النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢ فيها، إذ الغالبُ من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف(١) في بيوتهم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إنهم كانوا يتقذَّرون من اتخاذ الكُنُف في البيوت؛ ونقلُها إلى خارج المدينة فيه كلفةٌ ومشقّة، ويلزم منه تأخيرُ ما وَجَب على الفور. وأيضاً فإنه يمكن التحرُّز منها؛ فإنَّ طرقَ المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعمُّ الطريقَ كلَّها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها. هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طُرق المدينة، ليشيع العملُ على مقتضَى تحريمها من إتلافها، وأنه لا يُنتفع بها، ويتتابع الناسُ ويتوافقوا(٢) على ذلك. والله أعلم. فإن قيل: التَّنجِيس حكم شرعيَّ؛ ولا نصَّ فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرَّماً أن يكون نجساً؛ فكم من محرَّم في الشرع ليس بنجس. قلنا: قوله تعالى: ﴿يَجٌْ﴾ يدلُّ على نجاستها، فإنَّ الرِّجس في اللسان: النجاسة، ثم لو التزمنا ألَّ نحكم بحكم إلَّا حتى نجدَ فيه نصّاً؛ لتعطّلت الشريعة؛ فإنَّ النصوص فيها قليلة، فأيُّ نصِّ يوجد على تنجيس البول والعَذِرة والدَّم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة. وسيأتي في سورة الحج [الآية: ٣٠] ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله: ((فَاجْتَنِبُوهُ)) يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتفع معه بشيء بوجه من الوجوه؛ لا بشرب، ولا بيع، ولا تخلِيل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هذا تدلُّ الأحاديث الواردة في الباب. رَوى مسلم عن ابن عباس: أنَّ رجلاً أهدَى لرسول الله ﴿ رَاوِيةً خمر، فقال له رسول الله#: ((هَلْ عَلِمتَ أَنَّ اللـه حَرَّمَهَا؟)) قال: لا. قال: فسَارَّ إنساناً (٣)، فقال له (١) جمع كنيف، وهو الخلاء. لسان العرب (كنف). (٢) في (م): وتتابع ... وتوافقوا. (٣) في (م): رجلاً. ١٦٢ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢ رسول الله ﴾: ((بِمَ سَارَرْتَه؟)) قال: أمرتُه ببيعها، فقال: ((إنَّ الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها)). قال: ففتح المزادةَ حتى ذهب ما فيها(١). فهذا حديث يدلُّ على ما ذكرناه؛ إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبيّنه رسولُ اللـه ﴾، كما قال في الشّاة الميتة: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهابَها فَدَبَغْتُمُوه فَانْتَفَعْتُم بِهِ» الحديث(٢). الثامنة: أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدَّم، وفي ذلك دليلٌ على تحريم بيعِ العَذِرات وسائر النجاسات وما لا يحلُّ أكلُه؛ ولذلك - والله أعلم - گرِه مالكٌ بيعَ زِبل الدوابِّ، ورخَّص فيه ابنُ القاسم لِمَا فيه من المنفعة؛ والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك(٣). التاسعة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ الخمرَ لا يجوز تخليلُها لأحد، ولو جاز تخليلُها ما كان رسول اللـه * ليدعَ الرجلَ أن يفتح المزادتين (٤) حتى يذهب ما فيهما (٥)؛ لأنَّ الخلَّ مالٌ، وقد نَهى عن إضاعة المال(٦)، ولا يقول أحدٌ فيمَن أراق خمراً على مسلم: إنه أتلف له مالاً. وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم (٧). واستُؤذن في تخليلها، فقال: ((لا))، ونَهَى عن ذلك(٨). ذهب إلى هذا طائفةٌ من (١) صحيح مسلم (١٥٧٩). وهو في مسند أحمد (٢٠٤١). والراوية: هي المزادة. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٦٩)، والبخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس ﴾. وسلف ٢٥/٣. (٣) التمهيد ٤/ ١٤٤ . (٤) في (م): المزادة. والمثبت من الأصول الخطية، وهو الموافق للتمهيد ٤/ ١٤٥ - ١٤٦ . والكلام منه. (٥) في (ز) و(ظ) و(م): فيها. والمثبت من (د)، وهو الموافق للتمهيد. (٦) ورد النهي عن إضاعة المال في حديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله#: ((إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ... )) أخرجه أحمد (١٨١٤٧)، والبخاري (٢٤٠٨)، ومسلم ١٣٤١/٣ (٥٩٣). (٧) في النسخ الخطية والتمهيد ٢٥٩/١ - وعنه نقل المصنف -: عثمان بن أبي العاصي. والمثبت من (م). وهو أبو عبد الله نزيل البصرة، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي # على الطائف، وأقرّه أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عُمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين. الإصابة ٣٨٨/٦ . (٨) أخرج أحمد (١٢١٨٩)، ومسلم (١٩٨٣) عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة سأل النبي # عن أيتام ورثوا خمراً، قال: ((أهرقها)). قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: ((لا)). ١٦٣ سورة المائدة: الآية ٩٠ - ٩٢ العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سُحْنُون بن سعيد. وقال آخرون: لا بأسَ بتخليل الخمر، ولا بأس بأكلٍ ما تخلَّلَ منها بمعالجة آدميٍّ أو غيرها، وهو قول الثوريِّ والأوزاعيِّ والليث بن سعد والكوفيين(١). وقال أبو حنيفة: إنْ طُرِح فيها السمكُ(٢) والملحُ، فصارت مُرِّيّاً (٣) وتحوَّلت عن حال الخمر؛ جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المُرِّيِّ، وقال: لا تُعالَج الخمر بغير تحويلها إلى الخلِّ وحده. قال أبو عمر(٤): احتجَ العراقیون في تخليل الخمر بأبي الدرداء؛ وهو یُروی عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقويِّ أنه كان يأكل المُرِّيَّ منه، ويقول: دبغته(٥) الشمس والملح. وخالفه عمر بن الخطاب(٦) وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر، وليس في رأي أحدٍ حجة مع السُّنَّة، وبالله التوفيق. (١) التمهيد ١/ ٢٦٠ . وما قبله منه. (٢) في الأصول الخطية و(م): المسك، وهو خطأ. والمثبت من التمهيد ١٤٧/٤، وعنه نقل المصنف. وينظر الحجة للشيباني ١٣/٣، والمبسوط ٢٤/٢٤، ومختصر اختلاف العلماء ٣٥٩/٤. (٣) في (م): مربَّى وهو خطأ. والمُرِّيّ؛ بالضم وتشديد الراء: الذي يؤتدم به، كأنه منسوب إلى المرارة، والعامة تخففه. النهاية (مرر). وينظر فيه أيضاً مادة (ذبح). (٤) في التمهيد ٤/ ١٥٠ . (٥) كذا في النسخ الخطية و(م) والتمهيد ونسخة في مصنف عبد الرزاق (كما في هامشه). والحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧١٠٩) وفيه: ذبحت خمرها ... ، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في الأموال (٢٩٤) من طريق جبير بن نفير؛ وفيه: ذبحته الشمس ... وأورده ابن الأثير في النهاية (ذبح)؛ وفيه: ذَبْحُ الخمرِ الملحُ والشمسُ ... وقال: كما أن الميتة حرام، والمذبوحة حلال، فكذلك هذه الأشياء ذَّبَحتِ الخمرَ فحلَّت، فاستعار الذبح للإحلال، والذبح في الأصل: الشق. (٦) ذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٥١/٤ عن عمره قوله: لا يحلُّ خلِّ من خمر أفسدت، حتى يكون الله هو الذي أفسدها. وأخرجه عبد الرزاق (١٧١١٠)، وأبو عبيد في الأموال (٢٨٨)، وذكر ابن عبد البر أيضاً عن عثمان بن أبي العاص أن تاجراً اشترى خمراً، فأمره أن يصبّها في دجلة، فقالوا: ألا تأمره أن يجعلها خلا؟ فنهاه عن ذلك. ١٦٤ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢ وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسُها؛ لقرب العهدِ بشربها، إرادةً لقطع العادة في ذلك. وإذا كان هذا هكذا (١) لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذٍ والأمرِ بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا حُلَّلت. ورَوَى أشهب عن مالك قال: إذا خَلَّل النصرانيُّ خمراً فلا بأسَ بأكله، وكذلك إن خَلَّلها مسلم واستغفرَ الله؛ وهذه الرواية ذكرها ابنُ عبد الحكم في كتابه. والصحيح ما قالَه مالكٌ في رواية ابن القاسم وابن وهب: إنه لا يحلُّ لمسلم أن يعالجَ الخمرَ حتى يجعلَها خَلَّا، ولا يبيعها، ولكن ليُهرِيقها(٢). العاشرة: لم يختلف قول مالك وأصحابه أنَّ الخمرَ إذا تَخَلَّلت بذاتها أنَّ أكلَ ذلك الخلِّ حلالٌ. وهو قول عمر بن الخطاب وقَبِيصة وابن شهاب وربيعة، وأحدُ قولَي الشافعيّ، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه(٣). الحادية عشرة: ذكر ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد أنَّها تُملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أَنْ يُزالَ بها الغَصَصُ، ويطفأُ بها حريقٌ. وهذا نقلٌ لا يُعرف لمالك، بل يُخرَّج هذا على قول مَن يَرى أنها طاهرة. ولو جاز مِلكُها لَمَا أَمَرَ النبيُّ ◌َ﴿ بإراقتها. وأيضاً فإنَّ المِلكَ نوعُ نفع، وقد بَطَلَ بإراقتها. والحمد لله. الثانية عشرة: هذه الآية تدلُّ على تحريم اللَّعب بالنَّرد والشّطْرَنج قماراً وغير (٤) قمار؛ لأنَّ الله تعالى لَمَّا حَرَّم الخمرَ؛ أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿يَأَيَُّا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَّةَ (١) في (د) و(ز): وإذا كان هكذا. وفي (ظ): وإذا كان هذا. وفي (م): وإذا كان كذلك. والمثبت من التمهيد ١٥١/٤ والكلام منه. (٢) التمهيد ١٤٦/٤ و١٤٧ . (٣) التمهيد ٢٦١/١. (٤) في (م): أو غير. ١٦٥ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢ وَالْبَغْضَآءُ﴾ الآية. فكلُّ لَهْوِ دعا قليلُه إلى كثيره (١)، وأوقع العداوةَ والبغضاء بين العاكفين عليه، وصَدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فهو كشرب الخمر، وأوجب أن یکون حراماً مثله. فإن قيل: إنَّ شرب الخمر يُورث السُّكر؛ فلا يقدر معه على الصلاة، وليس في اللَّعب بالثَّرد والشِّطْرَنج هذا المعنى. قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ومعلوم أنَّ الخمرَ إنْ أسكرت، فالميسر لا يُسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم؛ لأجل ما اشتركا فيه من المعاني. وأيضاً فإنَّ قليلَ الخمر لا يُسكر، كما أنَّ اللَّعب بالنَّرد والشِّطْرَنج لا يُسكر، ثم كان حراماً مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللَّعب بالنَّرد والشِّطْرَنج حراماً مثل الخمر وإن كان لا يُسكر. وأيضاً فإنَّ ابتداء اللَّعب يورث الغَفْلَةَ، فتقوم تلك الغَفْلةُ المستوليةُ على القلب مقام(٢) السكر، فإنْ كانت الخمرُ إنَّما حُرِّمت لأنها تُسكر، فتصدُّ بالإسكار عن الصلاة، فليحرَّم اللَّعبُ بالنَّرد والشِّطْرَنج لأنه يُغْفِل ويُلهي، فيصدُّ بذلك عن الصلاة. والله أعلم. الثالثة عشرة: مُهدي الراوية(٣) يدلُّ على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسِّكاً بالإباحة المتقدِّمة، فكان ذلك دليلاً على أنَّ الحكمَ لا يرتفع بوجود الناسخ كما يقوله بعضُ الأصوليين، بل ببلوغه كما دلَّ عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ لم یوبِّخه، بل بيَّن له الحکم، ولأنه مخاطب بالعمل بالأوَّل، بحيث لو تركه عصی بلا خلاف؛ وإن كان الناسخُ قد حصلَ في الوجود. وذلك كما وقع لأهل قُبَاء؛ إذْ كانوا يُصَلُّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. (١) في (م): كثير. (٢) في (م): مكان. (٣) يعني في حديث ابن عباس، وسلف في المسألة السابعة. :٠ ١٦٦ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢ وقد تقدَّم في سورة البقرة [الآية: ١٤٤](١) والحمد لله، وتقدَّم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر. وقد مضى في صدر هذه السورة القولُ في الأنصاب والأزلام. والله أعلم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَّرِ وَالْمَيْسِ﴾ الآية. أعلم الله تعالى عباده أنَّ الشيطانَ إنما يريد أن تقعَ(٢) العداوةُ(٣) بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذَّرنا منها، ونهانا عنها. رُوي أنَّ قبيلتين منَ الأنصار شربوا الخمرَ وانتَشَوا، فعَبَثَ بعضُهم ببعض، فلما صَّحَوا رَأَى بعضُهم في وجه بعضٍ آثارَ ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم(٤) يقول: لو كان أخي بي رحيماً(٥) ما فعل بي(٦) هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآَّةَ﴾ الآية(٧). الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَیَُلُّلُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلوو﴾ یقول: إذا سکِرتُم لم تذكروا الله ولم تُصَلُّوا، وإنْ صَلَّيتُم خلَّط عليكم، كما فُعل بعليٍّ، ورُوي بعبد الرحمن، كما تقدَّم في ((النساء))(٨). وقال عبيد الله بن عمر: سُئل القاسم بن محمد عن الشِّطْرَنج: أهي ميسر؟ وعن (١) ٢ / ٤٤١ . (٢) في (ظ) و(م): يوقع. والمثبت من (د) و(ز) وهو الموافق للمحرر الوجيز ٢٣٤/٢، وعنه نقل المصنف. (٣) بعدها في (م): والبغضاء. (٤) في (ظ): الرجل. (٥) في مصادر الخبر الآتية: رؤوفاً رحيماً. (٦) لفظة: بي، من (م) ومصادر التخريج. (٧) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٠٨٦)، والحاكم ١٤١/٤ - ١٤٢، والبيهقي ٢٨٥/٨ - ٢٨٦ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ٣١/١٠. (٨) ٣٣٠/٦. ١٦٧ سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٣ النَّرد: أهو ميسر؟ فقال: كلُّ ما صَدَّ عن ذِكر الله وعن الصلاة فهو میسر (١). قال أبو عبيد: تأوَّل قول الله تعالى(٢): ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَةَ﴾. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ تَُهُونَ﴾ لَمَّا عَلم عمرُ ﴾ أنَّ هذا وعيدٌ شديدٌ زائدٌ على معنى: انتهُوا؛ قال: انتهينا. وأَمَر النبيُّ # مناديَه أن يناديَ في سِكك المدينة: أَلَا إِنَّ الخمرَ قدِ حُرِّمت. فكُسِرتِ الدِّنانُ، وأُريقت الخمرُ حتى جَرت في سِكك المدينة(٣). السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاَحْذَرُواْ﴾ تأكيدٌ للتحريم، وتشديدٌ في الوعيد، وامتثالٌ للأمر، وكفّ عن المنھيِّ عنه. وحَسُنَ عطف ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ﴾ لَمَّا كان في الكلام المتقدِّم معنى: انتهوا. وكرَّر: (وَأَطِيعُوا)) في ذكر الرسول تأكيداً، ثم حَذَّر من مخالفة الأمر، وتوعّدَ مَن تولَّى بعذاب الآخرة، فقال: ﴿فَإِن تَيْتُمْ﴾ أي: خالفتم ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُِّينُ﴾ في تحريم ما أُمِر بتحريمه، وعلى المرسِل أن يعاقبَ أو يثيبَ بحسب ما يُعصَى أو يُطاع(٤). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ جُبٌَ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَّقَواْ وَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَالَّهُ يُ المُحْسِنِينَ ﴾ فيه تسع مسائل: الأولى: قال ابنُ عباس والبَرَاءُ بنُ عازب وأنسُ بنُ مالك: إنه لَمَّا نَزل تحریمُ الخمر قال قومٌ من الصحابة: كيف بمن(٥) مات مِنَّا وهو يشربُها ويأكلُ الميسر؟ ونحو (١) أخرجه الطبري ٦٧٣/٣، والبيهقي في السنن ٢١٧/١٠ - ٢١٨، وفي شعب الإيمان (٦٥١٩). (٢) معاني القرآن للنحاس ٣٥٥/٢، وما قبله منه. (٣) سيذكر المصنف نحوه عن أنس ﴾ في المسألة الأولى في تفسير الآية بعدها. وسلف خبر عمر في المسألة الثانية. (٤) ينظر المحرر الوجيز ٢٣٤/٢ . (٥) في النسخ الخطية: من. والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٢٣٤/٢، وعنه نقل المصنف. ١٦٨ سورة المائدة: الآية ٩٣ هذا، فنزلت الآية(١). رَوَى البخاريُّ عن أنس قال: كنتُ ساقيَ القومِ في منزلٍ أبي طلحة، فنزلَ تحريمُ الخمر، فأَمَرَ منادياً ينادي، فقال أبو طلحة: اخرج، فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت، فقلتُ: هذا منادٍ ينادي: أَلَّا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت، فقال: اذهبْ فَأَهْرِقها - وكان الخمر من الفَضِيخ - قال: فَجَرَتْ في سِكك المدينة، فقال بعض القوم: قُتِل قومٌ وهي في بطونهم، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ◌ُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية(٢). الثانية: هذه الآية وهذا الحديث نظيرُ سؤالهم عَمَّن مات إلى القبلة الأُولى، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣](٣). ومَن فَعَلَ ما أُبيح له حتى مات على فعله؛ لم يكن له ولا عليه شيء، لا إثمّ ولا مؤاخذةٌ ولا ذٌّ، ولا أجرٌ ولا مدحٌ؛ لأنَّ المباحَ مستوي الطَّرَفين بالنسبة إلى الشرع. وعلى هذا فما كان ينبغي أنْ يُتَخوَّفَ ولا يُسألَ عن حال مَن مات والخمرُ في بطنه وقتَ إباحتها، فإمّا أن يكون ذلك القائلُ غَفَل عن دليل الإباحة؛ فلم يخطر له، أو يكون لغلبةٍ خوفِه من الله تعالى وشفقتِّه على إخوانه المؤمنين تَوهَّم مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شرب الخمر المتقدِّم، فَرَفع اللهُ ذلك التوهُّم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية(٤). (١) حديث ابن عباس أخرجه الترمذي (٣٠٥٢)، والطبري ٦٦٨/٨ و٦٦٩، والحاكم ١٤٣/٤. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وحديث البراء أخرجه الترمذي (٣٠٥٠)، والطيالسي (٧١٥)، وأبو يعلى (١٧١٩)، والطبري ٦٦٧/٨، وابن حبان (٥٣٥٠). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وحديث أنس بن مالك ذكره المصنف بعده. (٢) صحيح البخاري (٤٦٢٠). وأخرجه أيضاً أحمد (١٣٣٧٦)، ومسلم (١٩٨٠). والفضيخ: شراب يتخذ من البسر .. النهاية (فضخ). (٣) المحرر الوجيز ٢٣٤/٢. (٤) المفهم ٢٥٦/٥ . ١٦٩ سورة المائدة: الآية ٩٣ الثالثة: هذا الحديث في نزول الآية فيه دليلٌ واضحٌ على أنَّ نبيذَ التمر إذا أسكر خَمْرٌ، وهو نصٍّ، ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابةَ رحمهم الله هم أهلُ اللسان، وقد عَقَلوا أنَّ شرابهم ذلك خمرٌ، لم (١) يكن لهم شرابٌ ذلك الوقت بالمدينة غيره، وقال الحَكّميُ(٢): ولكن مِن نِتاجِ الباسِقاتِ لنا خَمرٌ وليست خمرَ كَرْمِ وفات ثمارها أيدِي الجناةِ(٣) كِرامٌ في السماءِ ذهبن طُولاً ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النَّسائيُّ: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله، عن شيبان، عن الأعمش، عن مُحارِب بن دِثار، عن جابر، عن النبيِّ # قال: ((الزَّبِيْبُ والتَّعْرُ هُوَ الخَمْرُ))(٤). وثَبَتَ بالنَّقل الصحيح أنَّ عمرَ بنَ الخطاب ﴾ - وحسبُك به عالِماً باللسان والشرع - خَطَبَ على مِنبر النبيِّ # فقال: يا أيها الناس، أَلَا إنه قد نَزَل تحريم الخمر يومَ نَزَل، وهي من خمسة: مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَّةِ، والشَّعِيْرِ. والخَمْرُ ما خَامَرَ العَقْلِ(٥). وهذا أَبْيَنُ ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمرُ بالمدينة على المنبر بمَحضر جماعةِ الصحابة، وهم أهلُ اللِّسان، ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه(٦). وإذا ثبت هذا بَطَلَ مذهبُ أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأنَّ الخمرَ لا تكونُ إلا (١) في (م): إذ لم. وفي التمهيد ١/ ٢٤٣؛ وعنه نقل المصنف: بل لم. (٢) هو أبو نواس، والبيتان في ديوانه ص١١٨ . (٣) في ديوان أبي نواس: كرائم في السماء زهين طولاً ففات. (٤) سنن النسائي المجتبى ٢٨٨/٨، والكبرى (٥٠٣٦). وأخرجه أيضاً الحاكم ٤/ ١٤٠ وزاد: يعني إذا انتبذا جميعاً. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣٦/١٠: سنده صحيح، وظاهره الحصر، لكن المراد المبالغة، وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذ بالمدينة موجوداً. (٥) أخرجه البخاري (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما. (٦) التمهيد ٢٥١/١. ١٧٠ سورة المائدة: الآية ٩٣ منَ العِنَب، وما كان من غيره لا يُسَمَّى خمراً، ولا يتناولُه اسمُ الخمر، وإنما يُسَمَّى نبيذاً(١). وقال الشاعر: وصِرتُ حلِيفاً لِمن عابَهُ تركتُ النَّبِيذ لأهل النِيذِ ويَفتحُ للشَّرْ أبوابَهُ (٢) شَرابٌ يُدنِّس عِرْضَ الفَتَّى الرابعة: قال الإمامُ أبو عبد الله المازَرِيُّ: ذهب جمهور العلماء من السلف وغیرهم إلى أنَّ كلَّ ما يُسکر نوعُه حَرُمَ شربُه، قليلاً كان أو كثيراً، نِیئاً كان أو مطبوخاً، ولا فرقَ بين المستخرج من العنب أو غيره، وأنَّ مَن شرب شيئاً من ذلك حُدَّ. فأما المستخرجُ من العنب المسكر النِّيء، فهو الذي انعقد الإجماعُ على تحريم قليله وكثيره، ولو نقطة(٣) منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذُكر، وهو الذي لا يبلغُ الإسكار، وفي المطبوخ المستخرج من العنب، فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيعِ الزَّبيب النِّيء، فأما المطبوخ منهما، والنِّيء والمطبوخ مما سواهما فحلالٌ ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصَر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سُلَافة العنب(٤) يحرم قليلُها وكثيرُها، إلَّا أن تطبخَ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيعُ الزَّبيب والثَّمر فيحلُّ مطبوخهما؛ وإنْ مسَّته النار مسًّا قليلاً من غير اعتبار بحد. وأما النِّيُ منه فحرامٌ، ولكنَّه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه؛ وهذا كلُّه ما لم يقع الإسكار، فإنْ وقعَ الإسكارُ استوى الجميع. (١) المفهم ٢٥٢/٥. (٢) شعب الإيمان (٥٦١١)، والعقد الفريد ٦/ ٣٣٧. (٣) المفهم ٥/ ٢٥٣ . (٤) في الصحاح (سلف): سُلافة كلِّ شيءٍ عصرتَه: أولُه. ١٧١ سورة المائدة: الآية ٩٣ قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس ﴾(١): العَجبُ من المخالفين في هذه المسألة، فإنهم قالوا: إنَّ القليلَ من الخمر المعتصَر من العنب حرامٌ ككثيره، وهو مُجمعٌ عليه؛ فإذا قيل لهم: فلمَ حُرِّم القليلُ من الخمر، وليس مُذْهِباً للعقل؟ فلابدَّ أن يقال: لأنه داعيةٌ إلى الكثير، أو للتعبُّد، فحينئذ يقال لهم: كلُّ ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجودٌ في قليل النبيذ، فيحرم أيضاً، إذ لا فارقَ بينهما إلَّا مجرَّد الاسم إذا سُلِّم ذلك. وهذا القياسُ أرفع(٢) أنواع القياس؛ لأنَّ الفرعَ فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه، وهذا كما تقوله(٣) في قياس الأمّة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله؛ فإنهم يتوغَّلُون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياسَ الجليَّ المعضودَ بالكتاب والسُّنَّةِ، وإجماع صدور الأُمة، لأحاديث لا يصحُّ شيءٌ منها على ما قد بَيَّنَ عِللَها المحدِّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيءٌ منها. وسيأتي في سورة النحل(٤) تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: ﴿طَِّمُوا﴾ أصل هذه اللَّفظة في الأكل؛ يقال: طَعِمَ الطّعامَ، وشَرِب الشَّرَاب، لكن قد تُجوِّز في ذلك فيقال: لم أَطعم خُبزاً ولا ماءً ولا نوماً؛ قال الشاعر(٥): نَعَاماً بِوَجْرَةَ صُفْر(٦) الخُدودِما(٧) تَظْعَمُ النَّوَ إِلَّ صِيّاما وقد تقدَّم القول في ((البقرة)) في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ [الآية: ٢٤٩] بما (١) في المفهم ٢٥٣/٥، وما قبله منه. (٢) في (م): هو أرفع. (٣) في (م): يقوله. وفي المفهم: نقوله. (٤) الآية ٦٧ . (٥) هو بشر بن أبي خازم، وسلف البيت ٢/ ٤٤ . (٦) في (ز) و(م): صعر. (٧) في (م): لا. ١٧٢ سورة المائدة: الآية ٩٣ فيه الكفاية. السادسة: قال ابنُ خُوَيْزِ مَنداد: تضمَّنت هذه الآية تناولَ المباح والشهوات، والانتفاعَ بكلٌّ لذيذ من مَطْعَم ومَشْرَب ومَنْكَح؛ وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيْبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ونظير قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الَّهِ الَِّّيَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. السابعة: قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ تُمَّ أَتَّقَواْ وَأَصْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِينَ﴾. فيه أربعة أقوال: الأوَّل: أنه ليس في ذكر التقوى تكرار، والمعنى: اتَّقَوا شربَها، وآمنوا بتحريمها. ومعنى (١) الثاني: دام اتِّقاؤهم وإيمانُهم. والثالثُ على معنى الإحسان إلى الاتِّقاء. الثاني: اتَّقَوا قبلَ التحريم في غيرها من المحرَّمات، ثم اتَّقَوا بعد تحريمها شُربَها، ثم اتَّقوا فيما بقيَ من أعمارهم(٢)، وأحسنوا العمل. الثالث: اتَّقَوا الشركَ، وآمنوا بالله ورسوله. ومعنى الثاني: ثم اتَّقَوا الكبائرَ، وازدادوا إيماناً. ومعنى الثالث: ثم اتَّقَوا الصغائرَ، وأحسنوا، أي: تَنَقَّلُوا. وقال محمد بن جرير(٣): الاتِّقاء الأوَّل: هو الاتِّقاء بتلقّي أمرِ الله بالقَبول، والتصديق، والدينونة به، والعمل. والاتِّقاء الثاني: الاتِّقاء بالثَّباتِ على التصديق. والثالث: الاتِّقاء بالإحسان، والتقرُّب بالنَّوافل. الثامنة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَهُ يُحِبُّ الْحِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ المثَّقي المحسنَ أفضلُ من المتَّقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فَضَلَه بأجر الإحسان (٤). التاسعة: قد تأوَّل هذه الآية قُدَامةُ بنُ مَظْعون الجُمَحِيُّ من الصحابة ﴾، وهو (١) في (م): والمعنى (وكذلك في الموضع الآتي). (٢) في (م): أعمالهم. (٣) في تفسيره ٨/ ٦٦٥، وهو القول الرابع. (٤) ينظر المحرر الوجيز ٢٣٥/٢. ١٧٣ سورة المائدة: الآية ٩٣ ممَّن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بَدْراً، وعُمِّرَ. وكان خَتَنَ(١) عمرَ بنِ الخطاب، خالَ عبدِ الله وحفصةً، وولَّاهُ عمرُ بن الخطاب على البَحْرَين، ثم عَزَله بشهادة الجَارُود(٢) - سيِّد عبد القيس - عليه بشرب الخمر(٣). روى الدَّارَ قُظْنيُّ قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمد المصريّ، حدَّثنا يحيى ابن أيوب العلَّاف، حذَّثني سعيد بن عُفَير، حدَّثني يحيى بنُ فُلَيْحِ بنِ سليمان قال: حدَّثني ثَوْرُ بن زيد، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ الشُّرَّاب كانوا يُضربون في عهد رسول اللـه# بالأيدي والنِّعال والعِصِيِّ، حتى تُوفِّيَ رسولُ اللـهل﴾، فكان(٤) في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله ﴾، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى تُوفِّي، ثم كان عمر من بعده فجلدهم(٥) كذلك أربعينَ، حتى أُتي برجل من المهاجرين الأوَّلين وقد شَرِب، فأمر به أن يُجلَد، فقال: لِمَ تجلدُني؟ بيني وبينكَ كتابُ الله، فقال عمر: وأيَّ (٦) كتاب الله تجدُ ألَّا أجلدَكَ؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتَّقَوا وآمنوا، ثم اتَّقَوا وأحسنوا، شهدتُ مع رسولِ الله # بذراً وأُحداً والخَندقَ والمشاهدَ(٧)، فقال عمر: أَلَّا تردُّون عليه ما (١) الخَتَن: الصِّهر، أو كلُّ من كان من قِبَل المرأة؛ كالأب والأخ. القاموس (ختن). (٢) ابن المُعلَّى، ويقال: ابن عمرو بن المُعلَّى. كان نصرانياً، وقدم سنة عشر في وفد عبد القيس الأخير، وسُرَّ النبي # بإسلامه. وكان صهر أبي هريرة، وكان معه بالبحرين لمّا أرسله عمر. وقُتل بأرض فارس بعقبة الطين سنة (٢١هـ) فصارت يقال لها: عقبة الجارود. الإصابة ٢/ ٥٠ - ٥١ . (٣) المحرر الوجيز ٢٣٥/٢. (٤) في (م): فكانوا. (٥) في (م): یجلدهم. (٦) في (د): أي. وفي (م): وفي أي. وفي أحكام القرآن: أفي . (٧) بعدها في (د) و(ز) و(م) وأحكام القرآن: كلها. والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لسنن الدارقطني. ١٧٤ سورة المائدة: الآية ٩٣ يقول؟ فقال ابن عباس: إنَّ هؤلاء الآيات(١) أُنزلنَ عُذراً لمن غَبَر(٢)، وحُجَّة على الناس؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَتُ وَالْمَبْسِيرُ﴾ الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآيةَ الأخرى، فإنْ كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية؛ فإنَّ الله قد نهاه أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقتَ، ماذا تَرَوْن؟ قال عليٍّ ﴾: إنه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرِ هَذَى، وإذا هَذَى افترَى، وعلى المفتري ثمانون جلدةً. فأمر به عمرُ، فَجُلِدَ ثمانین(٣). وذكر الحميديُ (٤) عن أبي بكر البَرْقَاني عن عبد الله بن عامر بن ربيعة(٥) قال: قَدِمِ الجارُودُ من البحرين فقال(٦): يا أميرَ المؤمنين، إنَّ قُدَامةَ بنَ مَظْعون قد شَرِب مُسْكِراً، وإني إذا رأيت حقًّا من حقوق الله(٧) حقٌّ عليَّ أن أرفعَه إليك، فقال [له] عمر: مَنْ يَشهدُ على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة. فدعا عمرُ أبا هريرة فقال: عَلَامَ تشهدُ يا أبا هريرة؟ فقال: لَمْ أَرَهُ حين شرب، و[قد] رأيتُه سكرانَ يَقيءُ، فقال عمر: لقد تَنَطَّعتَ في الشهادة. ثم كتبَ عمرُ إلى قُدَامة وهو بالبَحرَين يأمرُه بالقدوم عليه، (١) أثبتت من (م)، وهو الموافق لسنن الدارقطني وأحكام القرآن. (٢) أي: مضى، ووقع في (ظ): صبر. (٣) بعدها في (م) وأحكام القرآن: جلدة. وهو في سنن الدارقطني (٣٣٤٤). وأخرجه أيضاً النسائي في السنن الكبرى (٥٢٦٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٤٤١)، والحاكم ٣٧٥/٤ - ٣٧٦ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٢٠ - ٣٢١ . قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وينظر التلخيص الحبير ٤/ ٧٥ . (٤) هو محمد بن فتوح، والخبر في الجمع بين الصحيحين (٦٤)، ونقل المصنف عنه بواسطة أحكام القرآن لابن العربي ٦٥٤/٢، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه البخاري (٤٠١١) مختصراً، وبتمامه عبد الرزاق (١٧٠٧٥). (٥) في النسخ: ابن عباس بدل عبد الله بن عامر بن ربيعة، وهو خطأ. وفي أحكام القرآن: عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة. والمثبت من مصادر الحديث، وهو عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي الأكبر، حليف بني عدي، ثم الخطاب والد عمر، وأبوه من كبار الصحابة. استشهد بالطائف. الإصابة ٦/ ١٢٧ . (٦) في (د) و(ز) و(م): لمّا قدم ... قال. (٧) في أحكام القرآن لابن العربي والجمع بين الصحيحين: حدّاً من حدود الله. ١٧٥ سورة المائدة: الآية ٩٣ فلمَّا قَدِمِ قُدَامةُ والجَارُودُ بالمدينة كلَّمَ الجارودُ عمرَ، فقال [له]: أَقِمْ على هذا كتابَ الله، فقال عمرُ للجارود: أشهيدٌ أنتَ أم خَصْمٌ؟ فقال الجارود: أنا شهيدٌ. قال: قد كنتَ أدَّيتَ الشهادة. [فسكت الجارود] ثم قال لعمر: إني أَنْشُدُكَ اللهَ. فقال عمر: أَمَا واللهِ لَتملكَنَّ لسانَكَ أو لأَسوءَنَّك، فقال الجارود: أَمَا واللهِ ما ذلك بالحقِّ، أنْ يَشربَ ابنُ عمِّكَ وتَسوءَني. فأوعده عمر، فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أميرَ المؤمنين، إنْ كنتَ تَشكُّ في شهادتِنا(١)؛ فَسَلْ بنتَ الوليد امرأةَ ابنِ مَظْعون، فأرسلَ عمرُ إلى هندٍ يَنْشِدُها بالله، فأقامت هندٌ على زوجها [قدامة] الشهادةَ، فقال عمر: يا قُدامةُ، إنِّي جالدُكَ، فقال قُدامة: واللهِ لو شَرِبتُ - كما يقولون - ما كان لكَ أن تجلدَني يا عمرُ. قال: ولمَ يا قُدامة؟ قال: لأنَّ اللهَ سبحانه يقول: ﴿لَيْسَ عَلَ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾. فقال عمر: أخطأتَ التأويلَ يا قُدَامة، إذا اتقيتَ اللهَ اجتنبتَ ما حَرَّم اللهُ، ثم أقبل عمرُ على القوم فقال: ما تَرَوْن في جلد قُدامة؟ فقال القوم: لا نَرَى أنْ تجلدَه ما دام وَجِعاً، فسكتَ عمرُ عن جَلْدِه [أياماً]، ثم أصبح يوماً [وقد عزم على جَلْدِه]، فقال لأصحابه: ما تَرَون في جَلْدِ قُدَامة؟ فقالوا (٢): لا نَرَى أنْ تجلدَه ما دامَ وَجِعاً، فقال عمر: إنه والله لأَنْ يلقَى اللهَ تحت السَّوْط، أحب إليَّ من(٣) أنْ أَلقَى اللهَ وهي(٤) في عُنقي، واللهِ لأَجلدنَّه، ائتوني بسَوْط، فجاءه مولاه أَسْلَمُ بسَوْطِ رقيق صغير، فأخذه عمرُ، فمسح بيده، ثم قال لأَسْلَم: [قد] أخذَتْك دِقْرارةٌ(٥) أهلِكَ، ائتوني بسَوْط غيرِ هذا، قال: فجاءه أَسْلَم بسَوْط تامٌّ، فَأَمَرَ عمرُ بِقُدَامةَ فجُلِدَ، فغاضبَ قُدَامةُ عمرَ وهجرَه، فحجًا؛ وقُدَامة (١) في (م): إن كنت في شك من شهادتنا. (٢) في (د) و(ز) و(م): فقال القوم. (٣) لفظة: من، ليست في (م). (٤) في (د) و(ز) و(م): وهو. (٥) في أحكام القرآن: بإقرار. والدِّقرارة: واحدة الدَّقارير، وهي الأباطيل وعادات السوء، أراد أنَّ عادة السوء التي هي عادة قومك - وهي العدول عن الحق والعمل بالباطل - قد نزعتك، وعرضت لك، فعملت بها. النهاية (دقر). ١٧٦ سورة المائدة: الآيتان ٩٣ - ٩٤ مهاجِرٌ لعمرَ، حتى قَفَلوا من (١) حَجِّهم، ونزل عمرُ بالسُّقْيَا(٢) ونام بها، فلما استيقظ عمرُ قال: عجِّلوا عليَّ بِقُدَامة، انطلِقوا فأتوني به، فوالله [إني] لأرَى في النوم أنه جاءني آتٍ فقال: سَالِمْ قُدامةَ؛ فإنه أخوك، فلمَّا جاؤوا قُدامةَ أَبَى أنْ يأتيَه، فأمر عمرُ بقُدامةَ أنْ يُجَرَّ إليه جَرًّا، حتى كَلَّمه عمرُ واستغفرَ له، فكان أوَّلَ صُلْحِهما. قال أيوب بن أبي تميمة: لم يُحدَّ أحدٌ من أهل بدر في الخمر غيرُه(٣). قال ابن العربي(٤): فهذا يدلُّك على تأويلِ الآية، وما ذُكِر فيه عن ابنِ عباس في حديث الدَّارقطنيّ، وعمرَ في حديث البَرْقَانيّ؛ وهو صحيح؛ وبَسْطُه: أنه لو كان مَن شَرِبَ الخمرَ واَّقى اللهَ في غيره لا يُحَدُّ على الخمر؛ ما حُدَّ على الخمر أحدٌ. فكان هذا مِن أَفْسد تأويل، وقد خَفِيَ على قُدامةَ، وعَرَفه مَن وقَّقه الله [له]، كعمرَ وابنِ عباس رضي الله عنهما، قال الشاعر(٥): وإنَّ حراماً لا أَرَى الدهرَ باکیا على شَجْوِه إلَّا بكيتُ على عُمر ورُوي عن عليٍّ ﴾: أنَّ قوماً شربوا بالشام، وقالوا: هي لنا حلالٌ، وتأوَّلوا هذه الآية، فأَجْمعَ علي وعمرُ على أن يُستتابوا، فإنْ تابوا؛ وإلا قُتلوا. ذكره الكِیًا الطَّبَري(٦). قوله تعالى: ﴿فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلَكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ، أَيْدِيَكُمْ وَدِمَلُّكُمْ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ، فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فيه ثمان مسائل : (١) في النسخ الخطية و(م): عن. والمثبت من أحكام القرآن والجمع بين الصحيحين. (٢) السقيا: منزل بين مكة والمدينة، قيل: هو على يومين من المدينة، ومنه الحديث: أنه كان يُستعذب له الماء من بيوت السقيا. النهاية (سقى). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٧٥) عن ابن جريج، عنه. وأخرجه من طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب ٩/ ١٥٠ (هامش الإصابة). (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٥٥ . وما بين حاصرتين منه. (٥) لم نقف عليه. (٦) في أحكام القرآن ١٠٣/٣ . ١٧٧ سورة المائدة: الآية ٩٤ الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَلَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: لَيَخْتَبِرَنَّكم، والابتلاءُ: الاختبار. وكان الصيد أحدَ معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم، مستعملاً جدًّا، فابتلاهم اللهُ فيه مع الإحرام والحرم، كما ابتلَى بني إسرائيل في ألَّا يعتدوا في السبت(١). وقيل: إنها نزلت عامَ الحديبية؛ أَحرم بعضُ الناس مع النبيِّ #، ولم يُحرِم بعضهم، فكان إذا عَرَضَ صيدٌ اختلفت فيه أحوالُهم وأفعالهم، واشتبهت أحكامُه عليهم، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ بياناً لأحكام أحوالهم وأفعالهم، ومحظوراتٍ حجِّهم وعُمرتهم (٢). الثانية: اختلف العلماءُ من المخاطَبُ بهذه الآية على قولين؛ أحدهما: أنهم المُحِلُّون؛ قاله مالك. الثاني: أنهم المُحْرِمون؛ قاله ابنُ عباس، وتعلَّق بقوله تعالى: (لَيَبْلُوَنَّكُمْ))؛ فإنَّ تكليف الامتناع الذي يتحقَّق به الابتلاءُ هو مع الإحرام. قال ابن العربي(٣): وهذا لا يلزم؛ فإنَّ التكليف يتحقّق في المُحِلِّ بما شُرط له من أمور الصيد، وما شُرع له مِن وَصْفه(٤) في كيفيَّة الاصطياد. والصحيح أنَّ الخطاب في الآية لجميع الناس مُحِلُّهم ومُخْرِمهم؛ لقوله تعالى: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ)) أي: لَيُكلِّفتَّكم، والتكليفُ كلُّه ابتلاءٌ وإن تَفَاضَلَ في الكثرة والقِلَّة، وتباينَ في الضَّعف والشِّدَّة. الثالثة: قوله تعالى: ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ يريد: ببعض الصيد، فـ ((مِن)) للتبعيض، وهو صيد البَرِّ خاصَّة؛ ولم يعمَّ الصيدَ كلَّه؛ لأنَّ للبحر صيداً، قاله الطَّبَريُّ(٥) وغيرُه. (١) المحرر الوجيز ٢٣٥/٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٦ . (٣) في أحكام القرآن ٦٥٦/٢ و ٦٥٨، وما قبله منه. (٤) في أحكام القرآن: من وظيفة. (٥) في التفسير ٨/ ٦٧٠ . ١٧٨ سورة المائدة: الآية ٩٤ وأراد بالصيد المَصِيدَ؛ لقوله: ﴿تَنَالُهُ، أَبْدِيَكُمْ﴾. الرابعة: قوله تعالى: ﴿تَنَالُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَلِئُكُمْ﴾ بيانٌ لحكم صغارِ الصيد وكبارِه(١). وقرأ ابن وثَّابٍ والنَّخَعيّ: ((يناله)) بالياء منقوطةً من تحت(٢). قال مجاهد: الأيدي تَنال الفِراخَ والبَيضَ وما لا يستطيع أن يَفِرّ، والرِّماحُ تنال كبارَ الصيد(٣). وقال ابن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلَكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَلُكُمْ﴾ ، فكلُّ شيءٍ يناله الإنسانُ بيده أو برمحه أو بشيءٍ من سلاحه فقتَلَه، فهو صيدٌ كما قال الله تعالى(٤). الخامسة: خصَّ اللهُ تعالى الأيديَ بالذِّكر؛ لأنها عُظْمُ(٥) المتصرِّفِ(٦) في الاصطياد؛ وفيها تدخل الجوارحُ والحِبالاتُ، وما عُمل باليد من فِخَّاخِ وشِباك، وَخَّصَّ الرِّماحَ بالذكر؛ لأنها عُظُمُ(٧) ما يُجرح به الصيد، وفيها يدخل السهمُ ونحوُهُ(٨). وقد مضى القولُ فيما يُصاد به من الجوارح والسِّهام في أوَّل السورة (٩) بما فيه الکفایةُ، والحمد لله. السادسة: ما وقع في الفخٌ والحِبالةِ فلِربِّها، فإنْ أَلجأَ الصيدَ إليها أحدٌ، ولولاها (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٧ . (٢) القراءات الشاذة ص٣٥ . (٣) تفسير مجاهد ٢٠٤/١، وأخرجه عبد الرزاق (٨١٧٢)، والطبري ٨/ ٦٧٠ - ٦٧١ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٧ . (٥) في (د): أعظم. (٦) في (م): التصرف. (٧) في (ظ): أعظم. (٨) المحرر الوجيز ٢٣٦/٢ . (٩) ٢٩٨/٧ وما بعدها. ١٧٩ سورة المائدة: الآية ٩٤ لم يتهيَّأ له أَخْذُه، فربُّها فيه شريكه. وما وقع في الجَبْح (١) المنصوب في الجبل من ذُباب النَّحلِ، فهو كالحِبالة والفخِّ، وحَمَامُ الأَبْرِجةِ تُردُّ على أربابها إن استُطِيع على(٢) ذلك، وكذلك نحلُ الجِباح؛ وقد رُوِي عن مالك. وقال بعض أصحابه: إنه ليس على مَن حَصَلَ الحمامُ أو النحلُ عنده أن يردَّه. ولو ألجأت الكلابُ صيداً فدخل في بيت أحدٍ أو دارِه، فهو للصائد مرسِلِ الكلاب دون صاحبِ البيت، ولو دخل في البيت من غير اضطرارِ الكلاب له، فهو لربِّ البيت. السابعة: احتجَّ بعض الناس على أنَّ الصيد للآخِذ لا للمُثير بهذه(٣) الآية؛ لأنَّ المثير لم تنل يدُه ولا رُمحُه بعدُ شيئاً(٤)، وهو قول أبي حنيفة. الثامنة: كره مالكٌ صيدَ أهل الكتاب ولم يحرِّمه؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَامُكُمْ﴾ يعني أهل الإيمان؛ لقوله تعالى في صدر الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فخرج عنهم أهلُ الكتاب. وخالفه جمهورُ أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُ﴾ [المائدة: ٥] وهو عندهم مثلُ ذبائحهم(٥) . وأجاب علماؤنا: بأنَّ الآيةَ إنما تضمَّنت أكلَ طعامهم، والصيدُ بابٌ آخَرُ، فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناولُه مطْلَقُ لفظِه(٦). قلت: هذا بناء على أنَّ الصيد ليس مشروعاً عندهم، فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنَّا هذا الإلزام؛ فأما إنْ كان مشروعاً عندهم في دينهم(٧)، فيلزمنا أكلُه؛ لتناوُلِ اللفظِ له، فإنه من طعامهم. والله أعلم. (١) الجبح بتثليث الجيم: خلية العسل، ويجمع على: أجبُح وجباح وأجباح. تاج العروس (جبح). (٢) قوله: على، من (ظ)، والكلام في الكافي ١/ ٤٣٥ . (٣) في (د): لهذه. (٤) في النسخ الخطية: لأن المثير لا يده ولا رمحه يعد شيئاً، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٣٨/٢، والكلام منه. (٥) الكافي ٤٣٣/١ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٧ . (٧) في (ظ): فمن دینھم، بدل: في دينهم. ١٨٠ سورة المائدة: الآية ٩٥ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَهُ مِنْكُم مُتَعَيِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِّ عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِثِقَاءٍ ٩٥ فیه ثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ هذا خطابٌ عامٌّ لكلِّ مسلمٍ ذكرٍ وأنثى. وهذا النهيُ هو الابتلاءُ المذكورُ في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَبْلُوَنَكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية [المائدة: ٩٤](١). وروي أنَّ أبا اليَسَر - واسمه عمرو بنُ مالكِ الأنصاريُّ(٢) - كان مُخْرِماً عامَ الحديبية بعُمْرة، فقتل حمارَ وحشٍ، فنزلت فيه: ﴿لَا نَقُْلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرٌ﴾(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ القتلُ هو كلُّ فعلٍ يُفِيتُ الروح، وهو أنواع: منها النَّحْرِ، والذبح، والخنق، والرَّضْخِ، وشِبْهُه؛ فحرَّم اللهُ تعالى على المحرِمِ في الصيد كلَّ فعلٍ يكون مُفِيتاً للروح (٤). الثالثة: مَن قتل صيداً أو ذَّبَحه فأكل منه، فعليه جزاءٌ واحد لقتله دون أكله، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه جزاءُ ما أكل، يعني قيمته، وخالفه صاحباه فقالا: لا شيءَ عليه سوى الاستغفارِ؛ لأنه تناوَلَ المَيْتةَ، كما لو تناول ميتةً أخرى؛ ولهذا لو أكلها مُحرِمٌ آخرُ لا يلزمه إلَّ الاستغفار(٥). (١) المحرر الوجيز ٢٣٦/٢. (٢) كذا ذكر المصنف رحمه الله، والصحيح أن اسم أبي اليسر هو كعب بن عمرو بن عبَّاد، كما في كتب الرجال، وينظر الإصابة ٩٩/١٢ . ووقع في الاستيعاب (بهامش الإصابة طبعة مطبعة السعادة بمصر ٢١٩/٤) ويقال: كعب بن عمرو بن مالك. (٣) أورده البغوي ٢/ ٦٤، وعزاه الحافظ في الفتح ٢١/٤ لمقاتل في تفسيره، ولم يذكر اسم أبي اليسر. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٥٨/٢ وقوله: يُفيت، أي: يُذهب. (٥) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٢٠٧/٢، والاستذكار ٣١٠/١١ و٣١٢.