النص المفهرس
صفحات 1-20
كَامِ الْقُرآنِ الْجَامِعُ لَهـ وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ تَأليفُ أَبِيِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِبْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكْرِ القُرُيِّ (ت ٦٧١ هـ ) تَحْقِيْق الدكتور عبد اللّه بن عبدالمحسن التركي شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمد رضوان عرفيوسي ما هِرْجُوَشْ المُجْزِعْ آلثّامِن مؤسسة الرسالة . . -3 3 8 : الخَامِعُ لِأَحْكَاِ القُرآنِ وَالمُبَيِّنُ لمَا تَضَّنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ القُرَّانِ جَميعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م آلة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت-لبنان مؤسسة الـ للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460 Email: Resalah@Cyberia.net.lb PUBLISHERS بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَكَبِّنَا عَلَيْهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ وَاُلْسِنَّ بِلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ, وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ فیه ثلاثون مسألة: الأُولى: قوله تعالى: ﴿وَكَتِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بيَّن تعالى أنه سوى بين النفسِ والنفسِ في التوراة، فخالفُوا ذلك، فضلُّوا؛ فكانت دِيَةُ النَّضِيريِّ أكثرَ، وكان النَّضِيريُّ لا يُقتلُ بالقُرَِيِّ، ويُقتلُ به القُرَظيُّ، فلما جاء الإسلامُ راجعَ بنو قُرَيظةَ رسولَ اللهِ﴾ فيه، فحكَم بالاستواء، فقالت بنو النَّضِير: قد حططتَ منَّا. فنزلت هذه الآيةُ(١). و((كتبنا)) بمعنى فرضنا، وقد تقدَّم (٢). وكان شرعُهم القصاصَ أو العفوَ، وما كان فيهم الدّيَةُ، كما تقدّم في ((البقرة)) بيانُه(٣). وتعلّق أبو حنيفةً وغيرُه بهذه الآيةِ فقال: يُقتل المسلمُ بالذِّمِّيَّ؛ لأنَّه نفسٌ بنفس(٤). وقد تقدَّم في ((البقرة )) بيانُ هذا(٥). وقد روى أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ عن عليٍّ ﴾ أنه سُئل: هل خَصَّك (١) أخرجه الطبري ٤٦٩/٨ - ٤٧٠ عن ابن جُريج بنحوه. (٢) ٦٤/٣ . (٣) ٦٤/٣، ٦٦. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٢٢ . (٥) ٦٧/٣ . ٦ سورة المائدة: الآية ٤٥ رسولُ اللهِ﴾ بشيءٍ؟ قال: لا، إلا ما في هذا. وأخرج كتاباً من قِراب سيفِه، وإذا فيه: ((المؤمنون تتكافأ دماؤُهم، وهم يدٌ على مَنْ سِواهُم، ولا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عَهده))(١). وأيضاً؛ فإنَّ الآية إنَّما جاءت للردّ على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذِهم من قبيلةٍ رجلاً برجل، ومن قبيلةٍ أخرى رجلاً برجلين. وقال(٢) الشافعيةُ: هذا خبرٌ عن شرع مَن قبلَنا. وشرعُ مَن قبلَنا ليس شرعاً لنا(٣)، وقد مضى في ((البقرة)) في الردِّ عليهم ما يكفي، فتأملُه هناك(٤). ووجهٌ رابعٌ: وهو أنه تعالى قال: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وكان ذلك مكتوباً على أهل التوراة، وهم مِلَّةٌ واحدةٌ، ولم يكن لهم أهلُ ذِمَّةٍ كما للمسلمين أهلُ ذِمَّة؛ لأنَّ الجزيةَ فيءٌ وغنيمةٌ أفاءها الله على المؤمنين، ولم يحلّ(٥) الفيءُ لأحد قبلَ هذه الأمةِ، ولم يكن نبيٌّ فيما مضى مبعوثاً إلا إلى قومه، فأوجبت الآيةُ الحكمَ على بني إسرائيلَ؛ إذ كانت دماؤهم تتكافأ؛ فهو مثلُ قولِ الواحدِ منَّا: في دماءٍ (٦) سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ يشيرُ إلى قوم معيَّنين، ويقول: الحكم(٧) في هؤلاء أنَّ النفسَ منهم بالنفس، فالذي يجبُ بحكم هذه الآيةِ على أهل القرآنِ أنْ يقالَ لهم(٨) (١) سنن أبي داود (٤٥٣٠)، سنن الترمذي (١٤١٢)، والمجتبى ١٩/٨ - ٢٠، والكبرى (٦٩١٠)، وهو عند أحمد (٩٥٩)، وقوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) أخرجه البخاري (١١١). (٢) في (م): وقالت. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٢٢ . (٤) ٣ / ٦٤ . (٥) في (د) و(ز) و(م): يجعل، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن للكيا ٣/ ٨٠، والكلام منه. (٦) في النسخ الخطية: في ذمي، وفي أحكام القرآن للكيا: وما في الدنيا، بدل: في دماء. والمثبت من (٧) في (م): إن الحكم. (٨) في أحكام القرآن للكيا: إنهم، بدل: لهم. ٧ سورة المائدة: الآية ٤٥ فيما بينهم على هذا الوجهِ: النفسُ بالنفس، وليس في كتاب اللهِ ما يدلُّ على أنَّ النفسَ بالنفس مع اختلاف المِلَّة. الثانية: قال أصحاب الشافعيّ وأبي(١) حنيفةَ: إذا جَرح أو قَطع الأذنَ أو اليدَ (٢)، ثم قَتل، فُعِل ذلك به؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَكَتْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ﴾، فيؤخذُ منه ما أَخذ، ويُفعلُ به كما فَعل. وقال علماؤنا: إنْ قصد به المُثلةَ فُعِل به مِثلُه، وإنْ كان ذلك في أثناء مضاربتِه ومدافعتِهِ قُتِل بالسيف(٣)، وإنما قالوا ذلك في المُثلة يجبُ؛ لأنَّ النبيَّ # سَمَلَ أعينَ العُرِين، حسبما تقدّم بيانه في هذه السورة(٤). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾؛ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزةٌ بالنصب في جميعها على العطف، ويجوزُ تخفيفُ ((أَن))، ورفعُ الكلّ بالابتداء والعطف(٥)، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر وأبو عمرو وأبو جعفرٍ بنصب الكل إلا ((الجروح) (٦)، وكان الكِسائيُّ وأبو عبيد يقرءان: ((والعَيْنُ بِالعَيْنِ وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ وَالْأُذُنُ بِالْأُذُنِ وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحُ)) بالرفع فيها كلِّها(٧). (١) في (د) و(ز) و(م): وأبو، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٢٤ ، والكلام منه. (٢) في النسخ: واليد، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٢٤. (٣) أحكام القرآن لابن العربي بنحوه. (٤) ٤٣١/٧ . (٥) لم يقرأ بتخفيف ((أن)) أحد من العشرة، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٧/٢ عن أنس ﴾، وهي إحدى روايتين عنه، وسيذكر المصنف الرواية الأخرى عنه، وذكرهما السمين الحلبي في الدّر المصون ٢٧٧/٤، وقال في قراءة التخفيف: فيها تأويلان: أحدهما أن تكون ((أن)) مخففة من الثقيلة؛ واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف، و((النفس بالنفس)) مبتدأ وخبر، في محل رفع خبر لـ ((أنْ)) المخففة، كقوله: ((أن الحمد لله رب العالمين)). فيكون المعنى كمعنى المشدَّدة. والثاني: أنها ((أن)) المفسِّرة .. والتقدير: أي: النفس بالنفس. (٦) السبعة ص٢٤٤، والتيسير ٩٩، والنشر ٢٥٤/٢، وقراءة الأعمش ذكرها ابن المنذر في الإشراف ٢ /٠١٥٥ (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٢/٢، وتنظر المصادر في الحاشية قبلها. ٨ سورة المائدة: الآية ٤٥ قال أبو عبيد: حدّثنا حجاجٌ، عن هارون، عن عبَّاد بنٍ كثير، عن عُقيل، عن الزُّهريّ، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﴾ قرأ: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنُ بِالعَيْنِ وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ وَالأُذُنُ بِالأُذُنِ وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحُ قِصَاصٌ))(١). والرفع من ثلاث(٢) جهات، بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع ((أَنَّ النَّفْسَ))؛ لأنَّ المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالثُ - قاله الزجاجُ -: يكون عطفاً على المضمر في النفس؛ لأنَّ المضمرَ(٣) في النفس في موضع رفع؛ لأنَّ التقدير: أنَّ النفسَ مأخوذةٌ هي (٤) بالنفس، فالأسماء معطوفةٌ على ((هي)). قال ابن المنذر(٥): ومن قرأ بالرفع، جعل ذلك ابتداءَ كلام حُكم في المسلمين، وهذا أصحُّ القولين، وذلك أنها قراءةُ رسولِ اللهِ ﴾: ((وَالعَيْنُ بِالعَيْنِ))، وكذا ما بعده، والخطابُ للمسلمين أُمِروا بهذا. ومن خصَّ الجروحَ بالرفع، فعلى القطعِ مما قبلها والاستئنافِ بها، كأنَّ المسلمين أُمِروا بهذا خاصَّة، وما قبله لم يواجهوا به(٦). الرابعة: هذه الآيةُ تدلُّ على جريان القِصاصِ فیما ذُكر، وقد تعلَّق ابن شُبْرُمَة بعموم قوله: ﴿وَأَلْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ﴾ على أنَّ اليمنى تُفقأُ باليسرى، وكذلك على العكس، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى، وقال: تؤخذ الثَّنيَّةُ بالضّرس (١) أخرجه النحاس في إعراب القرآن ٢٢/٢، وأخرج الفراء في معاني القرآن ١/ ٣١٠ من طريق أبان بن أبي عياش عن أنس أن رسول اللـه # قرأ: ((والعينُ بالعين)) رفعاً. (٢) في النسخ: الرفع هن ثلاث، والمثبت من (م)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٢٢/٢، والكلام منه. (٣) في (د) و(ز) و(م): الضمير، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للزجاج ١٧٩/٢. (٤) في النسخ: هي مأخوذة، والمثبت من معاني القرآن للزجاج. (٥) في الإشراف ٢/ ١٥٥ . (٦) ينظر الحجة للفارسي ٢٢٦/٣، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٠٩/١ - ٤١٠. ٩ سورة المائدة: الآية ٤٥ والضُرسُ بالثَّنِيَّة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَلْسِنَّ بِأَلِنٍ﴾. والذين خالفوه - وهم علماء الأمة - قالوا: العينُ اليُمنى هي المأخوذةُ باليمْنى عندَ وجودِها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرِّضا (١)، وذلك يبيِّنُ لنا أنَّ المراد بقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ﴾ استيفاءُ ما يماثلُه من الجاني، فلا يجوز له أنْ يتعدَّى إلى غيره، كما لا يتعدَّى من الرِّجْل إلى اليد في الأحوال كلِّها، وهذا لا ريب فيه. الخامسة: وأجمع العلماء على أنَّ العينين إذا أُصيبتا خطأً؛ ففيهما الدِّيَّةُ، وفي العين الواحدةِ نصفُ الدِّيَة(٢). وفي عین الأعورِ إذا فُقِئت: الدِّيَةُ كاملة، رُوي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزُّهْريُّ، وقَتَادةُ ومالك، والليث بنُ سعد وأحمد وإسحاق. وقيل: نصفُ الدِّيّة؛ روي ذلك(٣) عن عبد الله بن المُغَفَّل(٤) ومسروقٍ والنَّخَعيِّ، وبه قال الثّوريُّ والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: وبه نقول؛ لأنَّ في الحديث: ((في العينين الدّيَة)). ومعقول إذا كان كذلك أنَّ في إحداهما نصفَ الدّيَة(٥). (١) يعني: ولو مع الرِّضا. والكلام في أحكام القرآن للكيا ٨١/٣. وينظر أحكام القرآن للجصَّاص ٤٤١/٢، والاستذكار ٢٦٥/٢٥ . (٢) الإشراف ٢/ ١٥٢ - ١٥٣ . (٣) قوله: ذلك، من (م). (٤) كذا في النسخ، ومثله في المحلى ٤١٩/١٠، والذي في الإشراف ١٥٣/٢، والكلام منه: ابن معقل، ومثله في الاستذكار ٢٥/ ١٠٧ ، وأخرج أثره عبد الرزاق في المصنف (١٧٤٣٥). وابن مغفل هو ابن عبد نهم المزني الصحابي، سكن المدينة ثم البصرة بعثه إليها عمر بن الخطاب مع أصحابه يفقُّه الناس، توفي سنة (٦٠هـ). ينظر السير ٤٨٣/٢. وابن معقل هو أبو الوليد المزني الكوفي، من خيار التابعين، لأبيه صحبة، توفي سنة (٨٨هـ). السير ٢٠٦/٤ . (٥) الإشراف ٢/ ١٥٣، وقوله: ((في العينين الدية)) قطعة من حديث عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، أخرجه النسائي في المجتبى ٥٧/٨ - ٥٨، وفي الكبرى (٧٠٢٩) مطولاً، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٠٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بنحوه. ١٠ سورة المائدة: الآية ٤٥ قال ابن العربي(١): وهو القياسُ الظاهرُ، ولكنْ علماؤنا قالوا: إنَّ منفعةَ الأعورِ ببصره کمنفعة السالم أو قریپٍ من ذلك، فوجب عليه مثلُ دیته. السادسة: واختلفوا في الأعور يَفقأُ عينَ صحيح، فرُويَ عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قَوَدَ عليه، وعليه الدّيَةُ كاملةً، وبه قال عطاء وسعيدُ بن المسيّبِ وأحمدُ بن حنبل. وقال مالك: إن شاء اقتصَّ فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الدِّيَةً كاملةً؛ دِيَةً عينٍ الأعور. وقال النَّخَعيُّ: إن شاء اقتصَّ، وإنْ شاء أخذ نصفَ الدِّيَةِ(٢). وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة والثوريُّ: عليه القِصاصُ، ورُويَ ذلك عن عليٍّ أيضاً، وهو قولُ مسروقٍ وابن سِيرين وابن مَعْقِل، واختاره ابن المنذر وابن العربيّ(٣)؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَلْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ﴾، وجعل النبيُّ ﴾ في العينين الدِّيَةَ، ففي العين نصفُ الدِّيَةِ، والقِصاصُ بينَ صحيح العينِ والأعور كهيئته بينَ سائرِ الناس(٤). ومتعلقُ أحمد بن حنبل: أنَّ في القصاص منه أَخْذَ جميعِ البصرِ ببعضه، وذلك ليس بمساواة، وبما رُوي عن عمر وعثمان وعليّ في ذلك. ومتمسكُ مالك أنَّ الأدلةَ لما تعارضت خُيِّر المجنيُّ عليه؛ قال ابن العربيّ(٥): والأخذُ بعموم القرآنِ أولى؛ فإنه أسلم عندَ الله تعالى. السابعة: واختلفوا في عین الأعور التي لا يُبصر بها، فرُوي عن زيد بن ثابت أنه قال: فيها مئةُ دينار. وعن عمرَ بنِ الخطاب أنه قال: فيها ثلثُ دِيتها. وبه قال إسحاق. (١) في أحكام القرآن ٦٢٥/٢. (٢) الذي في الإشراف ١٥٣/٢: إن شاء اقتص منه، وأعطاه نصف الدية. (٣) الإشراف ١٥٣/٢ - ١٥٤، وأحكام القرآن ٦٢٥/٢، وما قبله منهما بنحوه، وليس عندهما قول عليّ الأول. (٤) الإشراف ٢/ ١٥٤ . (٥) في أحكام القرآن ٦٢٥/٢، وما قبله منه، وليس عنده قول علي ﴾. ١١ سورة المائدة: الآية ٤٥ وقال مجاهد: فيها نصفُ ديتها. وقال مسروق والزُّهريُّ ومالك والشافعيُّ وأبو ثور والنعمان: فيها حكومةٌ. قال ابن المنذر(١): وبه نقول؛ لأنه الأقلُّ مما قيل. الثامنة: وفي إبطال البصرِ من العينين مع بقاء الحَدَقتين كمالُ الدِّيَةِ، ويستوي فيه الأعمش والأخفشُ، وفي إبطاله من إحداهما مع بقائها النصفُ(٢). قال ابن المنذر: وأحسنُ ما قيل في ذلك ما قاله عليُّ بنُ أبي طالب ﴾(٣): أنه أمر بعينه الصحیحة فغطّت، وأُعطيَ رجلٌ بیضةً، فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظرُه، ثم أَمَر بخطّ عند ذلك، ثم أمر بعينه الأخرى فغطّيت، وفُتحت الصحیحةُ، وأُعطيَ رجلٌ بيضةً، فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظرُه، ثم خَطّ عند ذلك، ثم أمر به فحُوِّل إلى مكانٍ آخرَ، ففعل به مثلَ ذلك فوجده سواء، فأعطى ما نقص من بصره من مال الآخرِ. وهذا على مذهب الشافعيّ، وهو قولُ علمائنا. وهي: التاسعة: ولا خلاف بين أهل العلم على أنْ لا قَوَد من بعض البصرِ؛ إذ غیرُ ممکنٍ الوصول إليه. وكيفيةُ القَوَد في العين: أنْ تُحمى مرآةٌ، ثم تُوضعَ على العين الأخرى قُظْنةٌ، ثم تُقربَ المرآةُ من عينه حتى يَسيل إنسانُها؛ رُوي عن عليٍّ ﴾. ذكره المهدويّ وابن (٤) العربي(٤). واختُلِف في جَفْن العينٍ؛ فقال زيد بنُ ثابت: فيه ربعُ الدِّيَةِ، وهو قولُ الشعبيِّ، (١) في الإشراف ٢/ ١٥٤، وما قبله منه. (٢) عقد الجواهر الثمينة ٢٦٦/٣. قوله: الأعمش؛ من العمش، وهو ضعف في العين مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها. وقوله: الأخفش؛ من الخفش: صغر في العين وضعف في البصر خلقةً. الصحاح (عمش) (خفش). (٣) يعني ما قاله في ذهاب بعض البصر وبقاء بعضه، ولم يذكر ذلك المصنف بعد، وسيذكره أول المسألة التاسعة. فحقُّ كلام ابن المنذر هذا أن يُذكر ثمة، كما هو في الإشراف ١٥٦/٢، والأثر عن علي ﴾ أخرجه البيهقي ٨٧/٨ . وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (١٧٤١٢). (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٢٥. وذكره أيضاً ابن المنذر في الإشراف ١٥٦/٢، وأخرج نحوه عبد الرزاق (١٧٤١٤). وقوله: إنسانُها: هو المثال الذي يُرى في سواد العين. الصحاح (أنس). ١٢ سورة المائدة: الآية ٤٥ والحسن وقتادةَ، وأبي هاشم والثّوريِّ، والشافعيِّ وأصحابِ الرأي. ورُويَ عن الشَّعْبِيِّ أنه قال: في الجَفْنِ الأعلى ثلثُ الدية، وفي الجَفْن الأسفلِ ثلثا الدية، وبه قال مالك(١). العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ﴾ جاء الحديث عن رسول الله ﴾ أنه قال: ((وفي الأنف إذا أُوعِبَ جَدْعاً(٢) الدّيةُ). قال ابن المنذر: وأجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهلِ العلم على القول به، والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمداً كالقصاص من سائر الأعضاء على [ظاهر] کتاب الله تعالی. واختلفوا في كسر الأنفِ، فكان مالك يرى في العمد منه القَوَدَ، وفي الخطأ الاجتهادَ(٣). ورَوَى ابن نافع ◌ٍ أنه لا دِيَةَ في الأنف(٤) حتى يستأصِلَه من أصله. قال أبو إسحاق التونسيُّ(٥): وهذا شاذٌّ، والمعروف الأوّلُ. وإذا فرّعنا على المعروف، ففي بعض المارِنِ من الدّية بحسابه من المارِن(٦). قال ابن المنذر(٧): وما قُطع من الأنف فبحسابه، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والشَّعْبيِّ، وبه قال الشافعيّ. قال أبو (١) كذا حكى المصنف رحمه الله عن مالك، والذي في الموطأ ٨٥٨/٢، والإشراف ١٥٤/٢ - ١٥٥ والكلام منه بنحوه: قال مالك: في شَتر العين [أي: جفنها الأسفل] وحجاج العين: ليس فيه إلا الاجتهاد. (٢) في النسخ: جذعاً، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر، والحديث أخرجه أحمد (٧٠٣٣)، وأبو داود (٤٥٦٤) من حديث عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، وسلفت قطعة منه في المسألة الخامسة. (٣) الإشراف ٢/ ١٥٧ ، وما بين حاصرتين منه. (٤) في (م): لا دية للأنف. (٥) هو إبراهيم بن الحسن بن إسحاق، له شروح حسنة، وتعاليق متنافس فيها على كتاب ابن المواز. والمدونة، توفي مبتدأ الفتنة بالقيروان سنة (٤٤٣). الديباج المذهب ٢٦٩/١ . (٦) عقد الجواهر الثمينة ٢/ ٢٦٢. (٧) في الإشراف ٢/ ١٥٧ . ١٣ سورة المائدة: الآية ٤٥ عمر(١): واختلفوا في المارِن إذا قُطِع، ولم يستأصل الأنف، فذهب مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنَّ في ذلك الدّيةً كاملةً، ثم إنْ قُطِع منه شيءٌ بعد ذلك، ففیه حكومةٌ. قال مالك: الذي فيه الدّيَةُ من الأنف أنْ يُقطعَ المارِن؛ وهو دونَ العظم. قال ابن القاسم: وسواءٌ قُطِع المارِنُ من العظم، أو استؤصِل الأنفُ من العظم من تحت العينين إنما فيه الدّيةُ، كالحَشَفة؛ فيها الدّيَةُ، وفي استئصال الذكرِ الدّيّة. الحادية عشرة: قال ابن القاسم: وإذا خُرِم(٢) الأنفُ، أو كُسِر، فبرِئ على عَثْمَ (٣)، ففيه الاجتهادُ، وليس فيه دِيَّةٌ معلومةٌ. وإنْ برِئ على غير عَثْم، فلا شيءَ فيه. قال: وليس الأنفُ إذا خُرِمٍ فبرِئ على غير عَثْم كالمُوْضِحة(٤) تبرَأُ على غير عَثْم، فيكونُ فيها ديتُها؛ لأنَّ تلك جاءت بها السُّنةُ، وليس في خَرْم الأنفِ أثرٌ. قال: والأنفُ عظمٌ منفردٍ، ليس فيه مُوضِحَةٌ(٥). واتفق مالك والشافعيّ [وأبو حنيفة] وأصحابُهم(٦) على أنْ لا جائفةً فيه، ولا جائفةً عندهم إلا فيما كان في الجوف. والمارنُ: ما لَانَ من الأنف، وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر (٧): وأظنُّ رَوْثَته مارِنه، وأرنبته طرفه؛ وقد قيل: الأرنبةُ والرَّوْثة والعَرْتَمة طَرَفُ الأنف. والذي عليه الفقهاءُ؛ مالك والشافعيُّ والكوفيون ومن تَبِعهم: في الشمِّ إذا نقص أو فُقِد حكومةٌ. (١) في التمهيد ١٧/ ٣٦٢ . (٢) في التمهيد ٣٦٢/١٧، والكلام منه: خُزم، بالزاي، وكذا ما بعدها. (٣) أي: جُبر على غير استواء. الصحاح (عثم). (٤) أي: الشجة التي تصل إلى العظم. الصحاح (وضح). (٥) التمهيد ٣٦٢/١٧ - ٣٦٣. (٦) في (م): أصحابهما. (٧) في التمهيد ٣٦٤/١٧ - ٣٦٥، وما قبله، وبين حاصرتين منه. ١٤ سورة المائدة: الآية ٤٥ الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم في الذي يقطع أُذَنَي رجل: عليه حكومةٌ، وإنما تكون عليه الدّيةُ في السمع، ويقاسُ في نقصانه كما يقاس البصر(١). وفي إبطاله من إحداهما نصفُ الدّية، ولو لم يكنْ يَسمعُ إلا بها، بخلاف العينِ العوراءِ فيها الدِّيَةُ كاملة، على ما تقدم(٢). وقال أشهب: إنْ كان السمع إذا سُئِل عنه قيل: إنَّ أحدَ السمعين يسمع ما يسمع السمعان، فهو عندي كالبصر، وإذا شك في السمع جُرِّبَ بأنْ يُصاحَ به من مواضعَ عدّةٍ، [و] يقاسُ ذلك، فإنْ تساوت أو تقاربت(٣) أُعطيّ بقدر ما ذهب من سمعه، ويحلفُ على ذلك. قال أشهب: ويُحسبُ له ذلك على سَمْع وسطٍ من الرجال مثلِه، فإن اختبر فاختلف قولُه، لم يكن له شيءٌ. وقال عيسى بنُ دينار: إذا اختلف قولُه؛ عُقِل له الأقل مع يمينه (٤). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَلِّنَّ بِلسِّنٍ﴾ قال ابن المنذر: وثبت عن رسول اللـه # أنَّه أقاد من سِنٌّ، وقال: ((كتابُ اللهِ القصاصُ))(٥). وجاء الحديث عن رسول الله﴿ أنَّه قال: ((في السِّنِّ خمسٌ من الإبل))(٦). (١) في (د) و(ز) و(م): في البصر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٦٢٦/٢ -٦٢٧، والكلام منه. (٢) ص٩ من هذا الجزء. (٣) في النسخ: تفاوتت، والمثبت من (م)، وهو الموافق لعقد الجواهر الثمينة، وما بين حاصرتين منه. (٤) عقد الجواهر الثمينة ٢٦٦/٣ . (٥) الإشراف ١٥٩/٢، والحديث سلف ٧٨/٣ . (٦) قطعة من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٧٠٣٣)، وأبو داود (٤٥٦٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٥، والكبرى (٧٠١٦)، وسلفت قطعة أخرى منه في المسألة الخامسة، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٥٨/٨، والكبرى (٧٠٢٩) من حديث عمرو بن حزم مطولاً، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ١٥ سورة المائدة: الآيتان ٤٥ قال ابن المنذر(١): فبظاهر هذا الحديثِ نقول، لا فضلَ للثنايا منها على الأنياب والأضراسِ والرَّباعِيات(٢)؛ لدخولها كلِّها في ظاهر الحديث، وبه يقول الأكثرُ من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديثِ ولم يفضِّلْ شيئاً منها على شيء: عُروةُ بن الزّبير وطاوس، والزُّهريُّ وقَتَادة، ومالك والثوريُّ، والشافعيّ وأحمد، وإسحاق والنعمان، وابن الحسن، ورُويَ ذلك عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية(٣). وفيه قولٌ ثان رويناه عن عمر بن الخطاب(٤): أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمسٍ فرائضَ خمسٍ فرائضَ، وذلك خمسون ديناراً؛ قيمةُ كلِّ فريضةٍ عشرةُ دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السنِّ(٥) والرَّبَاعِيتَن والنَّابين خمسٌ خمسٌ، وفيما بقي بعيرانٍ بعيران، أعلى الفم وأسفلُه سواءٌ، والأضراسُ سواء. قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه(٦) عن يحيى بنٍ سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ قضى في الأضراس بيعير بعيرٍ [وأنَّ معاويةَ قضى فيها بخمسة أبعرة خمسةِ أبعرة، وأن سعيد بن المسيِّب قال: لو كنتُ أنا لجعلتُ في الأضراس بعيرَيْنِ بعيرَيْن = فتلك الدية سواء،] فإنَّ المعنى في ذلك: أنَّ الأضراسَ عشرون ضِرساً، والأسنانَ اثنا عشر سِنًّا: أربعُ ثنايا، وأربعُ رَباعِيات، وأربعُ أنياب؛ فعلى قول عمرَ تصيرُ الدّيةُ ثمانين بعيراً؛ في الأسنان: خمسة خمسة، وفي الأضراس: بعير بعير. (١) في الإشراف ١٥٩/٢. (٢) جمع رباعية، كثمانية، وهي السنُّ التي بين الثنيَّة والنابِ. القاموس (ربع). (٣) الإشراف ١٥٩/٢، وليس فيه ذكر عليٍّ ﴾، وأخرج قوله وقول ابن عباس ومعاوية عبد الرزاق في مصنفه (١٧٤٩٢) (١٧٤٩٥) (١٧٥٠٣). (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٥٠٧). (٥) في الإشراف: في الثنيتين ... (٦) ٨٦١/٢ . ١٦ سورة المائدة: الآية ٤٥ وعلى قول معاويةَ في الأضراس والأسنان: خمسةُ أبعِرة خمسة أبعِرة، تصير الدّيةُ ستين ومئةَ بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب: بعيرين بعيرين في الأضراس؛ وهي عشرون ضرساً، يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعِرة خمسة أبعرة، فذلك ستون، وهي تتمةُ المئة بعير، وهي الدّيَة كاملةً من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان(١). قال أبو عمر: واختلافُ العلماءِ من الصحابة والتابعين في دِيات الأسنانِ وتفضيلِ بعضِها على بعض كثيرٌ جداً، والحجة قائمةٌ لما ذهب إليه الفقهاء؛ مالك [والشافعي] وأبو حنيفةً والثوريُّ؛ بظاهر قول رسولِ الله﴾: ((وفي السنّ خمسٌ من الإبل)). والضّرس سِنّ من الأسنان(٢). روى ابن عباسٍ أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواء، الثَّنِيةُ والضّرسُ سواء، هذه وهذه سواء))، وهذا نصٌّ أخرجه أبو داود(٣). وروى أبو داود أيضاً عن ابن عباس قال: جَعَل رسول الله ﴾ أصابعَ اليدين والرِّجلين سواءً(٤). قال أبو عمر: على هذه الآثارِ جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ أهلِ العلمِ؛ أنَّ الأصابعَ في الدّية كلّها سواء، وأنَّ الأسنانَ في الدّية كلّها سواءٌ، الثنايا والأضراس والأنياب، لا يُفضَّل شيءٌ منها على شيء، على ما في كتاب عمرو بن حزم(٥). ذكر الثوريُّ عن أزهر بن محارب قال: اختَصم إلى شُرَيح رجلان؛ ضَرب (١) التمهيد ١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) التمهيد ٣٧٤/١٧ ، وما بين حاصرتين منه، والحديث سلف قريباً. (٣) برقم (٤٥٥٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٢٤)، وابن ماجه (٢٦٥٠). (٤) سنن أبي داود (٤٥٦١)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٣٩١)، وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند أحمد (١٩٥٥٠)، وأبي داود (٤٥٥٦)، والنسائي في المجتبى ٥٦/٨ ، والكبرى (٧٠١٩)، وابن ماجه (٢٦٥٤). (٥) التمهيد ٣٧٩/١٧ - ٣٨٠، والحديث سلف أول المسألة. ١٧ سورة المائدة: الآية ٤٥ أحدهما ثَنِيَّ الآخر، وأصاب الآخرُ ضِرسَه، فقال شريح: الثَّنيةُ وجمالُها؛ والضرسُ ومنفعتُه؛ سِنُّ بسنٌّ. قُوما. قال أبو عمر(١): على هذا العملُ اليومَ في جميع الأمصار. والله أعلم. الرابعة عشرة: فإنْ ضرب سِنَّه فاسودَّت؛ ففيها دِيتُها كاملةٌ عندَ مالكٍ واللیثِ بن سعد، وبه قال أبو حنيفةً، ورُوي عن زيد بن ثابت، وهو قولُ سعيد بن المسيّب والزهريّ والحسن وابن سِيرين وشُرَيْح. ورُوي عن عمرَ بنِ الخطاب أنَّ فيها ثلثَ دِيَتِها، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها حكومةٌ(٢). قال ابن العربيّ: وهذا عندي خلافٌ يَؤول إلى وِفاق؛ فإنه إنْ كان سوادُها أذهبَ منفعتها، وإنما بقيتْ صورتُها كاليد الشَّلَّاء والعين العمياء، فلا خلافَ في وجوب الدّيَة، ثم إنْ كان بقي من منفعتها شيءٌ أو جميعُها، لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة، وما رُوِي عن عمرَ ﴾: فيها ثلثُ دِيتها، لم يصحَّ عنه سنداً ولا فِقِهاً(٣). الخامسة عشرة: واختلفوا في سنّ الصبيِّ يُقلَع قبلَ أنْ يُثْغَر(٤)، فكان مالك والشافعيُّ وأصحابُ الرأي يقولون: إذا قُلِعت سِنُّ الصبيّ فنبتت، فلا شيءً على القالع، إلا أنَّ مالكاً والشافعيَّ قالا: إذا نبتت ناقصةَ الطول عن التي تُقاربها(٥)، أخذ له من أَرْشِها بقدر نقصِها. وقالت طائفة: فيها حكومةٌ، ورُوي ذلك عن الشعبيِّ، وبه قال النعمان. (١) في التمهيد ١٧/ ٣٨١، وما قبله منه، وأثر شريح أخرجه عبد الرزاق (١٧٥٠٨) من طريق الثوري به. (٢) ينظر الإشراف ٢/ ١٦٠، وأثر عمر أخرجه عبد الرزاق (١٧٥٢١). (٣) أحكام القرآن ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦ . (٤) يقال للصبيّ إذا سقطت رواضعه: ثُغر. الصحاح (ثغر). (٥) في النسخ: تقارنها، والمثبت من (م). ١٨ سورة المائدة: الآية ٤٥ قال ابن المنذر(١): يُسْتَأْنى بها إلى الوقت الذي يقولُ أهلُ المعرفة: إنها لا تنبت. فإذا كان ذلك، كان فيها قدرها تاماً على ظاهر الحديث، وإنْ نبتت رُدَّ الأَرش. وأكثرُ من يُحفَظ عنه من أهل العلم يقولون: يُسْتأنى بها سنةً، رُويَ ذلك عن عليٍّ وزيدٍ، وعمرَ بن عبد العزيز وشُرَيح، والنَّخَعيِّ وقَتَادَة، ومالكِ وأصحابِ الرأي. ولم يَجعل الشافعيّ لهذا مدةً معلومة. السادسة عشرة: إذا قُلِع سنّ الكبير فأخذ دِيَتَها، ثم نبتت، فقال مالك: لا يردُّ ما أَخذ. وقال الكوفيون: يردُّ إذا نبتت. وللشافعي قولان: يردُّ ولا يردُّ؛ لأنَّ هذا نباتٌ لم تجرِ به عادةٌ، ولا يثبتُ الحكمُ بالنادر. هذا قولُ علمائنا؛ تمسك الكوفيون بأنَّ عِوَضَها قد نبت فيردُّ؛ أصلُه سِنُّ الصغير(٢). قال الشافعي: ولو جنى عليها جانٍ آخرُ وقد نبتت صحيحةً، كان فيها أرشُها تامّاً. قال ابن المنذر: هذا أصحُّ القولين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قالعُ سِنّ، وقد جعل النبيُّ ﴾ في السِنّ خمساً من الإبل(٣). السابعة عشرة: فلو قلع رجل سِنَّ رجلٍ؛ فردَّها صاحبُها فالتحمت، فلا شيءَ فيها عندنا. وقال الشافعي: ليس له أنْ يردّها من قِبل أنها نجسةٌ. وقال(٤) ابن المسيّب وعطاء: ولو ردَّها أعاد كلَّ صلاة صلاها؛ لأنَّها مَيْنَةٌ، وكذلك لو قُطعت أذنُه، فردّها بحرارة الدم، فالتزقت، مثله. وقال عطاء: يُجبره السلطان على قلعها؛ لأنها مَيْتَةٌ ألصقها. قال ابن العربيّ: وهذا غلطٌ، وقد جَهِلَ من خَفِيَ عليه أنَّ ردَّها وعَوْدَها بصورتها (١) في الإشراف ٢/ ١٦٠ - ١٦١، وما قبله منه. (٢) ينظر الإشراف ١٦١/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٢٦/٢. (٣) الإشراف ٢/ ١٦١، وقول الشافعي فيه، وسلف الحديث في المسألة الثالثة عشرة. (٤) في (د) و(ز) و(م): وقاله، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي، والكلام منه، وقول الشافعي في الإشراف ٢/ ١٦٢ . ١٩ سورة المائدة: الآية ٤٥ مُوجبٌ عَوْدَها لحكمها(١)، لأنَّ النجاسةَ كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلةً، وأحكامُ الشَّريعة ليست صفاتٍ للأعيان، وإنما هي أحكامٌ تعود إلى قول اللهِ سبحانه فيها وإخبارِه عنها. قلت: ما حكاه ابن العربيّ عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه؛ قال ابن المنذر: واختلفوا في السنّ تُقلعُ قَوَداً، ثمَّ تردُّ مكانها فتثبت(٢)، فقال عطاء الخراسانيُّ وعطاء بنُ أبي رَبَاح(٣): لا بأسَ بذلك. وقال الثوريّ وأحمد وإسحاق: تقلع؛ لأنَّ القصاص للشَّيْن. وقال الشافعي: ليس له أنْ يَرُدَّها من قِبل أنَّها نجسةٌ، ويُجبرُه السلطان على القلع (٤). الثامنة عشرة: فلو كانت له سنٌّ زائدةٌ فقُلعت، ففيها حكومةٌ، وبه قال فقهاءُ الأمصار. وقال زيد بنُ ثابت: فيها ثلثُ الدِّيَةِ(٥). قال ابن العربيّ: وليس في التقدير دليلٌ، فالحكومة أعدلُ. قال ابن المنذر: ولا يصحُّ ما رُويَ عن زيد، وقد روي عن عليٍّ أنه قال في السنِّ إذا كُسِر بعضُها: أعطي صاحبُها بحساب ما نَقص منه. وهذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ وغيرِهما(٦). قلت: وهنا انتهى ما نصَّ الله عزَّ وجلَّ عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشَّفتين واللّسان، وهي: التاسعة عشرة: فقال الجمهور: وفي الشفتين الدِّيَةُ، وفي كلِّ واحدةٍ منهما نصفُ (١) في النسخ: لا يوجب عَوْدَها بحكمها، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٢٦/٢. (٢) في (د) و(ز) و(م): فتنبت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للإشراف ٢/ ١٦١. (٣) أخرج قولهما عبد الرزاق (١٧٥٤١) (١٧٥٤٤). (٤) الإشراف ٢/ ١٦١ - ١٦٢ . (٥) كذا في النسخ، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٢٦/٢ ، والكلام منه، ويعني بذلك ثلثَ ديةِ السّنّ، وهو في مصنف عبد الرزاق (١٧٥٣٠)، والإشراف ١٦٢/٢، بلفظ: في السن الزائدة ثلث السن. (٦) الإشراف ٢/ ١٦٢، وأثر علي أخرجه البيهقي ٩١/٨ . ٢٠ سورة المائدة: الآية ٤٥ الدِّيَة، لا فضلَ للعليا منهما على السفلى. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيّب والزُّهْريّ: في الشَّفة العليا ثلثُ الدِّيّة، وفي الشّفة (١) السفلى ثلثا الدِّيّة. وقال ابن المنذر: وبالقول الأولِ أقول؛ للحديث المرفوع عن رسول الله ﴾ أنَّه قال: ((وفي الشَّفتين الدِّيَة))، ولأنَّ في اليدين الدِّيَة، ومنافعهما مختلفةٌ. وما قُطع من الشّفتين، فبحساب ذلك(٢). وأما اللّسان فجاء الحديث عن النبي # أنه قال: ((في اللّسان الدية))؛ وأجمع أهل العلم من أهل المدينةِ وأهلِ الكُوفة وأصحابِ الحديث وأهلِ الرأي على القول به. قاله ابن المنذر(٣). الموفية عشرين: واختلفوا في الرجل يَجني على لسان الرجلِ، فيَقطعُ من اللسان شيئاً، ويذهبُ من الكلام بعضُه، فقال أكثرُ أهلِ العلم: يُنظر إلى مقدارِ ما ذهبَ من الكلام من ثمانية وعشرينَ حرفاً، فيكونُ عليه من الدِّيَة بقدر ما ذَهب من كلامه، وإنْ ذهب الكلامُ كلُّه، ففيه الدِّيَةُ. هذا قولُ مالكِ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ وأصحابٍ الرأي . وقال مالك: ليس في اللسان قَوَدٌ؛ لعدم الإحاطةِ باستيفاء القَوَدِ، فإنْ أمكن فالقَوَدُ هو الأصل (٤). الحادية والعشرون: واختلفوا في لسان الأخرسِ يُقطع، فقال الشَّعبيُّ ومالك وأهلُ المدينة والثوريُّ وأهلُ العراق والشافعيُّ وأبو ثور والنعمانُ وصاحباه: فيه حكومةٌ. قال ابن المنذر(٥): وفيه قولان شاذّان: أحدهما: قولُ النَّخَعيّ: أنَّ فيه الدِّيَةَ. (١) لفظة: الشفة، من (م)، والإشراف ١٥٨/٢ . (٢) الإشراف ١٥٨/٢ - ١٥٩، وقوله: ((وفي الشفتين الدية)) قطعة من حديث عمرو بن حزم أخرجه النسائي في المجتبى ٥٨/٨، وفي الكبرى (٧٠٢٩)، وسلف بعضه في المسألة الخامسة، والمسألة الثالثة عشرة. (٣) في الإشراف ١٦٣/٢، وقوله: ((في اللسان الدية)) قطعة من حديث عمرو بن حزم المذكور. (٤) الإشراف ٢/ ١٦٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٢٧ . (٥) في الإشراف ٢/ ١٦٣ - ١٦٤، وما قبله منه.