النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة المائدة: الآية ٨٩
إليه وعدمٍ شِبَعهم، ولا خلافَ في أن كفَّارة اليمين على التخيير؛ قال ابن العربيّ(١):
والذي عندي أنها تكون بحَسب الحال، فإن علمتَ محتاجاً فالطعامُ أفضلُ؛ لأنك إذا
أعتقت لم ترفع(٢) حاجتهم، وزِدتَ محتاجاً حاديَ عشرَ إليهم، وكذلك الكِسوةُ تلیه،
ولمَّا علمَ الله الحاجةَ بدأ بالمقدَّمِ المهم.
الحادية والعشرون: قولُه تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَوْ مَسَكِينَ﴾ لابدَّ عندنا وعند
الشافعي من تمليك المساكين ما يُخرَج لهم، ودفعِه إليهم حتى يتملَّكوه ويتصرَّفوا فيه؛
لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُعْعِمُ وَلَا يُعْعَمْ﴾ [الأنعام: ١٤]، وفي الحديث: أَطعمَ رسول الله ﴾
الجدَّةِ (٣) السُّدس. ولأنه أحدُ نوعي الكفارة فلم يَجُزْ فيها إلَّ التمليكُ، أَصلُه الكِسوةُ.
وقال أبو حنيفة: لو غَدَّاهم وعشَّاهم جاز. وهو اختيارُ ابنِ الماجِشُون من
علمائنا؛ قال ابن الماجِشُون: إنَّ التمكين من الطعام إطعامٌ؛ قال اللهُ تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَمَ عَلَى حُبِهِهِ مِسْكِينًا وَيَتًِا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، فبأيِّ وجهٍ أطعمه دخل في
الآية.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطِعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قد تقدَّم في
(البقرة))(٤) أنَّ الوسط بمعنى الأعلى والخِيَارِ، وهو هنا منزلةٌ بين منزلتين، ونِصْفٌ(٥)
بين طَرَفين، ومنه الحديثُ: ((خيرُ الأمورِ أوسطُها))(٦). وخرَّج ابن ماجه(٧): حدَّثنا
محمد بن يحيى، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا سفيان بن عُيَينة، عن سليمان
ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يَقُوتُ أهلَه قُوتاً
(١) في أحكام القرآن ٦٤٤/٢، وما قبله منه.
(٢) في (ظ) و(م): تدفع وسقطت من (خ) و(ز)، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٣) في النسخ: الجد، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٤٦/٢، والكلام منه، وأخرجه النسائي
في الكبرى (٦٣٠٤) من حديث بريدة ﴾.
(٤) ٢ / ٤٣٣ .
(٥) في النسخ: ونصفاً، والجادة ما أثبتناه.
(٦) في (د) و(ز): أوساطها، وقد سلف ٤٣٤/٢ .
(٧) في سننه (٢١١٣).

١٤٢
سورة المائدة: الآية ٨٩
فيه سَعَةٌ، وكان الرجل يَقُوتُ أهلَه قُوتاً فيه شدَّة، فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
گھلیگم﴾. وهذا يدلُّ علی أنَّ الوسط ما ذكرناه، وهو ما کان بینَ شیئین.
الثالثة والعشرون: الإطعامُ عند مالكِ مُدٌّ لكلِّ واحدٍ من المساكين العشرة، إن
كان بمدينةِ النبيِّ ﴾(١)، وبه قال الشافعيُّ وأهلُ المدينة. قال سليمان بنُ يَسَار:
أدركتُ الناس وهم إذا أعطَوْا في كفارة اليمين، أعطَوْا مُدًّا من حِنْطةٍ بالمدِّ الأصغر،
ورأوا ذلك مُجزِئاً عنهم. وهو قول ابنِ عمر وابن عباس وزیدِ بن ثابتٍ، وبه قال عطاء
ابنُ أبي رباح (٢).
واختُلِف إذا كان بغيرها؛ فقال ابنُ القاسم: يُجزئه المدُّ بكلِّ مكان. وقال ابن
المؤَاز: أفتى ابنُ وهب بمصرَ بمدٍّ ونصف، وأشهبُ بمدٍّ وثلث؛ قال: وإنَّ مدًّا وثلثاً
لوسطٌ من عيش الأمصار في الغداء والعشاء(٣).
وقال أبو حنيفة: يُخرج من البُرِّ نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعاً؛ على
حديث عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر، عن أبيه (٤) قال: قام رسول الله :﴿ خطيباً، فأمر
بصدقة الفطرِ؛ صاعٍ تمرٍ، أو صاعٍ شعيرٍ(٥) عن كلِّ رأس، أو صاعِ بُرِّ بين اثنين. وبه
أخذ سفيان وابنُ المبارك (٦)، وروي عن عليٍّ وعمرَ وابنٍ عمرَ وعائشةَ ﴾، وبه قال
(١) المعونة ٦٤١/١، وعقد الجواهر الثمينة ١/ ٥٢٢ .
(٢) الاستذكار ٨٨/١٥، وينظر الإشراف ٤٣٢/١. وخبر سليمان بن يسار أخرجه مالك في الموطأ
٤٧٩/٢-٤٨٠، وأخرج الآثار جميعاً ابن أبي شيبة (نشرة العمروي) ٨/٤-٩، والطبري ٦٣١/٨-٦٣٣.
قوله: بالمد الأصغر، قال الباجي في المنتقى ٢٥٦/٣: عندهم بالحجاز مدَّان؛ مدُّ النبي # وهو
أصغرهما، ومد هشام وهو أكبرهما؛ وقد اختلف أصحابنا في مقداره بمد النبي #، والصحيح أنه مدَّان.
(٣) النوادر والزيادات ٢٠/٤، وعقد الجواهر الثمينة ٥٢٢/١ .
(٤) هو ثعلبة بن صُعَيْر القضاعي العُذري، حليف بني زهرة، قال الدارقطني: له صحبة، ولابنه عبد الله
رؤية. الإصابة ٢٢/٢ .
(٥) في (م): صاع من تمر أو صاع من شعير.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤٥، وأخرج الحديث أبو داود (١٦٢٠).

١٤٣
سورة المائدة: الآية ٨٩
سعيدُ بن المسيِّب، وهو قولُ عامةٍ فقهاء العراق(١)؛ لِمَا رواهُ ابن عباس قال: كَفَّر
رسول الله ﴿ بصاع من تمرٍ، وأمَر الناسَ بذلك، فَمن لم يجد فنصفُ صاعٍ من برِّ مِن
أوسط ما تطعمون أهليكم. خرَّجه ابنُ ماجه في ((سننه))(٢).
الرابعة والعشرون: لا يجوز أن يُطعِم غنيًّا، ولا ذا رَحِم تلزمه نفقتُه. وإن كان
ممَّن لا تلزمه نفقتُه، فقد قال مالك: لا يُعجبني أن يُطعمَه، ولكن إن فعل وكان فقيراً
أجزأه. فإن أطعم غنيًّا جاهلاً بغناه، ففي ((المدوَّنةِ) وغيرِ كتاب: لا يُجزئ، وفي
(الأَسَديَّة)): أنَّه يُجزئ(٣).
الخامسة والعشرون: ويُخرجُ الرجل مما يأكل؛ قال ابن العربي(٤): وقد زلَّت هنا
جماعةٌ من العلماء فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشَّعير، ويأكلُ الناسُ البرَّ، فلْيُخرج مما
يأكل الناس. وهذا سَهْوٌ بَيِّنٌ، فإنَّ المكفِّرَ إذا لم يستطع في خاصَّة نفسه إلَّ الشعير، لم
يكلّف أن يُعطيَ لغيره سواه، وقد قال ﴾: ((صاعاً من طعام، صاعاً من شعير)) ففصّل
ذِكْرَهما ليُخرِجَ كلُّ أحدٍ فرضَه مما يأكلُ، وهذا ممَّا لا خَفاءَ فيه.
السادسة والعشرون: قال مالك: إن غدَّى عَشَرةَ مساكينَ وعشَّاهم أجزأه. وقال
الشافعي: لا يجوزُ أن يطعمهم جملةً واحدة؛ لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يُعطي
كلَّ مسكينٍ مُدًّا. ورُوي عن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾: لا يُجزئ إطعامُ العشرة وجبةً
واحدةً - يعني غداءً دون عشاءٍ، أو عشاءً دون غداءٍ - حتى يُغْدِّيَهم ويُعشِّيَهم. قال
(١) الاستذكار ٨٩/١٥، وينظر الإشراف ٤٣٢/١، والمحلى ٧٣/٨، وليس في هذه المصادر ذكر ابن
عمر رضي الله عنهما، وسلف ذكره قريباً فيمن أعطى مدًا. وأخرج الأقوال المذكورة عدا قول ابن عمر
ابنُ أبي شيبة (نشرة العمروي) ٧/٤، وأخرج قول عمر وعلي عبد الرزاق (١٦٠٧٥) و(١٦٠٧٧)،
والطبري ٦٢٨/٨ .
(٢) برقم (٢١١٢)، وهو في الكامل لابن عدي ١٦٩٢/٥، وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي،
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا؛ فإنه مجمّع على
ضعفه، وقال الدارقطني: متروك.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٠، وينظر المدونة ١٢٠/٢.
(٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٤٥ .

١٤٤
سورة المائدة: الآية ٨٩
أبو عمر (١): وهو قولُ أئمة الفتوى بالأمصار.
السابعة والعشرون: قال ابنُ حبيب(٢): ولا يُجزئ الخبزُ قَفَاراً، بل يُعطَى معه
إدامُه زيتاً، أو كَشْكاً، أو كامَخاً، أو ما تَسَّر؛ قال ابنُ العربي(٣): هذه زيادةٌ ما أراها
واجبةً، أمَّا أنه يُستحبُّ له أن يُطعِمَ مع الخبزِ السُّكَّرَ، نَعَمْ واللحمَ، وأمَّا تعيينُ الإدام
للطعام فلا سبيلَ إليه؛ لأن اللفظَ لا یتضمَّنه.
قلت: نزولُ الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخَلَّ، وما كان في معناه
من الجُبْن والكَشْك كما قال ابنُ حبيب، والله أعلم. قال رسولُ الله﴾: ((نِعمَ الإِدامُ
الخَلُّ» (٤). وقال الحسن البصري: إنْ أَطعمَهم خبزاً ولحماً، أو خبزاً وزيتاً، مرَّة
واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزاء؛ وهو قولُ ابن سیرین وجابر بن زيد ومکحول،
وروي ذلك عن أنس بن مالك(٥).
الثامنة والعشرون: لا يجوزُ عندنا دفعُ الكفَّارة إلى مسکینٍ واحد، وبه قال
الشافعي(٦). وأصحابُ أبي حنيفة يمنعون صَرْفَ الجميع إلى واحدٍ دفعةً واحدة،
ويختلفون فيما إذا صَرف الجميعَ في يوم واحد بدفعاتٍ مختلفة، فمنهم من أجاز
(١) في الاستذكار ٩٠/١٥، وما قبله منه، وخبر علي ﴾ أخرجه سعيد بن منصور (٧٩٥ - تفسير)، والطبري
٦٢٦/٨ و٦٣٤.
(٢) قوله في النوادر والزيادات ٢١/٤ .
(٣) في أحكام القرآن ٦٤٩/٢ . والقَفار: غير المأدوم. القاموس (قفر). والكَشْك: ما يعمل من الحنطة،
وربما عمل من الشعير، قال المطرزي: هو فارسي معرب. المصباح المنير (كشك). والكامِخ (والفتح
أشهر): معرَّب كامّه، وهو إدام، أو خاصٌّ بالمخلَّلات المشهِّيات للطعام، جمعها: كوامخ. معجم متن
اللغة (كمخ).
(٤) أخرجه أحمد (١٤٢٢٥)، ومسلم (٢٠٥٢) من حديث جابر ، وأخرجه مسلم (٢٠٥١) من حديث
عائشة رضي الله عنها.
(٥) الاستذكار ٩٠/١٥، وأخرج الآثار المذكورة ابن أبي شيبة (نشرة العمروي) ٩/٤ - ١٠، وقول
الحسن أخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٦٠٧٨).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٦٤٦/٢ .

١٤٥
سورة المائدة: الآية ٨٩
ذلك، وأنه إذا تعدَّد الفعل حَسُنَ أن يقال في الفعل الثاني: لا يمنع من الذي دُفِعت
إليه أوّلاً؛ فإنَّ اسم المسكين يتناوله. وقال آخرون: يجوز دفعُ ذلك إليه في أيام، وإنَّ
تعدُّد الأيام يقوم مقامَ أعداد المساكين(١). وقال أبو حنيفة: يجزئه ذلك(٢)؛ لأنَّ
المقصود من الآية التعريفُ بقَدْرِ ما يُطعِم، فلو دَفَع ذلك القَدْرَ لواحد أجزأه.
ودليلُنا نصُّ الله تعالى على العَشَرة، فلا يجوزُ العدول عنهم، وأيضاً فإنَّ فيه
إحياءَ جماعةٍ من المسلمين وكفايتَهم يوماً واحداً، فيتفرَّغون فيه لعبادة الله تبارك
وتعالى ولدعائه، فيغفَر للمُكفِّر بسبب ذلك. والله أعلم.
التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الضميرُ على الصناعة النَّحْوية عائدٌ
على ((ما))، ويحتمل في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون
مصدريةً. أو يعودُ على إثم الحِنث وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ صريح، ولكنَّ المعنى
يقتضيه(٣).
الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿أَهْلِيكُمْ﴾ هو جمع ((أهل)) على السلامة. وقرأ
جعفر بن محمد الصادق: ((أَهَالِيكُمْ)) وهذا جمعٌ مُكَسَّر؛ قال أبو الفتح(٤): أهالٍ
بمنزلة ليالٍ، واحدها: أَهْلَات ولَيْلات، والعرب تقول: أَهْلٌ وأَهْلَةٌ. قال الشاعر:
وَأَهْلَةٍ وُدِّ قَد تَبَرَّيْتُ وُدَّهُمْ وأَبليتُهُمْ في الحَمْدِ جهدي ونَائِلي(٥)
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٩٧ .
(٢) ينظر اختلاف العلماء للمروزي ص ٢١٥، والمعونة ٦٤٤/١ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٩/٢ .
(٤) في المحتسب ٢١٧/١ - ٢١٨ وفيه قراءة جعفر بن محمد، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في
المحرر الوجيز ٢٣٠/٢ .
(٥) في (ظ) و(م): وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي، وفي (د): وأصليتهم في الحمد جهدي ونائلي،
وقائل البيت أبو الطَّمَحان القَيْني حنظلة بن الشَّرْقي، كما في الخزانة ٩٢/٨ ، واللسان (أهل)، وهو بلا
نسبة في إصلاح المنطق ص١٧٤، والمحتسب ٢١٧/١، والصحاح (أهل). قوله: أبليتهم، قال
البغدادي: أوصلتهم ومنحتهم، أي: رُبَّ أهلٍ ودٌّ قد تعرَّضتُ لأن يعلموا أني أَوَدُّهم، وبذلت لهم مالي
في العسر واليسر، يصف نفسه بالوفاء والبذل.

١٤٦
سورة المائدة: الآية ٨٩
يقول: تعرَّضتُ لودِّهم؛ قاله ابن السكيت(١).
الحادية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾ قرئ بكسر الكاف وضمِها،
وهما لغتان، مثل: إسوة وأُسوة (٢).
وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السَّمَيْفَع اليمانيُّ: ((أَوْ كَإِسْوَتِهِم)) يعني كإسوة
أهلِك(٣).
والكِسوة في حقِّ الرجال الثوبُ الواحد الساتر لجميع الجسد، وأما في حقٌّ
النساء فأقلُّ ما يُجزئهنَّ فيه الصلاة، وهو الدِّرْعُ والخمار. وهكذا حُكْمُ الصغار (٤)؛
قال ابن القاسم في ((العُتْبِيَّة)): تُكسى الصغيرة كسوةَ كبيرة، والصغيرُ كسوةَ كبير (٥)؛
قياساً على الطعام.
وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة والثوريُّ والأوزاعيُّ: أقلُّ ما يقع عليه الاسم، وذلك
ثوبٌّ واحد (٦). وفي رواية أبي الفرج عن مالك، وبه قال إبراهيم النَّخَعيُّ ومغيرةُ: ما
يستر جميعَ البدن، بناءً على أن الصلاة لا تُجزئ في أقلَّ من ذلك(٧).
ورُوي عن سلمانَ ﴾ أنه قال: نِعْمَ الثوبُ التَّّان؛ أسنده الطبريُ(٨).
(١) في إصلاح المنطق ص ١٧٤ .
(٢) قرأ الجمهور بكسر الكاف، والقراءة بضم الكاف نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٤ لأبي
عبد الرحمن السلمي ويحيى، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٠/٢ لسعيد بن المسيب والسلمي
والنخعي.
(٣) المحتسب ٢١٨/١، والمحرر الوجيز ٢٣٠/٢، والبحر المحيط ١١/٤، ونسب ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٣٤ لسعيد بن المسيب واليماني قراءتها بفتح الهمزة وبكسرها، أي: ((كإسوتهم))
و ((کأسوتهم)).
(٤) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٥٢٢ .
(٥) البيان والتحصيل ١٦٧/٣، والنوادر والزيادات ٢١/٤ .
(٦) الإشراف ٤٣٦/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٤٧/٢ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤٧ .
(٨) في تفسيره ٨/ ٦٤٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣١/٢، وهو عند ابن
أبي شيبة ٨/ ٤٠٢. والتُبَّان: سراويل صغير يستر العورة المغلظة فقط، ويُكثر لُبْسَه الملَّاحون. النهاية
(تبن).

١٤٧
سورة المائدة: الآية ٨٩
وقال الحَكّم بن عُتَّيْبةَ: تجزئ عِمامةٌ يلفُّ بها رأسه(١)، وهو قول الثوريّ(٢).
قال ابن العربيّ(٣): وما كان أَخْرَصَني على أن يقال: إنَّه لا يجزئ إلَّا كسوةٌ تسترُ
عن(٤) أَذَى الحرِّ والبرد، كما أن عليه طعاماً يشبعه من الجوع، فأقولَ به، وأمَّا القولُ
بمئزرٍ واحد فلا أدريه، والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه.
قلت: قد راعى قوم معهودَ الزِّيِّ والكِسوةَ المتعارَفة، فقال بعضهم: لا يجزئُ
الثوبُ الواحد إلَّا إذا كان جامعاً ممَّا قد يُتَزَيًّا(٥) به، كالكساء والمِلْحَفة.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: الكسوة في كفَّارة اليمين لكلِّ مسكين ثوبٌ: إزارٌ(٦)،
أو رداء، أو قميص، أو قَبَاء(٧)، أو كِسَاء.
وروي عن أبي موسى الأشعريِّ: أنه أَمر أن يُكسَى عنه ثوبين ثوبين، وبه قال
الحسن وابن سيرين(٨)، وهذا معنى ما اختاره ابن العربيَّ. والله أعلم.
الثانية والثلاثون: لا تُجزئ القيمة عن الطّعام والكِسوة، وبه قال الشافعيُّ. وقال
أبو حنيفة: تجزئ، وهو يقول: تجزئ القيمة في الزكاة، فكيف في الكفَّارة؟! قال ابن
العربيّ(٩): وعُمدتُه: أنَّ الغرض سدُّ الْخَلَّة ورفعُ الحاجة، فالقيمة تجزئُ فيه. قلنا: إن
نظرتُم إلى سدِّ الخَلَّة، فأين العبادة؟ [وأين] نصُّ القرآن على الأعيان الثلاثة،
(١) المحرر الوجيز ٢٣٠/٢، وأخرجه الطبري ٦٤٥/٨.
(٢) ذكره عنه ابن عبد البر في الاستذكار ١٥/ ٩١ .
(٣) في أحكام القرآن له ٢٤٧/٢ .
(٤) في (ظ): عنده، بدل: عن.
(٥) في (د) و(ز): يتزر، وفي (ظ) و(خ): يتردى، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز
٢٣١/٢. والكلام منه.
(٦) في النسخ الخطية: ثوب وإزار، والمثبت من الاستذكار ٩١/١٥، والكلام منه، ومختصر اختلاف
العلماء ٢٤٦/٣ .
(٧) القباء: يمد ويقصر ويذكّر: ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص. ينظر معجم متن اللغة والوسيط (قبا).
(٨) الإشراف ١/ ٤٣٧، وأخرج الآثار المذكورة عبد الرزاق (١٦٠٩١-١٦٠٩٤) والطبري ٨/ ٦٤١ - ٦٤٢.
(٩) في أحكام القرآن ٢/ ٦٤٧ ، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
:

١٤٨
سورة المائدة: الآية ٨٩
والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟
الثالثة والثلاثون: إذا دفع الكِسوةَ إلى ذمِّيٍّ أو الطعامَ(١)، لم يَجْزِهِ. وقال أبو
حنيفة: يُجزُّه؛ لأنَّه مسكينٌ يتناوله لفظُ المسكنة، ويشتمل عليه عمومُ الآية.
قلنا: هذا يخصُّه بأن نقول(٢): جزءٌ من المال يجب إخراجه للمساكين، فلا
يجوز دفعه للكافر، أصلُه الزكاة، وقد اتفقنا [معه] على أنه لا يجوز دفعه للمرتدّ،
فكلُّ دليلٍ خُصَّ به المرتدُّ فهو دليلُنا(٣) في الذميِّ.
والعبدُ ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده، فلا تُدفع إليه؛ كالغنيّ(٤).
الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ التحرير: الإخراج من الرِّقّ،
ويستعمل في الأَسْر والمَشَفَّات وتعبِ الدنيا ونحوها. ومنه قولُ أمِّ مريم: ﴿إِ نَذَرْتُ
لَكَ مَا فِى بَطْنِ مُحًَّا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: من شُغُوب الدنيا ونحوها. ومن ذلك قولُ
الفَرَزدق بن غالب:
أَبَني غُدَانةَ إِنَّني حَرَّرْتُكم فوهبتُكم لعطيةَ بن جِعَالٍ(٥)
أي: حرَّرتكم من الهجاء.
وخصَّ الرقبة من الإنسان؛ إذ هو العضو الذي يكون فيه الغُلُّ والتَّوَثُّق غالباً من
الحيوان، فهو موضع المِلك، فأضيف التحرير إليها(٦).
الخامسة والثلاثون: لا يجوز عندنا إلا إعتاقُ رقبةٍ مؤمنة كاملة، ليس فيها شِرْكٌ
(١) في (م): إلى ذمي أو إلى عبد، وفي باقي النسخ: إلى ذمي أو عبد (دون ذكر الطعام) والمثبت من
أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤٧ ، والكلام منه، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) في النسخ: يقول، والمثبت من أحكام القرآن.
(٣) في النسخ الخطية: دليل، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.
(٤) وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم؛ قالوا: لا يعطى العبد من الكفارة. الإشراف ٤٣٥/١ .
(٥) طبقات فحول الشعراء ٤٩٢/١، والأغاني ٢٩٥/٨، والمحرر الوجيز ٢٣١/٢، والكلام منه.
(٦) المحرر الوجيز ٢٣١/٢.

١٤٩
سورة المائدة: الآية ٨٩
لغيره، ولا عَتَاقةُ بعضِها، ولا عِثْقُ إلى أجل، ولا كِتابةٌ، ولا تدبيرٌ، ولا تكون أمَّ
ولد، ولا مَن يَعتقُ عليه إذا مَلَكَه، ولا يكون بها من الهَرم والزَّمانة ما يَضُرُّ بها في
الاكتساب (١)، سليمةٍ غيرِ معيبةٍ؛ خلافاً لداود في تَجْويزه إعتاقَ المَعِيبة(٢).
وقال أبو حنيفة: يجوز عتقُ الكافرة؛ لأنَّ مُظْلَقَ اللَّفظ يقتضيها(٣). ودليلُنا: أنَّها
قُربة واجبة، فلا يكون الكافر محلًا لها، كالزكاة، وأيضاً فكلُّ مطلَقٍ في القرآن من
هذا فهو راجع إلى المقيَّد في عتق الرقبة في قتل الخطأ.
وإنَّما قلنا: لا يكون فيها شِرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾، وبعضُ الرَّقبة
لیس برقبة.
وإنَّما قلنا: لا يكون فيها عَقْدُ عِتقٍ (٤)؛ لأنَّ التحرير يقتضي ابتداءَ عِقٍ دون تَنْجيزِ
عِتقٍ مقدَّم.
وإنَّما قلنا: سليمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحِيُ رَقَبَةٍ﴾ والإطلاقُ يقتضي تحرير رقبة
كاملة، [والقطعاءُ] والعمياءُ ناقصة(٥). وفي الصحيح عن النبيِّ ﴾: ما مِنْ مسلمٍ يُعيِقُ
امْرَءاً مسلماً، إلَّا كان فكَاكَهُ(٦) من النَّار، عضوٌ منه بعضوٍ منها، حتى الفرجُ
بالفرچِ»(٧) وهذا نصّ.
وقد رُوي في الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأَصمِّ والخَصِيّ(٨).
(١) الكافي ١/ ٤٥٣ .
(٢) المعونة ٦٤٥/١ .
(٣) وقاله أيضاً عطاء وأبو ثور. ينظر الإشراف ٤٣٨/١.
(٤) يعني: لا يكون فيها عقد عتق من تدبير، أو كتابة، أو استيلاد، أو عتق إلى أجل، أو من الأقارب وكل
من يستحق عتقه بغير الكفارة. المعونة ٦٤٢/١ .
(٥) المعونة ٦٤٥/١ ، وما بین حاصرتین منه.
(٦) في (ظ): إلا کان فيه فکاکه.
(٧) أخرجه بنحوه أحمد (٩٤٤١)، والبخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩) من حديث أبي هريرة ﴾.
وأخرجه بنحوه أيضاً الترمذي (١٥٤٧) من حديث أبي أمامة ، وقال: حديث حسن صحيح.
(٨) ينظر تفصيل هذه الأقوال في المنتقى للباجي ٣٥٥/٣.

١٥٠
سورة المائدة: الآية ٨٩
السادسة والثلاثون: مَن أخرج مالاً ليُعتق رقبةً في كفَّارة فتلِف، كانت الكفَّارةُ
باقيةً عليه، بخلاف مُخْرِج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء، أو ليشتريَ به رقبةً،
فتلف، لم يكن عليه غيرُه؛ لامتثال الأمر.
السابعة والثلاثون: اختلفوا في الكفَّارة إذا مات الحالف؛ فقال الشافعيُّ وأبو
ثور: كفَّاراتُ الأيمان تُخرَج من رأس مال الميت. وقال أبو حنيفةً: تكون في الُّلث.
وكذلك قال مالك إن أَوصَى بها(١).
الثامنة والثلاثون: مَن حَنِث(٢) وهو موسرٌ فلم يُكفِّر حتى أَغْسَرَ، أو حَنِث وهو
مُعْسرٌ فلم يُكفِّر حتى أَيْسَرَ، أو حَنِث وهو عبدٌ فلم يُكفِّرِ حتى عَتَقَ، فالمراعاةُ في ذلك
كلِّه وقتَ تكفيره لا وقتَ حِنْثِه(٣).
التاسعة والثلاثون: روى مسلم (٤) عن أبي هُريرةَ قال: قال رسول الله ﴾: ((واللهِ
لَأَنْ يَلَجَّ أَحدُكم بيمينه في أهلِهِ، أَثَمُ له عند الله من أن يعطِيَ كفَّارته التي فرض الله)».
اللَّجَاجُ في اليمين: هو المضيُّ على مقتضاه وإن لزم(٥) من ذلك حرجٌ ومشقّة، أو
تركُ (٦) ما فيه منفعةٌ عاجلة أو آجلة؛ فإن كان شيءٌ من ذلك، فالأولى به تحنيثُ نفسه
وفِعْلُ الكفَّارة، ولا يعتلَّ باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً
منها، فلْيُكفِّرْ عن يمينه، وليفعل الذي هو خير))(٧) أي: الذي هو أكثرُ خيراً.
(١) التمهيد ٢١/ ٢٥٢ .
(٢) في النسخ: من حلف، والمثبت من الكافي ١/ ٤٥٤ ، والكلام منه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): بوقت التكفير لا وقت الحنث، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في
الكافي.
(٤) في صحيحه (١٦٥٥)، وهو عند أحمد (٧٧٤٣)، والبخاري (٦٦٢٥).
(٥) في (ظ): لزمه.
(٦) في النسخ: وترك، والمثبت من المفهم ٤/ ٦٤٣، والكلام منه.
(٧) سلف ص ١٢٧ و١٤٠ .

١٥١
سورة المائدة: الآية ٨٩
الموفية أربعين: روى مسلم(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((اليمينُ
على نيَّة المستَخلِف))، قال العلماء: معناه: أنَّ مَن وجبت عليه يمينٌ في حقٍّ وجب
عليه(٢)، فحلف وهو ينوي غيره، لم تنفعه نِيَّتُه، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين،
وهو معنى قوله في الحديث الآخر: «یمینُك على ما يُصدِّقك عليه صاحبُك» ورُوي:
(يُصدِّقك به صاحبك)) خرَّجه مسلم أيضاً(٣).
قال مالك: مَن حلف لطالبه في حقِّ له عليه، واستثنى في نفسه(٤)، أو حرَّك
لسانه أو شفتيه، أو تكلّم به، لم ينفعه استثناؤه ذلك؛ لأنَّ النية نيَّةُ المحلوف له؛ لأنَّ
اليمين حقٍّ له، وإنَّما تقع على حَسَب ما يستوفيه له الحاكم، لا على اختيار الحالفِ؛
لأنَّها مستوفاةً منه. هذا تحصيلُ مذهبِه وقوله.
الحادية والأربعون: قوله تعالى: ﴿فَ لَّمْ يَهِدْ﴾ معناه: لم يجد في مِلكه أحد هذه
الثلاثة؛ من الإطعام أو الكسوة أو عتقِ الرقبة بإجماعٍ(٥)، فإذا عَدِم هذه الثلاثةَ
الأشياء، صام. والعُدْمُ يكون بوجهين؛ إمَّا: بمغيب المال عنه، أو عُدْمِه.
فالأول: أن يكون في بلدٍ غيرِ بلده، فإن وَجَد مَن يُسْلفُه، لم يَجْزِه الصومُ، وإن
لم يجد مَن يُسلفه، فقد اختلف فيه؛ فقيل: ينتظر إلى بلده؛ قال ابن العربيّ(٦): وذلك
لا يلزمه، بل يكفِّرُ بالصيام؛ لأنَّ الوجوب قد تقرَّر في الذِّمَّة، و[الشرطُ من] العُدْم قد
تحقَّق، فلا وجْهَ لتأخير الأمر، فلْيكفِّرْ مكانَه لعجزه عن الأنواع الثلاثة؛ لقوله تعالى:
﴿فَ لَمْ يَهِدْ﴾.
وقيل: مَن لم یکن له فضلٌ عن رأس ماله الذي یعیش به، فهو الذي لم يجد.
(١) في صحيحه (١٦٥٣): (٢١).
(٢) في المفهم ٤/ ٦٣٤ (والكلام منه): في حق ادُّعيَ عليه به.
(٣) في صحيحه (١٦٥٣): (٢٠)، وأخرج الرواية الثانية أحمد (٧١١٩).
(٤) في النسخ: في يمينه، والمثبت من الكافي ٤٤٩/١ ، والكلام منه.
(٥) الإشراف ٤٤٢/١، والمحرر الوجيز ٢٣٢/٢ .
(٦) في أحكام القرآن ٢/ ٦٤٨، وما قبله، وما سيرد بين حاصرتين منه.

١٥٢
سورة المائدة: الآية ٨٩
وقيل: هو مَن لم يكن له إلَّا قُوتُ يومِه وليلته، وليس عنده فضلٌ يَطْعَمُه. وبه قال
الشافعيُّ، واختاره الطَّبَريُ(١)، وهو مذهب مالك وأصحابه.
ورُويَ عن ابن القاسم: أنَّ مَن تَفضُلُ عنه نفقةُ يومه فإنه لا يصوم؛ قال ابن
القاسم في كتاب ابن مزيِّن(٢): إنَّه إن كان للحانث فضلٌ عن قُوت يومه أَظْعَم، إلَّا أن
يخاف الجوعَ، أو یکونَ في بلد لا يُعطف عليه فيه(٣).
وقال أبو حنيفة: إذا لم یکن عنده نصاب؛ فهو غير واجد.
وقال أحمد وإسحاق: إذا كان عنده قُوتُ يومه وليلته(٤)، أَطعم ما فَضَل عنه.
وقال أبو عبيد: إذا كان عنده قوتُ يومه وليلته [لنفسه] وعياله، وكسوةٌ تكون
لكفايتهم، ثم يكون بعد ذلك مالكاً لقَدْر الكفَّارة، فهو عندنا واچِدٌ. قال ابن
المنذر(٥): قول أبي ◌ُبيد حَسنٌ.
الثانية والأربعون: قوله تعالى: ﴿فَضِيَامُ ثََّثَةٍ أَيَّمٍ﴾ قرأَها ابنُ مسعود:
﴿متتابعات﴾(٦) فيُقيَّد بها المطلَقُ، وبه قال أبو حنيفة والثوريُّ(٧)، وهو أحدُ قولَيٍ
الشافعيِّ، واختاره المُزَنيُّ قياساً على الصوم في كفَّارة الظُّهار، واعتباراً بقراءة
عبد الله(٨).
(١) في تفسيره ٨/ ٦٥١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٦٤٨/٢ .
(٢) يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن مزين، أصله من طليطلة، وانتقل إلى قرطبة، ورحل إلى المشرق، فروى
الموطأ عن مطرِّف بن عبد الله، وعن حبيب كاتب مالك، توفي سنة (٢٥٩هـ). الديباج المذهَّب ٣٦١/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٢/٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): قوت يوم وليلة، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في الإشراف ١/ ٤٤٢،
والكلام منه، وما سیرد بین حاصرتین منه.
(٥) في الإشراف ٤٤٣/١ .
(٦) أخرجها الطبري ٨/ ٦٥٢ - ٦٥٣ عن ابن مسعود وأبيٍّ رضي الله عنهما.
(٧) وقاله أيضاً أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وروي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والنخعي. الإشراف
٤٤٤/١.
(٨) مختصر المزني على هامش الأم ٢٢٩/٥ - ٢٣٠، إلا أن المزني رحمه الله اقتصر في اختياره التتابع
على القياس على كفارة الظهار، ولم يذكر قراءة عبد الله.

١٥٣
سورة المائدة: الآية ٨٩
وقال مالك والشافعيُّ في قوله الآخَر: يُجزئه التفريقُ؛ لأنَّ التتابعُ صفةٌ لا تجب
إلا بنصِّ، أو قياسٍ على منصوصٍ، وقد عُدِما(١).
الثالثة والأربعون: مَن أَفطر في يوم من أيام الصيام ناسياً؛ فقال مالك: عليه
القضاءُ. وقال الشافعيُّ: لا قضاءً عليه(٢). على ما تقدَّم بيانه في الصيام في ((البقرة))(٣).
الرابعة والأربعون: هذه الكفَّارة التي نصَّ الله عليها لازمةٌ للحرِّ المسلم باتِّفاق،
واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حَنِث، فكان سفيان الثوريُّ والشافعيُّ
وأصحابُ الرأي يقولون: ليس عليه إلَّا الصومُ، لا يُجزُه غيرُ ذلك.
واختُلِفَ فيه عن مالك(٤)؛ فحكى عنه ابنُ نافع أنَّه قال: لا يُكفِّر العبد بالعتق؛
لأنَّه لا يكون له الولاء، ولكنْ يُكفِّر بالصَّدَقة إن أَزِن له سيده؛ وأَضْوبُ ذلك أن
يصوم. وحَكَى ابن القاسم عنه أنَّه قال: إن أطعم أو كسا بإذن السَّيِّد فما هو بالبيِّن،
وفي قلبي منه شيءٍ (٥).
الخامسة والأربعون: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ﴾ أي: تغطيةُ أَيْمانِكم؛
وكَفَّرتُ الشيءَ: غَّيتُه وسترتُه، وقد تقدَّم (٦).
ولا خلافَ أنَّ هذه الكفَّارةَ في اليمين بالله تعالى، وقد ذهب بعض التَّابعين إلى
أنَّ كَفَّارة اليمين فعلُ الخير الذي حلف على تركه. وتَرْجَم ابن ماجه في سننه: مَن
قال: كفَّارتُها تَرْكُها: حدَّثنا عليّ بن محمد، حدَّثنا عبد الله بن نُمَير، عن حارثةً بن
أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ، عن عائشة قالت: قال رسول الله﴾: ((مَن حلفَ في (٧)
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٤٩/٢ .
(٢) وقاله أيضاً أبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر. الإشراف ٤٤٥/١ .
(٣) ١٩٩/٣.
(٤) في (م): واختلف فيه قول مالك.
(٥) الإشراف ٤٤٦/١ - ٤٤٧، ورواية ابن القاسم عن مالك في المدونة ١١٨/٢ .
(٦) ٢٨٠/١.
(٧) في النسخ الخطية: على، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه.

١٥٤
سورة المائدة: الآية ٨٩
قطيعة رَحِم، أو فيما لا يَضْلُحُ، فِبِرُّه أَلَّا يَتَمَّ على ذلك))(١).
وأَسنَد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((مَن حَلَفَ
على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها، فليترُكُها؛ فإنَّ تركَها كفَّارتُها))(٢).
قلت: ويَعْتَضِدُ هذا بقصة الصِّدِّيقِ ﴾ حين حَلف ألَّ يَظْعَم الطعام، وحلَفت
امرأته ألَّا تَطعمه حتى يَطعمَه، وحلف الضيف - أو الأضيافُ - أَلَّا يَطعمَه - أو لا
يَطعَموه - حتى يطعمه، فقال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا بالطعام فأكل
وأكلوا. خرَّجه البخاريُّ(٣). وزاد مسلم قال: فلمَّا أَصبح، غدا على النبيِّ ﴾، فقال:
يا رسول الله، بَرُّوا وحَنِثتُ. قال: فأخبره؛ قال: ((بل أنت أَبَرُّهم وأَخْيَرُهم)). قال:
ولم تبلغني كفَّارة(٤).
السادسة والأربعون: واختلفوا في كفَّارة غيرِ اليمين بالله عزَّ وجلَّ، فقال مالك:
من حلف بصدقةٍ ماله أخرجَ ثُلُثه. وقال الشافعيُّ: عليه كفَّارةُ يمين. وبه قال إسحاقُ
وأبو ثور، وروي عن عمر وعائشةَ رضي الله عنهما. وقال الشعبيُّ وعطاء وطاوس: لا
شيء عليه(٥).
(١) سنن ابن ماجه (٢١١٠)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٦١/١: هذا إسناد ضعيف لضعف
حارثة بن أبي الرجال، متفق على ضعفه. وقال الذهبي في الميزان ٤٤٦/١: ضعفه أحمد وابن معين،
وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منکر الحديث، لم يعتدَّ به أحد.
(٢) سنن ابن ماجه (٢١١١). وهو عند أحمد (٦٧٣٦)، وأبي داود (٣٢٧٤)، والبيهقي ٣٣/١٠. وذكر
البيهقي أن قوله: ((فتركها كفارتها)) زيادة تخالف الروايات الصحيحة. قال الحافظ في الفتح ١١/ ٦١٧ :
أشار أبو داود إلى ضعفه وقال: الأحاديث كلها: ((فليكفِّر عن يمينه)) إلا شيئاً لا يُعبأ به ... وينظر تتمة
كلام الحافظ ثمة. وقال الخطابي في معالم السنن ٤٩/٤: قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﴾
بأن الكفارة لازمة لمن حنث في يمينه، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة، وحديث أبي موسى
الأشعري، وحديث أبي هريرة.
(٣) في صحيحه (٦١٤٠)، وهو عند أحمد (١٧٠٢)، ومسلم (٢٠٥٧).
(٤) صحيح مسلم (٢٠٥٧): (١٧٧). قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٢٢/١٤: قوله: ((ولم تبلغني
كفارة)) يعني: لم يبلغني أنه كفّر قبل الحنث، فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه.
(٥) ينظر بسط هذه المسألة وأقوال الأئمة فيها في الإشراف ١/ ٤١٢ - ٤١٥، والاستذكار ١٠٣/١٥.

١٥٥
سورة المائدة: الآية ٨٩
وأمَّا اليمينُ بالمشي إلى مكَّة، فعليه أن يَفِيَ به عند مالك وأبي حنيفة. وتُجزئه
كفَّارةُ يمينٍ عند الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وأبي ثور. وقال ابن المسيِّب والقاسم بن
محمد: لا شيءَ عليه(١).
قال ابن عبد البرِّ(٢): أكثرُ أهلِ العلم بالمدينة وغيرِها يوجبون في اليمين بالمشي
إلى مكَّة كفَّارةً مثل كفَّارة اليمين بالله عزَّ وجلَّ، وهو قولُ جماعةٍ من الصحابة
والتابعين وجمهورٍ فقهاء المسلمين؛ وقد أفتى به ابنُ القاسم ابنَه عبدَ الصمد، وذكر له
أنه قولُ الليث بنِ سعد. والمشهورُ عن ابن القاسم: أنَّه لا كفَّارةَ عنده في المشي إلى
مكّة إلَّا بالمشي لمن قدر عليه؛ وهو قولُ مالك.
وأمَّا الحالفُ بالعتق؛ فعليه عتقُ مَن حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعيِّ
وغيرِهما. ورُوي عن ابن عمر وابن عباس وعائشةَ أنَّه يُكفِّر كفَّارةَ يمينٍ، ولا يلزمه
العتق(٣). وقال عطاء: يتصدق بشيء.
قال المهدويُّ: وأجمع مَن يُعتمد على قوله من العلماء على أنَّ الطلاق لازمٌ لمن
حلف به وحَّنِث(٤).
السابعة والأربعون: قوله تعالى: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ أي: بالبِدَار إلى ما لزمكم
من الكفَّارة إذا حَنِثتم. وقيل: أي بترك الحَلِف؛ فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجَّه عليكم
هذه التكليفات. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تقدَّم معنى الشكر و((لعل)) في ((البقرة))،
والحمد لله(٥).
(١) الإشراف ٤١٥/١ .
(٢) في الكافي ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧ .
(٣) الإشراف ٤٢٠/١، وقول الصحابة المذكورين وغيرهم سلف في حديث أبي رافع ٦/ ٢٧١ - ٢٧٢ ،
وينظر الاستذكار ١١٠/١٥ - ١١١.
(٤) ينظر الإجماع ص١٢٦، والإشراف ٤٢١/١ كلاهما لابن المنذر.
(٥) ٣٤٢/١ في معنى ((لعل))، و١٠٤/٢ في معنى الشكر.

١٥٦
سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اَلْقَتُرُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ ﴿ وَأَلِيُو
اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ
فيه سبع عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ خطابٌ لجميع المؤمنين بترك هذه
الأشياء؛ إذ كانت شهواتٍ وعاداتٍ تَلَبَّسوا بها في الجاهلية، وغلبت على النفوس،
فكان بقي(١) منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية(٢): ومن هذا القبيل
هَوَى الزَّجْرِ بالطَّر، وأخذِ الفأل في الكتب، ونحوِه مما يصنعه الناس اليوم.
وأما الخمر؛ فكانت لم تُحرَّم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاثٍ بعد وقعة
أُحُد، وكانت وقعة أُحد في شؤَّال سنة ثلاث من الهجرة(٣). وتقدَّم اشتقاقُها (٤).
وأما الميسر؛ فقد مضى في ((البقرة)) القول فيه(٥).
وأما الأنصاب؛ فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي النَّرْد والشّطْرَنْج؛ ويأتي بيانهما
في سورة يونس [الآية: ٣٢] عند قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلَّ﴾.
٠٠
(١) في (م): نفيّ.
(٢) في المحرر الوجيز ٢٣٣/٢، وما قبله منه.
(٣) أخرج البخاري (٤٦١٨) من حديث جابر قال: صبَّح أناسٌ غداةَ أُحدِ الخمرَ، فقُتلوا من يومهم جميعاً
شهداء، وذلك قبل تحريمها. قال ابن حجر في فتح الباري ٢٧٨/٨: ويستفاد منه أنها كانت مباحة قبل
التحريم. وقال أيضاً ٢٧٩/٨: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان. وقال أيضاً ٣١/١٠ :
ثم رأيت الدمياطي في سيرته جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست.
وذكر ابن إسحاق أنه كان في واقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أحد، وذلك سنة أربع على الراجح،
و فيه نظر.
(٤) ٣/ ٤٣٣ .
(٥) ٤٣٥/٣ - ٤٣٧.

١٥٧
سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢
وأما الأزلام؛ فهي القِداح، وقد مضى في أوَّل السورة القول فيها(١). ويقال:
كانت في البيت عند سَدَنة البيت وخُدَّام الأصنام، يأتي الرجلُ إذا أراد حاجةً فيقبض
منها شيئاً، فإن كان عليه: أمرني ربي؛ خرج لحاجته(٢) على ما أَحبَّ أو كَرِهِ.
الثانية: تحريم الخمر كان بتدريج ونوازلَ كثيرة؛ لأنهم(٣) كانوا مولَعين بشربها،
وأوَّلُ ما نزل في شأنها: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها(٤) بعض الناس
وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتَها
ونترك إثمَها، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]،
فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض
الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَتُ وَالْمَيْسُِ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ﴾ الآية، فصارت حراماً عليهم، حتى كان(٥) يقول بعضهم: ما حَرَّم الله
شيئاً أشدَّ من الخمر.
وقال أبو مَيْسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب؛ فإنه ذكر للنبيِّ﴾ عيوبَ الخمر،
وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر
بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا(٦). وقد مضى في ((البقرة))
و ((النساء))(٧).
(١) ٢٨٦/٧ - ٢٨٧ .
(٢) في (م): إلی حاجته.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): فإنهم. والمثبت من (ظ).
(٤) في النسخ الخطية: ترك. والمثبت من (م).
(٥) في (م): صار.
(٦) أخرجه أحمد (٣٧٨)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي في المجتبى ٢٨٦/٨-٢٨٧،
وفي الكبرى (٥٠٣١). وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل الهمداني.
(٧) البقرة: ٤٣٥/٣، والنساء: ٣٢٩/٦.

١٥٨
سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾ و﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾
نسختها(١) التي في المائدة: ﴿إِنََّا الْفَرُ وَالْمَيِرُ وَالْأَصَامُ﴾(٢) .
وفي صحيح مسلم: عن سعد بن أبي وقَّاص أنه قال: نَزَّلَتْ فيَّ آياتٌ منَ القرآن؛
وفيه قال: وأتيتُ على نَفرٍ منَ الأنصار [والمهاجرين]، فقالوا: تَعالَ نُطعمْكَ ونسقيكَ
خمراً، وذلك قبل أن تُحرَّم الخمر. قال: فأتيتهم في حَشُّ - والحَشُّ: البُسْتان - فإذا
رأس جَزُور مشويٌّ [عندهم]، وزِقٌّ من خمر. قال: فأكلتُ وشربتُ معهم. قال:
فَذُكِرتِ الأنصارُ والمهاجرون(٣) عندهم. فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار. قال:
فأخذ رجل [أَحَدَا لَحْيَي جمل(٤) فضربني به، فَجرح أنفي - وفي رواية: فَفَزَره، وكان
أنفُ سعدٍ مَفْزُوراً - فأتيتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ فأخبرته، فأنزل الله تعالى فيَّ - يعني نفسَه ـ
شأنَ الخمر: ﴿إِنَّ اَْتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَبُوهُ﴾ (٥).
الثالثة: هذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً، معمولاً به،
معروفاً عندهم؛ بحيث لا يُنكّر ولا يُغيَّر، وأنَّ النبيَّ :﴿ أقرَّ عليه، وهذا ما لا خلاف
فيه؛ يدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [الآية: ٤٣] على ما تقدَّم.
وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديثُ حمزة(٦) ظاهر فيه حين بَقَر
(١) في سنن أبي داود: نسختهما.
(٢) سنن أبي داود (٣٦٧٢). وأخرجه من طريقه البيهقي ٢٨٥/٨ . قال الشوكاني في نيل الأوطار ١٧٨/٨:
في إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال.
وأخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٥٠) من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس.
(٣) في (م): والمهاجرين.
(٤) في صحيح مسلم: الرأس.
(٥) صحيح مسلم (١٧٤٨): (٤٣) و(٤٤) ٤/ ١٨٧٧ - ١٨٧٨، وما بين حاصرتين منه. وهو في مسند
أحمد (١٥٦٧). وقوله: فزره؛ أي: شقَّه. النهاية (فزر). والزُّق: السِّقاء، أو جلد يُجزُّ ولا ينتف،
للشراب وغيره. القاموس (زقق).
(٦) أخرجه أحمد (١٢٠١)، والبخاري (٢٣٧٥)، ومسلم (١٩٧٩) من حديث علي ﴾
:

١٥٩
سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢
خواصرَ ناقَتَي عليٍّ رضي الله عنهما وجَبَّ(١) أستمتَهما، فأخبر عليٍّ بذلك النبيَّ ﴾،
فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزةً للنبيِّ # من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه
من احترام النبيِّ # وتوقيره وتعزيره(٢) ما يدلُّ على أنَّ حمزةً كان قد ذهب عقلُه بما
يُسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسولُ اللـه ﴾ أنه ثَمِلٌ (٣). ثمّ إنَّ النبيَّ # لم يُنكر
على حمزةَ ولا عنَّفه؛ لا في حال سُكْرِهِ، ولا بعدَ ذلك، بل رجع - لَمَّا قال حمزة:
وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي - على عقبيه القَهْقَرى(٤)، وخرج عنه.
وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحَكّوه، فإنهم قالوا: إنَّ السُّكر حرامٌ في كلِّ
شريعة؛ لأنَّ الشرائعَ مصالحُ العباد، لا مفاسدهم، وأصلُ المصالح العقلُ، كما أنَّ
أصلَ المفاسد ذهابه، فیجب المنع من کلِ ما یذهبه أو يشوِّشه، إلا أنه يحتمل حدیث
حمزة أنه لم يقصد بشربه السُّكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم(٥).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَجٌْ﴾ قال ابن عباس في هذه الآية: ((رِجْسٌ)»:
سُخْط(٦). وقد يقال للنَّتْن والعَذِرة والأقذار: رجسٌ. والرِّجز؛ بالزاي: العذاب، لا
غير. والرِّكْسُ: العَذِرة، لا غير. والرِّجسُ يقال للأمرين(٧).
ومعنى ﴿مِّنْ عَلِ الشَّيْطَنِ﴾ أي: يحمله(٨) عليه ويزيِّنُه(٩). وقيل: هو الذي كان
عمِل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها.
(١) في (د): وأجب. وفي (ظ): وجبت. والمثبت من (ز) و(م). والجَبُّ: القطع. النهاية (جبب).
(٢) التعزير: الإعانة والتوقير والنصر مرّة بعد مرّة. النهاية (عزر).
(٣) الثمل: الذي أخذ منه الشراب والسُّكر. النهاية (ثمل).
(٤) القهقرى: هو المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه. النهاية (قهقر).
(٥) المفهم ٢٤٩/٥ . وما قبله منه.
(٦) أخرجه الطبري ٦٥٦/٨، وابن أبي حاتم ١١٩٨/٤ .
(٧) المحرر الوجيز ٢٣٣/٢.
(٨) في (م): بحمله.
(٩) في (ز) و(ظ) و(م): وتزيينه. والمثبت من (د)، وهو الموافق للمفهم ٥/ ٢٥٥، وعنه نقل المصنف.

١٦٠
سورة المائدة: الآيات ٩٠ - ٩٢
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يريد: أبعدوه واجعلوه ناحية، فأمر الله تعالى
باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة،
فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حُرمت الخمر(١).
ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي
مَدَنَّة من آخر ما نزل، وورد التحريمُ في الميتة والدَّم ولحم الخنزير في قوله تعالى:
﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وغيرها من الآي خَبَراً، وفي الخمر نَهْياً وزَجْراً، وهو
أقوى التحريم وأوكده. رَوَى ابن عباس قال: لمَّا نزل تحريم الخمر، مشَى أصحابُ
رسولِ الله ﴿ بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجعلت عِدْلاً (٢) للشّرك.
يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شِرْكٌ(٣). ثم علَّق ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فعلَّق
الفلاحَ بالأمر، وذلك يدلُّ على تأكيد الوجوب. والله أعلم.
السادسة: فَهِمَ الجمهورُ من تحريم الخمر، واستخباثِ الشرع لها، وإطلاقٍ
الرِّجس عليها، والأمرِ باجتنابها؛ الحكمَ بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث
ابن سعد والمُزَنيُّ صاحب الشافعي، وبعضُ المتأخرين من البغداديين والقرويين،
فرأوا أنها طاهرة، وأنَّ المحرَّمَ إنما هو شربُها. وقد استدلَّ سعيد بن الحداد القرويُّ
على طهارتها بسفكها في طرق المدينة؛ قال: ولو كانت نجسةً لَمَا فعل ذلك الصحابةُ
رضوان الله عليهم، ولَنَهَى رسولُ اللهِ ﴾ عنه؛ كما نَهَى عن التخلِّي في الطرق (٤).
والجواب: أن الصحابة فعلَتْ ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب(٥) ولا آبار يريقونها
(١) المحرر الوجيز ٢٣٣/٢ .
(٢) العِدْل: المثل. مختار الصحاح (عدل).
(٣) ينظر التمهيد ٢٤٦/١ - ٢٤٧. وأخرجه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير ١٢/(١٢٣٩٩)، والحاكم
١٤٤/٤، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٢/٥
وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٤) بقوله: ((اتقوا اللَّغَّانَين)) قالوا: وما اللَّغَّانان يا رسول الله؟ قال: ((الذي يتخلى في طريق الناس، أو في
ظلهم)). أخرجه أحمد (٨٨٥٣)، ومسلم (٢٦٩) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٥) جمع سَرَب، وهو حفير تحت الأرض. لسان العرب (سرب).