النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة المائدة: الآية ٩٥ ((المدوَّنة))(١). الموفية عشرين: ويستأنف الحكم في كلِّ ما مضت فيه حكومةٌ أو لم تمض، ولو اجتزأ بحكومة الصحابةِ ﴾ فيما حكموا به من جزاء الصيدِ كان حسناً. وقد روي عن مالكِ أنه ما عدا حمامَ مكةً وحمارَ الوحش والطّبيَ والنَّعامةَ لا بدَّ فيه من الحكومة، ويجتزئ(٢) في هذه الأربعة بحكومةِ مَن مضى من السلف ﴾. الحادية والعشرون: لا يجوز أن يكون الجاني أحدَ الحكّمين؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيُّ في أحد قولَيه: يكون الجاني أحدَ الحكمين. وهذا تسامحٌ منه؛ فإنَّ ظاهر الآية يقتضي جانياً وحَكّمين، فحَذْفُ بعضِ العدد إسقاطٌ للظاهر، وإفسادٌ للمعنى؛ لأنَّ حُكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو کان ذلك جائزاً لاستغنى بنفسه عن غيره؛ لأنه حكمٌ بينه وبين الله تعالى، فزيادةٌ ثانٍ إليه دليلٌ على استئناف الحكم برجلين [سواه](٣). الثانية والعشرون: إذا اشترك جماعةٌ مُحرمون في قتل صید، فقال مالك وأبو حنيفة: على كلِّ واحدٍ جزاءٌ كامل. وقال الشافعيُّ: عليهم كلِّهم كفَّارةٌ واحدة؛ لقضاء عمرَ وعبد الرحمن(٤). وروى الدَّارَقُظْنيُّ(٥): أنَّ مواليَ لابن الزبير أحرموا، إذ مرَّت بهم ضَبُع، فحذفوها بعصِيِّهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتَوا ابنَ عمر، فذكروا [ذلك] له، فقال: عليكم كبش(٦)، قالوا: أوَ على كلِّ واحدٍ منَّا كبش؟ قال: إنكم لَمُعَزَّزٌ بكم، عليكم كلِّكم كبش. قال اللغويون: لَمُعَزَّزْ بكم، أي: لمشدَّدٌ عليكم. ورَوى عن ابن عباسٍ في قومٍ أصابوا ضَبُعاً، قال: عليهم كبشٌ يتخارَجونه (١) ١/ ٤٣٤ . (٢) في (م) ويجتزأ، وفي النسخ الخطية: ويستجزأ، والمثبت من الكافي ٣٩٥/١، والكلام منه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٧ ، وما بين حاصرتين منه. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢ ، وخبر عمر وعبد الرحمن سلف في المسألة الثامنة عشرة. (٥) في سننه (٢٥٦٤)، وما سيرد بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٨٣٥٧). (٦) في النسخ: عليكم كلكم كبش، والمثبت من سنن الدار قطني. ٢٠٢ سورة المائدة: الآية ٩٥ (١) بينهم (١). ودليلُنا قولُ الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَهُ مِنْكُم مُّتَعَمْدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهذا خطابٌ لكلِّ قاتل(٢). وكلُّ واحدٍ من القاتِلين للصيد قاتلٌ نفساً على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعةِ بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص، وقد قلنا بوجوبه إجماعاً منَّا ومنهم؛ فثبت ما قلناه(٣). الثالثة والعشرون: قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعةٌ صيداً في الحرم وهم(٤) مُحِلُّون، عليهم جزاءٌ واحد، بخلاف ما لو قتله المحرِمون في الحِلِّ والحرم؛ فإنَّ ذلك لا يختلف. وقال مالك(٥): على كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كامل، بناءً على أنَّ الرجل يكون مُحرِماً بدخوله الحرم، كما يكون محرماً بتلبيته بالإِحرام، وكلُّ واحدٍ من الفعلين قد أكسبه صفةً تعلَّقَ بها نهيٌّ، فهو هاتِكٌ لها في الحالتين. وحجَّة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيدِ الدَّبُوسيُّ(٦) قال: السِّرُّ فيه أنَّ الجناية في الإحرام على العبادة، وقد ارتكب كلُّ واحدٍ منهم محظورَ إحرامه، وإذا قتل المحِلُّون [صيداً] في الحرم، فإنما أتلفوا دابَّةً محرَّمة(٧)، بمنزلة ما لو أتلف جماعةٌ دابة؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة. (١) سنن الدار قطني (٢٥٦٣). وتخارج القوم: أخرج كل واحد منهم نفقة على قدر نفقة صاحبه. المعجم الوسيط (خرج). (٢) المعونة ٥٣٩/١ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٢ . (٤) في (م): وكلهم. (٥) في الموطأ ٤٢٠/١ . (٦) عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد البخاري القاضي، شيخ الحنفية، وأول من وضع علم الخلاف وأبرزه، من كتبه: الأسرار، وتقويم الأدلة، توفي سنة (٤٣٠ هـ). السير ١٧/ ٥٢١ . (٧) في أحكام القرآن ٦٧٣/٢ (والكلام منه): محترمة. ٢٠٣ سورة المائدة: الآية ٩٥ قال ابن العربي(١): وأبو حنيفة أقوى منَّا، وهذا الدليلُ يستهين به علماؤنا، وهو عسير الانفصالِ علينا. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿هَدِّيَّاً بَلَغَ الْكُمْبَةِ﴾ المعنى: إذا(٢) حكما بالهدي(٣)، فإنه يُفْعل به ما يُفعلُ بالهدي من الإشعار والتقليد، ويُرسَل من الحِلِّ إلى مكة، ويُنحر ويُتصدَّق به فيها؛ لقوله: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾. ولم يُرِد الكعبةَ بعينها، فإنَّ الهذيَ لا يبلُغها؛ إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرمَ، ولا خلافَ في هذا. وقال الشافعي: لا يحتاج الهديُ إلى الحِلِّ؛ بناءً على أنَّ الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد، فإنه يبتاعه في الحرم ويُهديه فيه (٤). الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَلِكِينَ﴾ الكفارةُ إنما هي عن الصيد لا عن الهَدي(٥). قال ابن وهب: قال مالك: أحسنُ ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيُحكم عليه فيه، أنه يقوَّم الصيدُ الذي أصاب، فيُنظر كم ثمنُه من الطعام، فيُطعِم لكلِّ مسكينٍ مُدًّا، أو يصوم مكانَ كلِّ مُدِّ يوماً. وقال ابن القاسم عنه: إن قوَّم الصيدَ دراهم، ثم قوَّمها طعاماً، أجزأه. والصوابُ الأوّل. وقال عبد الله بنُ عبد الحكم مثلَه؛ قال عنه: وهو في هذه الثلاثة بالخيار؛ أيَّ ذلك فَعَل أجزأه، موسِراً كان أو معسِراً. وبه قال عطاءٌ وجمهور الفقهاء؛ لأن ((أو)) للتخيير(٦)؛ قال مالك: كلُّ (١) في أحكام القرآن ٦٧٣/٢ ، والكلام من بداية المسألة منه، وما سلف بين حاصرتين منه، وكلام الدبوسي بنحوه في كتاب المناسك من كتابه الأسرار ص٢٦٥ . (٢) في (م): المعنى أنهما إذا. (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٦٧٠ (والكلام منه): بالمثل، بدل: بالهدي. (٤) في (م): فإنه يبتاع من الحرم ويهدي فيه، وفي باقي النسخ: فإنه يبتاع من الحرم ويهديه فيه، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٠ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٨/٢، وقول عطاء أخرجه الطبري ٨/ ٧٠٠-٧٠١ ، وأخرجه أيضاً عن ابن عباس وإبراهيم وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك. ٢٠٤ سورة المائدة: الآية ٩٥ شيءٍ في كتاب الله في الكفَّارات: كذا أو كذا، فصاحبه مخيَّرٌ في ذلك، أيَّ ذلك أحبَّ أن يَفعلَ فعل(١). ورُوي عن ابن عباسٍ أنه قال: إذا قتل المحرم ظَبياً أو نحوَه، فعليه شاةٌ تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعامُ ستةٍ مساكين، فإن لم يجد فعليه صيامُ ثلاثةٍ أيام. وإن قتل إيَّلاً (٢) أو نحوَه فعليه بقرة، فإن لم يجد أَطعمَ عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً. وإن قتل نعامةً أو حماراً فعليه بَدَنة، فإن لم يجد فإطعامُ ثلاثين مسكيناً (٣)، فإن لم يجد فصيامُ ثلاثين يوماً. والطعامُ مُدٌّ مُدٌّ لشبعهم(٤). وقاله إبراهيم النَّخَعِيُّ وحماد بن سلمة (٥)؛ قالوا: والمعنى: ((أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ)) إن لم يجد الهذي. وحكى الطبريُ(٦) عن ابن عباسٍ أنه قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ حُكم عليه بجزائه، فإن وَجدَ جزاءه ذبحه وتصدَّق به، وإن لم يكن عنده جزاؤه قُوِّم جزاؤه بدراهم، ثم قوِّمت الدراهمُ حِنطة، ثم صام مكانَ كلِّ نصفٍ صاع يوماً؛ وقال: إنما أُريدَ بالطعام تبيينُ أمرِ الصيام، فمن يجد طعاماً(٧)، فإنه يجد جزاءه. وأسنده أيضاً عن السُّدِّيّ(٨). ويُعترض هذا القولُ بظاهر الآية، فإنه يُنافِرِه(٩). (١) الموطأ ٤١٩/١ . (٢) الأيل كقِنَّب وخُلَّب وسَيِّد: الوَعِل. القاموس (أول). (٣) في النسخ الخطية: وإن قتل نعامة أو حماراً فعليه بدله من الطعام ثلاثين مسكيناً، والمثبت من (م) والمصادر. (٤) في (ظ): ليشبعهم. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١، وخبر ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨١٤)، وبنحوه الطبري ٨/ ٦٨٥، وأخرجه عن حماد وإبراهيم الطبريّ ٦٩٨/٨ - ٦٩٩ . (٦) في تفسيره ٨/ ٦٨٢ - ٦٨٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٩/٢، وأخرجه أيضاً سعید بن منصور (٨٣٢ - تفسير). (٧) في النسخ: فمن لم يجد طعاماً، والمثبت من المصادر. (٨) تفسير الطبري ٦٩٩/٨ . (٩) المحرر الوجيز ٢٣٩/٢ . ٢٠٥ سورة المائدة: الآية ٩٥ السادسة والعشرون: اختلف العلماء في الوقت الذي يُعتبر فيه [قيمة] المُتلَف؛ فقال قوم: يومَ الإتلاف. وقال آخرون: يوم القضاء. وقال آخرون: يلزم المتلِفَ أكثرُ القيمتين، من يوم الإتلاف إلى يوم الحُكم. قال ابن العربي(١): واختلف علماؤنا كاختلافهم، والصحيحُ أنه تلزمه القيمةُ يومَ الإتلاف؛ والدليل على ذلك أنَّ الوجود (٢) كان حقًّا للمتلَف عليه، فإذا أعدمه المتلِفُ لَزِمه إيجادُه بمثله، وذلك في وقت العُدْمِ. السابعة والعشرون: أما الهَدْيُ فلا خلافَ أنه لابُدَّ له من مكة؛ لقوله تعالى: ﴿مَدْيَا بَلَغَ اُلْكُمْبَةِ﴾. وأما الإطعامُ فاختلف فيه قولُ مالك؛ هل يكون بمكةً أو بموضع الإصابة(٣)؟ وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي(٤). وقال عطاء: ما كان من دم أو طعام فبمكة، ويصوم حيث يشاء، وهو قولُ مالكٍ في الصوم، ولا خلاف فيه(٥). قال القاضي أبو محمدٍ عبدُ الوهّاب(٦): ولا يجوز إخراجُ شيءٍ من جزاء الصيد بغير الحرم إلَّ الصِّيام. وقال حمَّادٌ وأبو حنيفة: يُكفِّر بموضع الإصابةِ مطلقاً. وقال الطَّبَريّ(٧): يُكفِّر حيث شاء مطلقاً. فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر ولا أثرَ فيه، وأمَّا مَن قال: يصوم حيث (١) في أحكام القرآن ٦٧٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في أحكام القرآن: الوجوب. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٤ . (٤) الأم ٢/ ١٥٧ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٤، وقول عطاء أخرجه الطبري ٧٠٦/٨ . (٦) قوله في عقد الجواهر الثمينة ٤٣٥/١ . (٧) في تفسيره ٨/ ٧٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٦٧٤، وكذلك قول أبي حنيفة وحماد، وهو ابنُ أبي سليمان. ٢٠٦ سورة المائدة: الآية ٩٥ شاء؛ فلأنَّ الصوم عبادةٌ تختصُّ بالصائم، فتكون في كلِّ موضع كصيام سائرِ الكفارات وغيرها. وأما وجهُ القولِ بأن الطعامَ يكون بمكة؛ فلأنه بدلٌ عن الهَدْي أو نظيرٌ له، والهَذْيُ حقٌّ لمساكينٍ مكة، فلذلك(١) يكون بمكةَ بدلُه أو نظيرُه(٢). وأما مَن قال: إنه يكون بكلِّ موضع؛ فاعتبارٌ بكلِّ طعامٍ وفدية، فإنها تجوز بكلِّ موضع. والله أعلم. الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ العَذْل والعِدْل - بفتح العين وكسرِها - لغتان، وهما: المِثل؛ قاله الكِسائيّ. وقال الفرَّاء: عِدْلُ الشيء بكسر العين: مِثْلُه من جنسه، وبفتح العين: مثلُه من غير جنسه، ويؤثَرُ هذا القولُ عن الکسائيّ، تقول: عندي عِدْلُ دراهمِك من الدراهم، وعندي عَدْلُ دراهمك من الثياب، والصحيحُ عن الكسائيِّ أنهما لغتان، وهو قولُ البصريين(٣). [وأراد: أو يصوم صوماً مماثلاً للطعام] ولا يصحُّ أن يُماثِلَ الصيامُ الطعامَ في وجهٍ أقربَ من العدد (٤). قال مالك: يصوم عن كل مُدِّ يوماً وإن زاد على شهرين أو ثلاثة، وبه قال الشافعيّ(٥). وقال يحيى بنُ عمرَ من أصحابنا: إنما يقال: كم من رجلٍ يشبع من هذا الصيد، فيُعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يُشبع هذا العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعامَ، وإن شاء صام عددَ أمداده. وهذا قولٌ حسن احتاط فيه؛ لأنه قد تكون قيمةُ الصید من الطعام قليلة، فبهذا النظرِ (٦) يكثُر الإطعام. ومن أهل العلم مَن يرى أن لا يُتجاوزَ(٧) (١) في (ظ) : فكذلك. (٢) في النسخ الخطية: ونظيره، والمثبت من (م)، وأحكام القرآن. (٣) معاني القرآن للنحاس ٣٦٢/٢، والمحرر الوجيز ٢٤٠/٢، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٢٠/١. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٤، وما بين حاصرتين منه. (٥) المدونة ٤٣٤/١، والأم ١٥٨/٢. (٦) في (ظ): النظير. (٧) في (د) و (ز) و(م): من لا يرى أن يتجاوز، وفي (خ) و (ظ): من لا يرى أن لا يتجاوز، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٣٨/٢ -٢٣٩، والكلام منه. .: ٢٠٧ سورة المائدة: الآية ٩٥ في صيام الجزاءِ شهران(١)؛ قالوا: لأنها أعلى الكفَّارات. واختاره ابنُ العربيِّ. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصوم عن كلِّ مُدَّين يوماً؛ اعتباراً بفدية الأذى(٢). التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿لِذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾ الذوقُ هنا مستعار، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. وقال: ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ اٌلْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. وحقيقةُ الذوق إنما هي في حاسَّة اللسان، وهي في هذا كلِّه مستعارة(٣). ومنه الحديث: ((ذاق طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بالله ربًّا)) الحديث(٤). والوبالُ: سوءُ العاقبة. والمرعى الوبيل: هو الذي يُتأذَّى به بعد أكله(٥). وطعامٌ وَبِيل: إذا كان ثقيلاً، ومنه قولُه: عقِيلةُ شيخٍ كالوَبِيلِ يَلَنْدَهِ (٦) وعبَّر بأمره عن جميع حاله(٧). الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿عَنَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفْ﴾ يعني: في جاهليتكم مِن قتلكم الصيدَ. قاله عطاء بنُ أبي رَبَاحِ وجماعةٌ معه(٨). وقيل: قبل نزولِ الكفَّارة. ﴿وَمَنْ (١) في (م): شهرين. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٥ . (٣) المحرر الوجيز ٢٤٠/٢. (٤) أخرجه أحمد (١٧٧٨)، ومسلم (٣٤) عن العباس ، ولفظه بتمامه: ((ذاق طعم الإيمان من رضيّ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً». (٥) المحرر الوجيز ٢٤٠/٢ . (٦) في (د) و(ز) و (ظ): يتلذذ، وهو تصحيف، والكلام في معاني القرآن للنحاس ٣٦٣/٢، وهذا عجز بيت لطّرَفَة، وهو في ديوانه ص٣٨، وصدره: فمرَّتْ كَهَاةٌ ذاتُ خَيْفٍ جُلَالةٌ. والكَهَاة: الناقة المُسِنَّة، والخيف: جلد الضرع، والجلالة: الضخمة، والعقيلة: خير ماله، والوبيل: العصا، وكلُّ ثقيل وبيلٌ، واليلندد: الشديد الخصومة. شرح القصائد السبع لأبي بكر بن القاسم الأنباري ص٢١٩ ، وشرح القصائد التسع لأبي جعفر النحاس ٢٨٧/١ . (٧) قوله: وعبر بأمره عن جميع حاله، ليس في (د). (٨) أخرجه عن عطاء عبد الرزاق (٨١٧٥)، وأخرجه الطبري ٨/ ٧١٣ - ٧١٦ عنه وعن سعيد بن جبير. ٢٠٨ سورة المائدة: الآيتان ٩٥ - ٩٦ عَادَ﴾ يعني للمنهيّ(١) ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: بالكفَّارة. وقيل: المعنى ((فينتقِم الله مِنه)) يعني في الآخرة إن كان مستحِلًّا، ويُكفِّرُ في ظاهر الحكم. وقال شُرَيْح وسعيد بنُ جُبَير: يُحكم عليه في أوَّلِ مرَّة، فإذا عاد لم يُحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقمُ الله منك. أي: ذنبُك أعظمُ من أن يُكفّر، كما أنَّ اليمين الفاجرة لا كفَّارةَ لها عند أكثرِ أهل العلم لعِظَم إثمِها(٢). والمتورِّعون يتَّقون النِّقمةَ بالتكفير. وقد رُوي عن ابنِ عباس: يُملأ ظهره سَوْطاً حتى يموت(٣). وروي عن زيدٍ أبي المُعَلَّى(٤): أنَّ رجلاً أصاب صيداً وهو مُحرِمٍ، فتُجُوِّز عنه، ثم عاد، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ ناراً من السماء فأحرقته؛ وهذه عِبرةٌ للأمّة، وكفّ للمعتدين عن المعصية. قوله سبحانه: ﴿وَللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ﴾ ((عَزِيزٌ)) أي: منيعٌ في ملكه، ولا يمتنعُ عليه ما يريده. ((ذُو انْتِقَامِ)) ممَّن عصاه إن شاء قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِسَيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمً وَأَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩٦ فيه ثلاث عشرة مسألة: (١) في (خ) و (ظ): للنهي. (٢) معاني القرآن للنحاس ٣٦٣/٢، وسلف الأثر عن شريح وغيره ص١٩٢ من هذا الجزء. (٣) كذا قال، وأورده البغوي ٢/ ٦٥. بلفظ: يُملأ ظهره وصدره ضرباً وجيعاً. ولم نقف على من قال: حتى يموت، وفيه نظر. (٤) في (خ) و (م): زيد بن أبي المعلى، وفي (د): زيد بن المعلى، والمثبت من (ز) و (ظ) وهو الموافق لما في المصادر. قال البخاري في التاريخ الكبير ٤٠٥/٣: زيد بن مرة، هو زيد بن أبي ليلى، أبو المعلى، مولى بني العدوية، البصري، سمع الحسن ورأى أنساً. والأثر أخرجه الطبري ٧١٩/٨ ، وعزاه ابن كثير في تفسير هذه الآية لابن أبي حاتم عن زيد بن أبي المعلى عن الحسن البصري. وهو في تفسير ابن أبي حاتم (٦٨٢٣) وينظر البحر المحيط ٢٢/٤ . ٢٠٩ سورة المائدة: الآية ٩٦ الأولى: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرٍ﴾ هذا حكمٌ بتحليل صيد البحر، وهو كلُّ ما صِيد من حِيتانه. والصيدُ هنا يراد به المَصِيدَ، وأُضيف إلى البحر لمَّا كان منه بسبب(١). وقد مضى القول في البحر في ((البقرة))(٢) والحمد لله. و﴿مَتَمَا﴾ نصب على المصدر، أي: مُتِّعتُم به متاعاً(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ﴾ الطعام لفظً مشترك يُطلق(٤) على كل ما يُتطعَّم(٥)، ويُطلق(٦) على مطعوم خاصٌّ كالماء وحدَه، والبُرِّ وحده، والتمر وحده، واللَّبن وحده، وقد يُطلَق على النوم كما تقدم(٧). وهو هنا عبارةٌ عمّا قذف به البحر وطَفًا عليه؛ أسند الدَّارَقُظْنيّ(٨) عن ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أُعِلَّ لَكُمْ صَيّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِسَيَّارَةِ﴾ الآيَةَ: صيدُه ما صِيد، وطعامُه ما لَفَظ. ورَوى عن أبي هريرة مثلَه(٩)، وهو قول جماعة كثيرةٍ من الصحابة والتابعين، وروي عن ابن عباس: طعامُه مِيْتَتُه (١٠). وهو في ذلك المعنى. ورُوي عنه أنه قال: طعامه ما مَلُحَ منه وبقي. وقال معه جماعة(١١). (١) المحرر الوجيز ٢٤١/٢ . (٢) ٢ / ٩٠ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٢ . (٤) في (خ) و (د) و (ز): ينطلق. (٥) في (م): يطعم. (٦) في (خ) و (ظ): وينطلق. (٧) ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، وذلك كقولهم: فلان ما يطعم النوم إلا قائماً. (٨) في سننه (٤٧٢٨)، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور (٨٣٥ - تفسير)، والطبري ٧٢٣/٨ - ٧٢٧ . (٩) سنن الدارقطني (٤٧٢٧). (١٠) ينظر تخريج آثارهم في تفسير الطبري ٨/ ٧٢٢ - ٧٣٠ ، وعلق البخاري بعضها في صحيحه قبل الحدیث (٥٤٩٣). (١١) المحرر الوجيز ٢٤١/٢، وأخرجه عن ابن عباس وغيره من الأئمة الطبري ٧٣١/٨ - ٧٣٣. ٢١٠ سورة المائدة: الآية ٩٦ وقال قوم: طعامه: مِلحُه الذي ينعقد من مائه، وسائرُ ما فيه من نبات وغيره(١). الثالثة: قال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيءٌ من حيوان البحر إلا السمكُ، وهو قول الثوريِّ في رواية أبي إسحاق الفَزاريِّ عنه. وكره الحسن [بن حيٍّ] أكل الطافي من السمك(٢). ورُوي عن عليّ بنِ أبي طالب ﴾ أنه كرهه، ورُوي عنه أيضاً أنه كره أكلَ الجِرِّيّ [من وجه لا يثبت](٣). ورُوي عنه أكلُ ذلك كلِّه، وهو أصح؛ ذكره عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن جعفر ابن محمد [عن أبيه] عن عليٍّ قال: الجراد والحِيتان ذَكِيٌّ [كلُّه]. فعليٌّ مختلف عنه في أكل الطافي من السمك (٤). ولم يُختلف عن جابر أنه كرهه، وهو قول طاوسٍ ومحمد بنٍ سيرين وجابر بن زيد(٥)، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾. وبما رواه أبو داود والدَّارَ قُظْنيّ (٦)، عن جابر بن عبد الله، عن النبيِّ ﴾ قال: ((كُلُوا مَا حَسَر عنه (٧) البحر وما ألقاه، وما وجدتُموه ميتاً أو طافياً فوق الماء، فلا تأكلوه)). قال الدَّارَ قُطْنيُّ: تفرَّد به عبد العزيز بنُ عُبيد الله، عن وَهْب بنِ كَيْسان، عن جابر، وعبدُ العزيز ضعيف لا (١) المحرر الوجيز ٢٤١/٢ . (٢) التمهيد ٢٢٣/١٦، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) التمهيد ٢٢٥/١٦، وما بين حاصرتين منه، وأخرج الخبر الأول عن علي ﴾ الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢٠٠/١٠ . والجرِّي: ضرب من السمك. اللسان (جرا)، وينظر الفتح ٩/ ٦١٥. (٤) التمهيد ٢٢٥/١٦، وما سلف بين حاصرتين منه ومن مصادر التخريج، وخبر علي ﴾ عند عبد الرزاق (٨٦٦٣)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٣٧٩/٥، والبيهقي ٩/ ٢٥٤ . (٥) التمهيد ٢٢٥/١٦، وأخرج الآثار المذكورة عدا أثر ابن سيرين عبد الرزاق (٨٦٦٠) و(٨٦٦١) و(٨٦٦٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨، وأخرجه الطبري ٧٣٣/٨ عن جابر بن زيد. وسيأتي الكلام عن أثر جابر بن عبد الله (٦) سنن أبي داود (٣٨١٥)، وسنن الدارقطني (٤٧١٢) واللفظ له. (٧) في النسخ: عن، والمثبت من (م) وسنن الدار قطني. ٢١١ سورة المائدة: الآية ٩٦ يُحتجُّ به. وروى سفيان الثوريُّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن النبيِّ # نحوَه(١). قال الدَّارَ قُظْنيّ: لم يُسنده عن الثوريِّ غيرُ أبي أحمد الزُّبيريِّ، وخالفه وكيع والعَدَنِيَّان(٢) وعبد الرزاق ومُؤَمَّلٌ وأبو عاصم (٣) وغيرهم، روَوْه عن الثوريِّ موقوفاً، وهو الصواب. وكذلك رواه أيوب السَّخْتِيانيُّ وعُبيد الله بنُ عمر وابنُ جُرَيْج وزُهيرٌ وحمَّاد ابنُ سَلَمة وغيرُهم عن أبي الزبير موقوفاً. قال أبو داود: وقد أُسند هذا الحديث مِن وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبيّ ﴾(٤). قال الدَّارَ قُظْنيّ (٥): ورُوي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعاً، ولا يصحُّ رَفْعُه، رَفَعَه يحيى بنُ سُليم عن إسماعيل بن أمية(٦)، ووَقَفَه غيره(٧) . وقال مالك والشافعيُّ وابن أبي ليلى والأوزاعيُّ، والثوري في رواية الأشجعيِّ: يؤكل ما في البحر (٨) من السمك والدَّوابٌ، وسائرُ ما في البحر من الحيوان، وسواءٌ (١) أخرجه الدار قطني (٤٧١٤)، والبيهقي ٩/ ٢٥٥ . (٢) في (ظ): والعرنيان، وسقط من (د) و (ز)، والمثبت من (خ) و (م) وسنن الدارقطني. والعَدَنيان هما عبد الله بن الوليد ويزيد بن أبي حكيم. ينظر تهذيب الكمال ١٦٣/١١ - ١٦٤ . (٣) مؤمل هو ابن إسماعيل، وأبو عاصم هو الضحاك بن مَخْلَد. (٤) سنن أبي داود، إثر الحديث (٣٨١٥)، وأخرجه بهذا الإسناد الترمذي في العلل ٦٣٦/٢ وقال: سألت محمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: ليس هذا بمحفوظ ... (٥) في سننه، إثر الحدیث (٤٧١٤). (٦) عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي #، وهو عند أبي داود (٣٨١٥) وقد سلف. (٧) كما في سنن الدارقطني (٤٧١٦) و(٤٧١٧) و(٤٧١٨). وقال: وهو الصحيح، وقال أبو زرعة كما في علل ابن أبي حاتم ٤٩/٢: الصحيح هو موقوف. (٨) في (خ) و(م): يؤكل كل ما في البحر، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٢٣/١٦، والكلام منه، و کذلك ما سیرد بین حاصرتین. ٢١٢ سورة المائدة: الآية ٩٦ اصطِيد أو وُجِد ميتاً [طافياً وغيرَ طافٍ، وليس شيءٌ من ذلك يحتاج إلى ذكاة]. واحتج مالك ومَن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: ((هو الطّهور ماؤه الحِلُّ ميتته))(١). وأصحُّ ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديثُ جابر في الحُوت الذي يقال له: ((العَنْبَر))، وهو من أثبت الأحاديث؛ خَرَّجه الصحيحان(٢). وفيه: فلما قدِمنا المدينة أتينا رسول الله ﴿ فذكرنا ذلك له، فقال: ((هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم مِن لحمه شيءٌ فتُطعمونا)) فأرسلنا إلى رسول الله ﴿ منه فأكله. لفظ مسلم. وأسند الدَّارَقُطْنيّ عن ابن عباس أنه قال: أَشهد على أبي بكر أنه قال: السمكةُ الطافيةُ حلالٌ لمن أراد أَكْلَها(٣). وأسند عنه أيضاً أنه قال: أَشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافيَ على الماء(٤). وأَسند عن أبي أيوب: أنه ركب البحر في رَهْط من أصحابه، فوجدوا سمكةً طافيةً على الماء، فسألوه عنها، فقال: أطيِّبةٌ هي لم تَغيَّر(٥)؟ قالوا: نعم، قال: فكلُوها وارفعوا نصيبي منها، وكان صائماً (٦). وأَسند عن جَبَلةَ بنِ عطيَّةَ(٧): أنَّ أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية، (١) أخرجه مالك في الموطأ ٢٢/١، وأحمد (٧٢٣٣)، وأبو داود (٨٣)، وابن ماجه (٣٨٦)، والترمذي (٦٩)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٠ و١٧٦ من حديث أبي هريرة ﴾. قال الترمذي: حديث حسن صحیح وأخرجه أحمد (١٥٠١٢)، وابن ماجه (٣٨٨) من حديث جابر ﴾. (٢) صحيح البخاري (٤٣٦١)، وصحيح مسلم (١٩٣٥)، وهو عند أحمد (١٤٣٣٦). (٣) سنن الدار قطني (٤٧٢١)، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٤٦٥٤)، وذكره البخاري معلقاً كما في الفتح ٩/ ٦١٤ بلفظ: الطافي حلال. (٤) سنن الدار قطني (٤٧٢٤). (٥) في (م): تتغير. (٦) سنن الدارقطني (٤٧٢٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٨٠/٥ مختصراً. (٧) الفلسطيني، من رجال التهذيب ١/ ٢٩١، والخبر في سنن الدارقطني (٤٧٣٠). ٢١٣ سورة المائدة: الآية ٩٦ فسألوا عنها أبا طلحة، فقال: اهدوها لي(١). وقال عمر بن الخطاب: الحُوت ذكِيٍّ، والجراد ذكِيٌّ كلُّه. رواه عنه الدَّارَقُطْنيُّ(٢). فهذه الآثار تردُّ قولَ مَن كره ذلك، وتُخصِّص عموم الآية، وهو حجةٌ للجمهور، إلا أنَّ مالكاً كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرِّمه، وقال: أنتم تقولون خنزيراً !. وقال الشافعيُّ: لا بأس بخنزير الماء. وقال الليث: ليس بميتة البحر بأسٌ، قال: وكذلك كلبُ الماء وفرسُ الماء(٣). قال: ولا يؤكل إنسانُ الماء، ولا خنزيرُ الماء. الرابعة: اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البرِّ والبحر؛ هل يَحِلُّ صيده للمُخرِمِ أم لا؟ فقال مالك وأبو مِجلَز وعطاء وسعيد بنُ جُبَير وغيرُهم: كلُّ ما يعيش في البرِّ وله فيه حياة فهو [من] صيد البَرّ، إنْ قتله المُحْرِمِ وَدَاه، وزاد أبو مِجْلَز في ذلك: الضفادعَ والسلاحفَ والسَّرَطان (٤). الضّفادِعُ وأجناسُها حرامٌ عند أبي حنيفةً(٥). ولا خلافَ عن الشافعيِّ في أنه لا يجوز أكل الضُّفدِعِ، واختلَف قوله فيما له شَبَةٌ في البَرّ مما لا يؤكل، كالخنزير والكلب وغيرِ ذلك. والصحيح أكلُ ذلك كلِّه؛ لأنه نصَّ على الخنزير في جواز أكله، وهو له شَبَه في البر مما لا يؤكل. ولا يؤكل عنده التمساح ولا القِرْشُ والدُّلفين، وكلُّ ما له ناب؛ لنهيه عليه الصلاة والسلام عن أكل كلِّ ذي ناب(٦). (١) في (م): اهدوها إلي. (٢) في سننه (٤٧٢٦)، وهو عند ابن أبي شيبة ٣٧٩/٥ . (٣) في النسخ الخطية والتمهيد ٢٢٤/١٦ (والكلام منه): وترس الماء؟ والمثبت من (م) وأحكام القرآن للجصاص ٤٧٩/٢ وفیه خبر الليث. (٤) المحرر الوجيز ٢٤٢/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وخبر أبي مجلز وعطاء أخرجه الطبري ٧٤٨/٨ - ٧٤٩، وأخرجه عن أبي مجلز أيضاً ابن أبي شيبة ١٢٤/٤، وابن أبي حاتم (٦٨٤٩)، والزيادة الأخيرة هي في خبر عطاء، ولم نقف عليها عن أبي مجلز. (٥) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٧٩/٢، وبدائع الصنائع ٦/ ١٧٧ . (٦) من قوله: الضفادع وأجناسها، إلى هذا الموضع، ليس في (خ) و(ظ). والحديث أخرجه أحمد (١٧٧٣٨)، والبخاري (٥٧٨٠)، ومسلم (١٩٣٢) من حديث أبي ثعلبة الخشي ﴾، وأخرجه أحمد = ٢١٤ سورة المائدة: الآية ٩٦ قال ابن عطية(١): ومن هذه أنواعٌ لا زوالَ لها من الماء، فهي لا مَحالةَ من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضّفادع في ((المدوَّنة))(٢)؛ فإنه قال: الضفادع من صيد البحر. ورُوي عن عطاء بن أبي رَبَاح خلافُ ما ذكرناه، وهو أنه يُراعَى أكثرُ عيش الحيوان؛ سئل عن ابن الماء: أصيدُ بَرِّ هو أم صيدُ بحر؟ فقال: حيث يكون أكثرَ فهو منه، وحيث يفرِّخُ فهو منه(٣). وهو قول أبي حنيفة. والصواب في ابن الماء أنه صیدُ بَرِّ [طائر] يَرعى ويأكل الحب. قال ابن العربي(٤): الصحيح في الحيوان الذي يكون في البرّ والبحر منعُه؛ لأنه تعارَضَ فیه دلیلان، دليلُ تحليلٍ ودليلُ تحريم، فيُغلَّبُ(٥) دليل التحریم احتياطاً. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَ لِلِسَيَّارَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما للمقيم والمسافر، كما جاء في حديث أبي عُبيدةً أنهم أكلوه وهم مسافرون، وأكل النبيُّ ﴾ وهو مقيم(٦)، فبيَّن الله تعالى أنه حلال لمن أقام، کما أحلَّه لمن سافر. الثاني: أن السيّارة هم الذين يَركبونه، كما جاء في حديث مالك والنَّسائيِّ(٧): أنَّ رجلاً سأل النبيَّ# فقال: إنا نركب البحر ونحملُ معنا القليلَ من الماء، فإنْ توضأنا به عطِشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبيُّ #: «هو الطّهورُ ماؤُه الحِلُّ ميته)». قال ابن العربي(٨): قال علماؤنا: فلو قال له النبيُّ ﴾: ((نعم))، لَمَا جاز الوضوء = (٢١٩٢) ومسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وينظر المجموع ١٢/٩ و٢٩-٣١. (١) في المحرر الوجيز ٢/ ٢٤٣، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) ٤٤٥/١ . (٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٤٢٢)، والطبري ٧٤٩/٨ . (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٨٤ . (٥) في (ظ): فغلب، وفي أحكام القرآن: فغلبنا. (٦) سلف ص٢١٢ من هذا الجزء من حديث جابر في الحديث عن الحوت الذي يقال له العنبر. (٧) الموطأ ٢٢/١، والمجتبى ٥٠/١ و١٧٦، وسلف ص٢١٢ من هذا الجزء. (٨) في أحكام القرآن ٢/ ٦٨٠ ، وما قبله منه. ٢١٥ سورة المائدة: الآية ٩٦ به إلا عند خوف العطش؛ لأن الجواب مرتبط بالسؤال، فكان يكون مُحالاً عليه، ولكنَّ النبيَّ# ابتدأ تأسيسَ القاعدة(١)، وبيانَ الشرع، فقال: ((هو الطّهور ماؤه، الحِلُّ ميتته)). قلت: وكان يكون الجواب مقصوراً عليهم لا يتعدى لغيرهم، لولا ما تقرَّر من حكم الشريعة أنَّ حكمه على الواحد حكمُه على الجميع، إلا ما نصَّ بالتخصيص عليه، كقوله لأبي بُرْدةَ في العَنَاق: ((ضَحِّ بها، ولن تُجزئ عن أحد غَيرِك))(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾ التحريم ليس صفةً للأعيان، وإنما يتعلَّق بالأفعال، فمعنى قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلَبَرِّ﴾ أي: فعلُ الصيد، وهو المنع من الاصطياد(٣). أو يكون الصيد بمعنى المَصِيد، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدَّم (٤)، وهو الأظهر؛ لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمُخرِمِ قَبولُ صیدٍ وُهِب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطيادُه، ولا استِحْداثُ مِلكه بوجهٍ من الوجوه، ولا خلافَ بين علماء المسلمين في ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمً﴾ ولحديث الصَّعْب بنِ جَثَّامة على ما يأتي(٥). السابعة: اختلف العلماء فيما يأكله المُحرِم من الصَّيد، فقال مالك والشافعيُّ وأصحابُهما وأحمدُ، وروي عن إسحاق، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان: إنه لا بأس بأكل المُحرِمِ الصيدَ إذا لم يُصَد له، ولا من أجله(٦)؛ لِمَا رواه الترمذيّ والنَّسائيُ والدَّارَ قُظْنيُّ(٧) عن جابرٍ، أنَّ النبيّ :﴿ قال: ((صيدُ البَرِّ لكم حلالٌ، ما لم (١) في أحكام القرآن، ابتدأ بتأسيس الحكم. (٢) أخرجه أحمد (١٦٤٨٥)، والبخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١). (٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩ و ٦٨٠. (٤) ص١٧٨ من هذا الجزء . (٥) التمهيد ٥٨/٩، والاستذكار ٢٩٩/١١، وسيأتي الحديث قريباً. (٦) ينظر الاستذكار ٢٧٧/١١ و٣٠٤، وخبر عثمان أخرجه مالك في الموطأ ٣٥٤/١، وعبد الرزاق (٨٣٤٥ - ٨٣٤٧)، والطبري ٨/ ٧٤٤ - ٧٤٥ . (٧) سنن الترمذي (٨٤٦) وما سيرد بين حاصرتين منه، والمجتبى ١٨٧/٥، وسنن الدارقطني (٢٧٤٤)، وهو عند أحمد (١٤٨٩٤)، وأبي داود (١٨٥١). ٢١٦ سورة المائدة: الآية ٩٦ تَصِيدوه أو يُصَدْ لكم)) قال أبو عيسى: [قال الشافعي:] هذا أحسنُ حديث في الباب. وقال النّسائيّ: عَمرو بنُ أبي عمرو ليس بالقويّ في الحديث، وإن كان قد رَوَی عنه مالك. فإنْ أكل من صيدٍ صِيد من أجله فَداه، وبه قال الحسن بنُ صالح والأوزاعيُّ. واختلف قول مالك فيما صِيد لمحرم بعينه، والمشهورُ من مذهبه عند أصحابه أنَّ المُحرِمِ لا يأكل مما صِيدَ لمُحرِمٍ معيَّن أو غيرِ معيَّن، ولم يأخذ بقول عثمانَ لأصحابه حين أُتيَ بلحمٍ صيد وهو مُحرِمٍ: كُلُوا فلستم مثلي؛ لأنه صِيد من أجلي(١). وبه قالت طائفة من أهل المدينة، ورُوي عن مالك. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: أكْلُ الصيد للمُحرِمِ جائزٌ على كلِّ حال إذا اصطاده الحلال، سواءٌ صِيد من أجله أو لم يُصَد؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُ﴾ فحرَّم صيده وقتْلَه على المُخْرِمينَ، دون ما صاده غيرُهم. واحتجوا بحديث البَهْزِيِّ - واسمه زيد بنُ كعب - عن النبيِّ # في حمار الوحش العَقِير، أنه أمر أبا بكر فقسَّمه في الرِّفاق؛ من حديث مالك وغيره(٢). وبحديث أبي قتادةً عن النبيِّ # وفيه: ((إنما هي طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُموها الله))(٣). وهو قول عمرَ بنِ الخطاب، وعثمانَ بنِ عفانَ في رواية عنه، وأبي هريرةَ والزُّبيرِ بنِ العوّام ومجاهد وعطاء وسعيد بنِ جُبير (٤). ورُوي عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمُحرِمِ أكلُ صيدٍ على حالٍ من الأحوال، سواءٌ صِيدَ من أجله أو لم يُصَد؛ لعموم قوله تعالى: (١) التمهيد ٥٩/٩ - ٦٠، وسلف خبر عثمان في بداية المسألة. (٢) التمهيد ٦٠/٩ - ٦١، وحديث البهزي في الموطأ ٣٥١/١، والمجتبى ١٨٣/٥. (٣) أخرجه أحمد (٢٢٥٦٧)، والبخاري (٢٩١٤)، ومسلم (١١٩٦): (٥٧). (٤) التمهيد ٩/ ٦٠ - ٦١، والاستذكار ٣٠٣/١١، وينظر تخريج الآثار عن الصحابة المذكورين في الموطأ ٣٥٠/١ - ٣٥٢، ومصنف عبد الرزاق (٨٣٤٠ - ٨٣٤٤) وتفسير الطبري ٧٣٨/٨ - ٧٤٥. ٢١٧ سورة المائدة: الآية ٩٦ ﴿وََُِّ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾؛ قال ابن عباس: هي مبهمة. وبه قال طاوس وجابر بنُ زيد أبو الشَّعْثاء، ورُوي ذلك عن الثَّوريِّ، وبه قال إسحاق(١). واحتجوا بحديث الصَّعْب بنِ جَثَّامة الليثيّ، أنه أَهْدى إلى رسول الله# حماراً وحشياً، وهو بالأَبْوَاء، أو بوَدَّان، فردّه عليه رسول اللـه﴾. قال: فلمّا أنْ رأى رسول الله﴿ ما في وجهي، قال: ((إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حُرُم)). خرَّجه الأئمةُ واللفظ لمالك(٢) قال أبو عمر(٣): رَوَى ابنُ عباس من حديث سعيد بن جُبير ومِقْسَم وعطاء وطاوس عنه، أنَّ الصَّعْب بنَ جَثَّامة أهدى لرسول اللـه ﴿ لحم حمار وحشٍ؛ قال سعيد بنُ جُبَير في حديثه: عَجُز حمار وحشٍ، فردّه يقطر دماً، كأنه صيد في ذلك الوقت(٤). وقال مِقْسَم في حديثه: رِجْل حمار وحشٍ(٥). وقال عطاء في حديثه: أُهديَ له عَضُدُ صيدٍ فلم يقبله، وقال: ((إنَّا حُرُم))(٦). وقال طاوس في حديثه: عضواً(٧) (١) التمهيد ٦٠/٩، والاستذكار ٣٠١/١١ - ٣٠٢، وأخرج الآثار عبد الرزاق (٨٣٢٧ - ٨٣٣٢)، والطبري ٧٣٨/٨ - ٧٤١ و ٧٤٥ . (٢) الموطأ ٣٥٣/١، ومسند أحمد (١٦٤٢٣)، وصحيح البخاري (١٨٢٥)، وصحيح مسلم (١١٩٣) والأبواء: قرية من أعمال الفُرْع من المدينة، بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلاً، وودان: قرية من نواحي الفُرْع بين مكة والمدينة بينها وبين الأبواء فوق ثمانية أميال قريبة من الجحفة. معجم البلدان ٧٩/١ و٣٦٥/٥. (٣) في التمهيد ٥٦/٩ - ٥٧، والاستذكار ٢٩٧/١١ - ٢٩٨. (٤) أخرجه أحمد (٢٥٣٠)، ومسلم (١١٩٤): (٥٤) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، دون قوله: كأنه صيد في ذلك الوقت، ولم نقف على هذه العبارة عند غير ابن عبد البر. (٥) رواية مِقْسم عن ابن عباس عند أحمد (١٨٥٦)، وهو بهذا اللفظ أيضاً رواية أخرى لسعيد بن جُبير عن ابن عباس في حديث مسلم المذكور في التعليق قبله. (٦) أخرجه أبو داود (١٨٥٠)، من طريق عطاء، عن ابن عباس عن زيد بن أرقم، باللفظ الذي ذكره المصنف وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٢٩٤) والنسائي في المجتبى ١٨٤/٥ من طريق عطاء عن ابن عباس، عن زيد بن أرقم، وعندهما: عضو صيد. (٧) في النسخ: عضداً، والمثبت من المصادر. ٢١٨ سورة المائدة: الآية ٩٦ من لحم صيد؛ حدَّث به إسماعيل عن عليّ بنِ المَدِينيِّ، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيْج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس(١). إلا أنَّ منهم مَن یجعله: عن ابن عباس عن زيد بن أرقم(٢). قال إسماعيل: سمعت سليمان بنَ حرب يتأوّل هذا الحديث على أنه صِيدَ من أجل النبيِّ ◌َ﴾، ولولا ذلك كان أكلُه جائزاً؛ قال سليمان: ومما يدل على أنه صِيد من أجله(٣)، قولُهم في الحديث: فردَّه يقطر دماً كأنّه صِيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: إنما تأوَّل سليمانُ هذا الحديثَ؛ لأنه يحتاج إلى تأويل، وأما (٤) روايةُ مالك فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يُمسك صيداً حيًّا ولا يُذكِّيَه. قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان بن حربٍ تكون الأحاديث المرفوعة كلُّها غيرَ مختلفة(٥) إن شاء الله تعالى. الثامنة: إذا أحرم وبيده صيد، أو في بيته عند أهله؛ فقال مالك: إن كان في يده فعليه إرسالُه، وإن كان في أهله فليس عليه إرسالُه. وهو قول أبي حنيفة وأحمد بنِ حنبل. وقال الشافعيُّ في أحد قوليه: سواءٌ كان في يده أو في بيته، ليس عليه أن يرسلَه. وبه قال أبو ثور، وعن(٦) مجاهد وعبد الله بنِ الحارث مثلُه، ورُوي عن مالك. وقال ابن أبي ليلى والثوريُّ والشافعيُّ في القول الآخر: عليه أن يرسلَه، سواءٌ كان في بيته (١) أخرجه أحمد (١٩٢٧١)، ومسلم (١١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد ... عن ابن عباس عن زيد بن أرقم. وإسماعيل المذكور هو ابن إسحاق القاضي. (٢) كما في روايتي طاوس وعطاء المذكورتين آنفاً. (٣) في (م): من أجل النبي ﴾ . (٤) في (د) و (ز) و(م): فأما. (٥) بعدها في (م): فيها .. (٦) في (م): وروي عن مجاهد. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد ٥٩/٩ والكلام منه، وبنحوه في الاستذكار ٢٩٣/١١ - ٢٩٥ . ٢١٩ سورة المائدة: الآية ٩٦ أو في يده، فإن لم يرسله ضَمِن. وجهُ القول بإرساله قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾ وهذا عامّ في [منع] المِلك والتصرُّفِ كلِّه. ووجهُ القول بإمساكه: أنه معنًى يمتنع (١) من ابتداء الإحرام، فلا يمنع من استدامة مِلكه؛ أصلُه النكاح. التاسعة: فإن صاده الحلال في الحِلِّ فأدخله الحرمَ، جاز له التصرُّفُ فيه بكل نوع، من ذبحه، وأكل لحمه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ودليلنا أنه معنّى يُفعل في الصيد، فجاز في الحرم للحلال، كالإمساك والشراء ولا خلافَ فيهما(٢). العاشرة: إذا دلَّ الحرام حلالاً(٣) على صيد، فقتله الحلال، اختُلِف فيه؛ فقال مالك والشافعيُّ وأبو ثور: لا شيءَ عليه. وهو قول ابن الماجِشُون. وقال الكوفيون وأحمدُ وإسحاقُ وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء(٤)؛ لأنَّ المُخْرِم التزم بإحرامه ترك التعرُّض، فيضمنُ بالدَّلالة كالمودَع إذا دلَّ سارقاً على سرقة. الحادية عشرة: واختلفوا في المُحرِمِ إذا دلَّ مُحرِماً آخرَ؛ فذهب الكوفيون وأشهبُ من أصحابنا إلى أنَّ على كلِّ واحد منهما جزاءً. وقال مالك والشافعيُّ وأبو ثور: الجزاء على المُحرِم القاتل(٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَيِّدًا﴾ فعلَّق وجوب الجزاء بالقتل، فدلَّ على انتفائه بغيره؛ ولأنه دالٌّ فلم يلزمه بدلالته غُرْم، كما لو دلَّ الحلالُ في الحرم على صيد في الحرم(٦). (١) في النسخ: أنه معنى لا يمنع، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢، والكلام منه، وكذلك ما سلف بین حاصرتین منه. (٢) في (ظ) و(م): فيها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢ . (٣) في (م): إذا دل المحرم حلًّا، وفي (خ) و (ظ): إذا دل الحرام حلا، والمثبت من (د) و (ز)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن ٦٨٤/٢ . (٤) التمهيد ١٥٥/٢١، والاستذكار ٢٧٨/١١ - ٢٧٩، وإكمال المعلم ٢٠٠/٤، والمفهم ٢٨١/٣. (٥) إكمال المعلم ٢٠٠/٤، والمفهم ٢٨١/٣، والكلام بنحوه في التمهيد ١٥٥/٢١، والاستذكار ٢٧٩/١١ . (٦) المعونة ٥٣٨/١. ٢٢٠ سورة المائدة: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وتعلَّق الكوفيون وأشهبُ بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي قَتَادةَ: ((هل أشرتُم أو أَعنتم))؟. وهذا يدلّ على وجوب الجزاء(١). والأوّل أصح. والله أعلم. الثانية عشرة: إذا كانت شجرةٌ نابتة في الحِلّ، وفرعُها في الحَرَم، فأُصيب ما عليه من الصيد، ففيه الجزاء؛ لأنه أُخِذ في الحرم. وإن كان أصلها في الحرم، وفرُعها في الحِلّ، فاختلف علماؤنا فيما أُخذ عليه على قولين: الجزاء نظراً إلى الأصل، ونفيُّه نظراً إلى الفرع(٢). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ﴾ تشديدٌ وتنبيهٌ عقِبَ هذا التحليل والتحريم، ثم ذكَّر بأمر الحشر والقيامة مبالغةً في التحذير(٣). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَّيْتَ الْحَرَامَ قِيَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اَلْحَرَمَ وَاَلْهَدْىَ وَالْقَلَّ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ اٌلَمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ ٩٧ شَىْءٍ عَلِیهُ فيه خمسُ مسائلَ: الأولى: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَمْبَةَ﴾ ((جعل)) هنا بمعنى خَلَقَ. وقد تقدَّم(٤). وسُمِّيت(٥) الكَعْبة كعبةً؛ لأنها مربّعةٌ(٦) وأكثرُ بيوت العرب مُدوَّرة. وقيل: إنما سُمِّيت كعبة لنُتوئها وبروزها، فكلُّ ناتئٍ بارزٍ كَعْبٌ، مستديراً كان أو غيرَ مستدير. ومنه (١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٤/٢، والحديث أخرجه أحمد (٢٢٥٧٤)، ومسلم (١١٩٦): (٦١). وسلف قطعة منه في المسألة السابعة. (٢) عقد الجواهر الثمينة ٤٤٠/١ . (٣) المحرر الوجيز ٢٤٣/٢ . (٤) ٣٤٣/١ . (٥) في (م): وقد سميت. (٦) وهو قول مجاهد وعكرمة، وأخرجه عنهما الطبري ٩/ ٥ - ٦ .