنده والحوائطُ والأرضُ لا ينفذُ حَبْسُها، (١) في شرح معاني الآثار ٤/ ٩٧ . (٢) التمهيد ٢١١/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول الشافعي في الأم ٢٧٦/٣. وقال الشافعي: ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلُون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة ... وإنَّ نَقْلَ الحديث فيها كالتكلُّف. (٣) قوله في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ١٥٧. (٤) في (د) و(ز) و(م): يجزه، وفي (ظ): يجره، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في التمهيد ١/ ٢١٢، والكلام منه. ٢٤٦ سورة المائدة: الآية ١٠٣ ولا يتمُّ حَوْزُها، حتى يتولَّاه غيرُ مَن حَبَّسه، بخلافِ الخيلِ والسلاح؛ هذا تحصيل (١) مذهبه عند جماعة أصحابه، وبه قال ابن أبي ليلى. السادسة: لا يجوزُ للواقف أنْ ينتفعَ بوَقْفِه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن مَلْكِه، فانتفاعُه بشيءٍ منه رجوعٌ في صدقته، وإنَّما يجوزُ له الانتفاعُ إنْ شَرَطَ ذلك في الوقف، أو أنْ يفتقرَ المحبِّسُ أو ورثتُه، فيجوز لهم الأكلُ منه. ذكر ابن حبيبٍ عن مالك قال: مَن حَبَّس أصلاً تجري غلَّتُه على المساكين، فإنَّ ولدَه يُعْطَوْنَ منه إِذا افتقروا - كانوا يوم حُبِّس أغنياءَ أو فقراء - غيرَ أنَّهم لا يُعْطَون جميعَ الغلَّة؛ مخافةَ أنْ يندرس الحبسُ، ولكنْ يبقى منه سهمٌ للمساكين ليبقى عليه اسمُ الحبس، ويُكتب على الولد كتابٌ أنهم إنما يُعطّون منه ما أُعطوا على سبيل المسكنة، ولیس علی حقٍّ لهم دون المساکین. السابعة: عِثْقُ السائبةِ جائزٌ؛ وهو أنْ يقول السيد لعبده: أنتَ سائبة(٢) وينوي العتق، أو يقول: أعتقتُك سائبةً. فالمشهورُ من مذهب مالك عند جماعةٍ أصحابه: أنَّ ولاءَه لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ؛ هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم وأشھبُ وغيرهم، وبه قال ابنُ وهب. وروى ابنُ وهبٍ عن مالك قال: لا يُعتَقُ أحدٌ سائبةً؛ لأنَّ رسول اللـه # نهى عن بيعِ الولاء وعن هِبَتِّه؛ قال ابن عبد البر(٣): وهذا عند كلِّ مَن ذهب مذهبه إنَّما هو محمولٌ على كراهةٍ عتق السائبة لا غير، فإن وقعَ نفذ، وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب أيضاً وابنُ القاسم عن مالكٍ أنَّه قال: أنا أكره عتقَ السائبة وأنَهى عنه، فإن وقع نفذ، وكان ميراثاً لجماعة المسلمين، وعَقْلُه عليهم. (١) في (م) محصل. (٢) في النسخ: أنت حر، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٩/٢ ، والكلام منه، وكذلك ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢/ ٤١ . (٣) في التمهيد ٧٣/٣ وما قبله منه. ٢٤٧ سورة المائدة: الآية ١٠٣ وقال أَصْبَغُ: لا بأسَ بعتقِ السائبةِ ابتداءً؛ ذهب إلى المشهور من مذهبٍ مالك، وله احتجَّ إسماعيلُ القاضي ابنُ إسحاقَ، وإِيَّاه تَقَلَّد. ومن حجَّته في ذلك: أنَّ عِتق السائبة مستفيضٌ بالمدينة لا ينكرهُ عالم، وأنَّ عبد الله بن عمر، وغيرَه من السلف أَعتقوا سائبةً. ورُوي عن ابن شهاب وربيعةً وأبي الزِّناد، وهو قولُ عمرَ بن عبد العزيز وأبي العالية وعطاءٍ وعمرو بن دينار وغيرِهم (١). قلت: أبو العالية الرِّياحيُّ البَصْريُّ التميميُّ (٢) ممن أُعتِق سائبةً؛ أعتقَته مولاةٌ له من بني رِياح سائبةً لوجهِ الله تعالى، وطافت به على حِلَق المسجد، واسمه رُفيع ابن مِهْران(٣). وقال ابن نافع: لا سائبةَ اليوم في الإسلام، ومَن أَعتقَ سائبةً، كان ولا ؤُه له(٤)، وبه قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وابنُ الماجِشون، ومال إليه ابن العربيّ(٥). واحتجُّوا بقوله :﴿: ((إنَّما الولاءُ لمن أَغْتَقَ))(٦). فنفَى أن يكون الولاء لغير مُعْتِقٍ. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ وَلَا سَأَبَةٍ﴾، وبالحديث: ((لا سائبةً في الإسلام)»(٧)، وبما رواه أبو قيسٍ عن هُزَيْل بن شُرَخْبِيل قال: قال رجلٌ لعبد الله: (١) التمهيد ٧٦/٣، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٢٢٧) و(١٦٢٢٨) و (١٦٢٣٠) و(١٦٢٣٤) و(١٦٢٣٦) عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والزهري وأبي العالية وعطاء. (٢) في النسخ: التيمي، والصواب ما أثبتناه. ينظر الجرح والتعديل ٣/ ٥١٠، وطبقات ابن خياط ٢٠٢/١، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧ . (٣) المقرئ الحافظ المفسر، أدرك زمان النبي # وهو شاب، وأسلم في خلافة الصديق، توفي سنة (٩٣هـ) في قول البخاري، وقيل غير ذلك. السير ٢٠٧/٤ . وأخرج الخبر ابن سعد ٧/ ١١٢. (٤) التمهيد ٧٤/٣ . (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٧٠٠ ، وفيه قول الأئمة المذكورين. (٦) في النسخ: واحتجوا بقوله ﴾: من أعتق سائبة فولاؤه له وبقوله: إنما الولاء لمن أعتق، والصواب ما أثبتناه، فالقول الأول قد سلف من كلام ابن نافع وغيره، والمثبت موافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٧٠٠/٢ . وقوله : ((إنما الولاء لمن أعتق)) أخرجه أحمد (٥٧٦١)، والبخاري (٢١٦٩)، ومسلم (١٥٠٤): (٥). (٧) التمهيد ٧٩/٣ ، ولم نقف على الحديث عند غير ابن عبد البر. ٢٤٨ سورة المائدة: الآيات ١٠٣ - ١٠٥ إني أَعتقتُ غلاماً لي سائبةً، فماذا ترى فيه؟ فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يُسَيِّبون، إنما كانت تسيِّب الجاهليةُ؛ أنت وارثُه ووليُّ نعمته (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا ٢٤ وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابََّؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَكَنَأْ﴾ الآيةَ، تقدَّم معناها والكلامُ عليها في ((البقرة))(٢)، فلا معنى لإعادتها. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَنْجِمَّكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ () فيه أربع مسائل : الأولى: قال علماؤنا: وجهُ اتصالٍ هذه الآية بما قبلها التحذيرُ مما يجبُ أنْ يُحذَر منه، وهو حالُ مَن تقدّمت صفتُه ممن رَگن في دینه إلی تقلیدِ آبائه وأسلافه. وظاهرُ هذه الآية يدلُّ على أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيامُ به بواجبٍ إذا استقام الإنسان، وأنَّه لا يؤاخَذُ أحدٌ بذنبٍ غيره، لولا ما ورد من تفسيرها في السنَّة، وأقاويلِ الصحابة التابعين، على ما نذكره بحول الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: احفظوا أنفسكم من المعاصي(٣)؛ تقول: عليكَ زيداً، بمعنى: الزمْ زيداً، ولا يجوزُ: عليه زيداً، بل إنَّما يجري هذا في المخاطبةِ في ثلاثة ألفاظٍ: عليكَ زيداً، أي: خذ زيداً، وعندك زيداً(٤)، أي: حضَرك [فخذه]، ودونَكَ زيداً، أي: قَرُب منك [فخذه](٥)، وأنشد: (١) التمهيد ٧٩/٣، وعبد الله: هو ابن مسعود﴾. وأخرج البخاري (٦٧٥٣) قول عبد الله ﴾، ولم يذكر القصة، وأخرجه بتمامه عبد الرزاق (١٦٢٢٣)، وابن أبي شيبة ٣٦٧/١١ . وأبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي. (٢) ١٥/٣. (٣) الوسيط للواحدي ٢٣٧/٢، والبيان لأبي البركات الأنباري ٣٠٧/١. (٤) في (م): عمراً. (٥) تفسير الرازي ١٢/ ١١١ وما بين حاصرتين منه. ٢٤٩ سورة المائدة: الآية ١٠٥ يا أيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكًا(١) وأما قوله: عليه رجلاً لَيْسَني، فشاذٌ(٢). الثالثة: روى أبو داود والترمذيُّ(٣) وغيرُهما عن قيس(٤) قال: خطبنا أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﴾ فقال: إنَّكم تقرؤون هذه الآيةَ، وتتأوَّلُونها على غير تأويلِها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعتُ رسول اللـه # يقول: ((إنَّ الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخذوا على يديه، أَوْشَكَ أنْ يعمَّهم الله بعذابٍ من عنده)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. قال إسحاق بن إبراهيم: سمعتُ عمرو بنَ عليٍّ يقول: سمعتُ وَكِيعاً يقول: لا يصحُ عن أبي بكرٍ عن النبيِّ ﴾ ولا حديثٌ واحد(٥)، قلتُ: ولا إسماعيل عن قيس؟ قال: إنَّ إسماعيلَ روى عن قيسٍ موقوفاً. قال النقَّاش: وهذا إفراطٌ من وَكِيع؛ رواه شعبةُ عن سفيان(٦)، والخلقُ(٧) عن إسماعيلَ مرفوعاً(٨). (١) نسبه ابن هشام في السيرة ٣١١/٢ الجارية من الأنصار، ونسبه ابن الشجري في أماليه ٣/ ١٤٠ لرؤبة، ونسبه البغدادي في الخزانة ٦/ ٢٠٧ الراجز جاهلي من بني أسيِّد بن عمرو بن تميم، وبعده: إني رأيت الناس يحمدونکا. والمائح؛ قال الجوهري في الصحاح (میح): المائح الذي ينزل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها. (٢) إكمال المعلم ٤/ ٥٢٤، وينظر فيه بسط الكلام في مسألة إغراء الغائب. (٣) سنن أبي داود (٤٣٣٨)، وسنن الترمذي (٢١٦٨) و(٣٠٥٧)، وهو عند أحمد (٣٠) و(٥٣)، وابن ماجه (٤٠٠٥). (٤) هو قيس بن أبي حازم، أبو عبد الله البجلي الكوفي، أسلم وأتى النبيَّ ﴾ ليبايعه، فقُبض النبيَّ ﴾ وقيسٌ في الطريق، وكان من علماء زمانه، توفي سنة (٩٧هـ). السير ١٩٨/٤ . (٥) في النسخ الخطية: ولا حديثاً واحداً، والمثبت من (م). (٦) في قول المصنف: شعبة عن سفيان ... الخ. نظر. فإن كلاً منهما روى الحديث عن إسماعيل - وهو ابن أبي خالد - رفعه شعبة؛ كما في مسند أحمد (٥٣)، ووقفه سفيان - ولعله ابن عينية - كما في السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (٣٣٧). (٧) في (د) و(م): وإسحاق، بدل: والخلق، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ). وقد ذكر الدارقطني في العلل ١/ ٢٥٠ رواة هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، ولم يذكر منهم إسحاق. (٨) قال الدارقطني في العلل ٢٥٠/١: هو حديث رواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس، فرواه عنه جماعة من الثقات، فاختلفوا عليه فيه، فمنهم من أسنده إلى النبي # ومنهم من أوقفه على أبي بكر ... وجميع = ٢٥٠ سورة المائدة: الآية ١٠٥ وروى أبو داود والترمذيُّ وغيرهما (١)، عن أبي أميَّة الشَّعْبانيِّ قال: أتيتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ فقلتُ له: كيف تصنعُ(٢) بهذه الآية؟ فقال: أيَّةُ آيةٍ؟ قلتُ: قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما واللهِ لقد سألتَ عنها خبِيراً؛ سألتُ عنها رسولَ الله ﴿، فقال: ((ائتمرُوا بالمعروف، وتَناهَوْا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًا مُطاعاً، وهَوَى مُتَّبَعاً، ودنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصَّة نفسِك، ودعْ عنك أمرَ العامَّة، فإنَّ من ورائِكُم أياماً، الصبرُ فيهنَّ مثلُ القبضٍ على الجمر، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجرٍ خمسينَ رجلاً يعملون مثلَ عملِكم)). وفي روايةٍ: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسين منَّا أو منهم؟ قال: ((بل أجرُ خمسين منكم) قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. قال ابن عبد البر(٣): قوله: ((بل منكم))؛ هذه اللفظةُ قد سكتَ(٤) عنها بعضُ الرواة فلم يذكرها. وقد تقدم(٥). وروى الترمذيُّ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ# قال: ((إنَّكم في زمانٍ مَن تَركَ منكم عُشْرَ ما أُمِر به هَلَكَ، ثم يأتي زمانٌ مَن عَمِلَ منهم (٦) بعُشْر ما أُمِر به نجا)). قال: هذا حديثٌ غريب(٧). = رواة هذا الحديث ثقات، ويشبه أن يكون قيس بن أبي حازم كان ينشط في الرواية مرة فيسنده، ومرة یجبن فیقفه علی أبي بكر. (١) سنن أبي داود (٤٣٤١)، وسنن الترمذي (٣٠٥٨)، وهو عند ابن ماجه (٤٠١٤). (٢) في (ظ): نصنع. (٣) في التمهيد ٢٠/ ٢٥٠ . (٤) في (ظ): سألت. (٥) تقدمت قطعة من حديث أبي ثعلبة، وقول ابن عبد البر ٢٦٢/٥ - ٢٦٣ . (٦) في سنن الترمذي: منكم. (٧) سنن الترمذي (٢٢٦٧)، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٤٨٣ ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٢٥) وقال: قال النسائي: هذا حديث منكر، رواه نعيم بن حماد وليس بثقة. وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٢/ ٤٢٩: هذا عندي خطأ، رواه جرير وموسى بن أعين، عن ليث، عن معروف، عن الحسن، عن النبي # مرسل. ٢٥١ سورة المائدة: الآية ١٠٥ ورُوي عن ابن مسعود أنَّه قال: ليس هذا بزمانِ هذه الآية؛ قولوا الحقَّ ما قُبِلَ منکم، فإذا رُدَّ علیکم، فعليكم أنفسكم(١). وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركتَ القول في هذه الأيام؛ فلم تأمر ولم تَنهَ؟ فقال: إنَّ رسول اللـه # قال لنا (٢): ((ليُبلِّغ الشاهد الغائب)) ونحن شهدنا، فيلزمُنا أن نبلِّغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحقُّ لم يُقبل(٣). وفي روايةٍ عن ابن عمر بعد قوله: ((ليبلِّغ الشاهدُ الغائب)): فكنا نحن الشهودَ وأنتم الغُيَّب، ولكنَّ هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقبل منهم (٤). وقال ابن المبارك: قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ خطابٌ لجميع المؤمنين، أي: عليكم أهلَ دينكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَّقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكأنَّه قال: ليأمرْ بعضُكم بعضاً، ولْيَنْهَ بعضُكم بعضاً، فهو دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٥)، ولا يضرُّكم ضلالُ المشركين والمنافقين وأهلِ الكتاب. وهذا لأنَّ الأمرَ بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدَّم(٦). ورُوي معنى هذا عن سعید بن جبير(٧). وقال سعيد بن المسيِّب: معنى الآية: لا يضرُّكم مَن ضلَّ إذا اهتدَيتُم بعد الأمر (١) أخرجه سعيد بن منصور (٨٤٣ و ٨٤٩ - تفسير) والطبري ٤٣/٩ - ٤٤، والطبراني في الكبير (٩٠٧٢)، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ١٩٩/١، وهو عندهم من طريق الحسن عن ابن مسعود ولم يذكر للحسن سماع من ابن مسعود ﴾. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص٣٦. (٢) قوله: لنا، ليس في (ظ). (٣) خبر ابن عمر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٩/٢، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) قطعة من خطبة النبي # في حجه، أخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (٦٧)، ومسلم ه. (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ـ (٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٤ . (٥) أورده الرازي في التفسير ١٢/ ١١٢ - ١١٣ . (٦) ٧٣/٥ وما بعدها. (٧) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ . ٢٥٢ سورة المائدة: الآية ١٠٥ بالمعروف والنهي عن المنكر(١). وقال ابن خُوَيزِ مَنْدَاد: تضمَّنت الآيةُ اشتغالَ الإنسان بخاصَّةٍ نفسه، وتركَه التعرُّضَ لمعايبِ الناس والبحثَ عن أحوالهم؛ فإنَّهم لا يُسألون عن حاله، فلا يُسأل عن حالهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، و﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وقولِ النبيِّ ﴾: ((كن جليسَ بيتِكَ وعليكَ بخاصَّةٍ نفسك))(٢). ويجوزُ أن يكونَ أُرِيد به الزمانُ الذي يتَعذَّرُ فيه الأمرُ بالمعروف والنهيُّ عن المنكر؛ فينكِر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه. قلت: قد جاء حديثٌ غريبٌ رواه ابن لَهِيعة: قال: حدَّثنا بكر بن سَوَادَةً الجُذاميُّ، عن عقبةَ بنِ عامر (٣) قال: قال رسول اللـه﴾: ((إذا كان رأسُ مئتين، فلا تأمر بمعروف، ولا تَنْهَ عن منكر، وعليكَ بخاصةِ نفسك)). قال علماؤنا: إنَّما قال عليه الصلاة والسلام ذلك لتغيُّرِ الزمان، وفسادِ الأحوال، وقلةِ المُعِينين. وقال جابر بن زيد: معنى الآية: يا أيّها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بَحَروا البَحِيرةَ، وسيّبوا السوائبَ، عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدِّين، لا يضرُّكم ضلالُ الأسلافِ إذا اهتديتُم. قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار: سفَّهْتَ آباءَك وضلَّلْتَهم وفعلتَ وفعلتَ، فأنزل الله الآيةَ بسبب ذلك(٤). وقيل: الآيةُ في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظُ؛ فإذا علمتَ من قومِ أنَّهم لا (١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٠. (٢) أخرجه مطولاً أحمد (٦٩٨٧)، وأبو داود (٤٣٤٣)، والنسائي في الكبرى (٩٩٦٢) من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (٣) الجهني، صاحب النبي #، كان عالماً مقرئاً فقيهاً شاعراً كبير الشأن، ولاه معاوية على مصر، ثم عزله وأغزاه البحر، توفي سنة (٥٨هـ). السير ٢/ ٤٦٧ . ولم نقف على هذا الحديث. (٤) المحرر الوجيز ٢٤٩/٢، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٤ . ٢٥٣ سورة المائدة: الآية ١٠٥ يقبلون، بل يستخفُّون ويظهرون(١)، فاسكت عنهم. وقيل: نزلت في الأسارى الذين عذَّبهم المشركون حتى ارتدَّ بعضُهم، فقيل لمن بقي على الإسلام: عليكم أنفسَكم لا يضرُّكم ارتدادُ أصحابكم. وقال سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب. وقال مجاهد: في اليهود والنصارى ومَن كان مثلَهم. يذهبان إلى أنَّ المعنى: لا يضركم كفرُ أهل الكتاب إذا أدَّوُا الجزية(٢). وقيل: هي منسوخةٌ بالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. قاله المهدويُّ. قال ابن عطية(٣): وهذا ضعيفٌ، ولا يُعلم قائلُه. قلت: قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام(٤) أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى آيةٌ جمعت الناسخَ والمنسوخ غيرُ هذه الآية. قال غيره: الناسخُ منها قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، والهدى هنا هو الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر(٥)، والله أعلم. الرابعة: الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر متعيِّنٌ متى رُجيَ القبولُ، أو رُجيَ ردُّ الظالم ولو بعنف، ما لم يخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقُه في خاصَّته، أو فتنةٌ يُدْخلُها على المسلمين؛ إِمَّا بشقِّ عصاً، وإِمَّا بضررٍ يلحقُ طائفةً من الناس؛ فإذا خيفَ هذا؛ فـ ((عليكم أنفسكم)» مُحْكَم واجبٌ أن يوقفَ عنده(٦). ولا يُشترط في الناهي أن يكون (١) ظهر بحاجته وظهَّرها وأظهرها واظَّهَرها: جعلها وراء ظهره استخفافاً بها. متن اللغة (ظهر). (٢) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٧٤، وخبر سعيد بن جبير أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ ، وخبر مجاهد أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٥٢٩). (٣) في المحرر الوجيز ٢٤٩/٢ . (٤) في الناسخ والمنسوخ له قبل الحديث (٥٢٤). (٥) هذا الكلام لابن الجوزي في نواسخ القرآن ص١٤٩ ، قاله في شرحه لقول أبي عبيد، ثم قال: وهذا الكلام إذا حُقُّق لم يَثْبُت. (٦) المحرر الوجيز ٢٤٩/٢ . ٢٥٤ سورة المائدة: الآيات ١٠٥ - ١٠٨ عدلاً كما تقدم(١)؛ وعلى هذا جماعةُ أهل العلم؛ فاعلمه. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتَّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ آَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّاَ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ ﴿٨) فَإنّ ◌ُثِّرَ عَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقّاً إِثْمًا فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اُلْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَا أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِلشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْ بَعْدَ التََّالِمِينَ أَيْمَنِهِمَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى: قال مكِّي(٢) رحمه الله: هذه الآياتُ الثلاث عند أهل المعاني من أَشْكَلِ ما في القرآن إعراباً ومعنَى وحُكماً؛ قال ابن عطية (٣): هذا كلامُ مَن لم يقع له الثّلجُ(٤) في تفسیرها ؛ وذلك بيِّنٌ من كتابه رحمه الله. قلت: ما ذكره مكيٍّ رحمهُ الله ذكره أبو جعفر النحاس قبلَه أيضاً (٥)، ولا أعلم خلافاً أنَّ هذه الآيات نزلت بسببٍ تميم الدارِيِّ وعدِيّ بن بَدَّاء(٦). روى البخاريُّ (١) ٧٣/٥. (٢) في مشكل إعراب القرآن ٢٤٣/١، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢٧٧ . (٣) في المحرر الوجيز ٢٥٠/٢ . (٤) يقال: ثلجت النفس بالشيء أي: رضيت به وارتاحت واطمأنت إليه، أو عرفَتْه وسُرَّت به. (٥) في إعراب القرآن ٤٤/٢ . (٦) المحرر الوجيز ٢/ ٢٥٠، وعدي بن بدَّاء ذكره ابن حبان في الثقات ٣١٨/٣ وقال: له صحبة. وقال ابن عطية: لم يصح لعدي صحبة فيما علمت، ولا ثبت إسلامه. قال الحافظ في الإصابة ٦/ ٤٠٠: وقوَّى ذلك ابنُّ الأثير بأن في السياق عند ابن إسحاق: فأمرهم رسول الله # أن يستحلفوا عديًّا بما يعظّم على أهل دينه. ثم ذكر الحافظ خبراً عن مقاتل أن عديًّا مات نصرانياً، في حين أسلم تميم وحسن إسلامه. ٢٥٥ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ والدار قطني(١) وغيرهما عن ابن عباس قال: كان تميمٌ الدارِيُّ وعَدِيّ بن بدَّاء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتّ من بني سَهْم، فتُوفِي بأرضٍ ليس بها مُسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركتَه إلى أهله، وحبسا جاماً من فضةٍ مخوَّصاً بالذهب(٢)، فاستحلفَهُما رسولُ اللهِ ﴾: ((ما كتمتُما ولا اطَّلعْتُما)). ثم وُجِد الجامُ بمكّة، فقالوا: اشتريناه من عَدِيٍّ وتَميم، فجاء رجلان من ورثة السهميٍّ، فحلفا أنَّ هذا الجامَ للسهميِّ، ولَشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا، قال: فأخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآية. لفظُ الدار قطني. وروى الترمذيُ (٣) عن تميم الدارِيِّ في هذه الآية ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بَرِئَ منها الناسُ غيري وغيرَ عديٍّ بن بَدَّاء، وكانا نصرانيّين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتّيًا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولَى لبني سهم يقال له: بُدَيل بنُ أبي مريم(٤) بتجارةٍ، ومعه جَامٌ من فضة يريد به المَلِكَ، وهو عُظْم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما، وأمرَهُما أَنْ يُبلِّغا ما تركَ أهله. قال تميم: فلما مات أخَذْنا ذلك الجامَ فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناها أنا وعديّ بنُ بدَّاء، فلما قَدِمْنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه فقلنا: ما تركَ غيرَ هذا، وما دَفَع إلينا غيرَه، قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم رسول اللـه ﴾ المدينةَ، تأثَّمتُ من ذلك، فأتيتُ أهلَه وأخبرتُهم الخبرَ، وأدَّيتُ إليهم خمسَ مئة درهم، وأخبرتُهم أنَّ عند صاحبي مثلَها، فأَتَوْا به إلى رسول اللـه ﴾، فسألهم البينةَ فلم يجدوا، فأمرهم أن (١) صحيح البخاري (٢٧٨٠)، وسنن الدار قطني (٤٣٤٩). (٢) أي: عليه صفائح الذهب مثل خُوص النخل، وهو ورقُه. النهاية (خوص). والجام: إناء من فضة. القاموس (جوم). (٣) في سننه (٣٠٥٩)، وأخرجه أيضاً الطبري ٨٧/٩ - ٨٨، والنحاس في إعراب القرآن ٤٦/٢، وابن أبي حاتم (٦٩٤١)، وذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية، وابن حجر في الإصابة ١/ ٢٣٢ والفتح ٤١١/٥ . (٤) ويقال: بريل، ويقال: برير، وقيل غير ذلك، وقيل: ابن أبي مارية، السهمي، مولى عمرو بن العاص، وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٣١/١ عن ابن بريرة في تفسيره أنه لا خلاف بين المفسرين أنه كان مسلماً من المهاجرين. ٢٥٦ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ يستحلفوه بما يُقْطَع به على أهل دينه، فحلَف، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخَرُ منهم، فحلفا، فنُزعت الخمس مئة من يَدَيْ عدِيّ بن بدَّاء. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريب، وليس إسنادُه بصحيح. وذكر الواقديُّ أنَّ الآياتِ الثلاث نزلت في تميم وأخيه عَديٍّ، وكانا نصرانيِّين، وكان مَتْجرُهُما إلى مكة، فلما هاجر النبيُّ# إلى المدينة؛ قَدِم ابن أبي مارية (١) مولى عمرو بن العاص المدينةَ، وهو يريدُ الشامَ تاجراً، فخرج مع تميم وأخيه عديٍّ؛ وذكر الحدیث. وذكر النقَّاش قال: نزلت في بُدَيل بن أبي مارية (٢) مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشيّ، ومعه رجلان نصرانيان، أحدُهما يسمَّى تميماً، وكان من لَخُم، وعدِيُّ بن بدَّاء، فمات بُدَيلٌ وهم في السفينة، فرُمي به في البحر، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: أَبلِغا هذا المتاعَ أهلي، فلما مات بُديل قَبَضَا المال، فأخذا منه ما أعجبهُما، فكان فيما أخذا إناءٌ من فضةٍ فيه ثلاثُ مئةٍ مثقالٍ، منقوشاً ممؤَّهاً بالذهب، وذكر الحديث. وذكره سُنَيد وقال: فلما قدموا الشامَ مرض بُدَيل وكان مسلماً، الحديث(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿شَهْدَةُ بَيَنْكُمْ﴾ ورد ((شهد)) في كتاب الله تعالى بأنواعٍ مختلفة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قيل: معناه: أَحضروا. ومنها ((شَهِد)) بمعنى قضى، أي: أَعْلَم؛ قاله أبو عبيدة (٤)، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]. ومنها (شَهِد)) بمعنى أَقرَّ، (١) في (م): ابن أبي مريم، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٧٠٩/٢ . (٢) في (م): ابن أبي مريم. (٣) ذكره بتمامه عن سنيد ابنُ العربي في أحكام القرآن ٧٠٩/٢ . (٤) في مجاز القرآن ٨٩/١ . ٢٥٧ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ٦٦]. ومنها ((شَهِد)) بمعنی حكم؛ قال الله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]. ومنها ((شَهِد)) بمعنى حَلَف، كما في اللِّعان. ((وشَهِد)) بمعنى وَصَّى، كقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ مَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾(١). وقيل: معناها هنا: الحضورُ للوصية؛ يقال: شَهِدتُ وصيةَ فلان، أي: حضرتُها(٢). وذهب الطبريّ(٣) إلى أنَّ الشهادة بمعنى اليمين؛ فيكونُ المعنى: يمينُ ما بينكم أنْ يحلفَ اثنان، واستدلَّ على أنَّ ذلك غيرُ الشهادة التي تؤذَّى للمشهود له بأنَّه لا يُعلم لله حكمٌ يجب فيه على الشاهد يمينٌ. واختار هذا القولَ القَفَّال. وسُميت اليمينُ شهادةً؛ لأنه يَثْبُتُ بها الحكمُ كما يثبتُ بالشهادة. واختار ابن عطية (٤) أنَّ الشهادةَ هنا هي الشهادةُ التي تُحفَظُ فتؤدَّى، وضعَّف كونَها بمعنى الحضورِ واليمين. الثالثة: قوله تعالى: ﴿بَینگم﴾ قیل: معناه: ما بینکم، فحذفت ((ما)»، وأضيفت الشهادةُ إلى الظرف، واستُعمل [البين] اسماً على الحقيقة(٥)، وهو المسمَّى عند النحويين بالمفعول على السعة(٦)؛ كما قال: ويوماً شهدناه سُلَيماً وعامراً(٧) (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧١٠ - ٧١١، وزاد معنَى آخَرَ وهو: شهد بمعنى: علم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اَللَّهِ﴾ أي: علم الله. (٢) تفسير البغوي ٢/ ٧٣ . (٣) في تفسيره ٥٨/٩ - ٥٩ . (٤) في المحرر الوجيز ٢/ ٢٥٢ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٧١١/٢ وما بين حاصرتين منه. وذكر السمين الحلبي في الدر المصون ٤/ ٤٦٠ عن أبي علي الجرجاني قوله: وما بينكم: كناية عن التنازع والتشاجر. (٦) وهو أن يعامل الظرف معاملة الأسماء. المحرر الوجيز ٢٥٢/٢، وينظر بسط الكلام في هذه المسألة في أمالي ابن الشجري ٢/ ٥٩١، وأحكام القرآن لابن العربي ٧١٢/٢، والدر المصون ٤٥٩/٤ - ٤٦٠ . (٧) هو صدر بيت عجزه: قليلاً سوى الطعن النَّهال نوافِلَه وجاء في بعض رواياته: ويوم ... قليل ... ونسبه سيبويه في الكتاب ١٧٨/١ لرجل من بني عامر، وهو بلا نسبة في الكامل ٤٩/١ ، وأمالي ابن = ٢٥٨ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ أراد: شهِدْنا فيه(١). وقال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] أي: مکرکم فیهما. وأنشد: صِفَاحاً وعنِّي بينُ عَيْنَيْك مُنْزَوِيٍ (٢) تُصافح مَن لاقيتَ لي ذا عداوةٍ . أراد: ما بين عينيك، فحذف. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أي: ما بيني وبينك. الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ معناه: إذا قارَبَ الحضورَ، وإلَّا فإذا حضَر الموتُ لم يشهد ميت، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ اَلِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ومِثْلُه كثير. والعاملُ في ((إذا)) المصدر الذي هو ((شَهَادَةُ))(٣). الخامسة: قوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ ((حين)) ظرف زمان، والعاملُ فيه ((حَضَرَ)) (٤). وقوله: ((اثنان)» يقتضي بمظْلَقِه شخصين، ويحتمل رجلين، إلّا أنَّه لمَّا قال بعد ذلك: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ بيَّن أنَّه أراد رجلين؛ لأنَّه لفظٌ لا يصلُح إلا للمذكَّر، كما أنَّ ((ذواتا)) لا يصلح إلا للمؤنث(٥). وارتفع ((اثنان)) على أنَّه خبرُ المبتدأ الذي هو ((شَهَادَةُ»؛ قال أبو عليّ (٦): ((شَهَادَةُ» رفع بالابتداء، والخبرُ في قوله: ((اثنان))؛ التقديرُ: شهادةُ بينِكم في وصاياكُم شهادةُ = الشجري ٧/١ وشرح أبيات مغني اللبيب ٧/ ٨٤. (١) أي: أنه نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيهاً بالمفعول به اتساعاً ومجازاً. تحصيل عين الذهب ص ١٤٧ . (٢) قائله يزيد بن الحكم الثقفي، كما في الأغاني ٢٩٥/١٢، والخزانة ١٣٢/٣. قال البغدادي: بينُ مرفوع بالابتداء لأنه اسم لا ظرف، ومنزوي خبره، وعنِّي متعلق به، وزوى ما بين عينيه أي: قبضها. (٣) المحرر الوجيز ٢/ ٢٥٢ . (٤) المصدر السابق. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٧١٤/٢ . (٦) في الحجة ٢٦٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٥٢. ٢٥٩ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ اثنين، فحذفَ المضافَ وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْوَجُ ـَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: مِثْلُ أمهاتهم. أُمَّـ ويجوزُ أن يرتفع ((اثنان)) بـ ((شهادة))؛ التقديرُ: وفيما أُنزِلَ عليكم - أو ليكن منكم - أَنْ يشهدَ اثنان(١)، أو ليُقِم الشهادةَ اثنان(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ((ذوا عدلٍ)): صفة لقوله: ((اثنان))، و ((منكم)) صفةٌ بعد صفة. وقوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: أو شهادةٌ آخَرَيْن من غيركم؛ فمن غيرٍكم صفةٌ لآخرَين(٣). وهذا الفصلُ هو المشكلُ في هذه الآية، والتحقيقُ فيه أن يُقال: اختلف العلماءُ فيه على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنَّ الكاف والميم في قوله: ((مِنْكُمْ)) ضميرٌ للمسلمين و ((آخَرانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ)) للكافرين (٤)، فعلى هذا تكونُ شهادةُ أهل الكتاب على المسلمين جائزةً في السفر إذا كانت وصيةٌ(٥)، وهو الأَشبهُ بسياق الآية، مع ما تقرَّر من الأحاديث، وهو قولُ ثلاثةٍ من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل؛ أبو موسى الأشعريُّ، وعبد الله بن قیس(٦)، وعبد الله بن عباس(٧). (١) معاني القرآن للزجاج ٢١٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٦/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٧١٤/٢، والكشاف للزمخشري ١/ ٦٥٠ . (٢) كذا ذكر المصنف رحمه الله، و((اثنان)) في هذا المثال الذي ذكره مرفوع بالفعل ((يُقم))، و((شهادة)) مفعول به، وقد ذكر ابن جني هذا المثال في المحتسب ١/ ٢٢٠ لتقدير قراءة الأعرج: ((شهادةً بينكم)) بالنصب والتنوين. ولعل المصنف أراد: ليشهد اثنان من باب نيابة المصدر عن فعل الطلب، وهو قول الفراء. ينظر معاني القرآن له ٣٢٣/١، والدر المصون ٤٥٦/٤ . (٣) الحجة للفارسي ٢٦٤/٣، والمحرر الوجيز ٢٥٢/٢. (٤) المحرر الوجيز ٢٥١/٢ . (٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠١/٢. (٦) کذا ذکر المصنف رحمه الله وعبد بن قيس هو أبو موسى الأشعري، فهذا القول مروي - كما قال النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٠١/٢ - عن رجلين من الصحابة عبد الله بن قيس وعبد الله بن عباس. وأثر أبي موسى الأشعري أخرجه أبو داود (٣٦٠٥)، وعبد الرزاق (١٥٥٣٩)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٩٠) و(٢٩١)، والطبري ٦٦/٩ و٧٦، وسيأتي ٣٥٦/٦. (٧) أخرجه عنه الطبري ٧٣/٩، ٧٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٠٢/٢. ٢٦٠ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ فمعنى الآية مِن أوَّلها إلى آخِرِها على هذا القول: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ حُكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره(١) الموتُ، أنْ تكون شهادةَ عدلين، فإنْ كان في سفرٍ، وهو الضَّربُ في الأرض، ولم يكن معه أحدٌ من المؤمنين، فليُشهدْ شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأدَّيا الشهادةَ على وصيّته؛ حلفا بعد الصلاة أنَّهما ما كذَبا ولا بَدَّلا(٢)، وأنَّ ما شهِدا به حقٌّ، ما كتما فيه شهادةَ [الله]، وحُكِم بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنَّهما كَذَبا أو خانا، ونحو هذا ممَّا هو إثمٌ، حلَف رجلان من أولياء المُؤْصِي في السفر، وغَرم الشاهدان ما ظهرَ عليهما. هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسى الأشعريِّ، وسعيد بن المسيب، ويحيى ابن يَعْمُر، وسعيد بن جبير، وأبي مِجْلَز وإبراهيمَ وشُريحٍ وعَبِيدةَ السلمانيِّ، وابن سِيرين ومجاهد وقتادةً والسديِّ وابن عباس وغيرهم(٣). وقال به من الفقهاء سفيانُ الثوريُّ، ومال إليه أبو عبيد القاسم بنُ سلَام لكثرةٍ من قال به(٤). واختاره أحمدُ بنُ حنبل، وقال: شهادةُ أهلِ الذمَّة جائزةٌ على المسلمين في السفر عند عَدَم المسلمين(٥)؛ كلَّهم يقولون: ((مِنكم)) من المؤمنين، ومعنى ((مِن غيرِكم)): من(٦) الكفار. قال بعضهم: وذلك أنَّ الآية نزلت ولا مؤمنَ إلَّا بالمدينة، وكانوا يسافرون (١) في النسخ: حضر، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٥١/٢، والكلام منه، وكذلك ما سيرد بين حاصرتین منه. (٢) في (م): وما بدلا. (٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٢٥١/٢، وأخرج قول الأئمة المذكورين الطبري ٩/ ٦١ - ٦٧ و٧٢ - ٧٣ . (٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٤/٢، وقول أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ له إثر الحديث (٣٠٧). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٧١٥/٢ . (٦) في (م): يعني.